الأديان ليست مهمتها صنع النظريات العلمية

 

سيد القمني

 

تابعت باهتمام اهتمام مجلتنا "روزاليوسف" بملفين كبيرين استغرقا أعدادا وما زالا فيما يبدو. الملف الأول كان حول ما تمت تسميته: اكتشاف وجود (جين إلهي) يدفع الإنسان داخليا لمعرفة الله، على يد السيد (دين هارد). والملف الثاني حول نظرية النشوء والارتقاء أو ما بدأته الأستاذة منى بكر بعنوانها «في أمريكا.. التمرد على نظرية داروين». وقد شارك في الملفين صحفيون وعلماء متخصصون وعلماء مستشيخون وشيوخ متعالمون، في مساحة حرة ومحترمة أبرزت حوارا جميلا قد يكون بعضه هزيلا وبعضه قويا، لكنها في مجموعها شكلت سيمفونية متناغمة لمختلف الآراء من مختلف التوجهات، وهو الأمر المحمود لهذه المجلة والتوجه المشكور للتدريب على قبول ومناقشة مختلف الآراء والتعرف عليها وإعلانها، في قضايا ربما تشغلنا أكثر مما شغلت أي آخر على الأرض، لتماسها مع الإيمان والتدين وهو أكثر ما يشغلنا بين كل الأمم. لكني لم ألحظ الجانب الفلسفي مطروحا في كل ما دار من حوارات، ولا ما يبنيه هذا الجانب من أسئلة كثيرة يمكن أن تثري هذا الحوار وتغنيه وهو ما سأحاول طرحه هنا. ولنبدأ بالجين VHAT2 أو الجين الإلهي.

أول استنتاج نستنتجه من اهتمام السيد دين هارد بالبحث عن جين إلهي في البشر، هو أنه مؤمن عميق الإيمان. فبحث مثل هذا لا يشغل الملحدين ولا يهمهم في شيء. لكن يظل كلام دين في المطلق غير المحدد، لأنه عند التحديد فإن كلامه يمكن استثماره إسلاميا للدعاية والدعوة إلى الفطرة الحنيفية، لكنه لن ينقذ مستر هارد من السعير مهما بحث ونقب لأنه لم يكتشف أن هذا الجين قد تحددت مواصفاته في الإسلام تحديدا دون بقية الأديان، وشكل الإيمان الإسلامي دون بقية ألوان الإيمان، خاصة مع أسلمة جميع الأنبياء من آدم حتى محمد وشهادتهم المعلنة بذلك في كتاب الله. فمالنا ومال دين هارد؟ وما لشيوخنا بالحديث في الجينات والبحوث النصرانية؟ تعالوا نستنتج ما يترتب على الإقرار بفرضية وجود الجين الإلهي، أولا لابد أن نقر أن الإيمان أو الكفر يأتي من داخل خلايانا، وهو ما يعني أن معدم هذا الجين لن ينفع معه وعظ الواعظين شيوخا أو أحبارا أو قساوسة، فهو كالرجل العنين لا تجدي معه محاولات كل عاهرات الدنيا لأن جينه الجنسي معطل. إذن فهذا ما يلتقي مع القرارات القرآنية التي كانت تؤكد للنبي أنه سواء أنذرهم أم لم ينذرهم فلن يؤمنوا، لأن الله قد ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم الأكنة التي ربما كانت هي ذلك الجين المفقود. المعنى أن فاقد الجين الإلهي عاجز بالفطرة عن التعرف على الله والإيمان، وهنا تحمل الفطرة دلالة جديدة هي عكس ما يفهمه منها المسلمون، ومن ثم عليهم المزيد من تحديد المفاهيم، ولابد سيترتب على التسليم بهذا الجين التساؤل عن جدوى إرسال الأنبياء والرسل وعن وظيفة الدعاية ومبرراتها، سيكون كل هذا بلا معنى لأن الإنسان يعرف ربه بالفطرة، ولأن إنسانا آخر لن يعرفه بالفطرة، وبشهادة القرآن أيضا (بختم الأكنة على العقول والقلوب)، لن يعرفه مهما أرسلت السماء من رسل، بعد أن تحدد مسبقا وبالميلاد من سيكون المؤمن ومن سيكون الكافر.

ووفق اعتقاد المؤمن أن غير المؤمن لا أخلاقي وشيطان في شكل إنسان، وهو اعتقاد يساوي اعتقاد السكران أنه أكثر صحوا من الصاحي، فإن الاعتراف بوجود الجين الإلهي يعني أن الناس إما شياطين وإما ملائكة، ولا علاج لأحدهما ليصبح كالآخر. ومن ثم على كل رجال الدين الاستقالة وإحالتهم إلى الاستيداع، لأنهم في النهاية وبعد الأكل مريئا والشرب هنيئا لن يصنعوا في الواقع شيئا حقيقيا. هذا رغم تصورهم أنهم من الصنف المقدس بالميلاد الجيني الإلهي، وهو ما حرم منه أناس آخرون بلا ذنب جنوه، بالميلاد، مثل المغضوب عليهم، ومثل الضالين. وستتداعى التساؤلات تأخذ بعضها برقاب بعض: لماذا إذن تقاتل السلف الصالح حول ما اعتقد كل فريق منهم أنه صحيح الدين، كالحرب الفلسفية والدموية حول هل صفات الله في القرآن كاليد والعين والسمع حقيقية أم لا. إن اكتشاف هذا الجين يدفع إلى اكتشاف الأسباب الحقيقية وراء هذا القتال بين مؤمنين بالجين وبالرسالة أيضا التي دعمت الجين بأصول العبادة، ووجود صاحب الدعوة بينهم، وعند التدقيق سيكتشف المسلم أنها كانت مصالح دنيوية وصدامات سياسية ومكاسب ومغانم مادية، وهو ما سبق وناقشه صاحب هذا القلم مناقشة أصولية في أعماله المنشورة، وأنه لا الجين ولا الدين كانا طرفا في الصراع حقيقة، إنما كان هناك الإنسان العاري إلا من مصالحه، لأنه إذا كان الجين فاعلا ودالا على الله وأوامره فكيف له ألا يصيب، ولماذا كانت كل الحروب الدينية عبر تاريخ البشرية والتي كانت تتخذ شكل المهابدة أي الإبادة الجماعية في معادلة صفرية دائمة عبر التاريخ الأسود للمتدينين.. لماذا؟.

وهل وجود الجين مع عدم تحديده كان هو السبب الحقيقي في هذا السجل الدموي للمتدينين؟ أم أن الجين الإلهي مثله مثل أي جين آخر معرض للعطب حتى عند القديسين والصحابة، نماذج التقوى، دون ذنب حقيقي سوى عطب يصيبهم كما يصيب أي بشر كان في الدنيا؟ ثم ماذا عن فرعون المذكور في القرآن الذي قال لرعيته «أنا ربكم الأعلى»؟ ما كان جينه بالتحديد؟ الرجل هنا يعرف الألوهية ومعناها، فهو غير ملحد وليس بكافر لأنه يعترف بأنه لابد من وجود إله، لكن الجين الإلهي الدال على إله السماء لم يفعل فعله، ولم يتعرف الفرعون عليه (بلغة الكمبيوتر)، ولأنه لا بد من وجود إله فقد عين نفسه إلها؟ أم أنه كان لديه جين آخر غير ما لدى بقية الناس؟ ثم تبقى أسئلة من لون آخر، فالمعلوم أن الكائن الحي يحمل الجينات الدافعة للتزاوج والتناسل بالغريزة الجنسية، وذلك لحفظ النوع، فما هي أهمية وجود جين إلهي، فانعدام الإيمان لا يقضي على النوع بهذا المعنى. الغريب أن مشايخنا قاموا بهمة وأدلوا بدلوهم في الموضوع رغم علمنا أنه لو كان لأجدادنا مليارات الجينات الإلهية وقرر مشايخنا تكفيره فلن تشفع له جيناته الإلهية، لماذا يدلون بقولهم في شأن محكم معروف لديهم مسبقا إزاء أي مخالف؟ فيستدلون بفطنتهم من الكلام.. مجرد الكلام القابل للنقاش، على الكفر والخروج على الله ما لهم ومال معامل دين هارد وأبحاثه؟.

إن من يطلب الدين يغار عليه ويعمل على رفعة أصحابه بفك الحصار عن عقولهم وحرياتهم لينطلقوا نحو العلم والرفعة، حتى لو استدعى الأمر أن يضحي هؤلاء الغيورون على الدين بمكاسبهم وبلهنتهم ونعيمهم (واللهم نعم حسدا) وأن يضحوا بفكرهم الرافض للنهضة والتطور ويستريحوا. ومسألة الجين الإلهي عند المسلم ستلتقي مع الحديث القدسي «كنت وحيدا في الأزل فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق، فبي عرفوني»، أو كما قال، لكن ماذا عن عابد أوزيريس في مصر القديمة، وماذا عن عابد عشتار في الرافدين القديم، وماذا عن عابد أدونيس في الشام القديم، وهل ترتبط معرفة الإله بوجود العابد الحامل لهذه المعرفة الفطرية؟ أي أن وجود الإله معرفيا مشروط بوجود العابد المفطور على هذه المعرفة، وبدونه يصبح الإله مجهولا أو بمعنى آخر غير موجود في أي وعي. ومن ثم لابد أن يقول العابد أنا موجود فعشتار موجودة، أو أنا موجود فأوزويرس موجود، وأيا كان صاحب القول، الذي هو الشطر الأول من العبارة، هو اليوم غير موجود، فقد سقط الشطر الثاني بالتبعية، وهو ما يعني أن وجود الشطر الثاني قائم على وجود الشطر الأول، فاختفاء الأصل يتبعه اختفاء الظل، واختفاء الشكل يتبعه اختفاء الصورة، واختفاء الجذر يتبعه اختفاء الشجرة، واختفاء الشمس يتبعه اختفاء النهار، أي أن الأنا هو الباقي، هو الصانع والمنتجات متعددة، والخالق باق والمخلوقات إلى زوال، وهكذا زالت أرباب كانت تخلق حسب الطلب وطبقا لشكل البيئة وظروفها المجتمعية ليظهر منتج جديد بمواصفات جديدة أكثر ملاءمة للتطور الجديد. وهو ما ينهي لنا ملف الجين الإلهي بينما الأسئلة في أوراقه بلا إجابة شافية.

ونأتي لملف نظرية النشوء والارتقاء باسم نظرية داروين، حيث قام ملف روزا على التمرد على نظرية داروين في أمريكا، وهو في النهاية محاولة من المتدينين الأمريكيين لوضع النظرية الدينية في المقررات المدرسية إلى جوار نظرية داروين وترك الطلبة يختارون. وإذا كان هذا صحيحا فهو بداية تحقيق نبوءة الإسلاميين بقرب انهيار أمريكا، لذلك لا يمكن أخذ الكلام على علاته، ولا أصدر عليه حكما في جملته، بقدر ما أستنتج أن الديمقراطية الأمريكية تطرفت لدرجة سمحت لبعض المتدينين من محاولة إعادة التدريس الديني إلى جوار العلم في المدارس، وأنها ظاهرة ربما كانت لها أسبابها، لكنها إلى زوال سريع، كما هو واضح من التراجع إلى فكرة الدمج بين النظرية الدينية في الخلق والنظرية العلمية في التطور بنظرية «التصميم العاقل» التي بدورها لم تحظ بأي تأييد علمي حتى الآن. ولا بأس مما قال د.حسن عطية في درس جديد من دروس العلم والإيمان، لأنه في النهاية ينحو بنية صادقة إلى حث الإيمان إيجابيا نحو العلم واحترامه عبر احترام الدين. وأيضا لا بأس مما قاله صديقي الدكتور محمد شحرور وتخريجاته الجديدة المتميزة، وهو أيضا لون من محاول التطويع الإيجابي لإيمان المسلم بالدين، كي لا يجد على نفسه حرجا في الأخذ بنظرية النشوء والارتقاء. بدفع الناس عبر تلوين التحريم ببهجة الحلال برؤية أخرى جديدة. وللدخول في صلب حكاية الخلق والتكوين دينيا أو النشوء والارتقاء علميا، أن الأولى تعمد إلى نظرية الخلق المباشر، فكما للصنعة صانع، فللكون الحي بحسبانه صنعه لابد من صانع خالق مباشر، بينما تعمد نظرية النشوء والارتقاء إلى القول بتطور حيوي عبر ملايين السنين انتهى بتطور جميع الكائنات من أصول أولى مجهرية إلى ما هي عليه الآن. والمعلوم لدى أهل الأنثروبولوجيا والميثولوجيا وعلماء الأركيولوجيا والتاريخ مجتمعين أن نظرية خلق الإنسان من طين أحمر لازب حمأ وتشكيله تشكيلا فنيا بواسطة إله نفخ فيه نسمة الحياة، كانت نظرية أولى قديمة قدم البشرية، ولدى كل شعوب الأرض من المصريين الذين قالوا أن الإله خنوم قد صنع البشر على دولاب الصلصال الفخاري، إلى البابليين إلى الآشوريين إلى الإغريق إلى تاهيتي إلى سكان استراليا البدائيين الآن، حتى إن قصة خلق حواء من ضلع آدم مدونة قبل ظهور الأديان السماوية جميعا في بابل القديمة في قصة تمت إعادة صياغتها أكثر من مرة تحكي خلق السماوات والأرض والكائنات الحية والإنسان، تعرف باسم (إينوما إيليش) وترجمتها (في العلى عندما) وهى الأصل الأصيل الذي نسخت منه التوراة قصة تكوينها نسخا (انظر تفصيل ذلك في كتابنا قصة الخلق، أو منابع سفر التكوين).

والإسلام بدوره يأخذ بنظرية الخلق المباشر، لكنه فيما يبدو سيخالف هنا ما قاله الدكتوران حسن عطية ومحمد شحرور، ولا يحكي عن تطور الإنسان عن البشر أو العكس، إنما هو قادر على تبديل الخلقة مباشرة، مما يدعم الأصل المعتاد في فهم الخلق المباشر، فالدين شأن والعلم شأن سادتي الأكارم، وليس بالضرورة أن يمر الإيمان بالعلم عبر الإيمان بالدين، والإصرار على ذلك هو سر كارثتنا الأزلية وخيباتنا غير القابلة للمنافسة، لننظر إذن في ضوء محاولة تفسير القرآن لصالح العلم في ضوء قول الله في القرآن: «فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين/65/ البقرة»، وكذلك «فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين/166/ الأعراف» وقوله «ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين/65/البقرة» هنا عملية تحويل مباشر وفوري في الخلقة والخلق، لم تعتمد التطور منهجا لها، لأن أهل ذلك الزمان ما كانوا يعرفون التطور، وقد جاء الإسلام ليخاطبهم بلسانهم وعلى قدر عقولهم، لقد جاء ليقول لهم ما يعلمون مسبقا من أديان ومعارف متواترة. وكان طبيعيا أن يخاطبهم حسب إدراكهم الذي هو أقل بألف وأربعمائة عام من إدراكنا، وتحسب العام الأخير فيها بما يعادل ما أنجزته الإنسانية كلها عبر تاريخها منذ وجدت على الأرض. وما كان ليحدثهم بلسان نظرية التطور لأنه لم يكن لديهم مختبرات ولا ميكروسكوبات إلكترونية ولا مناهج علمية في البحث والتفكير ولا مراكز علمية متخصصة تصرف في بحوثها المليارات. لقد كان بإمكان الإنسان أن يتصور إمكانية تحول البشر إلى كائنات أدنى عقابا لهم على الآثام والجرائم كالقردة والخنازير، لكنه لم يكن يتصور أن يكون هو مسخا من القردة والخنازير لأنه الأرقى والأكثر وعيا منها، لذلك ما كان ممكنا نظريا لصالح التفوق الإنساني أن يكون الإنسان متطورا أو ممسوخا عن كائنات أدنى رتبة. إن كل نبي خاطب أجيال زمانه حسب زمانه وقدر فهم زمانه، وهذه الأجيال من ناتج أجيال سابقة أكثر بربرية وهمجية، ورثت عنها ضمن ما ورثت بعض ثقافاتها ومعارفها البدائية الأولى. ولم يكن باستطاعة أي نبي أن ينكر معارفهم عن التكوين والخلق وإلا طالبوه بالبديل الأصوب والأقرب للفهم.

لقد مرت الإنسانية وهي تضع مفاهيمها للكون وما حولها بمراحل، وكانت قبل الأديان الثلاثة في مرحلة تعددية للآلهة، وأيضا لها رؤيتها للخلق والتكوين المباشر لأنها تفهم أبعد من هذا، وهو ما نسميه اليوم أساطير، وكلمة أساطير تتضمن الخيال والوهم السحري غير المترابط أو غير المعقول أو غير المرتبط فيه السبب بنتيجته، فيصبح المرض سببه شيطان وليس لفيروس ما وتصبح الكوارث سببها غضب الآلهة، وليس أسبابا موضوعية في تكوين الأرض وطبيعتها، لذلك نرى تفكيرهم أسطوريا من منظور زماننا، لكنهم صاغوا مفاهيمهم للكون بلغة تعبيرية خاصة قد تبدو لغير المتخصص كلاما لا معنى له، لكنه بربطه بزمانه ومناهج زمانه في الفهم والتفكير، تكتشف أن هذه الأساطير تسجيل لأحداث حقيقية حدثت وأيضا تسجيل لمفاهيم وطرق لمعرفة ما حولهم وقوانين ناسبت زمانهم. وقريبا سيأتي الزمان المتطور بقوة نحو فيزياء كونية جديدة وسيحتاج إلى عقل جديد وقوانين جديدة وإدراك جديد، يوم تنتقل عبر الزمن لتقابل ذاتك أو يوم نكتشف ما في الطرف الآخر من الثقوب السوداء الكونية، أو كيف أمكن اليوم إطلاق جسيم بسرعة أكثر من سرعة الضوء ثلاثمائة مرة، حتى إنه وصل جهاز الاستقبال قبل أن ينطلق ويختفي من مكانه الأول، نحن مقبلون على تحول هائل جديد يحتاج فهما جديدا يصبح معه فهم زماننا بالنسبة للآتي ضمن مرحلة الأساطير. ونحن على أبواب هذا التحول الكوني، الذي سيأخذ بشرا نحو مستقبل غير مفهوم لنا الآن، ويترك بشرا لا يفهمون حتى ما يحدث الآن، ترى كيف سيكون الفرق، وساعتها هل سنكون كلنا بني آدم أو كلنا أناسا أو ناسا أو بشرا أو غيره مما طرحه الدكاترة.

من عجائب الدهور أنه في هذه المرحلة الفارقة تجد على الأرض بين الأناس بشرا بقوا من تلك العصور القديمة، من بدايات البشرية، حفريات حية تفكر بعقلية زمن الأساطير الماضي، وهؤلاء هم نحن أهل الشرق المسلم سادتي. ومن ثم نسجل الملاحظات هنا، وهي أن قناعة الإنسان البدائي بنظرية الخلق المباشر لم تتضارب مع الأديان، فأقرتها كل الأديان سماوية وغير سماوية وأسطورية، لأنه ما كان ممكنا لأي نبي أن يحدث قومه حينذاك عن قصة التطور والارتقاء، وما يتطلبه ذلك من حديث عن الجينات والخلايا وأنواع التكاثر والاستنساخ والكيمياء العضوية، فإن أحدا ساعتها لن يفهم لأن ذلك خارج مخزونه ومدركاته المعرفية، بل إن بيننا حتى الآن أناسا لا تستطيع استيعاب نظرية التطور وفهمها فهما دقيقا لا يشغل الدين في شيء ولا يشغله الدين في شيء، وعدم قدرتنا على استيعاب النظرية تعود إلى أن منطقنا في مرحلة أسبق من الزمن الحالي وهو ما لا يعنى كذب النظرية بقدر ما يعنى رفضنا لها لعدم قدرتنا على فهمها. وحتى لو فكرنا بمنطق تلك الأزمان اليوم فلابد أن ننتهي للاعتراف بالعلم ونظرياته، ففي أوروبا أنكروا قدرة الله على دفع الأرض للدوران حول الشمس، حتى عادت الكنيسة في العقد الماضي إلى التراجع عن خطئها التاريخي واعتذرت لجاليليو لأنهم آمنوا ببعض قدرته واستكثروا عليه بعضها، على تشغيل وإدارة ما أنتجه، ونحن نكرر نفس الخطأ اليوم، نعترف لله بقدرته على إحياء كل تلك الأحياء ثم ننكر عليه القدرة على تطوير وترقية ذلك الخلق، خاصة إذا كان بإمكانه تغيير الصورة الآدمية إلى قرد، فإن بإمكانه أيضا القيام بالعكس. ولو تركنا الأمر مهملا محرما تدريسه في الأزهر، فكأننا نقول إن داروين فقط هو الذي يطور الكون ويدفعه للترقي لمجرد أنه أدرك هذه القدرة الإلهية ومهد لكل العلماء الأفذاذ من بعده للتحكم في الأجيال بهندسة الوراثة لإنتاج أجيال حية محسنة واستخدامها لمطاردة الأمراض، وبهذا المنطق يمكن القول أن الكفر البين هو الكفر بقدرة رب الإسلام على خلق ما يدير به أكوانه من قواعد وقوانين. وأن جهل السلف الصالح بالجراثيم والميكروبات لا يعني أنها ليست من خلق الله، وقولنا اليوم بوجودها لا يعني أننا قد كفرنا بالله، وأن عدم ورود أي ذكر لها في الكتب السماوية لا يعني أنها خرافة، وأن الإقرار بوجودها لا يعني الكفر، بل ربما كان الكفر هو إنكارها.

وثمة سؤال أخير لازال يضرب أخماسه في أسداسه: ماذا لو كان عصرنا الذي نعيش بكل إمكانياته قد تقدم زمانه فجاء في القرن العاشر قبل الميلاد. فهل كانت الكتب السماوية ستتغاضى عن ذكر مكتشفات زمانها ونظرياته وعلومه؟ هل كانت ستنكر وجود المجرات وعدم وجود سماء كما نفهم نحن؟ هل كانت ستنكر أن نجوم السماء ليست مصابيح زينة إنما هي شموس عظيمة الأجرام؟ هل كانت ستنكر أن الأمراض تسببها الفيروسات والبكتيريا والجراثيم والخلل في الخلايا؟ هل كان يمكن لنبي أن يمرض ولا يذهب إلى الطبيب؟ وهل كان سيتنكر لأطفال الأنابيب لو احتاجها؟ وهل كان سينكر معرفة كل شئون الجنين وهو في بطن أمه؟ وهل كان سينكر التليفزيون والطائرات والمحمول والإنترنت والأسلحة النووية؟ هل كان سينكر النشوء والارتقاء الذي تقوم عليه علوم البيولوجيا والاستنساخ! فلماذا والحال كذلك لا نتوقف عن تبرير العلم أو تحليله استنادا للدين؟ ولماذا لا ننتهي إلى أن هذا شأن قلبي تؤمن به على علاته أو لا تؤمن، وأن العلم شأن عقلي مخبري لا علاقة له بالقلب ولا بالإيمان؟ وأن الإيمان لا علاقة له بتقدم أو تخلف إنما هو شأن شخصي ضميري والتخلف فيه مرجعه إلى الله، أما العلم فهو موضوع التقدم وموضوع الأمة كلها وليس شأنا شخصيا ولا يحتاج لمن يبرره ويحسن وجهه وإلا كانت مصيبتنا في عقلنا قد أصبحت هي كبرى مصائبنا.

 

عن مجلة "روزاليوسف"