الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

 

الامويون صناع المذهب الجبري

 

الطيب آيت حمودة 

ا  
القول بالتحرر الفكري والعقلي يبدوا في نظر البعض نقيصة ، وهو عمل تمردي ضال ، ينكر السيطرة الإلهية المطلقة ، أو يتنافى والخضوع لإرادة الله ، وكلما حاولت الخوض في الأمور الغيبية المجردة ، وأعملت الفكر في الإختيار والترجيح ، إلا وتعرضت لوابل من الإتهامات المنغصة ، التي تسعى بكل جهدها إلى شد الإنسان لقيم مستلهمة من فهم عقيم لديننا ، على يد فقهاء همهم الأوحد التمكين للحكام في إخضاع الرعية ولو بالسبل التى تجعل من الدين تابعا لا متبوعا آتيا لا مؤتيا ، ومن عجائب القول أن يكون الخليفة الصحابي معاوية بن أبي سفيان هو أول القائلين بالجبر عبر حديث الآحاد الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم [سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة لاإله إلا الله وحده لا شريك له ،اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، لا ينفع ذا الجد منك الجد ].وبرز على مسرح الحدث تياران متصارعان ، الأول يدعوا إلى الجبرية بقيادة جهم بن صفوان ، والثاني يدعوا إلى الإختيار بقيادة غيلان الدمشقي ، قال أبو حنيفة عنهما : إن غيلان أفرط في إثبات الإختيار ، ويقابله إفراط جهم في إثبات الجبر ، وكان الحسن البصري وسطا بينهما .**تبرير القول بالجبر أو الإختيار:وردت في القرآن الكريم العديد من الآيات الدالة على الجبر والاختيار، فالآيات الدالة على الجبرالمستشهد بها ( وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )[هود : 34]، (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ) [البقرة : 7]، ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ، وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ، فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [النحل : 36].أما الآيات الدالة على الإختيار منها ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد : 10] ، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) [الإنسان : 3]، (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام : 153] ، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف : 29]، (وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [النساء : 111].** في الإختلاف نقمة : إن القول في القضاء والقدر سال سيله في العراق والشام ، ومن الصعب تحديد الأسبق بينهما ، ويذكر ابن تيمية بأن ( أكثر الخوض في القدر كان بالبصرة والشام ،وبعضه في المدينة ) .
سمي القائلون بالجبر ( القضاء) بالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان القائل بأن الإنسان مجبور لا اختيار له ولا قدرة ، لا يستطيع أن يعمل إلا ما عُمل ، الله مقدر عليه أعمالا يجب أن تصدر عنه ، والله يخلق الأفعال في الإنسان بالطريقة ذاتها التي يخلقها في الجمادات مثل جريان الأنهار ، وتحرك أوراق الشجر ، وتساقط المطر ، والأفعال تصدر عن الإنسان بأمر الله فيه ، وتنسب إلى الإنسان مجازا كما نسبت إلى الجمادات ( أثمرت الشجرة ، جرى النهر ، غربت الشمس ، ويقال عن الإنسان ( كتب علي ، حكم القاضي ، ) كلها من نوع واحد على طريق المجاز ، فالثواب والعقاب عند الجهميين جبر ً، والأفعال جبرٌ ، والله مقدر للإنسان أفعاله ، ومقدر له ثوابه وعقابه ، وزاد جهم عن ذلك نفيه صفات الله السمعية والبصرية والكلامية .وسمي القائلون بحرية الإنسان وإرادته وقدرته على تدبير أموره وأعماله ب( القدرية) ، وسماهم خصومهم ( القدرية مجوس هذه الأمة ) ، ولعب غيلان الدمشقي دورا بارزا في وضع أسس الإختيار، وكانت أفكاره المرجع الأساس لأهل العدل والتوحيد( لمعتزلة ) وعلم الكلام الذين برزوا على مسرح الأحداث أيام حكم العباسيين فيما بعد ، وهم من أحدث وثبة علمية عملاقة في حرية الفكر الإسلامي ، وهم الذين اعتبروا العقل مصدرا للمعرفة ، وقالوا بأن الإنسان مخير لا مسير، وهو حر ومسؤول عن أفعاله ، وليس مجبرا على كل ما يفعل بقواعد أزلية لا يستطيع الفكاك منها، لأنه إذا كانت الخطيئة قدر من الخالق ، والإنسان مجبر على ارتكابها فإن عقابه عليها يجعل الخالق ظالما وهذا كفر، وقالوا بإن العقل والوحي على السواء يدلان على أن الاستقامة والخطيئة، الفضيلة والرذيلة، الخير والشر، جميعها، تنتج عن إرادة الإنسان الذي يسيطر سيطرة كاملة ومطلقة على أفعاله ، وقد وهبه الله قدرة التمييز بين لائحة الأعمال الخيرة والشريرة ، وبين ما هو حق وباطل ، وما هو نور وما هو ظلام ....**لماذا اختار الأمويون الجبر ؟:يتضح من خلال المعطيات التي يقدمه التاريخ بأن الأمويين ميالون إلى ترسيخ عقيدة الجبرية في نفوس الأتباع ، لأن هذه العقيدة تبعد عنهم شبهة التهمة بالظلم والجبروت ، فهم حريصون على أن تفسرأعمالهم الظالمة بكونها قضاء من الله ، ولا مرد لقضائه ، وأن إمارتهم وحكمهم على المسلمين كانت بقضاء الله وقدره ، ومن أجل ترسيخ هذا المعتقد الذي يخدمهم ، شجعوا على وضع الحديث الذي يخدم مصلحتهم وسياستهم ، مثل الزيادة في مناقب الخليفة عثمان رضي الله عنه ، وتعظيم الشام ( مركز الخلافة والمؤيدين ) بمدحها ، ونفس المنحى والمسار سار عليه الحجازيون والعراقيون في وضع أحاديث تؤيد مذاهبهم الفقهية مع اختلافها ، وهذا التباين والإختلاف هو الأساس في كثرة الإنتحال وتقطع العصم ، وتعادي المسلمين الذي أدى إلى أشهار بطاقات التكفير العلني ضد بعضهم البعض ، وقد نجح الأمويون في تحقيق ما أرادوا على لسان الخليفة ألأول معاوية في رسالته لخصمه على بن أبي طالب رضي الله عنه أيام معركة الجمل قائلا[ أبلغ عليا أني أقاتله بمائة ألف ما منهم من يفرق بين الناقة والجمل ] ، وقد بلغ من أمر طاعة الشاميين له أن صلى بهم عند مسيرهم نحو صفين الجمعة يوم الأربعاء تقديما، حسب ما ذكره المسعودي في المروج ( ج3 ص32).**مصير المعارضين لمذهب الجبرية :سلك الأمويون أسا ليب الشدة في مقارعة المعارضين لسياستهم ، فتعاملوا بقسوة ضد أهل البيت في كربلاء بقتل الحسين ، وترديد الخليفة يزيد لآيات دالة على الجبر ، منها قوله ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران : 26] ، وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى : 30] إثر تعزيته لعلي ابن الحسين ( قتله وسار في جنازته)، حسب الإمام الطبري في كتابه الرسل والملوك ( ج 5 ص 465).وبنفس القسوة كان التعامل مع الفكر المضاد الذي راح ضحيته الجعد بن درهم ذبحا ، صبيحة عيد الأضحى على يد الوالي خالد بن عبد الله القسري بأمر الخليفة مروان بن عبد الملك، بعد أن خطب في الناس من أعلى المنبرقائلا [: أيها الناس انصرفوا وضحّوا تقبل الله منكم، أما أنا فأريد أن أضحي اليوم بالمشرك الضال الجعد بن درهم. وتقدم فبسمل وحمدل ثم ذبحه!...]، وهو السناريو الذي تكرر في زماننا عند قتل صدام حسين على يد ذويه، وبتوجيه من الأمريكان. 
وبنفس النهج كان التعامل مع القراء المصلحين أمثال سعيد بن جبير صاحب مقولة [أعلم الناس أعلمهم بالاٍختلاف ،ومن علم اختلاف الناس فقد فقه] ، و الذي لم يتورع الحجاج في جز رأسه بعد أن دَعى قبل ذبحه قائلا ( اللهم لا تسلط الحجاج على أحد يقتله من بعدي ، ونفس الشيء وقع لغيلان الدمشقي الذي كان من أشد المعارضين لبني أمية ويتضح ذلك فيما كان يردده عندما كلفه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ببيع أثاث الأمويين في المزاد العلني قائلا : (... تعالوا إلى متاع الخونة ، تعالوا إلى متاع الظلمة ، تعالوا إلى من خلف رسول الله في أمته بغير سنته وسيرته، من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء أئمة هدى وهذا متاعهم ،والناس يموتون من الجوع .) ، أعدمه هشام بن عبد الملك بفتوى أوزاعية بعد تقطيع يديه ورجليه ، ثم لسانه . وتعليقه على أحد ابواب دمشق ترهيبا للناس.
**ما أشبه اليوم بالبارحة :هذا غيظ من فيظ ، في سعي الأمويين لإقامة دولتهم على جماجم المعارضين لمظالمهم ، ومذهبهم الجبري الذي يسعى إلى تجريد الإنسان من إرادته التي وهبها الله له ، بجعله دائم الخضوع والتبعية وبا سم الدين !!! ، وهي سمة الزمن الحالي في استقواء الحكام بالدين بجعله خدما لسياستهم على يد الأوزاعيين السلفيين الجدد الذين تتلون فتواهم تبعا لأوامرحكامهم وسادتهم ، وهم الذين عطلوا العمل ، وعطلوا الإجتهاد ، وعطلوا الأمة في تفكيرها فيما ينفعها في دنياها ، لأن صلاح اليوم هو صلاح للغد ، وصلاح الدنيا هو صلاح للآخرة ، فلم تنفع معهم صرخات الشاعر التونسي الشابي* ، ولا قوانين حقوق الإنسان ، ولا آيات الرحمن ، فبقينا معشر المسلمين نفكر تفكير أيام زمان ، وننتظر غدر الزمان ، ومنح السلطان . فأصبح بعضنا يزرع أفيونا وقنبا هنديا ، وعندما يُضبط متلبسا ، يدافع عن نفسه متهربا من المسؤولية قائلا : كيف أحاسب على ما زرع الله ؟ صحيح أنني زرعت بذرة تافهة ، لكن من نماها وأثمرها ؟ وهو القائل [ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة 63، 64].