الأرض–الأم

 

في الميثولوجيا العالمية

 

 ديمتري أفييرينوس

 

 

إلى رومولوس...

صديقي الذي عاد إلى الأرض، أمِّنا جميعاً.

 

 

مقدَّسةٌ كلُّها، حَجَراً حجراً، هذه الأرضُ كوخٌ

 

لآلهةٍ سكنتْ معنا، نجمةً نجمةً، وأضاءت لنا

 

لياليَ الصلاةِ... مشينا حُفاةً لنلمُسَ روحَ الحَصى

 

وسِرْنا عُراةً لتُلْبِسَنا الروحُ، روحُ الهواءِ، نساءً

 

يُعِدْنَ إلينا هِباتِ الطبيعةِ – تاريخُنا كان تاريخَها.[1]

 

 

 

الأرض–الأم جسم يحتضن جميع الأجسام. علاقة الإنسان بالأرض (التراب) أكثر من أن تكون تاريخاً وعادة وألفة وعبوراً. إنها علاقة كينونة وصيرورة.

 

تحيط الأرض–الأم بجسم ابنها وتتخطَّاه. فيها وبها يتكوَّن، وفيها يذوب. منها يظهر وفيها يغيب: في الأرض بُعدٌ خفيٌّ لا يمكن ردُّه إلى مجرَّد المادية. وهي، بوصفها المنشأ والمآل، الأكثر تآخياً مع الجسم الإنساني، والأكثر غموضاً. إنها النشأة الأولى والدهشة الأخيرة.[2]

 

 

ألا فليروِ صانع المطر الأرض الأم لكي تصير حسناء.

 

 

 

بالعبارة الأخيرة يُستهَلُّ أحد الابتهالات إلى أَوَتِلِنْ تْسيتا Awatelin Tsíta، إلهة الأرض لدى قوم الزوني Zuñi في نيومكسيكو. ويتواصل الابتهال:[3]

 

ألا فليروِ صانعُ المطر الأرضَ الأم كي تثمر وتهب أولادها والعالم كلَّه ثمار جسمها، فيتوفَّر لهم القوتُ سخياً. ألا فلينكح أبونا الشمس أمَّنا الأرض كي تثمر فيكون الرزقُ وفيراً ويحيا أطفالُنا فسحة العمر، فلا يقضون نحبهم، بل يغفون ليصحوا مع آلهتهم.

 

لقد بجَّل الكثير من أقوام أمريكا الشمالية الأصليين الأرضَ وكرَّموها، وما انفكوا مطبوعين عمقياً على قدسيَّتها. ففي مطلع القرن العشرين كان واحد من هنود الشِيينّ Cheyenne يشرح لأحد الزوَّار:[4]

 

إننا نحيا بالأرض... ولا وجود لنا بدونها... إنها تغذينا وترزقنا... منها تنمو الثمار التي نطعَمها والعشب الذي يقوم بأود الحيوانات التي نقتات بلحومها... منها تنبجس وعليها تجري المياه التي نشربها... إننا نمشي عليها، وما لم تكن مستتبة راسخة فلا حياة لنا.

 

لم يكن سكان أمريكا الأصليون هم الشعب الوحيد الذي تحدث عن الأرض بهذه الحميمية وذلك التعاطف الوجداني العميق. فعلى كرِّ التاريخ، وعبر الثقافات جميعاً، ظلَّت الشعوب متمسكة بتصوراتها عن الأرض–الأم المقدسة؛ ولم تنقطع الصلة بهذه التصورات إلا مع اجتياح ما يُعرَف بـ"الثورة الصناعية".

 

فحري بنا أن نسعى، ونحن نستهل القرن الواحد والعشرين، أن نسعى إلى فهم هذه التصورات وننفعل بها من منظور جَدَد. فهي تفصح لنا، في المقام الأول، عن حقيقة تظل محتجبة بأية لغة غير لغة الأسطورة والرمز.

 

ومن ثم فإن درس صور الأرض في الحضارات القديمة، الحيِّ منها والبائد، ذو متات مباشر بفهمنا لموقع الإنسان ومنزلته في الكون كما أدركتهما الأسرة البشرية الكبرى على كرِّ تاريخها المديد. وليس ههنا مقام الغوص في المعنى الباطن لتقديس الأرض والرمز بها إلى المبدأ المؤنث الشامل في بعديه الأنطولوجي والكوسمولوجي؛ إنما حسبنا أن نستعرض بضع سمات هامة للأرض بوصفها موضعاً لتأمل الإنسان المتديِّن Homo religiosus:

 

1.    الأرض كمنبع للحياة

 

2.    الأرض كما تبدو في مستهلِّ الزمان

 

3.    صورة الأرض بوصفها الأم الأولى

 

4.    الأرض بما هي موضع تجدد الحياة وانبعاثها الدائم.

 

1. منبع الحياة

ما الكون – حتى في ظاهره – من منظور الأقدمين إلا مستودع هائل للقوى والطاقات المقدسة. والأرض، من هذا المنظور عينه، هي أبرز تجلٍّ epiphania لجملة أنساق من الظهورات المقدسة: فالتربة والحجارة والأشجار والماء والظلال والنبات وسائر المشاهد الطبيعية للعالم تؤلِّف فيما بينها وحدة كونية حية شاملة لا تُحدُّ ولا تُنتهَك. والتراب، في دلالته الرمزية، يشير إلى هذا التفاعل والاشتباك بين مظاهر الحياة هذه. أما الأرض فهي الأصل أو المنبع الخلاق لكل تجلٍّ للوجود في حالته البكر. وفي أقدم ما وقعنا عليه من سجلات التاريخ الروحي للبشرية نجد الأرض متحدة بكل الموجودات، ترزق وتضمُّ في كنفها كل صور الحياة التي تفصح عن ذاتها في الكائنات البشرية. فالأرض عينٌ للوجود لا تنضب ولا تكلُّ فيضاً وانبجاساً، والدرس الذي لقَّنه رجل الشَيينّ زائرَه هو أن المعنى الروحي للأرض جزء لا يتجزأ من الحياة ككل التي تتخذ صوراً متعيِّنة عبر قوى الأرض وتجلِّياتها كافة: جبالاً، وغاباتٍ، ومياهاً، ونباتاً، وحيواناً، وإنساناً.[5]

 

2. الدور الخلاق للأرض في البدء

يصف عدد كبير من الأساطير زماناً مغرقاً في القِدَم، وَلَدتْ فيه الأرضُ الحياةَ في العالم أو كانت أحد قطبي خلق هذه الحياة. فبين الثيمات الميثولوجية العديدة نودُّ لفت الانتباه إلى خمسة منها هي: الخنثوية androgyny، التوالد العذري parthenogenesis، والنكاح المقدس hierogamy، والقربان، والصدور.

 

أ. الخنثوية: تمام الوجود

إنما الخنثوية صورة قديمة وواسعة الانتشار للتعبير عن الكلِّيات ومَلأ الوجود. وتبيِّن دراسة الأساطير أن معنى الخنثوية يتعدَّى مظهرها الجنسي حصراً ليرمز إلى حالة وجود أزلية غير متعيِّنة. وبالفعل، فإن على كلِّ بدء، ميثولوجياً، أن يُستهَلَّ في كلِّية الوجود ومَلَئه التام. فالآلهة التي تمثل مظاهر قوية من مظاهر الأرض، ولاسيما آلهة الزراعة والخصب، تتبدَّى، في الأعم الأغلب، في صور خنثوية الطابع. ومصادر القدسية والسلطان هذه، من نحو أتيس Attis وأدونيس وسيبل Cybèle في عالم حوض المتوسط، تصوِّر فيض المَلأ الأول الذي تنبثق منه الحياة. وفي أساطير الكوسموغونيا (نشوء الكون) cosmogony، غالباً ما يمثِّل العماء Chaos الأول الكلِّيةَ التامة والوحدة اللامتعيِّنة التي يقوم عليها كل وجود لاحق، تتصدَّره الأرض غالباً.[6] وفي مثل هذه الأنساق يكون دور الأرض مبهماً لكنه متميِّز؛ فالأرض توجد "على النشأة الأولى"، إن صح التعبير، أو "بالقوَّة" in potentia.[7]

 

مثال ذلك الحالة المذكورة في النصوص اليابانية المدوَّنة في سِفْرَي الكوجيكي Kojiki والنيهونجي Nihongi. ففي البدء، كانت السماء والأرض مندغمتان لا ينفصم لهما عرى. وكان هذان المبدآن المذكر (السماء) والمؤنث (الأرض) يشكِّلان معاً كلِّية تامة وخنثوية منطوية في عماء أشبه ما يكون بالبيضة. ثم آل الأمر إلى انبثاق جزيرة ضئيلة عديمة الشكل من هذا العماء. وعلى هذه الجزيرة كانت ثمة قصبة نبتتْ من البذرة التي كانت مكنونة في مركز البيضة الكونية، فكانت القصبة أول تحول metamorphosis بيِّن تتولاه الأرض ويتولَّد عنه عددٌ من الآلهة. وفيما بعد، عندما انفصلت السماء عن الأرض انفصالاً تاماً، اتخذتا هيئة رجل وهيئة امرأة، هما إيزاناجي Isanagi وإيزانامي Isanami، وتمخَّض اتحاد هذين المبدأين المنفصلين بدوره عن العالم. وبعد موت المرأة، وقد وضعت إله النار، ولدت آلهةُ الأقاليم والحِمى والنباتات من جسمها.[8]

 

حسبنا ههنا أن نركز انتباهنا على المرحلة الأولى من التكوين أو التجلِّي الكوني وعلى الكائن الخنثوي الناشئ الذي ينطوي بالقوة على القوى المقدسة للأرض. فهذه ليست بعد متعيِّنة، لكنها تتبطَّن عن كافة الممكنات الحيوية. والخنثوية "الإلهية" التي تشكل الأرضُ بالقوَّة أحد قطبيها عند أقدم مراحل التكوين هي، بما هي كذلك، الأساس الباطن أو "حقيقة الحقائق"، على حدِّ اصطلاح ابن عربي، التي تتفرَّع عنها فيما بعد.

 

ب. التوالد العذري

 

يقول هسيود:[9]

 

في البدء وضعت الأرض نفسها كائناً مساوياً لها بوسعه أن ينبسط فوقها تماماً، هو السماء ذات النجوم [أورانوس Uranos] التي كان عليها أن تقدِّم للآلهة المباركة عرشاً آمناً للأبد.

 

وقد أنجب هذا الشفع الإلهي – الأرض والسماء – سائر الآلهة والجبابرة ذوي العين الواحدة Cyclops وحشداً غفيراً من الوحوش الأسطورية الصلفة، من ذوات المئة ذراع والخمسين رأساً. ومع أن الأرض لا تحتل مقاماً بارزاً في الأناشيد المنسوبة إلى هوميروس فإن واحداً منها مرفوعٌ إليها:[10]

 

أغني الأرض،

 

المستوية على عرشها آمنة،

 

أمَّ كل الأشياء،

 

الجدَّة الجليلة التي تقتات من تربتها كلُّ الموجودات […]،

 

لكِ سلطان منح الحياة للبشر واستردادها منهم.

 

يؤكد الموروث الإغريقي القديم أن الأرض وُجِدَتْ قبل السماء ووَلَدَتْها عذرياً (أي بدون أن يغشاها أو يخصبها ذكر). إن قدرة الإمكانيات الخلاقة للأرض تبدو من خلال مثل هذه الأساطير. وإن ثيمة التوالد العذري من الأرض الأولى يتكرر ظهورُه في الأساطير التي تعلِّل وجود سائر أنواع النبات والحيوان بوصفها وُلدَت من جسم كائن أوَّلي قديم، كما وفي أساطير الولادة العذرية، من نحو روايات هيرا Héra التي وضعت وحدها، بدون تدخل رجل، تيفاون Typhaon، وهيفستوس Hephaistos (إله النار)، وآرس (إله الحرب). أما إيزانامي، إلهة الأرض اليابانية، فقد وضعت، وهي تحتضر، عدداً من الآلهة صدروا عن قوام جوهرها عينه الذي يرمز إليه جسمُها.[11]

 

ج. النكاح المقدس

 

لعل أسخى الأساطير وأغزرها تصويراً لدور الأرض في التكوين هي التي تقصُّ نكاحاً مقدساً hieros gamos بين السماء والأرض. وقد وصلتنا أساطير من هذا الضرب من أوقيانوسيا، وهندونيسيا، وميكرونيسيا، وآسية، وأفريقيا، والأمريكتين.[12]

 

فحين تلتقي السماءُ بالأرض تنبجس الحياةُ في صور لا عدَّ لها. إن اتحاد السماء والأرض أو "نكاحهما"، إذا جاز التعبير، فعل أساسي في التكوين، مسؤول عن ولادة الحياة على السلَّمين الكوني والبيولوجي؛ ويطلق عليه الصوفي عبد الرزاق القاشاني مصطلح "النكاح الساري في جميع الذراري".[13] أما القصص الإغريقية عن جي والأساطير اليابانية المتعلقة بإيزانامي فتبيِّن جميعاً أن مبادئ الخنثوية والتوالد العذري والنكاح المقدس مرتبطة بعضها ببعض، لا بل تتداخل وتتلاقى في بعض الأحيان. وكل هذه الصور، بما هي تعبيرات متنوعة عن "الجمع بين الأضداد" coincidencia oppositorum، تجتهد في الإفصاح عن مفهوم التجلِّي والإخصاب الكوني للأرض. ففي مطلع الزمان، بحسب الموروث الماوري، كانت السماء، رنجي Rangi، والأرض، بابا Papa، متعانقين في جِماع هاصر. وقد تاق أبناؤهما إلى نور النهار، فدبروا وسط الظلمة الدامسة لرحم الأرض، مكيدة تستهدف فصل والديهم واحدهما عن الآخر. وفي مآل ذلك قطع الأبناءُ الأمراسَ التي تشدُّ السماء إلى الأرض وأطلقوا والدهم في الفضاء حتى ظهور النور.[14]

 

وبحسب قصص هنود الزوني كان الخالق أووناويلونو Awonawilono ينطوي في ذاته على الوجود كلِّه. ولقد كان في البدء موجوداً وحده في الكون، لكنه تصوَّر فيما بعد على هيئة الشمس وأخرج من ذاته بذرتين أخصب بهما المياه. وتحت دفء الشمس انقلب البحر أخضر واتسع حتى أصبح الأرض–الأم (أوَتِلِن تسيتا، "الأرض–الأم الحاوية المربعة") من جانب، والسماء الأب (أبويان تيتشو Apoyan Tächu، "الأب–السماء المجلِّل كلَّ شيء") من جانب آخر. وهذان التوأمان الكونيان تعانقا متَّحدين لإنجاب أعداد لا حصر لها من المخلوقات. وبعد صروف عديدة استطاع الشمس (مبدأ مذكر) والأكابر الذين خلقهم إطلاق المخلوقات النامية في ظلمة رحم الأرض. فقد كانت من قبلُ تسعى كالزحافات بعضها فوق بعض، تفحُّ وتنفث كلمات نابية. وفي مآل الأمر، إذ رُفِعَت السماء عن الأرض، فرَّ هؤلاء الأبناء متسلِّقين سُلَّماً إلى الحرية والنور.[15]

 

وفي أساطير النكاح المقدس لا مندوحة لإخصاب الأرض من اتحاد مقدس مع السماء، غالباً ما يُرمَز إليه بالبرق أو البَرَد أو المطر؛ وهو يفيد كذلك باعتباره نموذجاً للزواج البشري الخصب. ويفسِّر النكاحُ المقدس التكوينَ وولادة العالم اعتباراً من كلِّية أولية تسبقه؛ فيما انفصال السماء عن الأرض هو الفعل الكوسموغوني الأول، باعتباره شرخاً، أو قُلْ انفطاراً، في الوحدة الأزلية.

 

وفي هذا المشهد الكوني يغيب إخصابُ السماء للأرض بصورة ملحوظة، أو يكاد، بين شعوب أفريقية والدائرة القطبية الشمالية وأرض النار Tierra del Fuego وصيادي ورعاة شمال آسية ووسطها.[16]

 

د. التضحية

تبدو الأرض في بعض أساطير التكوين ضحيةً أزلية للدمار (أي فريسة أوار أو حريق عظيم، أو طوفان، أو زلزال، أو تحجُّر) وبخاصة بواسطة تقديم القربان، أو حتى التضحية بالنفس. وفي مثل هذه الظروف لا تنضب خصوبة الأرض إطلاقاً؛ إذ إنه من بقايا الذبيحة–القربان أو الأوصال المقطَّعة تنبثق أنواع النبات، والحيوان، والجماعات اللغوية (أي الأجناس البشرية). وإن سر خلق النباتات الصالحة للأكل عبر تضحية إلهة التربة أو الأرض كان يعاد تمثيلُه عبر الطقوس والشعائر الزراعية.[17]

 

وكثيراً ما كانت الأضاحي الشعائرية المرتبطة بخصوبة التربة أضاحي رمزية. غير أنه وصلتنا في حالات معينة أخبارٌ عن تضحيات فعلية بقرابين بشرية. تلكم كانت، على سبيل المثال، الحالة بين قوم الخُنْد Khonds في مطلع القرن التاسع عشر في الهند. فقد كان هؤلاء القوم، وهم عشيرة درافيدية (من سكان الهند السابقين على المد الآري) تقطن هضاب إقليم أوريسَّا في جنوب البنغال، تشتري مِرْيه meriah، أو ضحية متطوِّع عاش بين ظهرانيها سنوات عديدة وتزوج وأنجب. وفي الأيام السابقة للتضحية به كان المِرْيه "يُماهى" أو يواحَد طقسياً مع الإله الفادي. وكانت الجماعة تؤدي من حوله رقصات مؤداها الإجلال والخشوع الدينيين. وكان الضحية يُقتاد في موكب من القرية إلى الغابة العذراء حيث مكان تقديم القربان، وكان المشاركون يدهنون جسمه بالزيت ويطوِّقونه بالزهور، ثم يبتهلون إلى إلهة الأرض كما يلي: "يا ربَّة! نرفع إليك هذا القربان. فأعطِنا محاصيل ومواسم وعافية طيبة." وفي مرأى من ممثلين عن القرى المجاورة جميعاً كان المِرْيه يُذبَح ويوزِّع الكاهنُ إمامُ الطقس قطعاً من جسم المضحَّى به. ثم كان يؤتى بهذه القطع إلى القرى وتُدفَن شعائرياً في الحقول؛ أما البقايا فتُحرَق ويُنثَر رمادُها على الحقول المحروثة لضمان محصول طيب.[18]

 

وفيما يتعلق بقدسية الأرض، كان أزتيك المكسيك الأوسط يؤدون كذلك مشاهد من التضحية وتقطيع الأوصال الطقسيين. ومتى نبت المحصول، كان الناس يلتمسون "إلهة الذرة" الصفراء، وهي نشظ (أول ما يظهر من النبات) جديد يؤتى به إلى المنزل ويبجَّل ويقدَّم له الطعام. وفي مساء اليوم نفسه كان النَتَش الجديد يُحمَل إلى المعبد حيث تكرِّم إلهةَ الذرة ثلاثُ فئات من النسوة ينتمي كل منها إلى جيل. ومتى أينع المحصول كانت الجماعة تحتفل بقربان تمثِّل فيه فتاةٌ شابة دورَ كسيلونِن Xilonen، إلهة الذرة الجديدة. وبعد أن يضحَّى بالمرأة الشابة يصير بالوسع استهلاك المحصول الجديد رزقاً طيباً. وبعد انقضاء شهرين على انتهاء الحصاد كان يُضرَب عنق امرأة أخرى، تمثِّل الإلهة توسي Toci، قرباناً، وكان كاهن يرتدي جلد الضحية المسلوخ؛ وكان مختص آخر بالطقوس يصوِّر قناعاً من فخذ الضحية. وكان المشارك المقنَّع يلعب دور امرأة ماخض في طقس الحصاد.[19]

 

تكرِّر هذه القرابين طقسياً مشهد التكوين الذي تمخَّض فيه موت أرض أولى موتاً عنيفاً (أي بواسطة طوفان أو نار أو تضحية عنيفة بالنفس) عن أشكال جديدة، وخصوصاً نباتات. ويواحَد بين تقطيع أوصال جسد الضحية وبين الكائن الأسطوري الذي كان موتُه مَدَداً يهب الحياة للحبوب.[20]

 

هـ. الصدور

لقد رأينا كيف تظهر الأرض في الأغلب في خَلق البنى الكونية، كما وفي حياة النبات والحيوان. ويشدِّد عدد كبير من الأساطير على دور الأرض في أصول الحياة البشرية. وكما جاء أعلاه في المشاهد الافتتاحية لرواية الخلق لدى الزوني، فإن الخالق الأوحد أصبح الشمس ولقَّح المياه العظيمة ببذرتين من قوام جوهره. وفي مآل الأمر كانت بذور البشر وغير البشر من المخلوقات تنتش في الظلمة. ومن بعدُ كان الحكيم العظيم بوشايَنْكِيا Póshayank’ya (ولعلَّه يمثِّل الشمس الليلية) ينبثق من الجسم المزبد، الرغوي، للأرض–الأم التي كانت تملك أربع أرحام طباقاً. وفي أعماق هذه الأرحام–الكهوف كانت جميع المخلوقات تقيم في البدء. وللمرة الأولى التمس بوشاينكيا الأب الشمسَ لتحرير البشرية من أحشاء الأرض الرطبة الباردة والمزدحمة. ولقد شرع الأب الشمس في سبيل إطلاق سراح أسكا Aska – أشكال الحياة – من الشروط المعتمة في عملية خلق دائري جديد، لكنه قصد هذه المرة توليد كائنات عاقلة بوسعها أن تجد سبيلها خارج المعقل الرحمي المظلم للأرض الواهبة الحياة، بحيث تنال هذه الكائنات الحريةَ الناجمة عن معرفة الطقس والقدرة السحريين.

 

وهكذا، قام الأب الشمس، للمرة الثانية، بإخصاب الأرض المزبدة لاستيلادها توأمين. ولقد فلع التوأمان الجبالَ واندسَّا في ظلمة باطن الأرض. وبنَفَسهما الحارِّ عجَّلا في نمو نبات متسلِّق ومكَّناه من النزوع إلى النور في الأعلى. ثم أعدَّا سُلَّماً من ساقه، ميسِّريْن بذلك للمخلوقات الصعودَ من الكهف الأدنى إلى الحجرة الثانية. أما الكائنات التي تخلَّفت أو عثرت في الطريق فقد أمست وحوشاً مرعبة هي مخلوقات الأغوار. وبذلك جعل التوأمان النبات–السلَّم ينمو، وقادا الحجيج إلى الفضاء المفتوح والنور السماوي. ومع كل مرحلة كان الناس ينمون بالحكمة، وكانت البشرية تتكاثر طوال الطريق، مالئة كل فسحة مكان يتيحها التوأمان على الأرض. وفي مآل الأمر، ساق التوأمان، واحدة في إثر الأخرى، ستَّ مجموعات مميَّزة من الناس، هي جدود الأجناس البشرية الستة. وبرز هؤلاء على وجه البسيطة وهم لا يزالون يحملون علامات تدل على حياتهم الجنينية في رحم الأرض: كانت أصابع أقدامهم ملتحمة، وكانت آذانُهم، مثلها كمثل آذان الوطاويط وغيرها من مخلوقات الليل، مشدودةً إلى رؤوسهم بأغشية عريضة. ولم يكن بوسعهم بعدُ أن يقفوا منتصبي القامة، بل كانوا يسعون على بطونهم كالعظايا أو يطفرون كالضفادع.[21]

 

ويروي موهَوْك Mohawk الكَنْيينغا Canienga – وهم جماعة من هنود الإرُكوا Iroquois – أن البشر كانوا يقيمون في قديم الزمان في رحم الأرض المظلم، محرومين من نور الشمس، في صور غريبة. وقد وقع أحد سكان باطن الأرض، وهو يصطاد ذات مرة، على ثقب يؤدي إلى وجه الأرض. وهناك ظفر هذا الصياد بظبية. وإذ أغرتْها اللعبةُ والطبيعةُ الجميلة قررتْ مخلوقات ما تحت الأرض أن تبرز إلى نور النهار؛ ووحده الخلد بقي في الأرض.[22]

 

وعلى نحو مشابه، بيَّنت الدراسات على هنود اللنِّي لِناب Lenni Lenape أو الديلاوير Delaware أن علماء الأساطير الهنود ليسوا على إجماع فيما يتعلَّق بالهيئة التي كانوا عليها وهم في أحشاء الأرض. فبعضهم يصر على أنهم عاشوا هناك على هيئة بشرية، بينما يقول بعضهم الآخر، بتماسك أكبر، بأن حياتهم كانت على هيئة بعض الحيوانات الأرضية، كالخلد والأرنب والسلحفاة.[23]

 

تصوِّر أساطير الانبثاق من الأرض هذه إلى أي حدٍّ يُنظَر إلى الأرض باعتبارها أماً. وفي الواقع، يُنظَر إلى مدة الحَبَل بالجنين وعملية وضعه باعتبارهما إعادة تمثيل للولادة الكونية للبشرية وخلق الحياة بعامة، يوم طلع البشر من أعماق الأرض. لقد كانت البشرية تعيش ضمن الأرض حياة مضغية؛ لذا فإن كافة صور الخلق كانت موجودة كمُضَغ في رحم الأرض. ولقد اجتازت الموجودات الحية كافةً مختلف مراحل النمو في سيرورة "إيناع" لم تكتمل بعد.[24] من هنا فإن ثمار الأرض تعكس درجات مختلفة عديدة من التصيُّر transmutation. فبعض نصوص علم المعادن الهندي، على سبيل المثال، يصف الماس بوصفه "ناضجاً" (بَكَّا pakka)، بينما البلور ما يزال "فجاً" (كَتْشا kaccha)؛ أما الزمرد الذي لا يزال مغلفاً برحمه الحجري فما هو إلا مضغة. كذا فإن المعادن الخسيسة والفلزات الخام ليست "ناضجة" بعدُ كلَّ النضج؛ إلا أن الحدادين والكيميائيين من البشر ينهضون لمحاكاة الوظائف الجبارة للأرض الأم ويعجِّلون فيها ويتمِّمونها، فيحوِّلون المعادن الخسيسة، كالرصاص، إلى فضة وذهب.[25]

 

هذا العبور من ظلمة الحياة الخافية (= اللاواعية) واللامتعيِّنة إلى الصور المتعيِّنة عبر سيرورة الانبثاق أو الصدور عن الأرض تصبح نموذجاً يُحاكى في الكثير من النشاطات البشرية. فحين تلتمس الثقافات إبداعَ شيء جديد، أو ترميم شيء بالٍ، أو تجديد أحد الكائنات، فإنها تعيد تمثيل النموذج البدئي archetype الذي كان من القوة بحيث تمخَّض عن الحياة أول ما تمخَّض. إن فعل إنجاب البشر الأفراد وولادتهم في ثقافة نقلية هو إعادة تمثيل لمسرحية الصدور أو الانبثاق الأزلي. وإن وضع الطفل في رحم أمه هو "المعادل الموضوعي" للوجود السابق للبشرية في رحم الأرض. وكل طفل جنين يحيا من جديد تجربة البشرية الأولى عبر رموزها (الظلمة، الماء، المحبس، الهيئة اليرقانية، إلخ)؛ وبعبارة أخرى، فإن الثقافات تعترف، انطلاقاً من معرفتها بأسطورة الصدور عن الأرض أو الانبثاق منها، بأن كل فرد إنما ينطوي على تجربة أصيلة تختزل تاريخ البشرية برمَّته. والأم البشرية وقواها الخصيبة تجسِّد قدسية الأرض–الأم العظيمة وتدور في فلكها تماماً.[26]

 

3. الأرض–الأم

يتمسك الناس على وجه البسيطة قاطبة بالاعتقاد بأن الكائنات البشرية مولودة من الأرض. وفي بعض الحالات يُعتقَد بأن الأمومة البشرية نتاج للإدخال المباشر لطفل بشري في رحم امرأة بشرية (سواء على هيئة بذرة أو روح أحد الأجداد أو جنين مصغَّر). وحتى لحظة الانتقال إلى الرحم البشري يكون الطفل قد عاش حياة مُضغِية في الأرض – في كهف، أو بئر، أو صدع، أو شجرة. ففي لثوانيا، على سبيل المثال، كان يقال إن الأطفال يأتون من العيون، أو البحيرات، أو التلال الوثيقة الصلة بجيمينا Žemýna، الأرض الأم، لأنها وحدها المسؤولة عن خلق الكائنات الجديدة.[27]

 

وفي مجتمعات عديدة يُنسَب حضورُ طفل في رحم إحدى الأمهات إلى اتصالها مع حيوان، أو حجر، أو أي عنصر طبيعي. وأياً كان الدور الذي قد يلعبه الأبُ بجماعه مع الأم، فإن خصوبة الأرض، بما هي الأم الأولى، هي المسؤولة، أولاً وأخيراً، عن الأمومة والنسل البشريين. وفي مثل هذه الأنساق من المعتقدات المأثورة يكون البشر أبناء "مساقط رؤوسهم" بالمعنى العميق. وإن كل جيل جديد من الأطفال، مثله في ذلك كمثل أوائل البشر على الأرض، يعيش أولاً بين الصخور أو في الصدوع، حتى تحمله حيوانات مائية، كالضفادع، أو التماسيح، أو الأسماك، أو البجع، أو اللقالق (هذه الأسطورة حية إلى يومنا هذا، تتفعَّل عندما يسأل طفلٌ والديه كيف جاء إلى الدنيا)، وتضعه في أرحام أمَّهاته. فههنا أيضاً، يُمثَّل للأرض المخصبة ولخصوبة الكائن الكوني بثمار أو أشكال تستمد الحياة منها (الجبال، أحجار الخصوبة، مياه الأغوار أو العيون، الحيوان، على سبيل المثال لا الحصر). أما الأم البشرية فتتسلَّم الأطفال في الحالة المُضغِية وحسب؛ فهي حِواء يساعد الحياة اليرقانية للأرض على بلوغ صور بشرية معينة. والاعتقاد بأن الرحم ما تحت الأرضي هو الأرضية والأصل fons et origo الحق للحياة المُضغِية يشكل أساس كل المعتقدات المتفرِّعة عنه. ومتى ما فُهِم ذلك حقَّ فهمه فإن كافة المعتقدات والشعائر "الدينية" التي سنأتي على ذكرها لا حقاً تمتلئ بالمعنى.[28]

 

أ. ذكريات الحياة في الرحم

 

إن بالوسع مقارنة اختبارات المتصوِّفة والسرَّانيين والشَمَنِية بالوجود الجنيني في رحم الأرض. وإن ليل النفس المظلم القديم يصوِّر كثافة الحياة ما تحت الأرضية قبل الانبثاق على وجه الأرض. إن سلطان شَمَنِية أمريكا الشمالية وسيبيريا، على سبيل المثال، مستمَدٌّ أحياناً من مقدرتهم المذهلة على تذكُّر حياتهم السابقة للولادة؛ والصورة التي يسترجعونها من الحياة الرحمية تتصف بتماثل عجيب مع حجرات العالم ما تحت الأرضي ورواكزه وأصواته وإحساساته. وكثيراً ما يلجأ غواياكي Guayaki الباراغواي إلى النساء الحوامل ملتمسين مشورتهن بوصفهن عرَّافات، على اعتبار أن أطفالهن غير المولودين بعدُ يبوحون لهن بأسرار وحقائق. فالأجنَّة تتمتع بالقدرة على معرفة وقائع غامضة لأنها تحيا من جديد الخبرة الأولية للتوأمين الإلهيين. فهذان التوأمان المقيمان في الظلمة الدامسة للعماء كانا على علم بالممكنات الجرثومية لكل أشكال الحياة اللاحقة وعلى اختبار مباشر لها، في الظلمة، قبل أن يواصلا مصيرهما التاريخي في تمايزه وتنوعه اللانهائيين.[29]

 

ويتوق المجتمع الثقافي، بين الحين والآخر، للعودة إلى رحم الأرض الأم. ولقد كان شعب اليارورو Yaruru في فنزويلا يبجل أمَّه الكبرى التي كانت تعيش في إقليم كوما Kuma النائي في الشرق، حيث يمضي الموتى بعد مفارقتهم لأجسامهم. وفي أواخر الثلاثينات، عبَّر اليارورو عن رغبتهم في الولوج من جديد في موطن أمِّهم كي يولدوا من جديد في الحياة الفردوسية السابقة للحياة الأرضية قبل وصول المستعمرين الغزاة.[30]

 

ب. المتاهات

 

تفسِّر صورةُ الأرض كأمٍّ (ذات الفتحات على العالم على هيئة ردهات ومناجم وأغوار وكهوف) والرغبةُ في العودة إلى المرحلة المضغية للحياة في الرحم علَّةَ اعتبار المتاهة labyrinthos صورةً لجسم الأرض–الأم. فالمتاهة، أو المغارة الجوفية المتلوِّية، كانت مسرحاً للمسارَرة initiation بالمعرفة وموضعاً لدفن الموتى؛ وولوجُ المتاهة يُرَدُّ (في جملة دوافع دينية أخرى للقيام به) إلى دافع العودة طقسياً إلى رحم الأم. ولقد كانت المغاورُ المتشعِّبة أمكنةَ المسارَرة والجنائز والزيجات والولادات بامتياز. ففي رحم الأرض الخصيب يتم أول ما يتم التعجيلُ بتكوين أشكال الحياة الجديدة. فالمتاهة تمثِّل صعوبة اكتشاف الماضي صعوداً نحو ينابيع الإبداع غير المحدود.[31]

 

تصف رمزية مَلِكولا Malekula الجنائزية، على سبيل المثال، تِمِسْ Temes (أو لِف هِف هِف Lev-hev-hev) – وهي كائن أنثى مرعبة ترقد بانتظار الموتى من البشر. وهي تربض عند مدخل كهف؛ وأمامها على الأرض رسمُ متاهة. ولدى اقتراب نفس المتوفى تمحو نصف الرسم. فإذا كان المتوفى مسارَراً حقاً لا بدَّ أن يعرف الرسم الكامل للمتاهة ويجد سبيله بسهولة إلى الطرف الآخر؛ وإلا فإن المرأة تبتلعه. والمتاهات التي يجدها المرء على الأرض في مَلِكولا تدلُّ الأحياءَ على الطريق في موطن الموتى؛ أي أنها تزوِّد الأحياء بمفتاح المسارَرة الذي يمكِّنهم من العودة إلى أحشاء الأرض–الأم.[32]

 

ج. طقوس الزراعة

 

تكرر الطقوس التي تقترن باللحظات الهامة في التقويم الزراعي ما جرى للأرض في الأزمنة الأسطورية. وإن أسرار انبثاق الحياة من بذرة مخبوءة في عماء غير متعيِّن، أو ولادتها من الاتحاد المقدس بين السماء والأرض، أو حدوثها في أعقاب موت عنيف للآلهة المرتبطة بالتربة، يُعاد تمثيلُها في طقوس الأرض.[33] فالعمليات الزراعية في جبال الآندِس في أمريكا الجنوبية، على سبيل المثال، تدور في فلك دورات باتشاماما Pachamama، الأرض–الأم، كما وبالتقيُّد بإيقاعات الدورة الطمثية لدى المرأة. إن باتشاماما "مفتوحة" لأن حياة الجماعة والكون بأسره معقودة على دوام خصوبتها.

 

هذا وكثيراً ما تلعب النسوة أدواراً حاسمة في الطقوس المقترنة بالخصوبة الأرضية؛ وبمقدار ما تندمج النساء رمزياً بالأرض، يتناظر العمل الزراعي مع الجماع ويقايسه (كأن يكون المحراث أو المسحاة رمزاً للقضيب، على سبيل المثال)، وتصبح النسوة تجلِّيات للقدرة القدسية للأرض. لذا يكون لأفعال النساء في الأساطير والتقاليد الشعبية مغزى دنيوياً لأنهن مَصَبَّات لمقدرة الأرض على حمل الثمار ووحدهن يستطعن تهدئة سَوْرات غضبها. من هنا جاء في القرآن: "نساؤكم حَرْث لكم" (البقرة 223)، والـشَـتَـبَـتْـها براهْمنا يواحِد بين أخاديد الحقل المحروث وفرج المرأة، من ناحية، وبين البذور المبذورة في الأخاديد والمنيِّ، من ناحية ثانية.[34] وهذه الأفكار واسعة الانتشار لأنها تعلِّل الدور الطقسي البارز للنساء في الزراعة. وتعتبر مجتمعاتٌ كثيرة أن من حسن الفأل أو ميمون الطالع أن تبذر امرأةٌ حامل البذارَ الجديد؛ فهذا يبشر بحصاد وفير، لأن نمو المحاصيل سوف يترافق بنمو الجنين. وغالباً ما تضع النسوةُ البذارَ في الأرض التي نظَّفها الرجال، أو تصطففن وتُخَزِّنَّ مدَّخَرات للقوى الخصبة للأرض. والعمل الزراعي، بما هو فن، يُبقي المرء على علم بالأصول المقدسة للفلاحة وقواعدها؛ فالعمل إنما هو وعاء للمعنى، كما ووعاء نقله من جيل إلى جيل، بما يشكِّله ويكرِّسه كعلم نقلي أو متوارَث.

 

بعد أن تعدَّ نساء هنود كَنيلوس كويتشوا Canelos Quechua في الإكوادور، حقلاً جديداً فإنهن يبقين فيه مع أطفالهن ويروين حكايات من الأساطير القديمة التي تدور حول نونغوي Nungui، إله تربة الروضة التي تبطِّن قدرتُها كلَّ خصوبة. ولقد كانت نساء مجتمع الجيفارو Jivaros المجاور يغنين لنونغوي في موسم الزراعة. أما عن نونغوي فهي قصيرة القامة، بدينة، سوداء (الأمر الذي يميِّز العديد من "العذارى المظلمات" أو السيدات السوداوات المقترنات بالتربة)؛ وهي تحمل المحاصيل على اختراق سطح التربة بجعلها تنمو. وترقص نونغوي ليلاً في الرياض التي يتم تعهُّدها تعهُّداً طيِّباً؛ وتراقِصُها أنشاظُ القريسة Cassava. ولما كانت النباتات تنزع إلى الانكماش في أثناء ساعات النهار، فإن نساء الجيفارو كُنَّ يحصدنها في الصباح الباكر.

 

وفي طقس يتصل بهذا المعتقد تسأل النساءُ نونغوي "أطفالاً" هم عبارة عن ثلاثة حجارة يشب حمراء (نَنْتَرا nantara) تبوح الإلهةُ لهن، في رؤى خاصة، بموضعها الخفي في الأرض. وتحوي حجارةُ النَنْتَرا النفوس الإناث لنباتات القريسة. والنسوةeأث يخبئن الحجارة في الأرض وبيقينها في العتمة بفضل قصعة مقلوبة توضع وسط الحديقة. وتؤدي الحجارة دور ابن ننغوي السرَّاني الذي أعان النسوة في الماضي السحيق على إنجاز مهام الزراعة بكلمة سحرية واحدة. ويبقى التصفيف المقرَّر لحديقة الجيفارو المعاصرة و"الحجارة الأطفال" الحمراء المخبأة فيها علاماتٍ للحديقة التامة التي وُجِدت في بدء الزمان. ومتى حان الوقت لزرع أشتال القريسة فإن نساء الجيفارو يجتمعن ليغنين لننغوي وهن قاعدات القرفصاء على الغراس الجديدة. ثم تضع المرأة البستانية غرسة القريسة الأولى أمام فرجها المفتوح وتطليها باللون الأحمر قبل أن تغرسها في التربة. وبذلك تكون المواحدة بين خصوبة التربة وخصوبة المرأة تامة ومباشرة. وحين تنتهي النسوة من زرع الحقول يرقصن خمس ليالٍ صفاً واحداً تكريماً لننغوي ويسألنها أن تحثَّ بحضورها النباتاتِ على النمو.[35]

 

يظهر الدور الديني للنساء اللائي يتواحَدْن مع الأرض ظهوراً بارزاً وقوياً في الجِماع الذي يتم في الحقول أو في النكاح الجماعي الشعائري الذي كانت مجتمعات بأسرها ترقِّم به التقويم الزراعي. وبهذه الأفعال المقدسة كانت النسوة وشركاءهن يحتفون بذكرى اتحاد السماء والأرض حتى يحرضوا خصوبة التربة العذراء. ويستدعي السُّعار الجنسي المشاعي صورة الشفع الإلهي في أثناء عماء الليل الكوني الطويل في فترة ما قبل الخلق، أو في حالتهما الأولية ضمن البيضة التي نشأ عنها الكون. وفي أثناء النكاح الجماعي كانت الجماعة بأسرها تحتفل بهذه العودة إلى الحالة الشواشية غير المتمايزة أو غير المتعيِّنة للأرض في بدء الزمان.[36] ويشير تقليد العَدْوِ العادي على الأرض لتحريض الباه عند السماء أو هطول الأمطار المخصبة إلى كيفية اقتران الشعائر بتحطيم الأرض للحواجز بين الأفراد والمجتمع والطبيعة الكونية والصور الإلهية. وإن تجربة المجتمع إبان النكاح الجماعي هي عينها تجربة البذور والمُضَغ الإلهية. وبذلك تفقد الجماعةُ ككل صورتَها المتعيِّنة إبان فترة الاندماج والتحلُّل الجوفي التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من سيرورة الإنتاش. فالفردية تذوب في النكاح الجماعي وتنصهر مع تلاشي النواميس والنظم الاجتماعية في تعاشق عُضويْ التناسل المذكر والمؤنث على الصعيد الجسدي واندغام الانفعالات والمشاعر على الصعيد النفسي. وكما في طقس التغطيس في الماء، يفكِّك النكاح الجماعي بنى المجتمع ويواحِد بين الحياة البشرية والعماء اللامتعيِّن اللاشكلاني الأول في أحشاء الأرض قبل التكوين. وحتى عندما لا يتم النكاح الجماعي بالفعل، إنما يمثَّل له وحسب (كما في الرقصات أو المواكب "القضيبية"، أي في الرقص بين صفوف من الشركاء غير المتزوجين، على سبيل المثال لا الحصر)، فإن خصوبة الحياة المتأتية من الأرض تعتمد على التحلُّل الرمزي من النظم والنواميس بواسطة القصف أو المجون أو الخلاعة أو التسفية أو الاتحاد الرقصي أو الخورسي للأجسام والأصوات المفصولة عادة بعضها عن بعض. فعلى سبيل المثال، لا تسوَّغ الهداكا مَتسوري hadaka matsuri (حرفياً: "مهرجانات العري") التي يُحتفَل بها في اليابان بأسره إلا بما يتعلق بإخصاب التربة.[37]

 

د. الاضطجاع على التربة

 

رأينا فيما تقدَّم أن سيرورة الحَبَل بالبشر الأفراد وولادتهم إنْ هي إلا نسخة مختزلة من سيرورة الخلق التي قامت بها الأرض منذ بدء الزمان. وتكرِّر الأمهاتُ البشر ذلك الفعلَ الخلاق الأول التي ظهرت الحياة بفضله أول ما ظهرت في رحم الأرض–الأم. لذا، فإن النسوة المنتميات إلى ثقافات عديدة تتَّصلن مباشرة بالأرض ساعة الولادة وتحاكين أفعالها، وبذلك تشاركنها، بقدر المستطاع، قواها وتبقين تحت كنفها. وفي مجتمعات عديدة تلد الأمهات بحيث يتم وضع المولود على الأرض humi positio؛ وإلا فإنهن يضعن الوليد على الأرض فور ولادته. وفي بعض الحالات تستلقي النسوة مع بدء المخاض على الأرض أو تمضين إلى الغابة أو الحقول، حيث تنطرحن هناك بانتظار الولادة. ولقد كان "اقتعاد الأرض" تعبيراً دارجاً في مصر القديمة يعني وضع المولود.[38]

 

وكل ولادة حقيقية لطفل من الأتشي Aché في باراغواي تكرارٌ لأول وقوف منتصب على الأرض الأولى. وتشتمل طقوس ولادة الأتشي على لحظتين: وآ waa، "هبوط" من الرحم إلى الأرض، وأوبي upi، "صعود" من الأرض إلى السماء. وإن فعل لمس الأرض يُدخِل الطفل إلى الشرط الحيوي الذي يتشارك فيه جميعُ الحيوان والنبات. أما "رفعه" من على الأرض فتكرر به الأمُّ انتقالَه من الصورة اللامتعيِّنة الحيوية إلى القامة البشرية التامة – تماماً كما حصل عليها الأجداد الأكابر الأولون حينما انبثقوا أول ما انبثقوا من الأرض، ثم وقفوا عليها منتصبي القامة. فالأرض يجب أن تكون الأم التي تلد كل إنسان حق.[39]

 

من جهة أخرى، كان الوضع على التربة جزءاً لا يتجزأ من طقوس الشفاء والتعافي. فلقد كان المرضى يستعيدون عافيتهم عندما يُخلَقون من جديد، ويُعاد صنعهم، على صورة الكائنات السلفية، على وضعهم القديم في جوف الأرض. فالهويتشول Huichol في مكسيكو، على سبيل المثال، كلما حجُّوا إلى ويريكوتا Wirikuta، موضع أصولهم الأسطورية، يعرجون على أحواض الماء التي تنفتح على الأعماق الخلاقة للأرض. ويسأل الطبيبُ الشافي مرضاه، ولاسيما النساء العواقر منهم، الاستلقاءَ بِطولهن على الأرض، بما هي الجسم القدير للأم الأولى. ولقد كان طقس وضع مولود جديد على الأرض موجوداً في الصين القديمة حيث كان المحتضر أيضاً يوضع على الأرض. فالأرض تمثل قوى الولادة والولادة الجديدة في حياة جديدة؛ وقدرات الأرض هي التي تحدِّد ما إذا كانت الولادة والموت، بما هما مرحلتان انتقاليتان، صحيحين وتامين.[40]

 

4. الموت والتجدد

 

تشتمل الأرض أيضاً، في قدسيَّتها وخصوبتها، بما هي صورة من صور الظلمة المجدِّدة، الباعثة، على واقع الموت. ولقد اتضح لنا في معرض تعريجنا على أساطير التضحية بإله قديم أن هذه التضحية مقترنة بالأرض وبالتربة. إن موت الإله يبعث الحياة في صور جديدة، وخصوصاً في صور نباتية.[41] الحياة والموت ليسا إلا طورين في صيرورة الأرض–الأم. والواقع أن "الحياة"، في وضح النهار، تتكون من فضاء أو فسحة وجيزة من الانعتاق من رحم الأرض. والموت هو الذي يعيد المرء إلى الوضع القديم الأزلي الذي وُجِدَ قبل أن تبدأ دورة الحياة.

 

والعديد من المظاهر الرهيبة للأرض الأم، على هيئة الإلهة المميت (كالي، ميديا) أو وعاء القرابين المروِّعة، تضرب بجذورها في مقام هذه الأم، بوصفها الرحم الكلِّي ومصدر كل حياة.[42] والموت نفسه ليس اضمحلالاً وتلاشياً، إنما هو بالحري حالة البذرة في حضن الأرض. وهذا يفسِّر لنا دفن جثمان الميت في العديد من الثقافات وهو على الوضع الجنيني؛ وبذلك تؤمَل عودة هذه "المُضَغ" إلى الحياة. وفي عدد من الحالات، كما ذكرنا أعلاه، يعيد الموتى تمثيل خبرة الأرض–الأم نفسها التي كانت أول الميتين (مثلاً، إيزانامي في الميثولوجيا اليابانية التي ماتت لتلد النار). وفي مثل هذه الظروف فإن الصفات السلبية للأرض–الأم، بوصفها إلهة الموت، تصوِّر دورها في النمط الأضحوي أو القرباني للوجود الذي يجعل العبور من صورة إلى صورة جديدة ممكناً. وإن البعد الأضحوي الذي لا يخلو منه مكان من الوجود الرمزي يضمن الاستمرار اللانهائي لسريان الحياة. "اسعَ إلى الأرض، أمِّك"، كما يعلن الرِغْ فيدا.[43] ولقد جاء في عبارة جنائزية من الأتهارفا فيدا: "أنتَ، يا من جئت من التراب، أضعكَ في التراب."[44] ويقوم قوم الكراهو Kraho في البرازيل بكل ما في مكنتهم لنقل المحتضر إلى أرض القرية التي شهدت مولده؛ وشواهد القبور الرومانية القديمة تشي لنا بالرغبة عينها في الثوي في مسقط الرأس.[45] وإن حيوية الأرض وخصوبتها وقدرتها المقدسة التي لا تنضب على توليد الحياة تضمن عودة الموتى وظهورهم في صورة حية جديدة.

 

والرمزية الغنية للأرض لا تستغرقها الكوسموغونيات والأعياد الزراعية والشعائر الجنائزية للشعوب أو المجتمعات القبلية البدائية مجتمعةً. فالأرض تبقى صورة قوية لإمكانية حياة جديدة وحياة اجتماعية جذرية الجِّدة. وكذلك في الحركات "الروحية" المعاصرة التي تحثُّها على التمرد والثورة ظروفٌ يائسة وقمعية تصبح الأرض صورة مركزية، بؤرية، للتجدد.[46] وفي الرؤى النشورية أو اليوطوبيات التي تصوَّرتْها الأنظمةُ الجديدة أو الممالكُ الثورية يتجدد وجهُ البسيطة بأسره، وينتهي التاريخ، وتتدخل نهاية العالم لفرض نظام جديد عادل، يرمز إليه دكُّ الجبال وملء الوديان. وفي ظل هذا النظام تحصل كل أشكال الحياة، دونما استثناء، على حيوية الأرض بوفرة.[47]

 

التضامن الكوني للحياة

 

يولِّد التصوير الديني للأرض صلةَ رحم بين أشكال الحياة كافة لأنها جميعاً بنت الرحم عينه، تتولَّد وتبدأ في التمايز انطلاقاً من الحِواء نفسه. وهذه الصلة الحميمة بين الأرض والأشكال البشرية والحيوانية والنباتية للحياة تنطبع في الإدراك الديني وعياً بأن قوة الحياة فيها جميعاً واحدة. إنها موحَّدة على الصعيد البيولوجي، ومصائرُها، بالتالي، متشابكة. فالتلوث والعقم على أحد الأصعدة يؤثر في أنساق الحياة جميعاً. ولما كانت أشكال الحياة قبل تعيُّنها تعود إلى أصل واحد مشترك فإنها تشكل كلاً واحداً لا يطاله انقسام. وباستثناء قدسية السماء التي تظهر حية في أساطير انفصال السماء عن الأشكال المخلوقة المتَّكلة عليها ليس ثمة انقطاع بين الأرض والأشكال التي تولِّدها.

 

عدا عن ذلك فإن الأرض تحمي وجود الحياة فيما لا يُحصى من الأشكال وتصونُها من المفاسد (الرهق أو القتل مثلاً) التي تهدِّد بالإخلال بنظام الحياة المتولدة. والاتحاد الطقسي بين الشريكين الجنسيين والنكاح الجماعي الذي يُحتفَل به ضمن شعائر خاصة مخصَّصان للَّحظات الحاسمة في التقويم الزراعي. أما فيما تبقى من الوقت فغالباً ما تكون الأرض–الأم الراعيةَ والوليَّة القوَّامة على الأخلاق والحريصة على عدم خرق النواميس التي تقود إلى حياة مثمرة. فالأرض تُنزِل أشد العقاب ببعض فئات المجرمين، ولاسيما الزناة والقتلة والفُجَّار. وفي بعض الحالات، كما في اليونان القديمة، كان سفك الدم على الأرض والرهق يجعلان الأرض عاقراً، الأمر الذي يؤدي إلى عواقب وخيمة. مثال ذلك افتتاحية مسرحية سوفوكليس أوديب ملكاً Œdipus Rex التي ينوح فيها كاهن طيبة لأن النساء يعانين آلام المخاض من غير أن يضعن مواليد أحياء، ولأن ثمار الأرض والبقر في الحقول تحتضر كما في المدينة نفسها.[48]

 

خلاصة

 

تفصح الأرض عن معنى وقدسية مقدرة الحياة المتواصلة على حمل الثمار. وتصحُّ هذه النقطة تماماً في جميع الصور التي أتينا على ذكرها. إلا أن ثَمَّ ميلاً قوياً، فعالاً ودرامياً، عند الآلهة الزراعية إلى حرف الانتباه عن آلهة التربة القديمة. ومع ذلك يبقى أن جميع الإلهات الكبرى اللواتي يمثِّلن قدرات الزراعة وخصوبة الأرض المحروثة يتبطنَّ على حضور الأرض ككل وعلى قدسية المحلِّ المادي لانبثاق الحياة. ولئن صح أن الأرض كثيراً ما تُظهِر في الأساطير الكوسموغونية وجهاً يقل في وضوح ملامحه عن ملامح الآلهة الخاصة بمحاصيل معينة أو شعائر معينة في الدورة الزراعية، يشهد دورُ الأرض في المراحل الأولى في التاريخ الأسطوري على القدسية الملازمة للحياة نفسها ملازمةً صميمية، بصرف النظر عن الصور المميزة والمتعيِّنة التي تتَّخذها. فأساطير التوالد العذري، وخنثوية الأرض، والنكاح المقدس، والتضحية بالأرض الأولى، والانبثاق من الرحم المظلم القديم، تؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، على قدسية التربة والأرض. وبعبارة أخرى، فإنها تكشف عن معنى إبداع "القيوم" الذي "لا تأخذه سِنة ولا نوم" (آية الكرسي). وهذا التجلِّي القدسي على هيئة تربة، سواء كحضور عام أو كشخص إلهي، يساعد على الكشف عن المغزى العميق للطقوس والصور الرمزية المرتبطة بالأرض.

 

أما النزول في الكهوف والمغاور، وصور المُضَغ الجوفية، ومشاهد العودة إلى الحياة الوالدية، والمتاهات، وشعائر القَسَم بالأرض، ووضع المواليد الجُدُد على الأرض أو دفن الموتى في قبور ترابية، والموروث التصويري الرمزي للسيدات السوداوات، كما والصور الرهيبة للإلهات الكبريات، واحتفالات النكاح الجماعي ذات النمط الثابت للأعياد الزراعية – كلها تشد انتباه الخيال الديني إلى واحد من أهم مصادره: القوى التي لا تنضب لوالدة الحياة الشاملة.

 

قليلة هي الصور، إبَّان مسيرة التاريخ البشري الطويلة، التي ولَّدت مثل هذه القوة في الخيال الديني أو أُنزِلت مثل هذه المنزلة فيه. ومن الممكن أن يكون تقلُّد الأرض منزلةَ الصدارة كشكل مقدس في الخيال الديني قد نُحِّي بنكاحها المقدس مع السماء وغيرها من الآلهة المذكرة (آلهة العواصف مثلاً) التي تحتل أهمية خاصة في الزراعة. بيد أن الأرض مع ذلك –وخصوصاً على هيئة الأم الكبرى Magna Mater – لم تهدر أبداً حقَّها في دورها كموضع للحياة بامتياز، منبع كل الأشكال والصور، حامية الأطفال، والرحم الذي ينتظر فيه الموتى ولادتهم الجديدة.

 

وما استلهام الإيكولوجيا العميقة المعاصرة للمنزلة السامية التي كانت للأرض–الأم في الميثولوجيا العالمية، ممثلةً، على سبيل المثال، بفرضية غايا Gaïa التي طرحها في العام 1979 العالِمُ البريطاني جيمس لفلوك James Lovelock، إلا تعبير عن الشعور بعمق الصلة بين الإنسان والكون، مجسَّداً في الأرض.[49] كما ليس من قبيل المصادفة أن تصبح صورة الأرض الملتقَطة من الفضاء رمزاً روحياً من رموز عصرنا، شاهدةً على إدراك الإنسان المتنامي بأنه وكوكبه جزء من التضامن الكوني للحياة، وبأنه لم يعد في وسعه أن يعزل نفسه عن الكل.

 

*** *** ***

 

 

مراجع أساسية

 

-         Éliade, Mircea & Lawrence E. Sullivan, “Earth,” in Encyclopedia of Religion, Macmillan Publ. Co., New York, 1987.

 

-         Éliade, Mircea, Initiation, rites, sociétés secrètes : Naissances mystiques, Gallimard, Paris, 1959.

 

-         Éliade, Mircea, Mythes, rêves et mystères, Gallimard, Paris, 1957.

 

-         Olson, Carl (Ed.), The Book of the Goddess: Past and Present, New York, 1983.

 

-         Preston, James J. (Ed.), Mother Worship: Theme and Variations, Chapel Hill, N.C., 1982.

 

- فراس السواح، لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة (طب 1، 1985)، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

  

[1] محمود درويش، من "خطبة "الهندي الأحمر" – ما قبل الأخيرة – أمام الرجل الأبيض"، أحد عشر كوكباً، دار العودة، بيروت، 1993، ص 40.

 [2] أدونيس، موسيقى الحوت الأزرق (الهوية، الكتابة، العنف)، دار الآداب، بيروت، 2002، ص 264.

 [3] Cf. Éliade, Mircea & Lawrence E. Sullivan, “Earth,” in Encyclopedia of Religion & Mircea Éliade, Mythes, rêves et mystères, pp. 192, 196.

 [4] Cf. “Earth,” in Encyclopedia of Religion & Mythes, rêves et mystères, pp. 192-3.

 [5] Cf. Mythes, rêves et mystères, p. 194.

 [6] راجع: فراس السواح، لغز عشتار، ص 58.

 [7] Cf. Mythes, rêves et mystères, pp. 215-6.

 [8] Cf. op. cit., pp. 221-4.

 [9] Hesiod, Theogonia, 5126 f.

 [10] Homer, “Hymn to Earth,” 1 ff.

 [11] Cf. Mythes, rêves et mystères, pp. 227, 223.

 [12] Cf. op. cit., pp. 212-5.

 [13] عبد الرزاق القاشاني، اصطلاحات الصوفية، بتحقيق وتقديم وتعليق د. عبد الخالق محمود، دار المعارف، القاهرة 1984، ص 111-2.

 [14] Cf. “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [15] Cf. Mythes, rêves et mystères, p. 196.

 [16] Cf. op. cit., pp. 213-4.

 [17] Cf. op. cit., pp. 225-7.

 [18] Cf. op. cit., p. 231.

 [19] Cf. op. cit., pp. 231-2.

 [20] Cf. “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [21] Cf. op. cit., pp. 196-8.

 [22] Cf. op. cit., p. 194.

 [23] Cf. op. cit., p. 194.

 [24] Cf. Mircea Éliade, Forgerons et alchimistes, Nouvelle édition corrigée et commentée, Flammarion, Paris, 1977, « Terra mater, petra genitrix », pp. 35-44.

 [25] Cf. Mythes, rêves et mystères, pp. 209-10.

 [26] Cf. “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [27] Cf. “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [28] Cf. op. cit., pp. 202-4.

 [29] Cf. op. cit., pp. 201, 209.

 [30] Cf. op. cit., pp. 201-2 & “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [31] Cf. op. cit., p. 211 & “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [32] Cf. Mircea Éliade, Initiation, rites, sociétés secrètes, p. 134-5.

 [33] راجع: فراس السواح، لغز عشتار، فصل "عشتار الخضراء"، فقرة "روح القمح"، ص 116-28.

 [34] Šatapatha Brāhmana, 7.2.2.5.

 [35] Michael J. Harner, The Jivaro: People of the Sacred Waterfalls, Garden City, N.Y., 1973 (cited in “Earth,” in Encyclopedia of Religion).

 [36] راجع أيضاً: فراس السواح، لغز عشتار، ص 186-9.

 [37] Cf. “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [38] Cf. Mythes, rêves et mystères, p. 205.

 [39] Pierre Clastres, Chronique des Indiens Guayaki, Paris, 1972, pp. 14-16 (cited in “Earth,” in Encyclopedia of Religion).

 [40] Cf. Mythes, rêves et mystères, p. 206-7.

 [41] راجع: فراس السواح، لغز عشتار، فصل "تموز الخضر"، 263-344.

 [42] راجع: لغز عشتار، فصل "عشتار السوداء"، فقرة "الأم الكبرى سيدة الموت"، ص 207-34.

 [43] Ŗg-veda, 10. 18-10.

 [44] Atharvaveda, 12. 1. 11 & 14.

 [45] Cf. Mythes, rêves et mystères, p. 204.

 [46] Bruce Lincoln, “The Earth Becomes Flat: A Study of Apocalyptical Imagery,” in Comparative Studies in Society and History 25, 1983, pp. 136-53 (cited in “Earth,” in Encyclopedia of Religion).

 [47] Cf. “Earth,” in Encyclopedia of Religion.

 [48] Sophocles, The Theban Plays, tr. by E.F. Walting, Penguin Classics, 1981, “King Oedipus,” p. 26.

 [49] راجع: ديمتري أفييرينوس، "كوكب الأرض كائن حي"، المعرفة، العدد 338، تشرين الثاني 1991، ص 43-64.