الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

 

الأصالة/ المعاصرة: ازدواجية مفروضة أم اختيار؟

 

محمد عابد الجابري

كثيراً ما تطرح إشكالية الأصالة والمعاصرة، في الفكر العربي الحديث والمعاصر، على أنها مشكل الاختيار بين النموذج الغربي في السياسة والاقتصاد والثقافة.. الخ وبين "التراث" بوصفه يقدم، أو بإمكانه أن يقدم، نموذجاً بديلاً، و"أصيلاً" يغطي جميع ميادين الحياة المعاصرة. ومن هنا تصنف المواقف إزاء هذا "الاختيار" إلى ثلاثة رئيسية: مواقف "عصرانية" تدعو إلى تبني النموذج الغربي المعاصر بوصفه نموذجاً للعصر كله، أي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخياً كصيغة حضارية للحاضر والمستقبل. ومواقف "سلفية" تدعو إلى استعادة النموذج العربي الإسلامي كما كان قبل "الانحراف" و"الانحطاط"، أو على الأقل: الارتكاز عليه لتشييد نموذج عربي إسلامي أصيل يحاكي النموذج القديم في ذات الوقت الذي يقدم فيه حلوله "الخاصة" لمستجدات العصر. ومواقف "انتقائية" تدعو إلى الأخذ بـ"أحسن" ما في النموذجين معاً والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تتوافر لها الأصالة والمعاصرة معاً.

وواضح أن الأمرلا يتعلق بثلاثة مواقف تفصل بينها حدود واضحة، بل ثلاثة أصناف من المواقف يضم كل صنف منها اتجاهات متعددة تتلون في الغالب بلون الإيديولوجيات السائدة. وهكذا نجد من بين دعاة المعاصرة من يحملون إيديولوجيا ذات مضامين ليبرالية، وآخرين يبشرون بايدولوجيا اشتراكية، تطورية إصلاحية، أو ماركسية لينينية، كما نجد فيهم صاحب النزعة القطرية الضيقة، وداعية القومية العربية، وقد يتفقان أو يختلفان في المضمون الإيديولوجي الذي يعطيه كل منهما لدعوته: ليبرالي، اشتراكي.. الخ. أما دعاة الأصالة فتتوزعهم، هم كذلك، عدة اتجاهات: فمن سلفيين رافضين لكل نظم العصر ومؤسساته وفكره وثقافته باعتباره عصر "جاهلية" يجب تركه جملة وتفصيلاً والعودة إلى "النهج" الأصيل، إلى إسلام السلف الصالح الذي يتحدد أساساً بعصر الرسول.. إلى سلفيين معتدلين يقبلون من حضارة العصر ومؤسساته ما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو ما يمكن تبريره داخلها، وفي ذات الوقت يوسعون من دائرة "السلف الصالح" لتشمل كل العصور الإسلامية المزدهرة وبكيفية خاصة تلك التي كان الخليفة فيها "صالحاً" يعمل بأوامر الدين ويستشير أهل الحل والعقد الخ.. إلى سلفيين مؤولين، أقصد أولئك الذين يدعون إلى البحث في نظم الحضارة العربية الإسلامية وقيمها عن أشباه ونظائر لمؤسسات الحضارة المعاصرة وقيمها، والأخذ بها بوصفها أسماء أو صيغاً جديدة لمؤسسات وقيم عربية إسلامية "أصيلة". أما التوفيقيون فهم أكثر تشعباً: منهم السلفي ذو الميول الليبرالية، ومنهم الليبرالي ذو الميول السلفية، ومنهم الماركسي الأممي، والماركسي العربي، والقومي الليبرالي، والاشتراكي القومي، والسلفي العروبي، والعروبي العلماني ذو الميول السلفية، والعلماني العروبي ذو الميول الليبرالية، أو الماركسية، إلى غير ذلك من التركيبات "المزجية" التي يمكن صياغتها من الألقاب المنتثرة في النساحة السياسية والفكرية العربية.

ماذا تعنيه هذه التصنيفات المتشعبة بالنسبة لموضوعنا؟

لنلاحظ أن الأمر يتعلق في الحقيقة لا بتصنيف على مستوى واحد، بل بتصنيف على مستويات ثلاثة: هناك المستوى الذي يتحدد بالزوج الأصالة/ المعاصرة، وهناك المستوى الذي يتحدد بالزوج الليبرالية/ الاشتراكية، وهناك المستوى الذي يتحدد بالزوج القطرية/ القومية. وعلى الرغم من تداخل هذه المستويات وتشابكها في الساحة الفكرية العربية، وأحياناً كثيرة في فكر الفرد العربي الواحد، فإنه من الضروري، على الأقل من الناحية المنهجية، الفصل بينها بصورة تجعل كل واحد منها ميداناً لنوع خاص من الاختيارات والإشكاليات. وهكذا فإذا كان واضحاً أن المستوى الثاني الذي يتحدد بالزوج الليبرالية/ الاشتراكية هو ميدان الاختيارات الإيديولوجية أي الاختيارات التي تعبر بصورة مباشرة عن المصالح الاجتماعية الطبقية، فإن المستوى الثالث الذي يتحدد بالزوج القطرية/ القومية هو ميدان القرار السياسي "العربي" باعتبار أنه يطرح قضية "الدولة" في الوطن العربي: هل ينبغي أن تبقى قطرية، أم أنه يجب أن تكون واحدة أو اتحادية (ونحن نضع هنا هذه المسألة على المستوى السياسي لأننا نؤمن أن قضية الوحدة العربية قضية سياسية في الدرجة الأولى، أي أنها رهينة القرار السياسي. فلو ن استفتاء حراً نزيهاً أجري في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج حول هذه المسألة لاختارت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية دولة الوحدة على الدولة القطرية). أما المستوى الأول الذي يتحدد بالزوج الأصالة/ المعاصرة، وهو موضوع بحثنا، فهو في نظرنا لا ينتمي لا إلى ميدان الاختيارات الإيديولوجية ولا إلى ميدان القرار السياسي، بل هو ينتمي إلى ميدان آخر هو ميدان الإشكاليات النظرية، بالمعنى الذي أعطيناه لمفهوم الإشكالية في مقدمة هذا البحث.

ومن أجل تجنب الانزلاق مع مثل هذه الطروحات المغرية، ومن أجل تحليل أعمق لمضمون وأبعاد الإشكالية التي نحن بصددها، نقترح الانطلاق من وضع الطرح السائد موضع السؤال، فنقول: هل يتعلق الأمر فعلاً بـ"اختيار"؟ هل ما زلنا، نحن العرب في وضعية تسمح لنا بـ"الاختيار" بين ما نسميه "النموذج الغربي" وما نحلم به من نموذج "أصيل" نستعيده أو نستوحيه من تراثنا الفكري الحضاري؟

أعتقد انه يجب الاعتراف بأننا لا نملك اليوم، وأكثر من ذلك أعتقد أننا لم نكن نملك منذ اصطدامنا بالنموذج الحضاري الغربي المعاصر، حرية الاختيار بين أن نأخذ به وبين أن نتركه. لقد فرض هذا النموذج نسه علينا منذ بداية التوسع الاستعماري الأوروبي، وبكيفية خاصة وحاسمة منذ القرن الماضي، فرض نفسه علينا كنموذج "عالمي"، كنموذج حضاري جديد للعالم كله يقوم على جملة من المقومات لم تكن موجودة في النماذج الحضارية السابقة له، مثل التنظيم العقلاني لشؤون الاقتصاد وأجهزة الدولة، واعتماد العلم والصناعة، والتبشير بقيمٍ جديدة تماماً، قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.. الخ. لقد فرض هذا النموذج الحضاري الجديد نفسه علينا بوسائله هو: فمن التبادل التجاري غير المتكافئ، إلى التدخل في الشؤون المحلية بذريعة الدفاع عن حقوق أقلية من الأقليات أو حماية مصالح معينة، إلى الحكم المباشر، إلى الهيمنة الاقتصادية والسيطرة الثقافية والإيديولوجية. والنتيجة من كل ذلك: غرس بنيات النموذج الغربي في بلداننا، في العمران والفلاحة والصناعة والتجارة والإدارة والثقافة، وربطها بالبنية الرأسمالية الأم في أوروبا. هكذا وجد العرب أنفسهم، كما وجدت الشعوب المستعمرة كلها نفسها، أمام عملية "تحديث" كولونيالي لبعض القطاعات في المجتمع، هي تلك التي تهم المستعمر أكثر من غيرها، عملية "تحديث" لم تستنبت أسسها في الداخل بل نقلت من الخارج جاهزة وغرست غرساً، بالإغراء حيناً وبالقوة حيناً آخر، في مجموعة من القطاعات التي أصبحت تشكل، بعد الاستقلال، الهياكل الأساسية للدولة الحديث في بلداننا.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإذا كنا لم نختر النموذج الغربي بمحض إرادتنا فنحن بالأحرى لم نختر ما تبقى لدينا وفينا من النموذج "التراثي"، أعني الموروث من ماضينا: لم نختره لأنه إرث والإنسان لا يختار إرثه كما لا يختار ماضيه وإنما يجره معه جراً وأكثر من ذلك يستمسك به ويحتمي داخله عندما يجد نفسه معرضاً لأي تهديد خارجي. وهل هناك من تهديد خارجي أكثر استفزازاً للذات وأكثر خطورة على الهوية والأصالة والخصوصية من زحف نموذج حضاري على نموذج حضاري آخر. وإذن فإلى جانب البنيات الحديثة المنقولة إلينا من الغرب، والمغروسة غرساً في قطاعات معينة من حياتنا، بقيت هناك بنيات قديمة موروثة من ماضينا تحتفظ بوجودها، وأحياناً بكامل قوتها وصلابتها، في قطاعات أخرى أو داخل القطاع الواحد مما أصبح يطلق عليه، في بعض البلدان العربية على الأقل، اسم "القطاع التقليدي"، والنتيجة إن أصبحت مجتمعاتنا، ولربما كل أقطار العالم الثالث، تعاني من ازدواجية صميمة على مختلف المستويات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية، ازدواجية تتمثل في وجود قطاعين، أو نمطين من الحياة الفكرية والمادية، أحدهما "عصري" مستنسخ من النموذج الغربي ومرتبط به ارتباط تبعية، وثانيهما "تقليدي" أو "أصلي" أو "أصيل" ـ ولا مشاحة في الأسماء فالمسمى واحد ـ هو استمرار للنموذج "التراثي" في صورته المتأخرة المتحجرة المتقوقعة، نجد القطاعين معاً، منفصلين أو متوازنين أو متداخلين بعض التداخل، يتنافسان ويتصادمان في حياتنا اليومية، على صعيد واقعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كما على صعيد وعينا ونمط تفكيرنا.

وإذن فالمشكل الذي يواجهنا ليس مشكل أن نختار بين أحد نموذجين ولا مشكل أن نوفق بينهما، بل إن المشكل الذي نعاني منه هو مشكل الازدواجية التي تطبع كل مرافق حياتنا المادية والفكرية، لا بل المشكلة في الحقيقة هي ازدواجية موقفنا من هذه الازدواجية: نحن نقبل هذه الازدواجية على صعيد واقعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي فنبني مخططاتنا التنموية على أساس "تنمية" هذا الواقع المزدوج: نصرف على القطاعات "العصرية" من أجل تدعيمها وتوسيعها باسم "التحديث"، كما نصرف على القطاعات "التقليدية" من أجل الإبقاء عليها وإحياء المندثر منها، باسم "الأصالة" والحفاظ على "التقاليد"، ولكننا، وفي ذات الوقت، نرفض هذه الازدواجية على صعيد آخر: صعيد الحياة الروحية والفكرية، فريق يدعو إلى تبني القيم الفكرية العصرية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من النموذج الحضاري الغربي، وفريق آخر يدعو إلى التمسك بقيمنا التراثية وحدها، وفريق ثالث يلتمس وجهاً أو وجوهاً للتوفيق، الشيء الذي يعني محاولة التخفيف من وقع هذه الازدواجية على الوعي، ليس إلا.

نعم، قد تظهر بين وقت وآخر مواقف جذرية "راديكالية" ـ ولكن على صعيد الخطاب فقط ـ بعضها يدعو إلى رفض كل المظاهر الحديثة في حياتنا بل وفي العالم كله ويصفها بـ"الجاهلية" وبعضها الآخر يدعو إلى التخلي عن كل المظاهر الموروثة من ماضينا وينعتها بـ"التخلف".. غير أن مثل هذه المواقف لا تعدو أن تكون مجرد ردود أفعال غير مراقبة، ومن الخطأ الجسيم إعطاؤها أكثر مما تستحق والنظر إليها على أنها أكثر من مواقف وآراء "شاذة" تقع على هامش حركة التطور، وقد عرفتها وتعرفها جميع النماذج الحضارية بما في ذلك النموذج الأوروبي المعاصر ذاته الذي ما زالت تتردد فيه من حين لآخر أصداء لأصوات "الرفض" الشاذة المنبعثة من اليمين أو من اليسار، وهي أصوات عرفتها الحضارة العربية الإسلامية في أزهى عصورها، أصوات "النوابت" ـ حسب تعبير الفارابي ـ التي لا يخلو منها أي مجتمع مهما كان راقياً متقدماً.