الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

العودة المحزنة إلى البحر 1

 

الصادق النيهوم

الحلقة الأولى

 

السؤال المسطح الذي يلهث العالم وراء إجابته طوله في الواقع أربع كلمات = (ماذا يحدث لحضارة أمريكا ؟ ).. والمرء يتصور بالطبع إن ذلك يخص الأمريكيين وحدهم، وأن الإجابة الصحيحة لابد أن تصل من الداخل، ولكن أمريكا أيضا لا تعرف إجابة محددة.. إنها تعاني مرضاً غامضاً مميتاً بعيد الغور يستطيع المرء أن يسمعه يتنفس في كل المدن المنسقة الشوارع، ولكنه لا يستطيع أن يعرف كنهه قط. مرض يشبه رائحة جثة غير مرئية تتعفن في مكان ما من ذلك العالم المترامي الأطراف، ولا يعرف أحد مكانها بالضبط. وحضارة أمريكا تجربة فريدة في تاريخ العالم المادي. أنها قمة المحاولة التي بدأت منذ بضعة آلاف من السنين لحل مشاكل الإنسان المادية بزيادة الإنتاج وتحسين الصنف وهي أيضاً نقطة النهاية التي وصلت إليها الأحلام الإنسانية القديمة بتوفير أكبر قدر من ( الحرية ) داخل أكبر قدر من فرص النظام (الديمقراطي) لتحقيق الغايات النهائية للرخاء. فليس ثمة شعب آخر - في تاريخ العالم بأسره - بنى حضارة متكاملة نظرياً كما فعل الشعب الأمريكي وليس ثمة شعب أيضاً حقق أسطورة (الكفاءة ) المادية كما تتحقق الآن في الآلة الفولاذية المجنونة التي تدور بلا توقف في مدن الولايات المتحدة. أن ( الكفاءة ) كانت الهدف الحقيقي لكل الحضارات منذ أن أكتشف الإنسان - في إحدى لحظاته المشحونة باليأس - أنه لا يستطيع أن ينال حاجته من الغذاء باصطياد الأرنب البري إلا إذا تعلم كيف يصبح أكثر ( كفاءة ) من ذلك الأرنب. وقد بدأ الإنسان فاخترع السهم، واصطاد به أرنباً برياً. و اكتشف إذ ذاك أن السهم يستطيع أن ينطلق بسرعة أكثر، ويضرب بدقة أكثر، وأن بوسعه أن يقف في مكانه ويتركه ينطلق وراء الصيد دون أن يكلف نفسه مشقة الجري. وصنع الإنسان كثيراً من السهام، وتعلم كيف يصبح أكثر ( كفاءة ) من الحيوانات البرية التي لا تعرف كيف تزيد كفاءتـها عن الحد الطبيعي، ولكـن الإنسـان تـورط أيـضاً في صراع غـير متوقـع مع بقية الصيادين. فجودة السلاح تعني وفرة الطعام، ووفرة الطعام تعني زيادة مطردة في النسل، وقد تزايد هذا الجنس الكفء وطفق يزحم معظم المناطق حتى أصبح السهم سلاحاً قديماً مفتقراً إلى الكفاءة التي يتطلبها صراع المنافسة.. وصنع الإنسان بندقية. وصنع أشياء كثيرة أخرى.. وظل طوال تاريخه الحضاري يجـري بـلا توقـف وراء تحقيق مزيد من (الكفاءة) في كل اتجاه عبر تلك اللعبة القديمة المشحونة بالأشعار والفلسفة التي تدعي (بالتطور). وأنا أريد أن ألفت النظر هنا إلى أن كلمة الكفاءة معناها في الواقع زيادة القدرات المادية وحدها، وهي منحة لا يتميز بها سوى الإنسان العاقل، فالحيوانات لا تستطيع أن تزيد كفاءتها في الجري أو في مصادر القوة إلا بمقدار ضئيل للغاية، أما الإنسان فأنه يستطيع أن يتحرك بسرعة ألف ميل في الساعة ويستطيع أيضاً أن يرفع معبد أبي سنبل من مكانه. وهذه - في الواقع - لعبة التطور من الداخل.. أنها مجرد سعي متصل لتحقيق مزيد من ( الكفاءة ) خارج جدران الطبيعة الصلدة، وليس ثمة شيء واحد في حضارات العالم لم يتم بناؤه لهذا الغرض سوى الديانات المقدسة. فالدين لم يأت لزيادة قوة الإنسان المادية بل لإرشادها، رغم أنه خضع دائماً لعمليات التشويه المباشرة من قبل رجال الدين، أما بقية الأفكار التي نضجت في تاريخ الحضارة الإنسانية فقد ظلت على الدوام مصدر أمل غامر في زيادة ( الفعالية ) الإنسانية تجاه العالم المادي. وأنا أتعمد هنا أن أغفل مهمة الفن، لأنني - في الواقع - أعتبر ذلك في أكثر صوره أصالة جزءاً من الاتوبيا الكلية المتمثلة في الدين. فالإنسان حيوان يبحث عن الله.. أن ذلك - فيما يبدو - هو الغاية النهائية للوجود بأسره، والمرء لا يستطيع أن يجد تفسيراً أكثر إقناعاً لظاهرة الفن في العالم، ولكن المرء أيضاً يستطيع أن يقول بهدوء أن الحضارات الإنسانية التي عرفها التاريخ حتى الآن لم توفق قط بين هذه الغاية وبين فخ الكفاءة المادية. فالصراع يبدأ دائماً في الوقت المناسب ويجعل الدين أو الفن يتأخر إلى المرتبة الثانية لكي تحتل ( الكفاءة ) المرتبة الأولي. وقد حدث ذلك بعد بضعة أعوام من نزول التوراة، و حدث بعد بضعة أعوام من تبني الدولة الرومانية للدين المسيحي وحدث بعد عشرين عاماً فقط من نزول القرآن، وتمخض دائماً عن قيام هيئات سياسية خاصة تهدف بصورة ما إلى تحقيق مزيد من ( الفعالية ) المادية. فالإنسان تأكله المادة عبر ذعره الطبيعي من تهديد بقائه.. والإنسان بتنازعه عالمان متناقضان إلى حد مذهل، أحدهما يجره إلى السماء بقلبه والآخر يربطه إلى الأرض بقدميه وقد أثبت في فترات متباعدة أنه يستطيع أن يحقق صعوده إلى أعلى ولكنه في أغلب الأحيان ظل سجين أحلامه المتناهية البساطة، وظل يلهث وراء مزيد من ( الكفاءة ) المادية، مدفوعاً برغبة جامحة في تحقيق مستوى الحياة الأفضل، وامتلاك الأسلحة الأفضل، والجلوس في أقرب مكان ممكن إلى جنته الوهمية. وقد عملت الحضارات في هذا الاتجاه وحده سبعة آلاف عام بلا انقطاع.. وتم تطوير كل الأدوات البسيطة والنافعة التي وضعها الإنسان في سباق مع الزمن، وأصبحت الميزة الحقيقية لكل عصر جديد أن ( يخترع ) مزيداً من الأدوات الأكثر كفاءة ويضع الأدوات القديمة في المتحف. فالمحراث البسيط الصنع الذي ظلت الثيران تجره في حضارة مصر الفرعونية يبدو بجانب المحاريث الميكانيكية العالية الكفاءة في حضارتنا المعاصرة مجرد لعبة لا جدوى من ورائها. ومع ذلك فإن الفرق الوحيد بين هاتين الآلتين لا يزال في الواقع مجرد فرق في مقدار الكفاءة. فالحضارة تمشي في اتجاه واحد على خط مستقيم، وليس ثمة ما يفصل بين أية نقطة على الطريق وبين النقطة التالية سوى المسافة نفسها. أن التطور لا يحدث في داخل الإنسان إلا بمقدار ضئيل للغاية، ولكنه يحدث خارجه بوضوح يعادل الفرق بين عربات رمسيس التي تجرها الأحصنة في مقدمة الجيش وبين الدبابات الفظيعة التي تؤدي الآن نفس المهمة في أدغال فيتنام *. أما هدف الحرب نفسه فإنه لم يتغير. وهذا كل ما لدينا حتى الآن.. مجرد محاولة متصلة لإيجاد آلة أفضل تؤدي مهمتها في خدمة أغراضنا بفعالية أكثر من الآلة السابقة، والمرء بالطبع لا يعني هنا أن ذلك كله كان ضد مصلحة الإنسان، فالواقـع أن هذا الحكم من مهمة الله وحده، ولكن المرء يستطيع أن يعلن بثقة أن لعبة ( الكفاءة ) التي ظلت تمد حضاراتنا بالأهداف والقيم وظلت المصدر الحقيقي لتطور عالمنا المعاصر في ميدان الآلة لم تثبت حتى الآن أنها تستطيع أن تتجنب الخطأ النهائي القاتل وتطوي الإنسان نفسه تحت جناحها الأسود باعتبارها مجرد آلة ملزمة بالتطور المادي. إن ( الكفاءة ) هي هدف الحضارة ولكنها ليست هدف الإنسان.. والكتب المقدسة تقرر هذه الحقيقة في بساطه متناهية تدعو المرء إلى أن يتذكر على الفور الرمز القديم المشحون بالخوف وإظهار الرفض الذي تعلم الإنسان - قبل أن يغادر كهفه الحجري - أن يدعوه باسم ( الشيطان ). فهذا المخلوق الناري المليء بالنوايا السيئة لا يتسبب في إيذاء أحد إيذاء مباشراً ولكنه يقوده على الدوام إلى حتفه النهائي، وذلك بالضبط ما فعلته نظرية الكفاءة في جميع الحضارات. أنها تأخذ بيد الإنسان إلى الجحيم.. وتتحرك تحت السطح اللامع في صلادة مطلقة جنباً إلى جنب مع رغبة الإنسان نفسه في تحقيق الشيء المادي الأفضل ثم تأخذ بخناقه ذات يوم ويكتشف في قبضتـها أن ( الشيطان ) قد خدعه دون أن يدري. وفي الولايات المتحدة حدث ذلك بصورة واضحة إلى حد لا يطاق .. وبدأ الإنسان الأمريكي يلمس الشيطان بأطراف أصابعه عبر محنته غير المتوقعة في مدن أمريكا النظيفة المنسقة الشوارع وأعلن برتراند راسل في لهجة رثاء لا يخطئها السمع أن الحضارة المعاصرة قد وقعت مرة أخرى فريسة المرض القديم الغامض العميق الغور الذي وجده الإنسان في طريقه منذ أن تعلم المشي في مصر الفرعونية ثم أعلن بعد ذلك أنه ليس ثمة مفر من ( السقوط ). فماذا حدث بالتفصيل ؟ أنا أعتقد أن الأمر يمكن تتبعه بيسر مطلق، وأعتقد أن كلمة ( الكفاءة ) تستطيع أن تعمل بمثابة مفتاح موثوق به لحل معظم أجزاء هذا اللغز. ولكن ذلك سوف يحتاج إلى بعض الوقت

 

الحلقة الثانية

بداية الطريق

 

‏مرة أخرى - وبرغبة متعمدة في التكرار - ماذا تعني كلمة " الكفاءة " ؟.. الإجابة المباشر أنها ( الهدف النهائي للحضارة)، أي نقطة الانطلاق الذي لا يتوقف أبداً على طريق التطور. ولكن هذا اللغز نفسه في حاجة إلى شرح، فالمرء لا يرى أصلاً ماذا تعني كلمة التطور. وأنا أختار هنا وسيلة المقارنة لتحديد هذه الكلمات المعقدة في تاريخنا المعاصر، وأدعوكم إلى أن تضعوا كل شيء جانباً وتبحثوا برتابة عن ( الفرق ) الحقيقي بين إنسان القرن العشرين وبين أي فلاح مصري عاش في عصر الأهرام. الفرق بالطبع لابد أن يظهر بوضوح، ولابد أن يلمسه المرء بأصابعه أيضاً إذا قرر مثلاً أن يختار قمة الحضارة في هذا القرن ويبدأ المقارنة بين الفلاح المصري مباشرة وبين أي مواطن أمريكي يعيش الآن في لوس أنجيلوس المضاءة بمصابيح النيون. والفرق هنا يعني بالضبط (أربعين قرناً من التطور). أي أربعين قرناً من المحاولة الدائبة لزيادة ( الكفاءة ) البشرية. والمرء يستطيع بعد ذلك أن يلمس كل شيء بأصابعه. فالفلاح المصري كان يعمل بمحراث تجره الجاموسة والفلاح الأمريكي المعاصر يعمل الآن بمحراث تزيد قوته عن قوة جميع الجواميس التي عاشت في عصر خوفو بأسره. والفلاح المصري كان يرحل إلى ( طيبة ) لكي يدفع الضرائب راكباً حماره الرمادي، والفلاح الأمريكي المعاصر يدفع ضرائبه الآن للعقل الإلكتروني الذي يقع في الطابق الأول من مبني ( الخزينة )، ويستطيع أيضاً أن يسافر إلى واشنطن لتقديم شكوى تخص ضرائبه ثم يعود في نفس اليوم رغم أن المسافة - في الواقع - قد تزيد على المسافة بين طيبة وبين قرية الفلاح المصري بنحو خمسة آلاف مرة. هذا بالطبع فرق هائل، ولكنه - مع ذلك - ليس كل الفرق. فالفلاح المصري كان مصاباً بسوء التغذية، وكان أطفاله يموتون في الغالب خلال العام الأول، وكان يعيش في مغارة مبنية بالقش ويعمل أكثر من خمس عشرة ساعة في اليوم ويموت مثل بقية الحيوانات في مزرعة سيده. والفلاح الأمريكي ليس مصاباً بسوء التغذية، بل إنه - في الواقع - يزيد في حجمه عن أي فلاح آخر في التاريخ، وهو يظفر برعاية طبية كاملة ويعيش في بيت صحي مزود بجهاز التدفئة، ويذهب لقضاء أجازته السنوية في جزر الكناري ويستطيع أن يجعل رئيس الجمهورية يفقد مقعدة إذا اكتشف أنه لم يعد يرغب في بقائه. الفلاح الأمريكي ( يتقدم ) عن الفلاح المصري الذي عاش في عصر الأهرام بمسافة تزيد عن أربعين قرناً. هذا موجز القصة بأسرها. وهذا أيضاً ما ندعوه نحن بكلمة غامضة واحدة ( التطور ). فأين حدث (التطور) على وجه الضبط؟..

 

في المحراث ؟..

في الحمار الرمادي ؟..

في جهاز التدفئة ؟..

في السكة الحديد ؟..

في قوانين التأمين وسحب الثقة من رئيس الجمهورية ؟..

في الجرائد اليومية ؟..

الإجابة المتوقعة أنه حدث في كل شيء .. ولكن تلك الإجابة ليست على أي حال صحيحة تماماً. والخطأ الذي تحمله كلف الإنسان كل ما يعانيه الآن في جنته الوهمية. إن التطور حدث حقاً في كل شيء ما عدا ( جهة ) واحدة واضحة المعالم ظلت دائماً كما هي، وظلت بدون تغيير من أي نوع. هذه الجهة تكمن في الداخل في صدر الفلاح المصري والأمريكي معاً، وفي صدر كل إنسان آخر ضمته الحضارات المادية. أنها بالضبط (الرغبة ذاتها في تحقيق التطور)، فالفلاح المصري أيضاً كان يبحث عن محراث أكثر ( كفاءة )، وعن منجل أسرع في تأدية خدمة الحصاد، وعن أي شيء يستطيع أن يضيفه إلى رصيده من ( المواد ) التي تزيد كفاءته. وهذه - في الواقع - نفس الرغبة التي دفعت الفلاح الأمريكي إلى اختراع محراثه الحديث واختراع الطائرة والعقل الإلكتروني. والتطور يحدث بالطبع في كل شيء يريد الإنسان أن يزيد كفاءته، ولكنه لا يحدث في نوع هذه الإرادة أبداً إلا في ظروف نادرة. والقول بأن (التطور) يحدث في كل شيء يدعو إلى تجاهل هذه الحقيقة بطريقة لا تغتفر، ويجعل المرء يحس بأن ثمة أكذوبة هائلة في تاريخ هذا العالم تنمو بداخله في اطراد لكي تعمل على تدميره في نهاية المطاف إذا عجز من أتلافها في الوقت المناسب … ذلك الإحساس العميق الغور الذي ما فتئ الإنسان يواجهه برهبة منذ أن بدأ يعلق التعاويذ السحرية داخل كهـفه البـدائي لطرد ( الشيطان ) إلى أن بدأ محاولته المعاصرة المتسمة باليأس التي تمثلت في إقامة مبني الأمم المتحدة لتأدية نفس الهدف تقريباً. إننا نحس بمصادر الشر في العالم. هذا واضح في كل المجتمعات المتطورة والبدائية على السواء. ونحس بأن علينا أن نتجنب الوقوع في تلك المصادر بطريقة أو بأخرى. والشعوب البدائية تعلق التعاويذ السحرية لتحقيق هذه الغاية، والشعوب غير البدائية تعمل بالأرقام لرفع مستوى الحياة وزيادة فرص التعليم لنفس الغاية أيضاً، ولكنها جميعاً تحس بوجود (الشر) وتحس بأنه ليس في طبيعة العالم بل يأتي إليه من الخارج. وأن الإنسان يستطيع أن يبني عالماً حقيقياً بدون (الشيطان).

هذه أذن اللعبة من الداخل. وهي في صيغة جديدة أكـثر بساطـة.. مجرد محاولة (لجعل) الحياة (محتملة)، وأنا هنا أريد أن أذكر كلمة أخرى - قديمة مثل الإنسان نفسه تقريباً - تأتي في كل اللغات لتعني أهداف هذه المحاولة في صيغة واحدة (البحث عن السعادة). الهدف النهائي والعظيم والخالد .. هو السعادة. والهدف الأصلي في الواقع هو غريزة حب البقاء السعيد. وهنا يتحرك المرء عند منقطة الصفر في اتجاه لا شيء تقريباً. ويبدو العالم بأسره غير مجد إلى حد كاف. ولكن الحقائق المسطحة تبقي صامدة إلى النهاية. إن الإنسان قد جاء إلى هنا لكي يبقي ولديه أيضاً كل ما يحتاجه لتأمين هذا البقاء ضد معظم أعدائه. ولكن البقاء وحده لا يكفي الإنسان أنه يريد أن يؤدي تلك المهمة الشاقة دون حاجة إلى الألم. يريد أن يتجنب معاناة الوجود نفسه .. يريد - بكلمة بسيطة أخرى - أن (يعيش) أولاً، ثم.. (يعيش سعيداً).. والإنسان من أجل ذلك اخترع المحراث بدل أن يحفر الأرض بأظافره ثم وضع وراءه الجاموسة لكي تجره له بدل أن يضطر لجره بنفسه ثم وضع جاموستين ثم صنع محركاً يعادل قوة تسعين جاموسة وما يزال يبحث عن مزيد من المحاريث. والإنسان يفعل ذلك لكي يحافظ على بقائه أولاً، ولكي يؤدي هذه المهمة بأكبر قدر من الكفاءة أي بأقل قدر من الإرهاق وهذا كله يدعوه المرء في القاموس (بالتطور) من باب الإيجاز ولكنه في الواقع ليس اتجاهاً واحداً فقط .. إنهما اتجاهان لتحقيق غاية واحدة. الجهة الأولى تطور روحي إلى الداخل والجهة الثانية تطور مادي إلى الخارج. وأنا أريد أن أقول ذلك هنا بصيغة أخرى: إن الإنسان جاء ليبقي - كما يقال - وأكتشف بعد ذلك أن البقاء وحده لا يحتمل بل لابد أن يؤدي المرء تلك المهمة بطريقة خاصة خالية من الألم. وقد اكتشف الإنسان اتجاهين مختلفين بطريقة غير أصيلة، اتجاها للبحث عن السعادة في الداخل، واتجاها للبحث عن السعادة في العالم وقرر أن يمضي في تجربة هاتين اللعبتين المريعتين عبر كل الحضارات. وهو الآن في هذا القرن بالذات - يستطيع أن يلمس بأطراف أصابعه، ويستطيع أن يتنبأ بمدي الألم القادم في نهاية المطاف. فالإنسان - بعد أربعين قرناً من البحث عن السعادة - ليس سعيداً !.. والفلاح الأمريكي الذي يتقدم عن الفلاح المصري بأربعة آلاف عام من التطور والحضارة ليس في الواقع أكثر سعادة منه. أنهما معاً يعانيان آلام وجودهما بدرجة واحدة من القلق، وإذا كان ذلك الفلاح القديم مجرد معاناة تاريخية غير محددة فإن الفلاح الأمريكي معاناة في عالمنا المعاصر يستطيع المرء أن يلمسها بأصابعه ويستطيع أيضاً أن يلتقط صورها على حافة الرصيف في مدينة لوس أنجيلوس. أن هذا الإنسان المتطور يعاني من مشاكل وجوده إلى حد لا يطاق. وهو - رغم كل ما يملكه - لا يستطيع أن ينقذ نفسه من آلام حضارته أكثر مما استطاع ذلك الفلاح المصري القديم أن ينقذ نفسه من ظروف العالم البائسة في عصر الأهرام .. وإذا كان ثمة حقيقة يمكن أن يلمسها المرء حقاً بأصابعه، فإن معاناة الإنسان المتحضر في الولايات المتحدة هي بالضبط تلك الحقيقة القبيحة. وأنا هنا أريد أن أنقلها لكم بالتفصيل.. وأريد أن أعتمد على الترجمة المباشرة من المصادر الأمريكية نفسها لكي لا أتورط في أحد فخاخ الدعاية المعادية. وأريد أن أتحدث عن ( الحضارة الكبرى ) التي نبتت خلال هذا العصر في الولايات المتحدة وعن الرجل الأمريكي الذي بناها. وأنا أتمني أن أتمكن من تحقيق ذلك قبل أن ينسى أحد ما، أنني لا أتعرض لأمريكا بالذات إلا باعتبارها القمة الحقيقية لحضارة العالم المعاصرة، وأنني لا أملك هدفاً أكثر وضوحاً من نقل الواقع في أقرب صورة إلى الأصالة. وموجز اللعبة بأسرها أن حضارة أمريكا جاءت لتحقيق حلم إنساني عظيم في (جعل الحياة محتملة) بزيادة عنصر الكفاءة في قوة المحراث وقوة الحمار الرمادي وقوة موس الحلاقة وقوة القوانين والأفكار والخطط. وحضارة أمريكا حققت شوطاً طويلاً جداً في هذا الطريق المعقد، وبدأت على وشك أن تشرع في تحقيق بعض المعجزات الخاطفة. فهل تحقق حلم الإنسان ؟. هل اقترب المواطن الأمريكي المعاصر الذي يملك القوة والكفاءة خطوة واحدة نحو هدفه النهائي ؟.. أنا أعتقد أنه ليس ثمة إجابة أفضل من أن يعرض المرء هنا نموذجاً كاملاً لمواطن أمريكي في الزحام.

 

الحلقة الثالثة

الرجل الأمريكي

تقرير مترجم عن " رالف وينتر "

 

مستر ( أتشوك ) عمره 44 سنة ولكنه ما يزال يبدو مثل تمثال برونزي متناسق البناء .. يملك بيتاً عصرياً في ضاحية ( سان فرناندو ) بمدينة لوس أنجيلوس مزود بحوض للسباحة وملعب للتنس.. ولديـه يخت شراعي في مرفأ ( مارينا دي رافي ) وزوجة شقراء وولدان وعربتان في جاراج البيت. والمستر أتشوك يعمل مهندساً في إحدى الشركات التي تقوم ببناء الأقمار الصناعية لحساب الجيش الأمريكي. عمل معقد، أليس كذلك ؟.. يستمر أحياناً حتى بعد منتصف الليل خصوصاً إذا حدثت صعوبات مفاجئة أمام الفريق الذي يرأسه مستر أتشوك في أحد أقسام تطوير الأجهزة الإلكترونية، ولكنه يحب عمله على أي حال ويحب أن يحل مشاكله التكنولوجية التي تبدو بالنسبة له مجرد تحديات صغيرة لقدراته العلمية غير المحدودة، ثم إنه - إلى جانب ذلك - يتقاضى راتباً معقولاً يصل إلى ستة وثلاثين ألف دولار في السنة.. مستر أتشوك - بكلمة واحدة - رجل أمريكي مثالي من جميع الوجوه.. وهو ينهض مبكراً كل يوم ويقفز في حوض السباحة المقام أمام البيت ويسبح عشرين دقيقة كاملة لكي يحافظ على لياقته البدنية، إلى جانب مباريات الجولف في عطلة الأسبوع والتمرينات الخاصة التي يعذب بها نفسه في البدروم بين أدوات رفع الأثقال ورمي الجلة ونط الحبل.. والمستر أتشوك يفعل ذلك لأنه يعرف أن عليه أن يحافظ على لياقته البدنية إذا كان يريد أن يحتفظ بعمله. فالمدينة مليئة بالمهندسين صغار السن الذين يستطيعون أن يحلوا محله في أي وقت إذا رأت الشركة أنه لم يعد قادراً على القيام بأعباء عمله المرهق، وميدان المنافسة بين الشركات في لوس أنجيلوس لا يسمح قط بمراعاة شيء آخر سوى تأدية العمل المطلوب بالكفاءة المطلوبة في الوقت المطلوب. ولكن المستر أتشوك ما يزال في حالة جيدة، وما يزال قادراً على نط الحبل خمس دقائق كاملة بلا توقف، وما يزال يحس بأن أحداً من المهندسين صغار السن الذين يعملون تحت قيادته لا يعرف عن الأقمار الصناعية أكثر منه، رغم أن هؤلاء المهندسين - في الواقع - قد وصلوا حديثاً من الجامعة وتلقوا تدريباً أفضل كثيراً مما تلقي المستر أتشوك. على أي حال. لقد مضي كل شيء في طريقه المرسوم بضع سنوات متوالية. وأطلقت الولايات المتحدة مجموعة من سفن الفضاء التي شارك المستر أتشوك في صنعها مع مئات الألوف من المهندسين الآخرين، وأستقبل العالم سفن الفضاء الأمريكية بالتصفيق والذهول، وكتبت عنها الصحف في كل اللغات بالخطوط الحمراء.. ولكن أحداً لم يكتب شيئاً عن المستر أتشوك. حسناً.. لقد جاء ذلك الرجل الناجح إلى مقر عمله ذات يوم بعد أن سبح عشرين دقيقة كاملة في حوض السباحة الخاص، واستدعاه مدير الشركة إلى مكتبة وقدم له كأساً من المارتيني ثم قال له بالحرف الواحد: (أنا أعتقد أننا مضطرون للاستغناء عن خدماتك لأننا نزمع أن نعيد بناء الأقسام بطريقة أخرى وسوف ندمج فريقك للعمل مع فريق مشابه في قسم الأجهزة الإلكترونية .. إن علينا أن نضغط مصروفاتنا أمام الارتفاع المطرد في النفقات وندرة العقود الحكومية، وقد أسعدنا أن نعمل معك طوال هذه المدة.. ولكننا لم نعد نملك الآن فرصة للاستفادة من خدماتك). ثم صافحه مدير الشركة وربت على كتفه وحاول معه بضع نكات قديمة غير مقنعة ولكن المقابلة كانت قد انتهت وكان المستر أتشوك قد فقد عمله على أي حال. وفي اليوم التالي لم يسبح المستر أتشوك عشرين دقيقة في حوض السباحة الخاص، ولم ينهض من فراشه على الإطلاق. لقد ظل نائماً حتى الساعة العاشرة ثم تناول إفطاره في غرفة الجلوس وقرأ بضع مقالات في مجلة ( بلاي بوي ). وعند الظهر فعل المستر أتشوك شيئاً سخيفاً لم يفعله قط طوال حياته الماضية. لقد شرب وحده نصف زجاجة من الويسكي. وشرب بعد ذلك النصف الباقي. وفي عطلة الأسبوع شرب مرة أخرى وتشاجر مع زوجته الشقراء بشأن العطل الذي أصاب جهاز التدفئة في غرفة الجلوس. وقد فقدت السيدة أعصابها خلال المشاجرة ودعت زوجها ( خنزيراً فظيعاً خائباً لا يستطيع أن يجد لنفسه عملاً يشغله سوى لعق زجاجة الويسكي ). ثم قالت له أيضاً أنها نادمة على الزواج منه. حسناً لقد كانت السيدة سيئة المزاج إلى حد ما، وكانت تعرف أن المرء عندما يفقد عمله في الولايات المتحدة يفقد في الواقع كل شيء. وقد وهبت نفسها لتقريع المستر أتشوك طوال الأسبوع الأول ثم اكتشفت ذات يوم أن شعره الأسود قد استحال إلى شعلة بيضاء واحدة من الشيب واكتشفت بالطبع أن المستر أتشوك كان يصبغ شعره مقابل خمسة عشر دولاراً للجلسة الواحدة، وأنه كان يفعل ذلك لكي لا يلاحظ أحد في الشركة أنه أصبح رجلاً عجوزاً. وكما يحدث عادة في معظم البيوت الأمريكية السعيدة اتصلت السيدة بالطبيب النفساني وأخبرته أن زوجها مصاب (بعقدة نفسية) وأنه يصبغ شعره ويسكر بنهم (ولا يريد أن يعمل شيئاً آخر على الإطلاق بما في ذلك إطعام " أطفاله " سوى أن يستلقي على ظهره في غرفة الجلوس ويفرغ زجاجات الويسكي..).. وكان المستر أتشوك - في الواقع - يملك أكثر من حاجته من الثروة، وكان حسابه في البنك ما يزال كبيراً إلى حد يبعث على الاطمئنان، وكان (أطفاله) ينالون أفضل طعام ممكن في العالم بأسره إلى جانب أن كل واحد منهم كان يملك عربة سبورت خاصة به، ولكن ذلك كله لا يعني شيئاً في الولايات المتحدة ما دام المرء قد فقد عمله. وكانت السيدة تعرف هذه الحقيقة بطريقة خالية من الشك. وجاء المسـتر أتشوك إلى عيادة الطبيب النفساني وأستلقي على ظهره فوق ( الكوتش ) وطفق ينتحب مثل طفل في الخامسة من عمره ثم قال للطبيب: (أنا بائس وتعس وأريد أن أموت. لقد فقدت عملي ولم يعد لدي ثمة ما أفعله هنا وأريد أن أموت. (الرجل لا ينقذه سوى الموت إذا فقد " عمله ".. وأنا فقدت عملي وأريد أن أموت).. كان المستر أتشوك الذي يبدو مثل تمثال برونزي متناسق البناء في حالة مزرية. وكان التغير المفاجئ الذي حدث في حياته يبدو فظيعاً إلى حد لا يمكن تصديقه. فالرجل السعيد الممتلئ ثقة بنفسه أصبح الآن - خلال أسبوع واحد بدون عمل - مجرد عجوز محطم القلب تخنقه وحدته في بيته العصري تحت رعاية زوجته العصرية. ولم يعد يسبح عشرين دقيقة في حوض السباحة الخاص، ولم يعد يسبح دقيقة واحدة، ولم يعد يذهب للعب الجولف أو نط الحبل في البدروم. ولم يعد يذهب لكي يصبغ شعره أيضاً.. لقد انتهي كلية خلال أسبوع واحد رغم أن حسابه في البنك ما يزال يضم في الواقع مجموعة من الأرقام التي تبعث على الثقة. وسأله الطبيب النفساني عن ثروته، فأشاح المستر أتشوك بوجهه وقال بجفاء: (نصف مليون دولار.. هذا كل ما أملكه .. لقد فقدت عملي مبكراً جداً .. أنني لم أتصور أن الشركة تستطيع أن تتخلى عني.. يا إلهي ماذا أستطيع أن أفعل ؟. أنا أريد أن أموت، هذا كل ما أستطيع أن أفعله).. وأعطاه الطبيب علبة من الحبوب المهدئة للأعصاب، وأعطاه أيضاً محاضرة طويلة عن خرافة ( الثقة بالنفس بدون عمل وقال له أن ثروته الحالية لا يمكن إنفاقها خلال الخمسين عاماً القادمة وأنه يستطيع أن يعود إلى السباحة عشرين دقيقة هادئ البال ويستطيع أن يعود لنط الحبل وممارسة حياته بالطريقة التي تحلو له لأن ذلك من حقه ولأنه عمل بما فيه الكفاية طوال حياته الماضية ولم يعد ثمة ما يمنعه من الاستمتاع بالراحة).. وهز المستر أتشوك رأسه بمرارة وغادر عيادة الطبيب إلى غرفة الجلوس مباشرة، وشرب هناك زجاجة كاملة من الويسكي ثم تورط في مشاجرة مع زوجته التي كانت تطالبه بتغيير عربتها إلى موديل جديد وقال لها بالحرف الواحد: (أنت عاهرة خرقاء مزرية لا تعرف شيئاً في هذا العالم سوى أن تنفق نقود زوجها العاطل عن العمل).. حسناً.. لقد كان المستر أتشوك مخموراً إلى حد غير لائق، وكان بوسعه في الواقع - أن يستبدل عربة زوجته - إذا كان ذلك ضرورياً حقاً - دون أن يصاب بالفقر.. ولكن المرء لابد أن يعرف أولاً ماذا يعني البقاء بدون عمل في الولايات المتحدة لكي يفهم موقف المستر أتشوك القاسي تجاه السيدة زوجته.. وفي المساء استمرت المشاجرة حول جهاز التلفزيون فيما كان الزوجان السعيدان يشاهدان أحد أفلام رعاة البقر. في أمريكا الحديثة لم يعد ثمة أثر لرعاة البقر، ولم يعد القانون الغابي الذي ساد مبارزات الغرب يظفر بالاهتمام ولكن أمريكا تملك الآن قانوناً آخر أكثر إيغالاً في الضراوة. تملك الصراع من أجل (الدولار) من أجل (العمل).. من أجل (حركة الآلة إلى الأمام).. وهذا الصراع المشوق لا يبدو أقل إثارة من مبارزات رعاة البقر في الغرب الهمجي. أنه - في الواقع - أكثر ضراوة وأكثر عمقاً ونتانة من أي قانون آخر عرفته أية حضارة أخرى في التاريخ.. وليس ثمة أحد هنا لا يخضع له، وليس ثمة أحد يحس بالأمن إلى جانبه. المستر أتشوك - الذي يجلس في بيته العصري بجانب زوجته العصرية - يعرف ذلك بالضبط، ويعرف أن إحساسه الهائل بالرعب لا يقل بأي حال عن إحساس راعي البقر البائس الذي يظهر فوق شاشة التلفزيون الآن فاقداً رشده كلية تحت ضربات (الشريف) في صالون القرية. وراقب المستر أتشوك راعي البقر المطروح على الأرض في هدوء، ثم صعد إلى غرفته واستلقي على السرير وأفرغ مسدسه في أذنه. لقد انتحر المستر أتشوك عند الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء يوم الأحد الموافق 13 أبريل من هذا العام ونشر الخبر في الصحيفة المحلية بهذه الصيغة تقريباً، وتمت مراسيم الدفن بطريقة تليق بأي مواطن أمريكي يملك نصف مليون دولار. هذه قصة مواطن أمريكي في الزحام.. قصة غير واضحة تماماً بالنسبة للقارئ الليبي الذي لا يستطيع أن يتصور تفاصيل الشيء الفظيع في داخل المستر أتشوك، ذلك الوحش غير المرئي الحافل بالمرارة واليأس الذي يحدث في صدر إنسان سعيد من جميع الوجوه ويتركه يحطم رأسه برصاص مسدسه. ولكنها في أمريكا قصة عادية تتكرر كل يوم...

 

الحلقة الرابعة

نعمة تقدمنا

تقرير مترجم عن " رالف وينتر"

 

الساعة السابعة صباحاً.. كل شيء ما زال على ما يرام، والحرب مع الصين لم تبدأ بعد رغم تنبؤات جميع الصحف والمستر (جورج بوب) يأخذ مكانه وراء مائدة الإفطار ويصفر لحن أغنيته المفضلة. هكذا كان يفعل كل يوم.. ويصفر لحن أغنيته المفضلة قبل أن يتناول إفطاره لكي يعرف بقية أفراد العائلة أنه (في أحسن حالاته) وإنه لا يريد شيئاً من العالم سوى أن يتركه ينعم بحياته السعيدة بين أطفاله الثلاثة وحديقة بيته وزوجته (روث) الفاتنة .. ولكن المستر ( جورج بوب ) في الواقع - كان يصفر رغم أنفه.. كان يعرف أنه لابد أن يفعل ذلك محافظة على (روح المرح) التي لابد أن تسود مائدة الإفطار في كل بيت في العالم يسكنه مواطن من الولايات المتحدة. أما من الداخل فقد كان المستر (جورج بوب ) في أسوأ حالاته، وكان قد سمع لتوه أن السيدة زوجته تخونه مع المهندس العازب الذي يسكن في الدور السفلي، وقد قال له المخبر السري الذي أطلقه وراء زوجته أن السيدة بدأت هذه اللعبة منذ شهر أبريل الماضي في نفس الليلة التي أقام خلالها المستر (جورج بوب) إحدى حفلاتـه ودعـا إليها جاره المهندس. وكان الخبر سخيفاً إلى حد لا يطاق .. وكانت السيدة (روث) تجلس عند مائدة الإفطار وتشع فتنة كعادتها. وقد راقبها (جورج بوب) من طرف عينه دون أن يتوقف عن الصفير ثم قال في ذات نفسه أن أسوأ ما يمكن أن يقع لأي إنسان في العالم لابد أن يتمثل في إرغامه على الصفير في الصباح بعد أن يسمع في الليلة السابقة أن السيدة زوجته قد أصبحت تخص رجلاً آخر. وقد قال جورج بوب ذلك للمرة الثانية عندما جلس وراء مكتبه الفخم في (وول ستريت) ثم قاله للمرة الثالثة فيما كانت سكرتيرته تضع أمامه جدول المقابلات، وظل يردده طوال النهار. وعندما عاد في الساعة السادسة عرج على البار المجاور - لأول مرة منذ زواجه بالسيدة روث - وطلب كأساً من البراندي ثم طلب نصف زجاجة وخبط المائدة بقبضته وقال بصوت عال أنه يحس بشيء لزج في صدره، وأن ذلك الشيء يحرقه ببشاعة إلى حد لا يحتمل .. وفي صباح اليوم التالي كان (جورج بوب) ما يزال يصفر لحن أغنيته المفضلة. وكان قد تذكر خلال الليل - فيما بدأت روث تتنفس بجانبه مثل ملاك كلي البراءة - أنه فعل من أجلها كل شيء بوسعه، وحقق لها معظم أحلامها، وأنه لم يفعل شيئاً واحداً تجاهها يستحق هذا العقاب البشع. ثم تذكر أيضاً بدايته معها، وليالي الحب الطويلة التي أنفقاها معاً طوال شهر العسل في ولاية فلوريدا. ولكن المستر (جورج بوب) لم يتذكر تلك الليلة ما حدث بعد شهر العسل. لقد خطر له ذلك فجأة عندما جلس وراء مكتبه الفخم في (وول ستريت). وتذكر في لحظة مشوبة بالشعور بالذنب أنه نسى روث كلية بمجرد أن عاد من رحلة شهر العسل، وأن مشاغله الهائلة في حي المال طفقت تأخذ معظم وقته حتى اضطر في النهاية إلى الغياب عن البيت يومين في الأسبوع، ثم اضطر للغياب أكثر من ذلك دون أن يستطيع فعل أي شيء حيال مشاغله الهائلة أو حيال (روث) التي كانت تجلس وحيدة معظم أيام الأسبوع في بيته العصري. وقد بذل كل ما وسعه لكي يجعل ذلك البيت عصرياً من جميع الوجوه، وحاول أن يبدد وحدة زوجته أيضاً بإعداد حوض السباحة عند المدخل وشراء القطعة المجاورة من المزرعة لملعب الجولف وشراء القارب البخاري. ثم اشتري لها أيضاً حصاناً عربياً لكي تتسلى بركوبه في الحديقة. واشتري لها سيارة من طراز (ثندر بيرد) موديل 69، وتركها تنجب ثلاثة أولاد لقتل الوحدة. ولكن ذلك كله فيما يبدو - لم يكن كافياً لأن يحتفظ المرء بالسيدة روث. لقد تذكر جورج بوب هذه الحقيقة في البار عندما عاد في الساعة السادسة. وخبط المائدة بقبضته وقال بصوت عال على مسمع من الرواد أن المرأة الأمريكية عاهرة بالسليقة ثم انغمس في نقاش ودي مع بعض الرواد السكارى الذين يشاركونه هذا الرأي. وقد اتفقوا خلال الزجاجة الثانية من البراندي أن أفضل وسيلة في العالم لكي يحتفظ المرء بزوجته هو أن يقفل عليها باب البيت كما يفعل الرجال في الشرق. وقد قال (جورج بوب) بعد ذلك لنفسه أنه كان مذنباً تجاه روث، وأنه كان من واجبه أن يقفل عليها باب بيته العصري. ولكن ذلك في الواقع لم يعد بإمكان أحد أن يفعله في الولايات المتحدة. فالمرأة في الشرق لا تملك شيئاً من الحقوق التي تملكها المرأة الأمريكية، والرجل يستطيع بالطبع أن يتركها وحيدة في بيته غير العصري كما يشاء دون أن يخشى لعبة الخيانة الزوجية بطريقة جادة ما دام في وسعه أن يقفل عليها باب البيت أو - على الأقل - يمنعها من عبوره ويتركه مفتوحاً على مصراعيـه .. أمـا في الولايـات المتحـدة فإن الأمر بالطبع يختلف كلية. المستر ( جورج بوب ) يعـرف ذلك مثل أصدقائه في البار ويعرف أن الرجل في الولايات المتحدة (لابد) أن يعمل معظم الوقت لكي يربح ما يكفي أسرته (ولابد) أن يضطر إلى ترك زوجته وحيدة أو يسمح لها بالعمل لقتل الوقت. وأن النكتة السخيفة التي تحدث دائماً تقريباً هي أن يكتشف الرجل أنه (لابد) أن يدخل في منافسة مضنية مع جميع الرجال الذين تلتقي بهم زوجته لكي لا يسرقها أحد منهم. فالمرأة العصرية في الولايات المتحدة تستطيع أن تترك زوجها في أي وقت تشاء. والسأم من الزواج مرض قديم لم يجد له أحد علاجاً حاسماً حتى الآن. والمرأة الأمريكية تشعر بالسأم في معظم الأحيان وتتورط في الدخول في مغامرات أكثر إثارة للسأم ولكنها تواصل تلك اللعبة المشينة لأنها ببساطة (لابد) أن تفعل ذلك. إن العالم من حولها ملئ بالرجال، والموضة تجرها من أنفها بلا انقطاع. وحرية الحركة المتوفرة.. والبراندي.. والتمدن.. أجل التمدن يجر المرأة الأمريكية من أنفها مثل جاموسة الساقية. لقد قال جورج بوب ذلك لأصدقائه في البار عندما شرب نصف الزجاجة الثانية وقال لهم أيضاً إن المرء لا يجد شيئاً يفعله سوى أن يجلس في البار ويضع يده على خده. فأنت تحب أسرتك، وتحب أن تعمل من أجلها كل ما في وسعك .. وأنت تجلس طوال النهار في (وول ستريت) وتبحث عن مزيد من الفرص لتحقيق مزيد من الحياة الطيبة، ولكنك لابد أن تعترف بأن زوجتك البائسة لا تستطيع أن تعلق قلبها معك طوال النهار لمجرد قدرتك على توفير النقود لها. أنها بالطبع تحتاج إلى أكثر من شيء آخر وأنت لا تملك شيئاً آخر تقدمه سوى ما تحصل عليه من (وول ستريت).. أن أية امرأة في العالم مستعدة لأن تفعل أي شيء مقابل قليل من الإثارة.. أية امرأة وأي رجل أيضاً.. كل إنسان وحيد مستعد لأن يفعل أي شيء ضد وحدته. أليس كذلك ؟.. حسناً.. ماذا يتوقع المرء من زوجته أن تفعل بعد بضع سنوات من الزواج الروتيني والحفلات والأصدقاء والموضة والملل.. هكذا تساءل جورج بوب في البار وخبط المائدة بقبضته. ثم شرب باقي الزجاجة وعاد إلى بيته العصري، وكانت روث قد آوت إلى فراشها منذ بضع ساعات، وكانت قد تظاهرت بالغضب عندما سمعته يدخل الغرفة ولكنها لم تقل له شيئاً. لقد اكتفيت بإطلاق (أف) حارة ملتهبة لإظهار الضيق ثم استدارت على جنبها الأيسر وواصلت نومها. ودس جورج بوب نفسه تحت ملاءة السرير البيضاء دون أن يقول شيئاً أيضاً. وتذكر خلال الليل أن (روث) كانت تحبه إلى درجة العبادة، وكانت تسهر في انتظار عودته من (وول ستريت) إلى الفجر أحياناً لكي تحدثه عما فعل طفلهما (بوب) طوال النهار أو تحدثه عن مشاجرة جارهما العجوز مع طباخهُ الأسباني الأصل. وكان جورج بوب - إذ ذاك - يتأوه بتعب ويقول لها أن عليها أن تتركه دون حاجة إلى إزعاجه بقصصها غير المسلية. أجل. كان عالم روث غير مسل على الإطلاق، ولكنها كانت تحب أن تتحدث مع جورج بوب ولم يكن لديها ثمة ما تقوله سوى ما يحدث في ذلك العالم البسيط. ثم مرت السنة الخامسة وتعلمت روث أن تترك زوجها ينام دون حاجة إلى إزعاجه بقصصها غير المسلية ثم مرت السنة السادسة وبدأت روث تتشاجر مع زوجها وتشتمه أحياناً، ثم مرت السنة السابعة واكتشفت روث أنها لم تعد تحب زوجها إلى درجة العبادة ثم مرت السنة الثامنة ووقعت روث فريسة الملل والوحدة واكتشفت أنها لم تفعل شيئاً طوال السنوات الماضية سوى الجلوس في انتظار جورج بوب المصاب بالتعب والإرهاق، ثم مرت السنة التاسعة وتقابلت روث صدفة مع جارهما المهندس واكتشفت من أقواله أنها جميلة إلى حد لا يصدق وأن المرء معرض لأن يقع في حبها بمجرد أن تقع عيناه عليها. وسقطت روث في حب المهندس الشاعر. لقد حدث ذلك رغم أنفها. فهي لا تضمر شيئاً تجاه جورج بوب، ولا تريد أن تتخلى عنه أيضاً. أن كل ما حدث أن روث اعتقدت في لحظة ما أنها تستطيع أن تنعم بقليل من الإثارة داخل حياتها المملة دون أن تعرض جورج بوب لآية أخطار. وقد تعودت أن تتسلل إلى شقة المهندس خلال ساعات النهار وتقضى معه (وقتاً طيباً) حقيقياً ثم تعود لكي تنتظر زوجها العائد من (وول ستريت). ولم تكن تعرف بالطبع أن ذلك سوف يبدو واضحاً في سلوكها إلى حد لا يطاق، وأن المرء لا يستطيع في الواقع أن يلعب هكذا في الخفاء إلى الأبد، وأن جورج بوب سوف يطلق وراءها مخبراً سرياً ويعرف منه كل شيء. أن السيدة روث لم تتصور ذلك مطلقا .. ولكنه حدث على أي حال وعرف جورج بوب كل شيء، وعاد في تلك الليلة مخموراً إلى البيت ودس نفسه في الفراش دون أن يقول شيئاً ثم نهض في الصباح وتناول إفطاره كالعادة وطفق يصفر أمام أطفاله لحن أغنيته المفضلة .. وفي يوم السبت الموافق العاشر من مايو هذا العام * اكتشف رجال الشرطة جثة السيدة روث والمهندس العازب في الدور السفلي، واكتشفوا أيضاً أن جورج بوب في غمرة غضبه لم يبال بأن يترك وراءه من الأدلة ما يكفي لإدانته بارتكاب الجريمة. ولكن ماذا تعني كلمة الإدانة بارتكاب الجريمة هنا ؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!.. هذه قصة أخرى من الولايات المتحدة تبدو بالنسبة للقارئ الليبي مجرد حادثة مزرية تقع صدفة على بعد آلاف الأميال. ولكنها في مدينة نيويورك قصة عادية تتكرر كل يوم فثمة أربع من كل عشر نساء في أمريكا يرتكبن الخيانة الزوجية خلال الأعوام العشرة الأولى من الزواج وثمة جريمة قتل واحدة في كل أربع حالات. وهذا كله يتم بالطبع في أعظم (حضارة) في التاريخ.

 

الحلقة الخامسة

عن نساء أمريكا..

تقرير مترجم عن " رالف وينتر "

 

مسز (كارمن) فتاة أمريكية من مواليد ولاية فرجينيا جاءت للبحث عن عمل في مدينة نيويورك واكتشفها المليونير (هـ.م.هيفنر) الذي يتولى إصدار مجلة بلاي بوي. وقد دعاها للعشاء معه ثم أخذها للرقص في إحدى حفلاته الخاصة ومنحها أسم (كارمن) بدل أسمها القديم الذي لا يستعمله أحد سوى مزارعي التبغ في فرجينيا.. وعندما انتهت الحفلة ذهبت المسز كارمن مع المليونير إلى بيته الريفي وقضت عطلة نهاية الأسبوع في صحبته.

ثم انتهى كل شيء في اليوم التالي، وعادت المسز كارمن إلى غرفتها الصغيرة في إحدى عربات الأجرة. واكتشفت عبر عتمة الغرفة المملة أن الحلم المبهج الذي عاشته في صحبة المليونير كان في الواقع مجرد حلم من جميع الوجوه، وأن المستر هيفنر المثير قد اختفى من حياتها إلى الأبد كعادته دائماً مع كل فتاة تقضي معه عطلة الأسبوع، لولا أنه هذه المرة ترك وراءه هدية فظيعة تتحرك في أحشاء المسز كارمن التي جاءت من ولاية فرجينيا للبحث عن عمل في مدينة نيويورك. واستولي الرعب على الفتاة الفلاحة، وانطلقت تجرى إلى مكتب المستر هيفنر في مبنى مجلته الواسعة الانتشار ونقلت إليه النبأ وسط عاصفة من الدموع، ولكن المليونير المجرب لم يزد على أن منحها ابتسامة صغيرة ثم اتصل بإحدى سكرتيراته وجعلها ترتب له ميعاداً عاجلاً مع أحد أطباء الإجهاض. وتم ذلك كله في نفس اليوم وعادت المسز كارمن إلى غرفتها المتواضعة بدون ذلك الشيء الذي كان يتحرك في بطنها.. لقد كان الأمر غاية في البساطة.. وكان الناس في مدينة نيويورك يحلون مشاكلهم في يسر لا يصدق. وأجرت المسز كارمن بعد ذلك ثلاث عمليات إجهاض أخرى قبل أن ينتهي عامها الأول في نيويورك، وعرفت خلال ذلك العام أربعة وسبعين رجلاً ذهبت معهم جميعاً إلى بيوتهم الريفية لقضاء عطلة الأسبوع ثم عرفت مائة وأثنين وعشرين رجلاً آخر خلال العام التالي. وكانت المسز كارمن تفعل ذلك لأنها كانت تعمل في فرع خاص لتصوير أفلام البورنوغرفي - وهي أفلام تقتصر على تصوير ما يحدث في السرير فقط وكانت تضطر إلى أن تنام مع أي رجل يحضره المخرج معه.. وفي ذات يوم أحضر المخرج معه رجلاً من ولاية فرجينيا، وقد نامت معه المسز كارمن تحت أضواء الكاميرات الساطعة ثم دعته إلى غرفتها وقدمت له زجاجة من الويسكي واكتشفت خلال حديثه معها أنه في الواقـع ابن أختها (جالد) الذي نزح إلى نيويورك منذ خمس سنوات. ولكن المسز كارمن لم تقل له ذلك. لقد أخفت هذه الحقيقة المقززة مع بقية الحقائق الأخرى التي تحتفظ بها داخل رأسها المصاب بالدوار وقررت أن تواصل عملها وتواصل الصمود أمام تلك الظروف المعقدة مفرغة جهداً هائلاً لكي تحتفظ بقليل من صفاء عقلها. وقد فعلت ذلك بضع سنوات أخرى وعرفت مزيداً من الرجال ومارست مزيداً من الحب المقزز وسكرت بنهم … وصرخت ورفضت.. ومزقت ملابسها.. ثم وقع المقدور ذات يوم وانهارت المخلوقة البائسة تحت ضغط عالمها غير المعقول واكتشف أحد الحراس الليليين في محطة القطار جثتها الممزقة على القضبان بجانب حقيبتها الصغيرة التي تركت بداخلها رسالة تقول فيها (.. أنا متعبة.. هذا كل ما في الأمر، فلا تدعوا أحداً يثير ضجة حول مصرعي).. ولكن مصرع المسز كارمن أثار ضجة هائلة على أي حال. ولم يتم ذلك من أجلها بالذات بل تم من أجل التقرير الذي نقلته الشرطة من مصلحة الإحصاء عن فتيات أمريكا والصور العارية وحمى الجنس والحفلات الخاصة وعمليات الإجهاض وطاحونة العالم المفجع في الولايات المتحدة. وقد قال التقرير في مقدمته أن ثمة ثلاثة ملايين فتاة أمريكية يعملن - مثل المسز كارمن - في صناعة الصور العارية، وأنهن جميعاً يتعاطين الدعارة ولكن السلطات المسئولة لا تستطيع أن تعاملهن طبقاً لنصوص القانون الخاص ببقية العاهرات لأن صناعة الصور العارية تعتبر حرفة معترفاً بها في المجلات المتخصصة. ثم قال التقرير إن هذا العدد الهائل من (النساء المريبات السلوك) الذي يتوفر في الولايات المتحدة قد يفوق - في الواقع - عدد جميع العاهرات اللائى عشن في العالم بين عصر الأهرام وبين قيام إمبراطورية الإسكندر وأن مكاتب الإعلان وحدها تملك أكثر من مليون فتاة أمريكية تراوح أعمارهن بين الثامنة عشرة وبين الثلاثين ويعتمدن في كسب قوتهن اليومي على بيع أجسادهن العارية للمصورين المحترفين أو يتعاطين الدعارة. ثم قال التقرير إن واحدة من كل عشر فتيات أمريكيات تبدأ حياتها بالعمل في مكاتب الإعلان أو معامل المصورين المحترفين أو مجلات الجنس أو صناعة الأفلام العارية، وأن خمساً من كل عشر فتيات يعملن في هذه الفروع.. يتورطن في عملية إجهاض خلال العام الأول من بدء عملهن. والمرء قد تعتريه الدهشة عندما يعرف أن مكاتب الإعلان التي تقف وراء هذه الكارثة في الولايات المتحدة ليست في الواقع محلات دعارة من أي نوع بل هي مكاتب شبه رسمية يديرها الخبراء المتخصصون في الإعلان وتعتمد عليها معظم الصناعات الأمريكية في الدعاية لمنتجاتها، وتتمتع دائماً بسمعة مثيرة على الأقل بين أفراد الشعب الأمريكي وهي تعمل عادة بالتعاون مع المؤسسات الصحفية الكبيرة ودور الطباعة ومحطات التلفزيون وتقوم بوضع التصميمات المطلوبة للإعلان عن أية سلعة.. ولكن المشكلة أن هذه المكاتب تورطت منذ البداية في نظرية مؤداها (أن الإعلان لابد أن " يلفت " نظر الزبون بأي ثمن).. وأن أفضل وسيلة لتحقيق هذه اللعبة أن تضع بجانب سلعتك صورة امرأة عارية أو شبه عارية على الأقل .. وقد انفجرت الفكرة مثل بركان خرافي في أرجاء العالم بأسره، أما في الولايات المتحدة فقد انفجرت بطريقة أكثر سوءاً وألتقط المصورون في عام واحد مائة وسبعين مليون صورة.. (عارية أو شبه عارية) لوضعها بجانب سلع المصانع من أمواس الحلاقة إلى طائرات البوينج.. ودخلت ثلاثة ملايين فتاة أمريكية مجال العمل في هذه الحرفة الجديدة التي ظلت على الدوام بمثابة حلم لذيذ يبدأ عادة بإعلان صغير عن صابون لوكس وينتهي - أو على الأقل من المفروض أن ينتهي - في استوديوهات هوليود. وفي العادة تحدث الكارثة عند وسط الطريق. فالفتاة التي تحمل أحلامها فوق كتفها وتحضر إلى مكتب الإعلان بحثاً عن (عمل لجسدها) تعرف بالسليقة أن عليها أن تثبت أولاً أنها تملك جسداً يستحق النشر، فالمرء لا يستطيع أن يضع بجانب سلعته صورة عجوز مقوسة الساقين أو فتاة نحيفة الصدر تثير تقزز قارئ الإعلان .. إنك لابد أن تضع هناك أفضل ما تجده، وفتيات أمريكا يعرفن ذلك بالطبع ويعملن كل ما في وسعهن لتحقيق الشروط المطلوبة. في مقدمة هذه الشروط أن تعرف الفتاة مقدماً - وبطريقة خالية من الشك - أن مكتب الإعلان لا يعطيها عملاً لنفسها بل لجسدها، وأنها لابد أن تستعد لكي تعيش مع هذه الحقيقة المقززة .. فكل حرفة في العالم يمارسها المرء لإبداء مهارة ما، إلا حرفة الموديل العاري، فهي في الواقع - مثل حرفة البغاء بالضبط - يمارسها الجسد بدون حاجة إلى المهارات. وهنا يضع المرء يده على مفتاح اللعبة المدهشة. فالفتاة الأمريكية التي تستلقي عارية أو شبه عارية أمام كاميرا أحد المصورين المحترفين تستطيع أن تربح في الساعة الواحدة مبلغاً يراوح بين خمسة دولارات وبين ألف دولار. وهي تعرف أن هذا الفرق الهائل في السعر لا يحدث طبقاً لأية شروط خاصة سوى (تكامل جسدها وقدرته عل إبداء أكبر قدر ممكن من البضاعة المطلوبة).. والبضاعة المطلوبة ليست مهارات فنية أو مستويات عقلية خاصة بل - بكلمة فظيعة واحدة - جنس.. ذلك يعني على وجه التقريب نفس الميزة التي تحتاجها المرأة العاهرة لكي تربح قوتها اليومي، ونفس الميزة التي كانت تحتاج إليها (الجارية) لكي تنال رضاء المشتري في الأزمان القديمة المقززة التي كانت المرأة تعرض فيها للبيع على منصة عالية في وسط سوق الرقيق. إلى هذا الحد بلغ (تطوير) المرأة الأمريكية .. وأصبحت مرة أخرى جارية معروضة للبيع.. ولكنها هذه المرة لا تضع قناعاً فوق وجهها مثل جواري الشرق البائسات ولا تخص رجلاً واحداً فقط ولا تحتاج إلى أن تتورط في إنجاب الأطفال رغم أنفها كلما قرر سيدها أن يقضي ليلة في سريرها، ولا تحتاج أيضاً إلى أن تتسول نفقاتها من أحد. المرأة الأمريكية الحديثة تملك من نقود الولايات المتحدة أكثر مما يملك الرجال. وهذه الحقيقة ليست مجرد حلم قديم يداعب أخيلة نساء العالم في باقي الحضارات. إنها في الولايات المتحدة حقيقة واقعة تسندها الإحصائيات الرسمية وتقريرات وزارة الخزانة.. فنساء أمريكا يملكن 80% من مجموع الدخل القومي ويملكن 75% من قيمة المشتريات، ويملكن 65% من أوراق البنكنوت.. ويملكن 50% من مجموع الأسهم المباعة، ويمتلكن من قيمة الأوراق النقدية ما يعادل هذا الرقم 100000000000 أي مائة ألف مليون دولار، ويمتلكن أيضاً 45% من مساحة الأراضي أنهن أغني نساء في التاريخ، وإذا قرر المرء أن يختار سبيل المقارنة لإظهار مدي هذا الغنى فإنه يستطيع أن يتصور بهدوء أن نساء أمريكا يملكن من النقود أكثر مما توفر لدي الإمبراطورية الرومانية منذ قيامها إلى سقوطها.. ومع ذلك.. فالمرأة الأمريكية ما تزال مجرد جارية.. لقد بلغ بها (تطورها الحضاري) إلى هذا الحد مرة أخرى وأعادها إلى المنصة العارية التي تعرض فوقها الجواري للبيع في وسط سوق الرقيق. ولكن السوق هذه المرة - ساخنة إلى حد لا يصدق، والمشترين أكثر ضراوة والنخاس أعلى صوتاً والحياة نفسها تبدو من نوافذ الطابق الخمسين معتمة وفظيعة بطريقة لم ترها الجواري في أي عصر مضي.