الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

العودة المحزنة إلى البحر 2

الصادق النيهوم

الحلقة السادسة

سيلفا معروضة للبيع

تقرير مترجم عن " رالف وينتر " 

" أجل أنا امرأة عاهرة "، قالت سيلفا في مكتب المحقق وبصقت على الأرض " أنت تريد أن تسمع ذلك لأنك مجرد شرطي مضحك، ولأنهم هنا يدفعون لك أجرك لكي تكتب في دفترك المزري أنني امرأة عاهرة.. حسناً، أكتب ذلك الآن. أنني أعترف لك بأنني حقاً امرأة عاهـرة، و أنني أذهب عـادة مع أول خنزير يدفـع لي عشرة دولارات دون أن أسألـه عن أسمه ".. ثم قالت سيلفا للمحقق " إن ذلك يبدو فظيعاً، أليس كذلك ؟ أعني أن يذهب المرء إلى سرير خنزير لا يعرف أسمه ولكن دعني أعترف لك لكي تكتب ذلك في دفترك المزري أيضاً، أن المرء لا يحتاج إلى معرفة أسم أحد لكي يتبادل معه الحب مقابل عشرة دولارات .. ذلك عمل لا يحتاج إلى أسم على الإطلاق، إن المرء يغمض عينيه ويشد قامته وينطلق بجانب خنزيره إلى أي مكان ذلك ما يحدث بالضبط ثم يقبض المرء عشرة دولارات ويعود وحده في الحافلة، إنني لم أشعر قط أنني في حاجة إلى أن أعرف أسم أحد من الرجال الذين أذهب معهم إلى بيوتهم، ذلك ليس كذباً يا حضرة المحقق المضحك.. إنني لم أكن أهتم بمعرفتهم لأنني كنت مشغولة بالتعرف على نفسي".. ثم قالت سيلفا وهي تنظر من النافذة: كنت مجرد قردة ملونة. إن المرء لا يستطيع أن يتصور ماذا يحدث في داخله عندما يكتشف ذات يوم أنه مجرد قردة ملونة .. ولكني رأيت ذلك بعيني رأسي في المرآة المقامة على مدخل البار في "راسل ستريت" ورأيت أن " اك براين" الذي يقف بجانبي مجرد قرد ملون آخر. وكنت إذ ذاك فتاة "بريئة" مثل أختك بالضبط - إذا كنت تملك أختاً بريئة يا حضرة المحقق المضحك - وكنت أحب "جاك براين" وقد تعودت أن أذهب معه إلى غرفته وجعلني أمزق وجهه بأظافري، وقد مزقت ياقة قميصه أيضاً ولعنته أمام سائق عربة الأجـرة وقلت له إنني فتـاة شريفـة وإنني لا أذهب مع أحـد إلى غرفته. ثم فقدت "جاك براين" إلى الأبد، ورأيته في الأسبوع التالي بصحبة فتاة أخرى. كانت فتاة من شارعنا تذهب إلى غرفة أحد ما.. وكنت وحدي يا حضرة المحقق المضحك الفتاة الوحيدة في المنطقة بأسرها التي لا تحس بالعار لأنها ما تزال عذراء. ولكني في نهاية المطاف بدأت أحس بالوحدة، إن ذلك يحدث بالذات ليلة الأحد عندما يذهب كل امرئ إلى المرقص ويختار مقعدة بجانب الحلقة وينتظر أول مخلوق يمد له يده وينقذه من وحدته. ولم يكن أحد من شباب المنطقة يمد لي يده. كانوا يعرفون جميعاً أنني لا أذهب إلى أي مكان آخر بعد الحفلة سوى بيتنا المضحك وكانوا لا يريدون أن يضيعوا وقتهم عبثاً في مطاردة راهبة مزرية في بار مليء بالفتيات الحقيقيات أنت لا تستطيع أن تلومهم يا حضرة المحقق المضحك .. أليس كذلك ؟ أنك لا تستطيع أن تقف فوق مقعدك وتصرخ في البار مطالباً (جاك براين) بأن يدعوك إلى الرقص ويوصلك بعد ذلك إلى البيت دون أن يخطر بباله أن الفتاة مارجريتا التي سوف تذهب معه إلى غرفته قد تكون في الواقع أفضل قليلاً، أنك لابد أن تكون عادلاً على الأقل وتعترف لنفسك بأنه ما دام جاك براين يحصل على بغيته حقاً فليس ثمة مفر من أن تتركه يحصل عليها. أجل، لقد خطر ذلك ببالي ذات ليلة وخطر لي أيضاً أنني لا أملك فرصة أخرى لكي أتغلب على وحدتي سوى أن أذهب مع أحد ما إلى غرفته بعد حفلة الرقص، ولكني لم أفعل ذلك، لقد صمدت سنتين كاملتين وأنهيت دراستي ووجدت عملاً في إحدى شركات بيع الأراضي ثم وجدت شقة مفروشة أيضاً واكتشفت منذ أول ليلة أن الحياة مملة إلى حد لا يطاق. كنت لا أعرف أحداً في شارعنا، وكنت قد بدأت أنزلق إلى حافة سن الثلاثين دون أن أعثر على فرصة واحدة لاكتساب رجل صديق، وقد ظللت أذهب إلى المرقص كل ليلة أحد وظللت أتابع الموضة وأزور مصفف الشعر بانتظام وأفعل كل ما تقوله المجلات بخصوص أحمر الشفاه، ولكن أحداً لم يمد لي يده لكي يدعوني إلى الرقص، أجل كان بعض الرجال يطاردونني بين حين وآخر، وكانوا أيضاً يدعونني للعشاء معهم في أحد مطاعم المدينة، ولكنهم كانوا يختفون جميعاً بمجرد أن يتحقق لديهم أنني فعلاً لا أرغب في الذهاب معهم إلى السرير. فهل تعرف ماذا حدث يا حضرة المحقق المضحك لقد ذهبت مع واحد منهم إلى السرير، شربت ذات ليلة مثل بغلة مجنونة وتركت (جاك براين) يقرصني في صدري، ثم تركته يدخل يده تحت ثيابي وعندما سألني عما إذا كنت أرغب في الذهاب معه إلى بيته هززت له رأسي وسمعته يقول لأحد أصدقائه إن عليه أن يعتني بالفتاة مارجريتا لأن لديه الليلة صيدا أكثر أهمية. ثم خرجت مع جاك براين ورأيت نفسي في المرآة المقامة على مدخل البار ورأيت أنني مجرد قردة زانية ملونة، ولكن ذلك يا حضرة المحقق المضحك لم يكن قد صار يهمني فالوحدة الفظيعة التي ظلت تطاردني ثلاثين عاماً كاملاً قتلت في نفسي أية رغبة في الكبرياء، لقد كنت قردة زانية ملونة حسناً أن ذلك ليس مخجلاً حقاً، فكل فتاة في شارعنا قردة مثلي، ذلك بالضبط ما ينقذني من وحدتي، أما الجلوس في ثياب راهبة فلم يكن مناسباً قط. وذهبت مع جاك براين إلى غرفته وسمعته يقول لي بعض النكات المثيرة ثم رقصنا قليلاً وثرثرنا وسكرنا مثل أي قردين زانيين وذهبنا بعد ذلك إلى السرير، ولكن أسوأ ما في الأمر يا حضرة المحقق المضحك أنني اكتشفت في تلك اللحظة بالضبط أن جاك براين يقبض مني الثمن مقدماً من أجل لا شيء فأنا لم أرغب قط في الذهاب مع أي رجل إلى سريره، لقد اضطررت إلى ذلك رغم أنفي لمجرد رغبتي في الاحتفاظ بصديق ما وأنا اضطررت إلى ذلك لأن كل فتاة أخرى تدفع هذا الثمن، وليس ثمة فرصة أمام أية فتاة مثلي لكي تنال نصيبها من الأصدقاء إلا بأن تقدم بضاعة أفضل بثمن أقل. هل فهمت ما أعنيه يا حضرة المحقق المضحك ؟ إن كل امرأة في العالم تحتاج إلى رجل.. وإذا كان ثمة ما تستطيع أن تفعله لكي تحصل عليه، فأنها بالتأكيد مستعدة لفعله.. وذلك يعني تقريباً أنها لابد أن تذهب معه إلى غرفته أو يتركها جالسة في البار ويبحث لنفسه عن فتاة أخرى.. وقد خطر لي ذلك بالضبط عندما أخذني جاك براين بين ذراعيه، وخطر لي أيضاً أن أجعله يدفع لي عشرة دولارات مقابل أتعابي، أجل لا تنظر إلى هكذا يا حضرة المحقق المضحك أن المرء لابد أن يطالب بأتعابه مقابل أية خدمة يؤديها لأحد ما وأنا أعرف أنني كنت أودي خدمة ما في ذلك السرير، لأنني لم أحضر إليه بإرادتي، لقد جئت مع جاك براين لكي أرضي رغبته الخاصة، هذا كل ما في الأمر أنني لا أحبه، وليس ثمة شيء اسمه الحب في بار ليلة الأحد.. ليس ثمة سوى عملية ابتزاز مخجلة يقوم بها الرجال ضدنا جميعاً.. وأنا أريد أن أنال أجرى على الأقل ألا يبدو ذلك مقززاً يا حضرة المحقق المضحك ؟ أعني أن يبتزنا الرجال إلى هذا الحد دون أن يخسروا دولاراً واحداً ؟ ثم قالت سيلفا وهي تدق المكتب بقبضتها.. (لقد دفع جاك براين أتعابي في تلك الليلة رغم أنفه .. أنا أرغمته على الدفع إلى آخر فلس. وقلت له أنني لا أحبه، ولا أستطيع أن أحبه أيضاً ولكني سأذهب معه إلى السرير ما دام يدفع لي عشرة دولارات، وقد شربنا بعد ذلك زجاجة الويسكي الباقية وتحدثنا باتزان أكثر وأصبح جاك براين زبوناً لدى بعد أن كان مجرد قرد ملون في البار.. ثم أصبح بقية الرجال هناك زبائني أيضاً واضطررت إلى أن أستعين ببعض الفتيات أن ذلك يا حضرة المحقق المضحك لم يكن تشجيعاً على الدعارة كما قلتم أنتم لي. لقد كان مجرد إجراء مقصود به النظام فالفتيات يذهبن مع أولئك الخنازير كل ليلة أحد إلى غرفهم على أي حال.. إنهن يفعلن ذلك تحت عملية ابتزاز مزرية. وأنا أردت أن يقبضن أجرهن على الأقل، هل تعتقد أن ذلك عمل يدعو إلى حبسي ؟ هذه هي القصة التي روتها سيلفا، أما التهمة كما تبدو في سجل الشرطة فلديها وجه آخر ولهجة أخرى أيضاً، فالسيدة (سيلفاج بروكين) متهمة بإدارة تسعة محلات للدعارة السرية تتعاون بطرق غير مشروعة مع معظم البارات المعروفة في المدينة وتعمل في (بيع) الفتيات لبعض رجال المال لمدة تراوح بين شهر واحد وبين ثلاثة أسابيع.. وقد قيل في دفتر الشرطة إن السيدة بروكين كانت تنظم هذه التجارة عن طريق الاتصال بالفتيات اللائى يرغبن في تغطية نفقات إجازاتهن، وكانت تعرضهن للبيع على عملائها مقابل ألف دولار أحياناً للشهر الواحد. وقيل في دفتر الشرطة أيضاً أن السيدة المذكورة قامت خلال العام الماضي وحده بعقد أكثر من ثمانين صفقة، وأنها باعت مجموعة من الفتيات لبعض الزوار الأجانب وامتدت تجارتها إلى منطقة الشرق الأوسط. وأن مجموع التهم الموجهة إليها قد تدعو إلى حبسها أكثر من خمس سنوات. شيء واحد لم يذكر بدقة في دفتر الشرطة.. وهو بالذات القصة المفجعة التي روتها سيلفا من جانبها الحقيقي فالقانون في الولايات المتحدة - مثل أي قانون حضاري آخر - لا يفهم سوى النتائج النهائية، ونتيجة التحقيق أن سيلفا معروضة للبيع.

 
 

الحلقة السابعة

" تعقــــــيب "

 

النماذج التي تم عرضها هنا لم تكن - في الواقع - مجرد حوادث عشوائية تقع صدفة مثل حوادث المرور، بل كانت أمثلة محددة تملأ شوارع المدن الأمريكية بانتظام يضاهي طلوع الشمس كل يوم من جهة الشرق والمرء يستطيع أن يفترض أنه سيفتح عينيه غداً ويكتشف أن الشمس قد طلعت صدفة من مكان آخر، ولكنه بالتأكيد سيجد الولايات المتحدة ما تزال تجلس في فخها الأسود المليء بالنماذج المحزنة. فالشمس تملك فرصة الاختيار نظرياً على الأقل، أما الولايات المتحدة فأنها لا تملك أية فرصة، وليس بوسع أحد هناك أن يفعل شيئاً تجاه هذه الكارثة سوى أن يشرب مزيداً من الويسكي ويبحث عن مزيد من النقود. إن حبل المشنقة نفسه ليس أكثر إحكاماً من ذلك القانون الشامل. والمرء لا يجوز أن يتورط بأي حال في اعتبار الصدفة البحتة مخزناً لنتائج الحضارة لأن ذلك في الواقع لا يمكن تفسيره قط إلا إذا كانت الحياة نفسها قد بدأت بالصدفة، وهو احتمال أعمى لم يعد يحتاج لمجرد النقاش. الشعب الأمريكي بالذات قد قام على أنقاض شعب آخر أقل كفاءة وأقل قدرة على مواصلة الصراع المادي. وعمليات إبادة الهنود الحمر تمت بانتظام طبقاً لنظرية مؤداها " أن الكفاءة المادية وحدها هي التي تملك الحق في إصدار الحكم النهائي " وقد تم ذلك بالضبط في نهاية المطاف وأصدرت البنادق الأتوماتيكية ذات الكفاءة العالية حكماً بالموت على الهنود الحمر الذين فشلوا في تطوير سهامهم إلى الحد المطلوب، ونبت الشعب الأمريكي في الأرض التي حصل عليها بكفاءته المادية وحدها، ولم يكن ثمة مفر من أن يمد النبات الجديد جذوره في تلك التربة ويمتص منها غذاءه الذي يدعوه الآن (بالكفاءة الآلية).. هكذا شهد العالم مولد أول شعب في التاريخ يعتمد على (الآلة) وحدها لتأمين بقائه. وانطلق الأمريكيون الأوائل ينشئون المزارع ويذرعون مراعى القارة العذراء معتمدين في الدرجة الأولى على كفاءة البندقية الأتوماتيكية في مواجهة - سهام الهنود الحمر. وكان ذلك بالضبط هو الخطأ المميت الذي يدفع الشعب الأمريكي ثمنه الآن في حبل المشنقة. فالكفاءة الآلية لا تستطيع بأي حال أن تعمل بمثابة تربة صالحة لنشوء الحياة دون أن تنفث فيها السم الحقيقي الذي ندعوه الآن (بالمادية الأمريكية) أو بكلمة أخرى حضارة القرن الواحد والعشرين، وذلك السم يقف مسؤولاً بثبات عن التطور الميكانيكي في الولايات المتحدة والتطور الاقتصادي أيضاً وخروج العملاق الأمريكي على مسرح العالم محملاً بالقنابل الذرية والشركات الفاحشة الثراء.. إن اللعبة تشبه بالضبط خروج الغراب من الغراب. فالشعب الذي يفرض بقاءه بالبنادق الأتوماتيكية وحدها لابد أن يواصل الجري في هذا الاتجاه إلى آخر مدى ويعيش سنواته الهمجية في قبضة أمهر الرماة وقطاع الطرق ومبارزات رعاة البقر ويدفع ثمناً سيئاً للغاية مقابل كل لحظة يعيشها هنا. فإذا استطاع أن يحل مشكلة الفوضى العامة بقوة القانون، فإن ذلك لا يعني أنه سيظفر بالسلام بل يعني بكلمة قبيحة واحدة إنه سيواجه شيئاً آخر أكثر همجية وإمعاناً في التدمير من كل قطاع الطرق والهنود الحمر على حد سواء، وإنه - في هذه المرة - لا يستطيع أن يحتمي بلعبة القانون. فانظروا ماذا حدث : لقد واجه الشعب الأمريكي ذلك الوحش، وأطلق عليه أسم (الكفاءة الآلية) وطفق يطعمه كل ما لديه بما في ذلك أطفاله غير الشرعيين وزوجته التي تلهث عارية في سرير جاره وأولاده المسعورين على امتداد جبهات القتال من أمريكا اللاتينية إلى فيتنام وابنته التي ضاعت هدراً في سحب الحشيش وعمليات الإجهاض ومجلاته الجنسية وتبغه وكحوله وأعصابه المشدودة طوال النهار خوفاً من هبوط الأسهم في البورصة إلى جانب ذلك الإحساس المتناهي الفظاعة الذي ينتاب المرء عندما يدرك فجأة أن مطارده القاتل لا ينوى أن يتوقف أبداً. في مقابل هذا الجحيم يملك المواطن الأمريكي قارباً بخارياً وسيارة طويلة بشكل ملحوظ وبوليصة التأمين على الحياة والخدمة الطبية وجهاز التليفزيون الملون ورغوة الحلاقة المعطرة وبعض الدمى الأخرى. فمن خسر الصفقة في نهاية المطاف ؟ الهنود الحمر أم الشعب الأمريكي ؟.. الإجابة بإيجاز متعمد أن الهنود الحمر لم يكسبوا شيئاً بالتأكيد لأنهم - منذ البداية لم يكن لديهم ثمة ما يستحق المساومة، وقد انقرضوا كلية تقريباً قبل أن يعرف أحد منهم طبيعة الوباء الذي أدى إلى انقراضهم.. أما الشعب الأمريكي فقد خسر صفقته على خط مستقيم رغم كل ما لديه من الكنوز، وفشل أيضاً - مثل الهنود الحمر بالضبط - في تحديد طبيعة الوباء الذي يعمل على إبادته. الهنود الحمر انقرضوا بفعل البنادق الأتوماتيكية. والشعب الأمريكي ينقرض الآن بفعل إيمانه بالبنادق الأتوماتيكية. إن ذلك يشبه بالضبط خروج الغراب من الغراب، فالرجل الذي يخترع بندقية لكي يؤمن بقاءه دون أدني محاولة للبحث عن وسيلة أخرى لابد أن يضع إيمانه كله في تلك الآلة الفظيعة وحدها، ولابد أن ينطلق لاهثا وراء المزيد من الآلات ذات الكفاءة العالية في مسيرة مرهقة لا تستطيع أن تتوقف أبداً. وهذا بالضبط ما حدث في حضارة الولايات المتحدة، فكل شيء هنا .. وأنا أعني كل شيء حقاً من موس الحلاقة إلى طائرات الفانتوم يعمل بكفاءة عالية، ويبذل الخبراء في المعامل مجهودات جديدة لزيادة كفاءته وسوف يفعلون ذلك في العام التالي وينطلقون في نفس الاتجاه لزيادة الكفاءة الجديدة في العام الذي يليه داخل حلقة مفرغة لا تعرف كيف تتوقف بأي حال دون أن يتسبب ذلك في انهيار الولايات المتحدة مثل جدار من الرمل الجاف. وأنا أريد أن أشـير هـنا إلى صناعـة الأسلـحة بالـذات باعتبارهـا مجـرد مـثال للعــبة الكفاءة المريعـة، فالشعـب الأمريكـي الـذي بــدأ يواجـه أعـداءه من الروس بقنبلة ذرية في الوقت الحاضر، والفرق بين هذين السلاحين القاتلين لا يزيد بأي حال عن فترة زمنية طولها نصف قرن تقريباً، ولكن كفاءة القنبلة الذرية تزيد في الواقع عن كفاءة أية بندقية في العالم بمقدار لا يمكن تصوره. وهذه اللعبة تتم بالنسبة لكل (آلة) أخرى في العالم بأسره، فنحن ندعو القرن نفسه ثورة التكنولوجيا، وهو أسم جاء أيضاً من الولايات المتحدة التي انطلقت في هذا الاتجاه منذ البداية حتى وضعت قدميها فوق سطح القمر دون أن تتوقف قط ودون أن تستطيع التوقف أيضاً. فهل يستطيع (الإنسان) أن يتنفس في هذا الجو الشاذ ؟ الإجابة بإيجاز أن الإنسان يستطيع دائماً أن يتنفس بيسر ما دام يحس بالرضا النفسي تعني بالضبط ما تعنيه كلمة (السعادة) ولكنها أكثر تحديداً وأكثر قدرة على إيضاح نقطة النقاش فالمرء يستطيع أن يفترض أن الإنسان الأمريكي الحديث سعيد للغاية، وأنه يكاد أن يموت من السعادة ولكن أحداً لا يجرؤ على القول بأن ذلك الإنسان يعيش في سلام مع نفسه، فالذي يحقق هذه المعجزة لا يحتاج إلى أن يعيش مشدود الأعصاب إلى أسهم البورصة ولا يحتاج إلى القتال على كل جبهة في العالم ولا يحتاج أيضاً إلى أن تصل نسب تعاطي المخدرات والدعارة والجريمة بداخله إلى أعلى مستوى في التاريخ. إن ذلك يحدث في الولايات المتحدة، ولابد أنه يدل على أن الشعب الذي مشى فوق القمر لا يضم في داخله سوى طابور واحد من الشحاذين التعساء والنماذج التي عرضتها هنا كانت تهدف إلى تركيز هذه الحقيقة داخل أضيق دائرة ممكنة، فالحديث العام يجعل الأشياء تبدو دائماً باهتة بطريقة لا تغتفر وقد عرضت هنا قصة مهندس في سفن الفضاء، وقصة فتاة تعمل في صناعة الموديلات العارية وقصة رجل أعمال من وول ستريت وقصة السيدة سيلفاج بروكين التي تعمل أيضاً في تجارة الرقيق. وتم اختيار هذه النماذج لكي تمثل أكبر قطاعات المجتمع الأمريكي المعاصر في محاولة أمينة لتسليط الضوء المركز على الدائرة الصغيرة التي تمثل بوضوح ما يحدث في القطاع بأسره. والدائرة الصغيرة تبدو تعسة إلى حد لا يطاق. فالمهندس الوقور ينهار خلال الأسبوع الأول من فقده لعمله ويكتشف أنه لا يملك صديقاً واحداً في العالم بما في ذلك زوجته وأولاده، وأن كل شيء في حياته مجرد طلاء من الخارج مثل صبغة شعره بالضبط. والفتاة الموديل تصل إلى نيويورك لكي تبحث عن عمل ثم تكتشف منذ أول يوم أن العثور على عمل ليس في الواقع مشكلة بأي حال داخل مجتمع نشط مثل مجتمع نيويورك ولكن المشكلة حقاً أن يحتفظ الإنسان بعمله ورأسه معاً في وقت واحد دون أن يصاب بالدوار في أضواء نيويورك. وقد فقدت الفتاة الموديل رأسها على قضبان السكة الحديد في نهاية المطاف. ورجل الأعمال من وول ستريت فقد زوجته في شقة جاره المهذب وتورط في ارتكاب جريمتي قتل مرة واحدة لمجرد عجزه عن تحقيق أمنية إنسانية بسيطة تتمثل في الاحتفاظ بزوجته لنفسه دون أن يضطر إلى تركها وحيدة طوال أيام الأسبوع لمواجهة منافسيه في وول ستريت والسيدة ( سيلفا.ج.يوركين ) كانت تبيع الفتيات لكل من يرغب في الشراء عبر محاولة يائسة للبحث عن قليل من المنطق في شيوعية الجنس التى تجتاح المدن الأمريكية. وهذه النماذج المريعة تمثل حقاً قطاعات واسعة من شعب الولايات المتحدة. أنها ليست مجرد حوادث عابرة تقع بالصدفة، وليست أيضاً نماذج شاذة تحدث بين حين وآخر نتيجة ظروف طارئة أنها قصص يومية متكررة تشبه بالضبط أي حادث يومي عادي وإذا كان طلوع الشمس غداً من جهة الشرق أمراً مؤكداً فإن حدوث هذه المآسي في الولايات المتحدة أمر مؤكد بصورة أكثر، أنها وجه الرخاء الآخر الذي أحضرته الآلة معه

 

الحلقة الثامنة

وجه الرخاء الآخر

 

الرسالة التالية وصلت إلي قاضي الطلاق في مدينة ( لاس فيجاس ) بشأن قضية معروضة للنظر بين مواطن أمريكي يدعى ( جون والس ) وبين زوجته السويدية الأصل، وقد اعتمدها القاضي بمثابة وثيقة قانونية في دعوى الطلاق رغم أن أسلوبها يشير بوضوح إلى أن الزوج - الذي كتب الرسالة - كان واقعاً تحت تأثير مخدر ما إلى حد أنه أحياناً كان يخطئ في تهجى الكلمات. والرسالة تقول : أنت تريد أن تعرف لماذا أتخلى عن زوجتي، حسناً يا فضيلة القاضي، أنا أيضاً أريد أن أعرف ذلك، فالواقع أنني بدوري لا أجد مبرراً واحداً للتخلي عن تلك السيدة السماوية ذات اللكنة الفاتنة التي تجعلك تحس بأنك لا تريد شيئاً من العالم سوى أن يتركك تحملها فوق كتفك وتتسكع بها في مطاعم لوس أنجيلوس لكي تقتل بعض المواطنين بالحسد. أجل أنها سيدة عظيمة وكل شئ، وأنا لا أعرف لماذا أريد أن أتخلى عنها. ولكن، يا فضيلة القاضي أسمع، أنني أيضاً لا أعرف ماذا أفعل بها في بيتي. هل تصدقني ؟ حسناً.. أنا أقسم لك أنني لا أعرف ماذا أفعل بالسيدة ( انجريد د. والس ) في أي مكان.. أنها مجرد امرأة فاتنة تمشي إلى جانبي على الدوام لأنها زوجتي هذا كل ما في الأمر. أما لماذا تصير السيدة المذكورة زوجتي ولماذا لا تذهب للمشي بجانب خنزير آخر، فأنا - في الواقع لا أعرف ثمة إجابة معقولة.. هل تصدقني ؟ أعني هل ترى معي لماذا أريد أن أتخلى عن تلك السيدة ؟.. أجل لأنني لا أعرف ماذا أفعل بها هنا.. ذلك بالضبط هو المبرر الوحيد ولكنه مبرر كاف. أليس كذلك ؟ فأنت لا تستطيع أن تحتفظ بالسيدة ( انجريد د. والس ) في بيتك لمجرد أنها زوجتك.. أنك لا تستطيع أن تفعل ذلك دون أن تبدو سخيفاً إلى حد لا يطاق.. هل تصدقني ؟.. أن المرء لابد أن يجد شيئاً يريد أن يفعله مع زوجته إذا أحضرها معه إلى بيته لا أن يحضرها معه لمجرد أنها زوجته.. أسمع، هل نفذ ذلك إلى دماغك.. حسناً أنا أعترف لك بأنني لا أعرف شيئاً واحداً في العالم أريد أن أفعله مع السيدة ( انجريد.والس ).. فنحن في الواقع فعلنا كل شئ.. لقد وقعنا في الحب وتسكعنا متشابكي الأيدي طوال الليل، ورقصنا في الشوارع وتبادلنا القبلات في المطر ووضعنا خطة للمستقبل، ووضعنا قائمة بأسماء أطفالنا أيضاً وتعاهدنا على الوفاء بقية حياتنا.. وتشاجرنا أحياناً بدافع الغيرة وسكرنا في معظم حانات ( بيل استريت )، ثم حملنا حقائبنا ذات يوم وذهبنا إلى السويد لكي نعقد زواجنا طبقاً لتعليمات العائلة.. أجل. أنت لا تستطيع أن تتصور ماذا حدث هناك. يا إلهي.. لقد كان عرساً عظيماً مليئاً بالسعادة وكل شئ.. وكانت حماتي تقرصني في مؤخرتي من فرط الإعجاب.. والأقارب المهذبون يشربون نخبنا طوال الليل. والقسيس الطيب القلب يصلى من أجلنا صلاة إضافية بعد مراسم الخدمة.. وكنت بالطبع أتظاهر بالعجلة في حمل انجريد إلى غرفتنا، وكانت حماتي تتابعني بنظرة ماكرة مؤداها أنها تستطيع أن تحدس مقدماً كل ما أزمع أن أفعله مع انجريد في غرفتنا.. ولكنها كانت مخطئة بطريقة مزرية، وكانت انجريد - في الواقع - حاملاً منذ أربعة أشهر، وكنا قد فعلنا في لاس فيجاس كل ما أردنا أن نفعله. أجل.. يا إلهي.. لقد كانت حماتي مخطئة بطريقة مزرية، وكنا متعبين من التمثيلية الصغيرة، وقد هربنا في نهاية المطاف إلى إحدى الغرف ونمنا مثل صخرتين سعيدتين.. وعندما عدنا بعد ذلك إلى لاس فيجاس كنا ما نزال نحس بالتعب. وقد اشترينا بيتاً من ثلاثة طوابق. أجل. أنا لم أقل لك أنني أحب البيوت الكبيرة التى تجعلك تحس كأنك أمير فرعوني داخل هرمك. واشترينا أيضاً قطعة الأرض المجاورة لكي نقيم فيها حوض السباحة وملعب التنس. وعندما أبدت انجريد رغبتها في تعلم ركوب الخيل اشترينا أيضاً البحيرة المجاورة وقمنا بردمها ووضعنا فيها خمسة خيول عربية وبغلين من بولندا وفيلاً واحداً. حسناً.. ماذا نفعل بالفيل ؟ أنا في الواقع لا أدري ولكن انجريد أبدت رغبتها في الحصول على فيل صغير السن يصلح للعب مع الأطفال. وقد أحضرت لها ذلك الحيوان الأخرق من بلد يدعى الهند، وقضينا بضعة أيام مليئة بالإثارة في معاكسته ثم اعترانا الملل وقررنا أن نتركه وشأنه. أف.. الملل.. هل سمعت قط بذلك المرض المزري يا فضيلة القاضي ؟.. معذرة.. لقد كنت أشعر بالملل، وكنت مستعداً لأن أفعل أي شئ في العالم مقابل الخلاص من ذلك المرض المزري الذي يدب في صدرك مثل عقرب ملوثة بالعسل وقد فعلت أشياء كثيرة حقاً وانطلقت مع السيدة ( انجريد د. والس ) لكي نجوب العالم في طائرة خاصة.. أف.. هل جربت مرة أن تمـارس الحب مع السيـدة ( انجريد د. والس ) في طائرة خاصة ؟.. حسناً. أنا فعلت ذلك أكثر من مائة مرة ولكن ذلك أيضاً لم ينقذنا من الملل. وقد مارسنا الحب في هونج كونج وفي مدينة أسطنبول وفي هونو لولو أيضاً ونمنا فوق الرمال الساخنة واستمتعنا بالشمس وزجاجات الكوكا كولا والقبلات المفاجئة ثم عدنا إلى لاس فيجاس واكتشفنا مرة أخرى أننا ما نزال نحس بالملل. كنا مجرد خنزيرين ميتين من الداخل ومحشوين بالقطن. وكنا نملك كل شئ في العالم، ونستطيع أن نغادر لاس فيجاس في أي وقت ونذهب إلى أي مكان. وقد فعلنا ذلك مائة مرة وطفنا - متشابكي الأيدي - معظم المدن المثيرة التي يتحدثون عنها في النشرات السياحية، وفعلنا كل ما تستطيع تسعون مليون دولار أن تفعله.. هل تصدقنى أجل.. ولكن الملل أبن العاهرة بدأ يجوب العالم أيضاً على حسابنا. لقد كان يرافقنا مثل حقائبنا بالضبط. وكنا نجلس معاً طوال ساعات النهار دون أن نتبادل كلمة واحدة. وكانت انجريد تقرض أظافرها وتتبادل النظرات مع أي رجل يجلس بالقرب من مائدتنا، وكنت بدوري أفعل ذلك مع المرأة التى تجلس بجانبه. وعندما تجمعنا حفلة ما نتفرق على الفور لكي يبحث كل منا على حدة عن شئ يقوله أو يسمعه لأول مرة. أجل.. يا فضيلة القاضي. هل فهمت ما أقصده.. لقد كنا معاً، السيدة انجريد د.والس وأنا مجرد نسختين من قصة واحدة. وكنا نملك كل شئ في العالم، بما في ذلك الفيل الأخرق الذي يذرع الساحة أمام بيتنا في لاس فيجاس.. وكنا أيضاً خنزيرين مخادعين. أنتظر، أنا أزمع أن أقول لك أين كنا نخدع أنفسنا. أنا أعرف ذلك الآن. لقد سكرت ذات ليلة وقررت أن أواصل السكر حتى أعرف لماذا كنا نشعر بالملل.. وأنا أعرف أنني اكتشفت السبب.. فأسمع الآن. لقد كذبت عليك نحن لم نكن نملك كل شئ في العالـم. لقد كـان ثمـة شئ واحـد لم يكن بوسعنا أن نملكه، وكان ذلك الشيء - يا فضيلة القاضي - أن أحداً منا لم يكن لديه ثمة ما يفعله. أجل.. أنت لا تستطيع أن تجد شيئاً تفعله عندما تصل ثروتك إلى تسعين مليون دولار. هل تعرف ذلك من قبل يا فضيلة القاضي ؟.. أن تسعين مليون دولار تشبه بالضبط مصباح علاء الدين. وعندما يضع الشيطان ذلك المصباح في عنقك ويعلق فيه السيدة ( انجريد د.والس ) ويتركك تذرع العالم في طائرة خاصة فأنت في الواقع لابد أن تطير متطوعاً إلى الجحيم. أنك لن تجد طريقاً آخر يحملك إلى أي مكان.. هل تصدقني ؟ حسناً أنا أعرف أن المرء لابد أن يمتلك أولاً تسعين مليون دولار لكي يفهم لعبة الشيطان السخيفة. فأنت - إذ ذاك - خنزير ميت محشو بالقطن.. هذا كل ما في الأمر.. أنك لا تستطيع أن تجد ثمة ما تفعله سوى أن تواصل خداع نفسك وتذهب لركوب الفيل مرة وللعب الجولف مرة ومطاردة البط البري الجائع في المستنقعات المجاورة والعمل قليلاً في حديقة البيت على عادة الرجال العاقلين وتبادل النكات القديمة مع أصدقائك وإظهار كل ما لديك من النفاق في الحفلات العامة ودلق الأنخاب في جوفك والترنج بنزق على أرضية الرقص وبقية الخدع الاجتماعية الأخرى. هذا كل ما في الأمر. أنك مجرد خنزير فظيع مغلق عليه داخل جلده النتن.. يا إلهي.. هل تستطيع أن تتصور ذلك يا فضيلة القاضي ؟ اعني أن يكتشف المرء ذات يوم أنه مجرد خنزير مسجون داخل جلده ؟ حسناً.. لقد كنت مخموراً تلك الليلة، ولكني نظرت صدفة في المرأة ورأيت بوهن أنني على وشك أن أتقيأ من الغضب.. لقد كان المخلوق الذي ظهر أمامي في المرآة مجرد كتلة صلدة من الشحم والجلد والعظام. هذا كل ما في الأمر. وأعني هذا كل ما أعرفه عن نفسي مجرد خنزير سمين يلبس قميصاً أبيض.. لا تدع الضحك يغلبك. أنا لا أريدك أن تضحك من رجل بائس مثلي يا إلهي.. هل يستطيع أحد القضاة أن يضحك حقاً إذا قلت له أنني لا أعرف شيئاً عن نفسي سوى أنني كتلة من الشحـم والجلد والعظـام الملفوفـة في قميص أبيض. يا فضيلة القاضي.. معذرة أن المرء لا يستطيع أن يواصل الحياة شبراً واحداً في قبضة ذلك المرض المزري.. أنه يفقد الرغبة في كل شئ ويشرع في تذوق العرق الحافل بالمرارة الذي ينفجر عادة من حلقة ويجعله يتجمد فجأة مثل عجوز مختنق برائحة كلب متعفن. فنحن نموت من الملل عندما نملك كل شئ في قبضتنا.. هذا كل ما في الأمر. أننا نموت حقاً وندفن أنفسنا بجانب المدفأة ونشرع في خداع الشيطان نفسه خلال حفلاتنا الصاخبة ورحلاتنا البعيدة المدى حول العالم الممل وملابسنا وعرباتنا الفظيعة ونسائنا وأفيالنا أيضاً.. أننا لا نجد ثمة ما نفعله. أجل. هذا ما يحدث من الداخل. ولا نجد ثمة ما نقوله أو نسمعه.. أنتظر.. لا تدعني أهذي هكذا بدون هدف.. أنا أريد أن أقول لك أن المرء لا يستطيع أن يجلس في بيته العصري بجانب زوجته العصرية ويطير أيضاً بطريقة عصرية ويتشقلب على رأسه في مدن العالم دون أن يتعرض للمتاعب.. أنه لابد أن يفقد نفسه في وسط الطريق، ولابد أن ( يتحلل ) مثل مومياء في المطر ويتساقط بالتدريج ورقة بعد ورقة حتى يصبح في نهاية المطاف مجرد عود من الحطب.. هل تعتقد أن هذا نوع من الشعر ؟ حسناً.. ماذا تريدني أن أقول ؟.. أن المرء يفقد رأسه حقاً إذا كان كل ما لديه تسعون مليون دولار فقط.. انتظر.. لا تدعني أنسي السيدة ( انجريد د.والس ) أجل، ماذا أريد أن أقول بشأنها ؟ يا إلهي، ساعدني لكي أتذكر. أنها امرأة عظيمة وكل شئ، ولكنها - مثل التسعين مليون دولار - لا أعرف ماذا أفعل بها.. هل نفذ ذلك إلى دماغك يا فضيلة القاضي.. أنني لا أعرف شيئاً واحداً أريد أن أفعله مع تلك السيدة أو مع أي خنزير آخر في العالم فأنا فعلت كل شئ.. هذا كل ما في الأمر.. ولم يعد ثمة ما يغريني في العالم بأسره. هذا ليس كذباً أو شعراً يا فضيلة القاضي.. أن المرء لا يشرب زجاجتين من الويسكي لكي يكذب.. أنني أنقل لك جحيمي الحقيقي.. أعني أنقل لك ما يحدث في البيت المكون من ثلاثة طوابق. والجحيم بكلمة واحدة أن تكتشف ذات يوم أنك مجرد خنزير متحضر يلبس قميصاً أبيض ويمارس الحب مع السيدة ( انجريد د.والس ) في السماء.. أنا لا شئ آخر.. لا شئ.. هذا نص الرسالة التي قبلها القاضي في لاس فيجاس بمثابة وثيقة قانونية في دعوى الطلاق والمرء يستطيع أن يقرأها أكثر من مرة دون أن يجد بداخلها ثمة ما يعني أن المواطن ( جون والس ) يملك أية أسباب لطلب الطلاق من زوجته. أنه يشعر بالملل، هذا كل ما في الأمر، والسـؤال المشـوق بعد ذلك هل يكـفي المـلل لتهديـم بـيت مـن ثلاثـة طوابـق ؟..

العودة المحزنة الى البحر الحلقة التاسعة. الصادق النيهوم
 

الحلقة التاسعة

أقوى من الطوفان

 

كنت قد عرضت قصة المواطن الأمريكي ( جون والس ) الذي يملك خمسة وتسعين مليون دولار في أحد جيوب سترته، ويملك طائرة خاصة يذرع بها سموات العالم في صحبة زوجته السويدية الأصل. وقد دعاني إلى عرض قصة المواطن السعيد أنه سكر ذات مرة وكتب رسالة مريعة إلى قاضي الطلاق في مدينة لاس فيجاس أعلن فيها عن رغبته المفاجئة في التخلي عن السيدة زوجته بدافع الشعور بالملل. وقد قبل القاضي دعوى الطلاق بيسر ملفت للنظر كان المرء لا يحتاج إلى شئ آخر لكي يهدم بيته فوق رأس زوجته سوى أن يعلن للقاضي أنه بات يشعر بالملل. ‏فهل يكفي ذلك العذر الواهي لهدم بيت من ثلاثة طوابق ؟.. أنا أعرف أن الإجابة تستطيع أن تبدو معقدة إلى حد يثير الريبة، وأعرف أن ذلك قد يضم بداخله كثيراً من المبالغة في إظهار مدى سوء النتائج المتوقعة، فالمرء يدهشه حقاً أن يقال له أن المواطن ( جون والس ) الذي يملك خمسة وتسعين مليون دولار وطائرة خاصة يجوب بها العالم بلا توقف يمكن أن يصاب بالملل. ولكن السؤال المشوق يبدأ في الواقع على هذا النحو : ما هو ( الملل ) ؟.. وأنا أعتقد أن هذه الكلمة المقززة لا تملك مرادفاً آخر في أية لغة في العالم سوى كلمة (العبث). فالشيء الذي ينمو في صدر مخلوق ما ويجعله يحس كأنه يعيش داخل سحابة ملوثة برائحة الشيطان ليس مجرد حالة نفسية طارئة.. أنه تصور أصيل لوجهة الحياة نفسها. فالفراغ موجود في الخارج على الدوام، ونحن نستطيع أن ننشغل عنه معظم ساعات النهار بقتل الوقت في لعب الورق أو قراءة رحلات السندباد.. أو العمل بانهماك في أداء شئ ما، ولكننا أيضاً نستطيع أن نلمسه بأصابعنا بمجرد أن نكتشف أننا لا نملك ثمة ما نريد أن نفعله.عندئذ يصبح الفراغ حقيقة واقعة.. وتنطلق الحياة في نزق عبر سحابة معتمة من الساعات والأيام والسنين المجوفة التى تبدو دائماً خالية من الطعم.. والمرء - عندما يقع في هذا الفخ - يسارع إلى الشكوى من عدوه الغامض المدعو ( بالملل ) ولكنه غالباً ما ينسى أن يلقى نظرة أخرى على عدوه الحقيقي الذي يجلس داخل صدره.. فالملل - مثل وجع الأسنان بالضبط - مجرد إشارة مباشرة عن وجود مرض مدمر في الداخل أنه مجرد رد فعل متناهي البساطة لانفجار العدو الحقيقي في منطقة ما من الكائن الحي. والملل يحدث دائماً لإعطاء الإشارة عن تحقق مهزلة ( العبث ) داخل الحياة. فالعبث مرض حقيقي موجود في العالم مثل أي مرض آخر. ولكنه - بطبيعة حدوثه - لا ينتقل بطريق العدوى.. أنه يولد كتلة واحدة في لحظة واحدة أيضاً، داخل الحياة بأسرها - بمجرد أن يرفع المرء رأسه ذات يوم ويكتشف مذعوراً أنه - في الواقع - لم يعد لديه ثمة ما يريد أن يفعله. لم يعد يرغب في مواصلة لعب الورق.. لم يعد يرغب في الويسكي، أو التسكع بطائرته الخاصة في سموات بانكوك.. لم يعد يرغب في تبادل الحب مع السيدة الشقراء التي تتكور بجانبه، لم يعد يرغب في الرقص أو مداعبة فيله المضحك في حديقة البيت.. أو مطاردة جارته، أو لعب البوكر، أو العمل في ( وول أستريت ).. لم يعد يرغب في شئ.. ولم يعد ثمة ما يثير اهتمامه سوى أن يجلس على الأرض ويشرب ما يجده من الويسكي ويبصق على رأس العالم الموحش المليء بالعبث. عندئذ يحدث المرض.. أنه يولد دفعة واحدة كما يولد الانفجار البركاني ويجرف كل شئ في طريقه ويجعل الحياة نفسها مجرد لعبة جرداء خالية من النتائج إلى حد يدعو إلى اليأس. والمرء يمضغ أيامه باستياء واضح من الشيء الذي يدعوه ( بالملل )، ويواصل حياته المريضة حاملاً في صدره ذلك المخلوق الذي دعاه المواطن ( جون والس ) في رسالته - عقرباً ملوثاً بالعسل. وهو معرض حقاً لأن يترك ذلك الشيطان يقوده طائعاً إلى الجحيم إذا وقع فريسة الخلط بين ظاهرة الملل وبين المرض الحقيقي الكامن في الداخل. فالملل يمكن التغلب عليه بلعب الورق.. ويمكن التغلب عليه بالذهاب في صحبة امرأة شقراء إلى بانكوك، أو شرب زجاجة من الويسكي، أو الخروج في نزهة جماعية أو إقامة مزيد من الحفلات أو الانهماك في العمل أو التسكع بطائرة خاصة في مطارات العالم.. أن الملل يمكن التغلب عليه بأنفاق مزيد من النقود. ذلك واضح للغاية، ولكنه من الواضح أكثر أن تلك المحاولة المتواضعة مجرد لعبة أخرى لتهدئة الآلم وحده. وكلما طال المرض كلما تضاعفت الحاجة إلى مزيد من الأقراص المهدئة. وكلما ازدادت حدة الملل، كلما أحس المرء بأنه في حاجة إلى مزيد من اللعب المثيرة.. فالذي يبدأ معركته باللجوء الفوري إلى زجاجة الويسكي، يكتشف بمرور الوقت أن زجاجة وحدها لم تعد تكفي، وأنه يحتاج إلى أن يشرب مرتين في اليوم بدل مرة واحدة لملاحقة ملله من العالم، ثم يكتشف أنه يريد أن يشرب ثلاث مرات وفي ذات يوم يشرب أكثر من ذلك مرتين، ثم تحدث الكارثة عندما يفتح عينيه فجأة ويكتشف مذعوراً أن الملل قد ملأ كل شئ في حياته، وأنه لم يعد لديه ثمة فرصة واحدة سوى أن يشرب طوال حياته أيضاً.. نحن ندعو ذلك في لغتنا المتواضعة بأسم ( الإدمان ) وهو في الواقع شئ يشبه ذلك أيضاً. ولكن الإدمان مجرد ظاهرة من الخارج مثل الملل نفسه.. فالمرض الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى مخلوق مدمن. أنه يستطيع أن يصيب رجلاً متزناً مثل المواطن ( جون والس ) ويجعله يلهث داخل علبته الطائرة من قارة إلى قارة مثل سمكة مختنقة في علبة سردين، دون أن يدفعه إلى إدمان شئ واحد بالذات.أنه يدفعه هذه المرة إلى إدمان كل شئ.. ذلك يعني أن المواطن ( جون والس ) لا يحتاج إلى أن يسكر كل يوم مثل أي مدمن عادي. ولكنه يحتاج أن يفعل شيئاً آخر على أي حال. أنه لابد أن يخرج لصيد البط البري، أو لمطاردة التماسيح في أوغندا أو التسكع بعربته الطويلة في أوربا أو المراهنة على خيول السباق أو الرقص أو القمار أو أية كارثة في العالم تستطيع أن تنقذه من الجلوس وحده وجهاً لوجه أمام الشيطان. فالمواطن ( جون والس ) لا يملك شيئاً يفعله مع نفسه. أنه ببساطة لا يجد ثمة ما يقوله لها.. ولا يستطيع أيضاً أن يجلس في بيته ويثرثر وحده عن صيد البط البري و ارتفاع أسهم البورصة ومطاردة التماسيح في أوغندا.. أن المرء يفعل ذلك دائماً في صحبة الآخرين، ويتحدث عنه في صحبتهم أيضـاً.. والمـواطن ( جون والس ) لا يستطيع أن يخرج من جلده. أنه لابد أن يخرج إلى الشارع ويبحث عمن يريد أن يتحدث معه عن صيد البط البري أو شراء بعض الأسهم أو زيادة منطقة التماسيح في أوغندا. أما أن يجلس وحده في البيت فأن ذلك يعني - بكلمة واحدة - أن المواطن ( جون والس ) سوف يموت من ( الملل ) نظراً لعجزه الكلي عن إيجاد شئ واحد مثير في حياته من الداخل. فالمرء لا يستطيع أن يسير في اتجاهين مختلفين في مرة واحدة.. أنه لابد أن ينطلق إلى الخارج بحثاً عن الهروب من الملل أو ينطلق إلى الداخل لمواجهة ( العبث ) الذي يحس به يملأ صدره. والمرء في الغالب يختار لعبة قتل الملل لأنها في الواقع مجرد لعبة حقيقية، ولأن ذلك ممكن تحقيقه بأنفاق قليل من النقود. أما مواجهة العبث الكلي التعقيد فأنه يحتاج إلى مجموعة هائلة من الأفكار الأصلية والتواضع والقدرة على رؤية الأخطاء والتناقضات والأمانة الصارمة في تقييم الوجود نفسه. والمرء لا يتوقع من مخلوق متواضع الإمكانيات مثل المواطن ( جون والس ) أن يضع خمسة وتسعين مليوناً من الدولارات جانباً ويجلس وحده لمواجهة أسئلة الحياة المتناهية التجريد. أنه في الواقع لابد أن يختار طريقه إلى الخارج ولابد أن يدفن كل شئ في مزيد من اللعب المثيرة، ويختار بالطبع الطريق الأقصر الذي يتمثل في تهدئة حدة الآلم بدل الدخول في مشكلة العلاج المعقدة.. ولكن الفخ الحقيقي يكمن هنا بالضبط.. فالأمراض تكتسب صفة الحصانة ضد الأقراص المهدئة بمرور الوقت. والملل أيضاً يكتسب تلك الصفة.. فأنت تستطيع أن تتغلب على عطلتك المملة بالذهاب إلى أثينا أو بالجلوس في ناصية الشارع ومراقبة المارة أو بأي شئ تجده أمامك. ولكنك لا تستطيع أن تفعل ذلك مرتين، أعني أنت لا تستطيع أن تبقي في أثينا إلى الأبد دون أن يعتريك الملل، ولا تستطيع أيضاً أن تقضي حياتك في لعب الورق أو مراقبة المارة عند ناصية الزقاق … أنك لابد أن تواجه في إحدى اللحظات الحرجة مشكلة الملل من جديد، ولابد أن تبادر إلى البحث عن شئ آخر تفعله موقنا بوضوح أن الملل المريع قد اكتسب حصانة حقيقية ضد أول حيلة لقتله وأنك تحتاج إلى البحث عن حيلة أخرى على الفور. وأنت تستطيع أن تقضي حياتك في البحث عن الحيل الجديدة، ولكنك بالتأكيد - وبطريقة لا تقبل الشك - لا تستطيع قط أن تقتل الملل.. فالأقراص المهدئة لا تقتل الآلام أيضاً. أن ذلك يحتاج إلى استئصال المرض نفسه، وأنت لابد أن تستأصل إحساسك بالعبث قبل أن تتاح لك فرصة النجاة من قبضة مللك.. فكيف يحقق المرء هذه المعجزة ؟.. كيف يقنع المرء نفسه بأن مطاردة التماسيح البائسة في أوغندا ليس مجرد عبث لا طائل تحته ؟ وأن التسكع في سموات العالم من مدينة إلى أخرى ليس مجرد عبث أيضاً.. وكذلك لعب الورق والرهان على خيول السباق وإقامة الحفلات المفاجئة وصيد البط البري وقرص الخادمات في الملهي الليلي واحتساء مزيد من الويسكي ومطـاردة النسـاء في كل مكـان والبحـث عن حيـل جديـدة لرفـع أسعار الأسهم في البورصة. أن كل شئ في العالم يبدو في الواقع مجرد عبث لا طائل تحته.. أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً حيال هذه الحقيقة الصارمة. ولكننا نستطيع بالطبع أن نغمض أعيننا ونواصل الجري في نفس الاتجاه المليء بالعبث إلى أن ينتهي كل شئ بطريقة ما، ونستطيع أن نجعل ذلك يبدو مغرياً من الخارج حتى أننا لنحس بأنه ليس ثمة إنسان واحد في العالم بأسره سوف يرفض أن ينال خمسة وتسعين مليون دولار وطائرة خاصة يذرع بها السموات من مدينة إلى مدينة. ومع ذلك، فنحن نعرف أيضاً أن المواطن ( جون والس ) كان يملك ذلك بالضبط، وكان لا يجد شيئاً يفعله سوى أن يشرب زجاجة من الويسكي ويكتب الرسائل المريعة إلى قاضي الطلاق لكي يهدم بيته فوق رأسه متعـمداً. أليس ذلك عملاً خارجاً عن نطاق المعقول ؟ أليس الملل قوة متوحشة أكثر من أي طوفان في التاريخ بأسره.. أننا نتوقع أن يواصل المواطن ( جون والس ) بحثه عن مزيد من الحيل لقتل ملله، ونتوقع منه أن يذهب لزيارة بلد لم يره من قبل أو مطاردة امرأة لم يطاردها من قبل أو صيد الأفيال بدل التماسيح.. ذلك ما نتوقعه نحن لأننا لم نعش تجربة المواطن ( جون والس ). ولو أتيحت لنا تلك الفرصة حقاً، فأنه من المتوقع أن نجلس ذات يوم بدورنا ونفعل بالضبط ما فعله المواطن السعيد.. فالعـبث لا يمكن قهـره بخمسـة وتسعين مليـون دولار.. أنه يحـتاج إلى أكثر من ذلك..


 

الحلقة العاشرة

 

العـــــبث..

 

هذا الجزء هو في الواقع بداية الدراسة في النص الأصلي ولكنه لم يكن كافياً للبدء في نشر الدراسة نفسها دون التورط في مشكلة سوء العرض. فالحديث هنا يخص موضوعاً معقداً ممتلئاً بالفروض النظرية التى لا يمكن نقدها باتزان إلا عن طريق الأمثلة المحددة. والمرء يستطيع بالطبع أن يكتشف ( منطق ) هذه الفروض ما دام ذلك يقع في نطاق الفكر العادي ولكنه بالتأكيد لابد أن يحتاج أولاً إلى أن يحدد لنفسه نقطة النقاش الأصلي. وأنا حاولت أن أفعل ذلك هنا بقدر ما أتيح لي من فرص العمل النظري.. وبدأت هذه الدراسة بتسع حلقات إضافية تهدف إلى تحديد ( نقطة النقاش ) داخل مجموعة من الأمثلة المحددة. وعرضت خلالها فكرة الكفاءة المادية التى ظلت هدف الحضارات المتعاقبة بين عصر بناة الأهرام في مصر القديمة وبين عصر التكنولوجيا في الولايات المتحدة. ثم بدأت أعرض الأمثلة التى أثبتت بوضوح أن ( زيادة الكفاءة المادية ) لم يحل شيئاً من مشاكل الحياة بل جعلها تبدو أكثر فظاعة وأكثر قدرة على إلحاق الضرر بالإنسان نفسه. وأنا أود أن ألفت النظر هنا إلى العنوان الأصلي لهذه الدراسة لكي لا أفقد منحة الترابط. فالعودة المحزنة إلى البحر تعني في الواقع ( عودة الحياة إلى أصلها محملة بخيبة الأمل في الكفاءة المادية ).. والحياة بدأت في البحر طبقاً لأقوال العلم والدين على السواء ولكن أهدافها - فيما يبدو - لم تكن قط خاصة بزيادة الكفاءة المادية. فالألم الذي نراه في العالم عقاب كاف لإيضاح هذه الحقيقة لنا وهو - من جهة أخرى - دليل لا يمكن تجاهله على أن الحياة أخطأت طريقها عبر الحضارات المادية وبات عليها أن تستدير مرة أخرى وتبدأ من جديد. فدعونا نضع أسئلتنا ببطء لكي لا ننزلق في مشاكل سوء الفهم. والسؤال العظيم بالطبع ما يزال نفس السؤال الذي طرحه الإنسان منذ بداية الخلق ( لماذا بدأت الحياة) ؟ والإجابة تتجه في طريقين مختلفين كلية، أحدهما يعلن أن الحياة بدأت صدفة وأن هدفها الوحيد هو في الواقع أن تزيد كفاءتها المادية لكي تجعل بقاءها أمراً ميسوراً وممتعاً. ونتيجة هذه الإجابة واضحة الآن في الولايات المتحدة. فالكفاءة المادية هنا تحققت بصورة فائقة ولكنها لم تجعل أمر البقاء ميسوراً أو ممتعاً. ونحن نستطيع بالطبع أن ندخل في نقاش لا ينتهي عن جدوى الكفاءة المادية ما دام الإنسان نفسه يدفع ثمنها من سعادته، ونستطيع أيضاً أن نشير ببساطة إلى أن الشعب الأمريكي - الذي يملك أعلى مستويات الكفاءة المادية - معرض للانقراض في أي وقت، ومعرض لأن يجعل العالم ينقرض وراءه، ومعرض بصورة يومية إلى ملايين التفاصيل البشعة التى تجعل حياته خالية حقاً من المتعة. فهل حققت الكفاءة المادية شيئاً من أهدافها ؟ هل جعلت أمر البقا