الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

القراءة البنيوية

د. جابر عصفور

يمكن أن نعد ما كتبه رولان بارت (1915-1980) عن النشاط البنيوي بمثابة بيان (مانيفستو) عن البنيوية من حيث هي منهج في دراسة الظواهر، أي من حيث هي نشاط يمارسه البنيويّ بهدف تعقل الظواهر وفهم النصوص. وهو يبدأ مقاله بتأكيد دين البنيوية إلى علم اللغة عند دي سوسير، وذلك من حيث ما يقوم عليه هذا العلم، أولاً، من تمييز بين اللغة والكلام، اللغة من حيث هي نسق ثابت يكمن وراء الظواهر المتغيرة، والكلام من حيث هو تجليات متغيرة، متحولة، تكشف - في تحليلها أو قراءتها - عن بنية أو أبنية ثابتة، هي قوانين عقلية، كلية، عميقة، ترتد إليها الظواهر المتعددة، كاشفة عن نظامها المتلاحم، وقواعدها النسقية التي تشبه قواعد اللغة التي يرتد إليها كل فعل من أفعال الكلام في متغيراته اللانهائية.

وكان اكتشاف هذه القوانين هو الوعد البنيوي البراق بتأسيس منهجية علمية، منضبطة انضباط علم اللغة عند دي سوسير عموماً، وعلم الأصوات عند تروبتسكوي خصوصاً. واقترن ذلك بفهم الأعمال الأدبية، أو قراءتها، بصفتها تجليات متغايرة الخواص (كلام) للقوانين الكلية (اللغة) التي تكمن وراء التجليات المتكاثرة إلى ما لا نهاية، لكن التي تتحدد حركتها أو تحولاتها - في مداها اللانهائي - بالقوانين الكلية الكامنة التي أصبح اكتشافها مرادفاً لعلم الأدب الجديد، أو البوطيقيا الواعدة. وبقدر ما أصبحت الأعمال الأدبية المنفردة أبنية صغيرة، تومئ إلى الأبنية الكبرى، في غيابها عن الحضور، أصبحت قراءة هذه الأعمال محاولة لاكتشاف الخصائص القارة التي تحدد أدبية الأدب، أو شعرية الشعر، أو قصية القص... إلخ. وكانت الثنائية التي تجمع ما بين أبنية الأعمال الأدبية التي نقرأها والأبنية الكبرى التي يتطلع البنيويّ إلى الكشف عنها، من حيث هي قوانين كامنة، ترتد إليها متغيرات الأعمال الأدبية، موازية لثنائية الحضور والغياب، في كل عمل أدبي من حيث هو بنية، لا يكتمل فهم العناصر الحاضرة فيها إلا في علاقاتها بالعناصر الغائبة عنها، وذلك في جدلية الحضور والغياب التي تفتح البنية على غيرها، وتجعل منها بنية متناصة بالضرورة. وهو أمر يؤدي إلى المفارقة الواقعة بين تصور بارت البنية الأدبية - في مرحلته الأولى - بصفتها شبيهة بالفعل اللازم الذي لا يتعدى إلى مفعول في النحو، وذلك في نوع من الاكتفاء الذاتي، وتصور بارت نفسه للبنية من حيث هي جدل مستمر بين علاقات الحضور والغياب، كما يحدث في إشارات المرور التي لا يدل ما نراه منها إلا في علاقته بما هو غائب عن أعيننا. أعني الجدل الذي يجعل البنية مفتوحة على التناص الذي يغدو عنصراً تكوينياً من عناصرها. وكان الحل الشكلي لتجاوز التناقص الذي تنطوي عليه هذه المفارقة هو تجاهل طرفها الثاني، والتركيز على الطرف الأول الذي يجعل من بنية الكتابة فعلاً لازماً بالمعنى النحوي، إذا استخدمنا لغة بارت في مرحلته التي كتب فيها مقاله عن «النشاط البنيوي» سنة 1963.

ولذلك ذهب، في هذا المقال، إلى أن استخدام أزواج اصطلاحية مثل الدوال والمدلولات، اللغة والكلام، الآني والمتعاقب، هي العلامة الاستهلالية التي تميز البنيوية عن غيرها من أساليب الفكر، ويشير الزوج الأول إلى النموذج اللغوي الذي أقامت عليه البنيوية تصورها لشعرية الأنواع الأدبية على سبيل التفريق، أو الشعرية الأدبية العامة التي هي مجموعة من المبادئ القارة التي تمايز بين الأدب وغيره من النشاطات الإنسانية. ويوازي ذلك إشارة الزوج الثاني (الآني والمتعاقب) إلى تفضيل الأول على الثاني في النظر إلى الأنساق، الأدبية وغير الأدبية، من حيث هي أبنية قائمة في الآن، لا يتم البحث فيها بالنظر إلى تاريخها، أو أصولها، أو جذورها، وإنما بالنظر إلى علائقيتها الآنية التي تكشف متغيراتها في علاقتها بثوابتها، وذلك في الثنائية التي يواجه فيها الدال مدلوله في علاقة اعتباطية، غير قابلة للتعليل المنطقي، وإن كانت قابلة للتصنيف الذي يبدأ من تثبيت الزمن، بصفته عملية إجرائية، وينتهي بتثبيت القواعد الحاكمة التي هي موضوع «علم الأدب».

وكون البنيوية نشاطاً، من هذا المنظور الذي أكده بارت، يعني أنها تتابع منتظم لعدد من العمليات العقلية التي تهدف إلى إعادة تشييد «الموضوع» بطريقة تكشف عن القواعد الوظيفية له. ولذلك فالبنية صورة Simulacrum للموضوع، ولكنها صورة موجهة لافتة، لأنها تبرز شيئاً يظل غير مرئي، أو غير متعقل في الموضوع الطبيعي الذي توازيه. ويعني ذلك أن النشاط البنيوي يبدأ - في مقاربة موضوعه - بتفكيكه ورده إلى عناصره، وينتهي بإعادة التركيب الذي يمنح الموضوع مغزاه وقيمته. وليس ذلك بالشيء الهيّن في ما يقول بارت، لأن هناك شيئاً جديداً يحدث ما بين الموضوع الذي ينحل إلى عناصره وصورته التي هي إعادة تركيب، يكشف عن العلاقات بين هذه العناصر. وما بين لحظة التفكيك ولحظة التركيب، يقع زمنا النشاط البنيوي، وينتج تعقل الموضوع أو فهمه، ومن ثم قراءته. فالصورة التي يعاد بناؤها بعد تفكيكها هي العقل الإنساني مضافاً إلى الموضوع، في حال قراءته، وتلك إضافة لها قيمة أنثروبولوجية، من حيث هي الإنسان نفسه: تاريخه ومواقفه وحريته والمقاومة التي يواجه بها عقله الطبيعة. ويترتب على ذلك أن التركيب البنيوي للموضوع بعد تفكيكه لن يكون انطباعاً عن العالم، وإنما صنع حقيقي لعالم يشبه الأول، لكن ليس بهدف نسخه أو محاكاته، وإنما بهدف فهمه وتعقله.

وإذا نقلنا هذا التنظير من مدى فهم البنية إلى مدى القراءة التي هي، بدورها، سعي لتعقل الموضوع المقروء، فإن النتيجة تظل واحدة، لا تفارق فيها دلالة القراءة دلالة النشاط العقلي الذي يقع ما بين زمني التفكيك والتركيب، وذلك بما يجعل من فعل القراءة، في علاقته بالنص المقروء، فعلاً يضيف إلى موضوعه المقروء بالكشف - أولاً - عن العلاقات القائمة بين عناصر بنيته الذاتية، والكشف - ثانياً - عما تجليه هذه البنية من أبنية كلية، أو مبادئ شاملة تحتية تنتمي إليها بنية العمل المقروء انتماء النتيجة إلى أسبابها.

وما يحسب للبنيوية - في هذا الاتجاه - هو أنها اتسعت بفهم البنية، ونقلها من الدائرة اللغوية المحدودة إلى دوائر العلامات غير المحدودة التي تتجلى في ظواهر الكون كله، باحثة عن أنساق القوانين الكلية نفسها، ابتداء من اللغة غير الأدبية، وليس انتهاء بالعلامات غير اللغوية التي تقع في مدى الإدراك الإنساني، وتجمع ما بين الإعلانات والبوسترات والأفلام وتنويعات الأزياء والفنون التشكيلية، وعلى رأسها الرسم. ولم يكن هدف القراءة البنيوية - في كل هذه المجالات العلاماتية - قرين النظر إلى «البنية» بصفتها ناتج مجموع الأجزاء، وإنما بصفتها محصلة العلاقات بين هذه الأجزاء، العلاقات التي يعني اكتشافها الإبانة عن الكيفية التي أصبحت بها البنية ممكنة، فغاية القراءة البنيوية - في النهاية - ليست الإنسان المزوّد بالمعاني، بل الإنسان صانع المعاني، الأمر الذي يعنى أن مضمون المعاني ليس هو الذي يستنفد الأغراض الدلالية للإنسانية، بل الفعل الذي يتم به إنتاج هذه المعاني التي تظل في حالة صنع دائمة.

ومن هذا المنظور، أمكن أن يحلل كلود ليفي شتراوس الأساطير، ومنها أسطورة أوديب على سبيل المثال، بردها إلى مكوناتها الرئيسة التي تتضام في عدد من الوحدات الصغرى، أو الميثيمات (العناصر الصغرى للأسطورة) القابلة للتصنيف في مجموعات يتشكل من قراءتها أفقياً ورأسياً معنى الأسطورة التي تمضي بها القراءة البنيوية إلى اتجاه غير مسبوق. وفي مدى مقارب، بحث ميشيل فوكو (الذي ظل يدفع عن نفسه الصفة البنيوية) عن أنساق المعرفة (ابستيماتها) المتغيرة، في تحولاتها التي تصل ما بين أنظمة الانضباط والعقاب والأنظمة التي تجمع مفاهيم الجنس وممارساته، في موازاة تحليل الأعمال الإبداعية، خصوصاً تحليله البديع للوحة فيلاسكيز «الوصيفات» في كتابه «الكلمات والأشياء». وقبل رولان بارت وفوكو، راد الطريق رومان ياكوبسون (1896-1982) الأب الروحي للبنيوية بتحليله للمرض اللغوي - الحُبْسة - على أساس من مبدأي التراصف الأفقي والتبادل الرأسي، وقطع استمرار تقاليد «النقد الجديد» - في الولايات المتحدة - بقراءته المغايرة للحدث الكلامي في بيانه الشهير عن «علم اللغة والشعرية». وهو البيان الذي قام بتحليل «الحدث الكلامي». إلى عناصره التكوينية الستة (سياق، رسالة، مخاطِب (بكسر الطاء)، مخاطَب (بفتح الطاء)، اتصال، شفرة) مؤكداً أن كل عنصر من هذه العناصر يحدد وظيفة مختلفة للغة. بحسب تغير علاقاته، أو تغير حركته ما بين صدارة «الحدث الكلامي» ومؤخرته، وذلك بما يجعل منه: إما عنصراً مهيمناً، أو عنصراً ثانوياً. فتتعدد وظائف اللغة ما بين وظيفة شعرية يكون التركيز فيها على الرسالة، أو وظيفة انفعالية يكون التركيز فيها على المخاطب أو المتكلم، وهكذا دواليك. وفي الاتجاه نفسه، مضى رولان في قراءة الأزياء (الموضة) من حيث هي نسق دال، قابل لاكتشاف وظائفه بعد اكتشاف العلاقات بين عناصره التكوينية التي تمنح كل طاقم أو تركيبة ensemble معنى ومغزى، شأن الأزياء في ذلك شأن الإعلانات في تحويلها إلى دوال يمكن إخضاع علاقاتها للتحليل الدلالي الذي يبين عن النسق المضمر بتجلياته المتغيرة التي توازي الكلام، في كتابه «أسطوريات».

وقد استهل رولان بارت ثورته في مدى القراءة بالخروج على النقد التاريخي والبيوغرافي الذي كان سائداً في جامعة السوربون التقليدية في ذلك الوقت. وابتدأت ثورته، بقراءته الصادمة في كتابه «عن راسين» الذي زلزل أركان التقاليد الأكاديمية التي أرساها غوستاف لانسون. وكانت الدراسات السابقة عن راسين، وأقرانه من أمثال باسكال، قد استجابت قضايا السياسة والأخلاق والدين التي أثارتها خمسينات القرن الماضي وما قبلها، حيث وجد الماركسيون ما يرهص بالمؤثرات والإيديولوجيات التي تسبق الثورة. أما بارت فقد أراد أن يعالج كتابات الأدباء القدماء، أو الكلاسيين، من منظور قراءته النصية التي تتجنب طريقة السيرة التي تقوم على إعادة ترتيب الحياة، وتتجنب التناول الاجتماعي الذي تضمنه منهج البنيوية التوليدية، في قراءة لوسيان غولدمان الذي وصل الرؤية التراجيدية عند راسين بأيديولوجيا المجموعة الجنسينية التي دعمت نبالة الرداء، وذلك في كتابه «الإله الخفي». أما بارت فقد لجأ إلى طريقة مغايرة، ساعياً وراء اكتشاف العناصر العلائقية التي ينبني بها مسرح راسين، ذلك المسرح الذي لا يدور حول الحب بمعناه التقليدي، ولكن حول القوة الكامنة في الموقف الشهوي، ذلك الذي يتجلى في أوجه الصراع الناتج من تحطيم الشفرات الأخلاقية وتقلب الحظ الذي لا يكف عن مباغتة الأبطال. وكانت النتيجة ما انتهى إليه من أن مسرحيات راسين لا تتكشف عن أطر معقولة مغايرة للنظرة الأخلاقية إلى العالم التي أقرتها المؤسسة الأدبية الفرنسية، بل تتكشف عن أنثروبولوجيا راسينية، يولد نسقها المعقد - بتنميطه البالغ لتعارضات الموضوع - مجموعة من الأبنية النفسية التي لم يسمع بها أحد (أو التي قمعت) من قبل.

وكان طبيعياً أن تستفز قراءة بارت الجديدة لراسين المؤسسة التقليدية للدرس الأدبي، المؤسسة التي ناب عنها ريمون بيكار، بصفته أحد دارسي راسين التقليديين في السربون، في الهجوم العنيف على «هذا الخليط المتنافر من النزعات الماركسية والوجودية والفينومينولوجية والبنيوية» وذلك في كتيب هجائي بعنوان «نقد جديد أم دجل حديد» (1965)، وردّ بارت على هذا الكتيب في العام اللاحق بدراسة جعل عنوانها «النقد والحقيقة» مجدداً ثورته على ما سماه «نقد الجامعة» الذي رأى فيه تجسيداً للرجعية السياسية.

وقد خلق كتاب بارت وهجوم بيكار عليه مع تعقيب بارت على الهجوم معركة واسعة الانتشار بين القدماء والمحدثين، وصفها بتفاصيلها الدالة سيرجي دوبرفسكى في كتابه «لماذا النقد الحديث» (1966) الذي ترجمه إلى الإنكليزية ديريك كولتمان بعنوان «النقد الجديد في فرنسا» (1973). وقد أثارت هذه المعركة الكثير من الأسئلة حول كيفية القراءة وحدودها. وكانت استجابة بارت إليها في ما طرحه من مبادئ حرص على تأكيدها في دراسته عن «النقد والحقيقة». وكان ذلك حين أكدّ أن المبدأ الحاكم للقراءة ليس هو «الحقيقة» وإنما «السلامة»، فالناقد لا يكتشف حقائق، وإنما يكتشف أشكالاً من السلامة في التفسير. وإذا كان النقاد ركزوا، في قراءتهم السابقة عن راسين على هدف بعينه، هو الحديث بصدق عن الحقيقة عنده، على أساس أن اكتشاف هذه الحقيقة، في نصوصه، هو ما يعطي للقراءة صفاتها الموضوعية، أو حقيقتها العلمية. هذا النوع من الحقيقة لا وجود له عند بارت، وهي أشبه بالمطلق الميتافيزيقي الذي ينكره، مؤكداً أن النقد - ومن ثم القراءة - شيء آخر، مختلف عن الحديث المنضبط باسم مبادئ الحقيقة. إن موضوع القراءة ليس العالم وإنما هو الخطاب، خطاب كائن إنساني آخر. والنقد - أو القراءة - خطاب ثان عن الخطاب الأول، لغة ثانية، أو لغة شارحة كما يقول المناطقة. وإذا كان النقد مجرد لغة شارحة، فإن مهمته ليست اكتشاف حقائق عن العالم على نحو ما يوجد في النص، وإنما اكتشاف الخطاب الذي يتركب به النص من حيث هو لغة، واللغة ليست صادقة أو كاذبة في هذا السياق، وإنما هي سليمة أو غير سليمة، سليمة بمعنى أنها تؤسس نسقاً متجانساً من العلامات الذي يتطلب نسقاً متجانساً من القراءة التي لا يمكن اختزالها في مبادئ ثابتة، وقدرة هذا النسق الثاني على احتواء التعارضات والمفارقات في النسق الأول، أو النص المقروء هي الوجه الموازي لحرية الناقد في اختيار المدخل الذي يريده لمقاربة النص المقروء، ليس بهدف الوصول إلى حقيقته وإنما بهدف ما يراه تفسيراً سليماً، يلقي ضوءاً جديداً على النص، ويدفع القراء إلى إعادة قراءته، كاشفاً عن كل ما يظل في حاجة إلى الكشف. وما يعنيه مبدأ الحرية، في هذا السياق، يحدده شرطان، شرط داخلي يتمكن معه الناقد من أن يقيم تفسيـــــره على معقوليــــة تؤدي إلى اتساق تفسيره للنص، والشرط الثاني مدى ما يضيفه مدخله الجديد إلى النص.

وقد مضى بارت في قراءاته البنيوية بعد ذلك، معيداً النظر في النصوص الكلاسية التي كشف فيها عن أبعاد وآفاق ما كان يمكن أن يصل إليها النقد التقليدى. وما فعله مع راسين كان مقدمة لما فعله مع بلزاك حين توقف عند واحدة من قصصه، بعد تمييزه بين نوعين من النصوص على أساس من خصائصها القرائية أو الكتابية، أما نصوص القراءة فهي نصوص تقليدية عادة، ساكنة، تقرأ نفسها بنفسها، على نحو تدعم معه نظرة جامدة إلى الواقع، وتؤدي دورها بصفتها نموذجاً متخلفاً تجاوزه عالمنا، أما نصوص الكتابة فهي نصوص تفرض النظر إلى طبيعة لغتها في ذاتها، وليس النظر من خلال اللغة إلى عالم واقعي مقدور، والهدف هو أن تورطنا لغتها المراوغة في نشاط خطر، بهيج، نعيد معه خلق العالم في الزمن الآني للقراءة، بعيداً من أي علاقة ثابتة بين الدال والمدلول، وفي مراح لا حد له للدوال التي تظل حائمة، تتراقص في نصوص الكتابة، مقابل الدوال التي تمشي الهوينى في نصوص القراءة.

وعلى أساس من هذا التمييز، توقف بارت عند قصة سارسين في كتابه الشهير (s/z) الذي يحمل عنوانه التعارض الدال بين حرفين، يومئان إلى الخلاف بين نسبة الاسم إلى المؤنث أو المذكر، ومن ثم إلى اختلاط المعنيين في شخص واحد، هو الذي تدور حوله القصة التي أتاحت لبارت التلاعب الدلالي، في حركة حرة تنطوي على شفرات خمس (تأويلية، ودلالية، ورمزية، وإشارية، وإحداثية) جعلها بارت عناصر تكوينية تكشف عنها القراءة بالتطلع إلى علاقات الوحدات الصغرى، أو المفردات التي انحل فيها النص في فعل التفكيك ليعود إلى التركيب الذي تتكشف به حركة العلاقة بين الوحدات التي يؤدي كل تغير في أي مستوى من مستوياتها إلى تغيير غيره.

لكن المسافة بين بارت الذي كتب النشاط البنيوي سنة 1963 وبارت الذي كتب (s/z) سنة 1970 من المسافة بين البنيوي الذي كان يحلم باكتشاف الأبنية الكلية القارة (بصفتها لغة) وراء تجليات الأعمال الأدبية (بصفتها كلاماً) وما بعد البنيوي الذي اكتشف استحالة تحقيق الحلم الذي لم يكن سوى وهم، فلم تظهر الأبنية العقلية، ولم يعد البحث عنها صالحاً لعالم ما بعد أيار (مايو) - حزيران (يونيو) 1968 الذي زلزلت فيه ثورة الطلاب في فرنسا أركان البنيوية التي عزلت البنية عن التاريخ، واغتربت بالإنسان في سجون النسق والنظام التي حطم جدرانها الطلاب الذين رفعوا الشعار الشهير «فلتسقط البنيوية». وهي الثورة التي أدت إلى تغيير مفاهيم القراءة البنيوية، وتحولها إلى ما بعدها، حيث مراح الدوال في فعل القراءة الذي أصبح فعلاً من أفعال اللذة، وإعادة الاعتبار إلى الطرف الثاني الذي أهمل في المرحلة الأولى من البنيوية، أعني الطرف الذي يجعل من التناص عنصراً تكوينياً من عناصر البنية التي أصبحت مفتوحة على غيرها من الأبنية، وذلك في فعل القراءة الذي ينقل فاعلية التناص من النص الكتابي إلى قارئه الذي أصبح حضوره فاعلاً، ومهيمناً، ومتحرراً في الوقت نفسه.