الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

اللامعقول الشيعي!




بقلم المفكر السيد إدريس هاني - المغرب
 


توطئة :

بعد ثلاثة عقود من ملحمة نقد العقل العربي،وما تلاها أو رافقها من أعمال جانبية أو مكملة، لا يزال محمد عابد الجابري يطالعنا بأميته المعهودة في مقاربة التراث. وكأنه لم يلتفت البتة إلى كل تلك النقود التي عرت عن مزاعم باحث كان يأخذ الأشياء على الخفيف، ولا يبدل من وسع المجتهد في التحقيق ما يرفع عنه أميته بالتراث الشيعي؛ مهزلة. إحدى أهم مظاهر هذه الأمية ، الحديث عن الكليني وما يحتله في التراث الشيعي الأمامي الاثنا عشري، مع انه لا يضع قيدا احترازيا في المقام، كموقعية البخاري عند السنة. أمية أخرى تنضاف هنا ، حيث ما فتئنا نحتج على ذلك في كل مناسبة بأن موقف الشيعة الاثنا عشرية من كتاب الكليني يختلف عن موقف السنة من البخاري ، من جهة عده في المعتبر، فلا صحيح عند الشيعة، بمعنى أن كل المصنفات الروائية خاضعة لأساليب الجرح والتعديل..فهي معتبر ليس إلا، وإن شئت بقل هي صحيحة بالجملة، فما يغني هذا عن وجود الضعيف وغير الصحيح فيها ، فالصحة فيها عامة ليست استغراقية كما لا يخفى.

ومع أن مصنفات السنة تفيض بالقول بما يفيد تساقط سور وآيات من القرآن ، فهو يعيد إحياء آراء سلفويين باتهام الشيعة بالقول بالتحريف، وقد ظهر أن أن ما كان يعتبر مصحف فاطمة خارج عن النزاع، وأن ما ذهب إليه الشيخ النوري لم يرد به التحريف كما فهموا ولا يوجد في الأقدمين والمحدثين من الشيعة من قرأ قرآنا غير هذا او اعتقد في مصحف غير هذا، والكلام هاهنا يطول.شئنا أن نذكر الجابري بأنه في أرذل العمر لا يزال يعاند ويكابر ولا يبدل من الجهد ما يحتاجه التحقيق..في زمان لم يعد عسيرا الوقوف على المصادر ، التي باتت في متناول العوام..مرة أخرى ندعو الجابري أن يكف عن العناد والتراخي في التحقيق، وندعوه أن يقرأ التراث الشيعي من مصادره المقررة، أو ليأخذ له دورة في ذلك..

جدل الخطابة المتستر بمناهج علمية في ظاهرها

الخاصية التي تتبادر إلى الذهن، ونحن نقرا ابحاث د.الجابري حول الفكر الشيعي وتاريخه السياسي، هي تلك المحاولة التي لم تقطع مع طرائق الجدل، ونعني بها طرائق الخطابة القائمة على كثرة الاقيسة الناقصة والمصادرات على المطلوب، والمغالطات...، حتى وهي تتستر وراء مناهج ومفاهيم، تبدو -في ظاهرها- علمية، وبرهانية. على انه لا يكفي، في التحليل العلمي، إيراد المفاهيم العلمية، هذه التي من اليسير تحويلها إلى أساس لرؤية مفارقة، حينما لا نحسن استخدامها او توظيفها.

لم تكن محاولة الجابري ، إذن، سوى عملية جريئة، لتحيين ذلك الصراع التقليدي، الذي يتم فيه الانتصار لعقلانية فانتازية، تجد اطارها -بتكلف واسراف زائدين- في ظاهرية ابن حزم وسلفية ابن تيمية، وهي محاولة تراثية استهدفت العقل نفسه عند المعتزلة وعموم الفلاسفة.. في حين لا يجد المشروع العقلاني، كما خطط له الجابري، اطاره الحالم، في اسهامات الفلاسفة المسلمين، الذين نعتهم بأنصار العقل المستقيل. لا ندري، اذا كان الجابري هنا ينحو في كل ذلك، منحى جدليا، ارغمه على ممارسة انتقائية مبتسرة في اغلب الأحوال، من تقارير استشراقية، وقعت في المازق، الذي اشرنا اليه آنفا. ما عدا ذلك، لم تعكس تلك المحاولات، أي إلمام بالتاريخ او الفكر الشيعيين، كما تدل على ذلك مصادره المعتمدة. نعزو تلك المحاولة التي لم تحقق النجاح المطلوب الى الهاجس السياسي والايديولوجي الساكن - بقوة - في أعماق مشروع الجابري، مضافا اليه عدم التخصص، والبعد عن المصادر، والسرعة -وهي آفة كل مشروع إيديولوجي- في تركيب الصور والأحكام التاريخية. ويكفي، في هذا الاطار، تصدي الكثير من النقاد إلى تفكيك هذا المشروع وبيان هواجسه ونقائضه.

وحينما نعود الى جملة المصادر التي اعتمدها الجابري في تناوله للفكر الشيعي، وهي العملية التي ستكشف، ليس فقط، عن عجز في الاستيعاب، بل، وهو الأخطر من ذلك، عن عجز في الفرز بين مختلف الفرق الشيعية، خصوصا الاسماعيلية منها والاثني عشرية. بل حتى على صعيد العرفان الشيعي، في تلك الصلة التي اوجدها في ما بين تصوف ابن عربي او الجنيد وعموم الباطنية وبين التيار الغنوصي نتبين الخلط الذي يعود الى ذهنية البحث عن الأشباه والنظائر، كما تعكسها مجمل الأبحاث الكلاسيكية، الناظرة في تلك العلاقات. لكننا، وبغض النظر عن هذه الملاحظة، نعود للقول، إننا نعثر على مصادر هزيلة جدا، من الصعوبة بمكان تقبلها بوصفها آثارا مرجعية كافية، لتشكيل رؤية متكاملة عن التشيع. نجد اعتمادا بسيطا على ما لا يتجاوز ثلاثة مصادر أو أربعة. في مقابل ذلك، وبالإضافة الى عدد من المصادر الاستشراقية، مثل أبحاث هنري كوربان - الذي اساء الجابري فهمه-، نجد مادة مصدرية غنية، تتعلق بجملة من المؤلفات ذات المنزع السلفي او السني الاشعري، واعني بذلك كتاب: «مقالات الاسلاميين» للأشعري، وكتاب: «الفرق بين الفرق»، لعبد القاهر البغدادي، و«نهاية الاقدام في علم الكلام» للشهرستاني و-«المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين» لأبي رشيد النيسابوري، و-«فتاوى» ابن تيمية. الخ..

ولا يخفي الجابري - مثلما يفعل دائما- هذه الحقيقة التي عبر عنها في كتابه «العقل السياسي العربي»، فقال: «وان جميع من له إلمام بأحداث القرن الهجري الأول يعرف كيف أن مصادرنا التاريخية او بعضها على الأقل- المصادر السنية عموما- تجعل «الفتنة» زمن عثمان، من تدبير شخص، اسمه عبداللّه بن سبا(...) وقد أطلقت مصادرنا التاريخية على حركة المعارضة لمعاوية، اسم «السبئية» نسبة الى عبداللّه بن سبا هذا».

لقد وقع الجابري بين قوى جذب مختلفة، بين نزعة تمركز الإسلام السني، التي تأثر فيها، لا أقول بهاملتون جيب فحسب، بل بمجمل البيئة الثقافية للباحث وبين ذلك الجهل الكبير بالتراث الآخر، بالإضافة إلى جاذبية المشروع النهضوي في بيئة، اقتضت الانتصار إلى مجمل الفرق الأندلسية والمغربية، حيث يصير «على مجدد الخطاب التاريخي العربي التقليدي، ان يجعل فلاسفة الشرق، وفي مقدمتهم، الشيعة، يدفعون ثمن هذا الصرح الإيديولوجي الضخم! ولا يكلفه ذلك اي جهد معرفي لإقامة الحد على جزء طليعي من التراث العربي والإسلامي، في محيط لا يوفر رأيا جديدا. هاهنا، تستبد الايدولوجيا بالبحث، ويستغني الباحث المنتمي، عن الآلية الابستمولوجية في استكشاف البنية الحقيقية، التي تستقر في مكامن هذا الخطاب التاريخي المتعصب لمعصوميته المزعومة، والمتسلح بعناصر غير معرفية: عناصر الغلبة، والتمركز، والأمر الواقع! 

وليس غريبا أن نقع مع الجابري على صور من التلفيق، وأخرى من الوعي المفارق. فالجابري عندي، لا يناقض نفسه.. هو وفي لعالمه الفكري ومشاريعه الحالمة. فالتناقض - وهو منطقي - من شان الجهد العلمي والنظر المعمد بموضوعية الباحث. غير ان الجابري هنا يتمسك بمنهج خطابي، ويستثمر كما هائلا من المصادرات الخطابية، للوصول إلى غايته، انه مشروع تستبد النتيجة بمقدماته. والمشروع النهضوي بكيفيته الإيديولوجية، عنصر كاف لتشكيل العلة الغائية لهذا التطاحن والتضارب الذي لا يخلو من افتعال.

هكذا بتنا نرى، مع الجابري، انقلابا جذريا في رؤية الاشياء، وجراة خطابية تتنكر لمتطلبات النظر الابستمولوجي. مع هذا الانقلاب، يتشكل المعقول الديني لدى الجابري، على مصادرات الخطاب التاريخي العربي، المتواصل الخطو، على طريق النفي والاقصاء والتغليب. والمعقول الديني هو المشروع الظاهري المعادي للمعقول العقلي. فالعقلانية الجابرية تجد خياراتها في نماذج من المعقول الديني، حيث يستحيل ابن حنبل قمة هذه العقلانية. وفي نزوة لا يستسيغها بطش الإيديولوجية -المبتذلة- تصبح السينوية، ثلمة في مسيرة هذا المعقول الديني والعقلي معا.. ردة دينية وعقلية! ويقام الحد في معركة لا هوادة فيها، على أنصار اللامعقول: الرازي، إخوان الصفا، جابر بن حيان، الفارابي، ابن سينا، وبصورة ضمنية الإمام جعفر بن محمد الصادق.فالمعقول الديني، لا تجسده سلفية الخطاب، بقدر ما تمثله معيارية القرب من دائرة السلطة او البعد عنها! ولذا الفينا ميلا شديدا، من الباحث، الى تسويغ مواقف وانتماءات، تقع في قلب ذلك اللامعقول الديني.. ابن عربي، الذي كادت اندلسيته تشفع له للحاق بالكتلة المغربية الاندلسية رائدة المعقول الديني والعقلي. شانه، شان ابن خلدون. اما الغزالي، فقد كان لذاكرته السياسية ودوره البارز في خلق التوازن او التنكر المعرفي، عاملا ساهم في انتشاله، بقدرة قادر، من مأواه الباطني، ربما يعود ذلك الى اشعريته التي كرس لها جهده أثناء توليه المسؤولية في المدرسة النظامية، أو لمعاركه الضارية التي خاضها ضد الباطنية الاسماعلية بناء عليه، ليس الجابري، في ما اختلقه من عوالم فانتازية، متناقضا، إنما كان مهووسا بعلم نهضوي ومشروع سياسي، ومن شان مشروع كهذا أن يسحق في طريقه أشخاصا ويضحي بأفكار! خطاب أصحاب الملل والنحل متجددا التشيع، في راي الجابري، لا يحظ ى بجذور فكرية أصيلة في تعاليم الاسلام. فهو، وان كان في نشاته الاولى، تيارا سياسيا محضا – وهو ما أكد عليه عدد من المستشرقين، نذكر منهم برنارلويس- إلا انه في تكوينه المذهبي اللاحق، كما يرى الجابري، كان من وحي اليهودي المتاسلم عبداللّه بن سبا، وهذه فكرة أخذها - على علاتها- من المصادر السنية، حسب تقريره السابق. وهذا التشيع الذي بدا سياسيا -نتيجة ظروف تاريخية- سرعان ما انتظم في تعاليم دخيلة، انتحلها، بشكل منتظم، هاشم بن الحكم، بالنسبة لعموم الشيعة الامامية، وميمون القداح، بالنسبة للإسماعيلية. ومن خلال هذه المماحكة، يحاول الباحث لفت الأنظار إلى كون الأمة التي تفجر عنها ذلك الصراع السياسي الأول، وبالتالي الموقف الشيعي من علي بن أبي طالب، يصعب الإمساك بها.. في حين، لم تعد الجماعة التي ناصرت عليا، تملك أي مشروعية، غير أنها ضالة، وانتهى بها الإخفاق السياسي إلى مد الجسور مع القوى المتآمرة، ضد السلطة السياسية القائمة، وضد الإسلام بشكل عام. وهذا أسلوب دشنه أصحاب الملل والنحل، يتجدد بكامل عناصره في هذا الخطاب. فالشرعية التي يمكن ان يحتج بها الطرف الشيعي،او الأصول التي تحدد هذه الهوية المتجذرة في تاريخية الإسلام نفسه، تكمن في ذلك الموقف الأول من علي بن ابي طالب، موقف سياسي قام وانتهى.. وبقيت امتداداته تشهد نوعا من الخروج والمروق الى ان غير مجراها عبداللّه بن سبا، واكتمل صرحها مع الإمام الصادق وحاشيته الهرمسية الظلامية! وهذا يعني - بالتأكيد- ان الموقف الأخر في هذا المشهد السياسي الاول -المشروع نوعا ما- انتهى هو الآخر، ولم تبق له أصداء في دائرة البيان أو المعقول الديني السائد. ليس إلا الشيعة يحملون آثارا باهتة، وضالة، عن ذلك الموقف السياسي، ويستحضرونه في بكائية شبيهة - في ميثولوجيتها وضلالها، أيضا، ببكائيات اليهود. لقد أنهى الجابري هذا الصراع من دون أن يخبرنا ان كان فعلا، انتهى، ومتى، ومن أنهاه؟! فهذا الطرف الذي تمركز، هو الرأي الثالث المحايد -هكذا يوحي الجابري- أي الإسلام الأصيل والمعقول الديني! من هنا تواجهنا صعوبة في الاهتمام بهذا الرأي، باعتباره عرضا منقولا، لا جدة فيه! وهو فوق هذا، مجرد استثمار، يتخذ منحى تغليب جزء من التراث على آخر في مغامرة صعبة! هكذا يهيئنا الجابري لمواجهة منهج لا يخلو من غرائبية. فاذا كان ارجاع التشيع إلى عبداللّه بن سبا، وهذه مقولة قال بها مستشرقون والتزموها، وبعضهم تخلى عنها حينما وقف على علاتها- فان الجابري، سيلتزم بكل الاراء التمثيلية التي قال بها المستشرقون. اي بالأصل السبئي - اليهودي للتشيع، وأيضا الفارسي الغنوصي.. والبوذي والمسيحي لمقاربة العرفان الشيعي وانتظاريته،ولعله فاته ان يرجع الطقس الماتمي الذي أحياه بنو بويه في القرن الرابع الهجري، إلى أصوله في طقوسيات «البورورو» و«النامبغوار» في الامريكتين! نحن، إذن، أمام مشروعية زئبقية، للموقف الشيعي. مشروعية لم تبرح كونها في الزمن الأول، ولاء سياسيا لعلي بن ابي طالب، حيث في عصر هذا الأخير تنطلي اللعبة، على خليفة لا يحسن السياسة، فلا يكون علي بن ابي طالب، متزعم الحملة التصحيحية، ويسميها بعضهم «الفتنة»، بل كان الامر هنا يتعلق بيهودي مجهول الأصل، وظف شخصية علي بن أبي طالب في مؤامرة يهودية، ذلك، في ترجيحي، الدافع الأساسي الذي جعل الجابري، يغالي الى ابعد الحدود في هرمسية التشيع. وهذه فكرة أخذها عن كوربان كما أكدنا سالفا، وتعود في الأصل إلى ماسينيون. وقد طرحها كوربان في سياق تاويلي مغاير لما رامه الجابري، الذي ألف إخفاء الكثير من مصادره وبتر العديد من النصوص، التي من شانها ان تكون شواهد ضد خطواته الانتقائية. وقد تبين موقف كل من ماسينيون وكوربان، حول التعاليم الأصيلة للنظر الشيعي. يقتفي الجابري طريقة كوربان في عرض التعاليم الشيعية المؤسسة للفكر الباطني، مع الفارق، بان كوربان يجعل الباطنية نتيجة طبيعية للتعاليم الإسلامية الاصيلة. والسياق الذي اتبعه كوربان هو التوصل الى ما مفاده ان الباطنية هي السمة الأساسية لفلسفة الاسلام، التي هي فلسفة النبوة فاذا كانت التعاليم الشيعية كما مثل لها كوربان، بعينات، دقيقة ومنسجمة، ما يعطي الإحساس بمعقولية الربط، ونزاهة الباحث.. فاننا، مع الجابري، امام تقمص باهت، ابهت من محفزاته الايديولوجية نفسها، يخفي كل هذه الإحالات جميعا، ثم يجعل من تعاليم الائمة اساسا لما سيشيده جمهور العرفانيين من حجج شرعية على مذهبهم، العرفانيون بمن فيهم رواد التصوف السني المتهرمسين، كابن عربي والجنيد والحلاج... كما ان من بين تلك التعاليم التي يقوم عليها صرح العرفان المتين، ما ينقله الباحث، من رواية عن ابي هريرة انه قال: «حفظت من رسول اللّه(ص) وعائين، فاما احدهما فبثثته، وأما الأخر، فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم».

هذا الخبر هو كلام لأبي هريرة الدوسي، اقتضى الالتباس، او التلبيس، ان يكون خبرا مؤسسا للعرفان. وهذا كلام صادر عن شخصية لم يحص لها التاريخ ميزة روحية او عرفانية، ناهيك عن ان كلاما كهذا، يعكس موقفا سياسيا، لشخصية كانت تتحرك برأي ثالث -ان لم نقل- برؤية انتهازية في حادثة مقتل عثمان وما بعدها.

لا تقف محاولة الجابري عند هذا الحد، فقد واصلت سعيها، و-«جهاده» لطرد الشيعة من دائرة الإسلام. كانت ذهنية الإقصاء حاضرة بكل قوة في مشروع الجابري. هذا الإقصاء الذي لم يكتف بتسخير ملف الهرمسية -الورقة الخطيرة- في هذه اللعبة لملاحقة كل من بدا له فيه اثر من تلك العقلانية التي تسمو على منطق «الظاهر». لقد كانت استراتيجية «البنينة»(ذرخژ?ژخد?زس ژح س زژث< تم حيث ومضاء، حدة أكثر )> استثمارها في تشطير التراث واللعب على جميع اوراقه.

«البنية» هذه التي تتحول من شامتها «الابستمولوجية» الى لعبتها الخطابية..«بنية» تنتقل -وقد جعلها الجابري تنتقل رغما عنها- لنمضي مع هذه الرحلة «الابتسمية» داخل ترسبات الخطاب التاريخي العربي، ببنية، غير ثابتة، غير قارة، اي بالنتيجة -المنطقية- لا بنية!فمن ثلاثية «البيان» و«البرهان» و«العرفان» إلى ثلاثية «القبيلة» و«الغنيمة» و«العقيدة»! كانما عسير على الباحث في بنية العقل العربي، ان يحدد بنية واحدة، للمعرفة والسلطة، كما لو أنهما مجالان، لا ينتميان إلى عقل واحد.. او طبيعتهما تقتضي بنيتين مختلفتين. وهذا التجزيئي في النظر، لم يكن الا استجابة لمقتضيات الجدل الايديولوجي الذي خاضه الباحث في عملية التغليب. ومهما تزحزحت هذه البنيات من مجالاتها، حسب مقتضيات خطابية، فإنها تبقى مكسورة أمام معيارية المسافة من السلطة.

ويصل الهوس الإيديولوجي بالجابري الى حد استصحاب الموقف السلبي الغاضب والفاقد للاعصاب، فيبتكر قاموسا جديدا -ومموها ايضا- من مفردات الطعن، تتوظف فيه معطيات حداثية، وتحل محل الطعون التقليدية. هكذا، لا يتردد الجابري في ان ينعت الأشخاص المتمنعين على مشروعه بمختلف انواع القدح، في تنكر يضفي طابعا اصطلاحيا يوحي بموضوعية القدح وتقدمية القادح! فيتحول الإمام علي بن أبي طالب في معاركه السياسية إلى مجرد مغامر، جاهل بالسياسة، التي اتقنها معاوية.. كما أن ابنه (ابن الحنفية) كان حامل مركب نفسي، يسعى إلى إيجاد معوضاته في فروسية نادرة النظير. كما يكون احد أحفاده (الإمام الصادق) متزعما لحاشية مبتدعة ظلامية.

مقولتا التباين : مشرق مغرب، والقطيعة التامة إذن، لا شك في أننا، أمام مأزق مثل هذا، يجب أن نعلن القطيعة التامة، ليس فقط، مع الموروث الهرمسي العرفاني او الشيعي، بل القطيعة مع الشرق كله. فالبيانية المشرقية رغم كل جهودها الجبارة لم تلق من الباحث المغربي التقدير المطلوب، إنها بيانية مهددة، مجاورة لمجال محايث، جغرافيا وتاريخيا للامعقول! هكذا يكون الشرق، شرقا، والغرب غربا.. أو على حد تعبيره،بضاعة الشرق ترد إليه.

يوهمنا الباحث، هنا، بوجود كتلة تاريخية واقعية، شملها مجال جغرافي واحد. يقحم الجابري عامل الجغرافيا في تاريخية اكتسحت المجال.. تاريخية «عقيدية». نحن، في نهاية المطاف، مع مستشرق خانته الجغرافيا والتاريخ، ينظر إلى الشرق نظرة برانية. مشروعه العربي، القومي، لا يجد اي حرج في المساهمة - أو المؤامرة- المعرفية، لاقتطاع هذا الجزء من الحضارة العربية الاسلامية اقتطاعا معرفيا، وهو اشد خطورة من الاقتطاع الجغرافي. لم يعد المجال ينقسم الى عقل بيان، وعقل عرفان ولا إلى سنة وشيعة. فهذه المرة سوف ينقسم العقل، الى عقل الشرق وعقل الغرب.. عقل العرفان والغنوص والتشيع، وهو في النهاية عقل اللامعقول العقلي، واللامعقول الديني.. وعقل البيان، والبرهان، والمعقول العقلي، والديني ..

لقد اقر الاستشراق بإيمان الشرق، وارتاى «القلب» للشرق، و«العقل» للغرب. مع الجابري يبقى هذا الشرق خاويا على عروشه، لا «قلب» ولا «عقل» لا دين ولا علم. ما أشدها عنصرية وعقدة من الشرق! ولابد، في رأي الجابري، من احداث هذه القطيعة التي ابتدأت في دائرة عقيدية، مذهبية.. لتنتهي إلى حالة جغرافية استقطابية : شرق وغرب. يعلن هنا الجابري نفسه غربيا! قطيعة لم يستشعرها عقل التراث، حينما كان الجدل الايديولوجي على اشده، ينصب على الفكرة والشخص، او على الملل والنحل، ولا يعكس أي إحساس بوجود كتلتين تاريخيتين وجغرافيتين: مشرق ومغرب!ذلك لان النظام العرفاني، بخصائصه الشيعية - الهرمسية، كان قد اثر الى حد ما في فكر المشرق الإسلامي، حيث يتم توظيف العقل، كأساس ابستمولوجي لدعم اللامعقول، «إذن لقد كانت الفلسفة في المشرق متجهة إلى الوراء. لقد استعملت العقل لإضفاء نوع من المعقولية على ما هو «لا عقل»، على نزعتها الصوفية. ومن هنا اكتسبت طابع المسيرة الفلسفة الدينية».

من هنا ينبت مشروع تأسيس «ثقافة أصيلة مستقلة عن ثقافة اهل المشرق» يتولى هذه المسيرة تكتل ثقافي -موهوم- تأطر بانتماء جغرافي. هو حلم هذه النهضة العربية المنشودة،واساسها التاريخي. «ان ما ننشده اليوم من تحديث للعقل العربي، وتجديد للفكر الإسلامي، يتوقف ليس فقط على مدى استيعابنا للمكتسبات العلمية والمنهجية المعاصرة.. بل ايضا، ولربما بالدرجة الأولى، يتوقف على مدى قدرتنا على استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون «...» انه باستعادة العقلانية النقدية التي دشنت خطابا جديدا في الأندلس والمغرب مع ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، وبها وحدها، يمكن إعادة بنية العقل العربي من داخل الثقافة التي ينتمي اليها، مما يسمح بتوفير الشروط الضرورية لتدشين عصر تدوين جديد في هذه الثقافة».

هكذا، نستطيع الإمساك بأحد العناصر المحركة لهذا الشطح الإيديولوجي المهووس بانفصامية وقطيعة بالغتين.. وهما وجهان يخفيان ميلا متنكرا، إلى نوع آخر من الصيرورة والاتصال، في مستوى خطاب السلطة! وتبقى هذه العناصر، بالنتيجة، خطابية تخلق عالما من المسميات، إمعانا في نهج الإخفاء! فالمعقول الديني هو الوجه الآخر للعلمانية التي يطفح بها الفكر المغربي- الأندلسي، حيث يقوم البيان على البرهان.

«الفكر الرشدي كان اقرب إلى فكر عصر النهضة في أوروبا منه إلى فكر ابن سينا «...» ونظرية ابن رشد في العلاقة بين الدين والفلسفة، قد تكون أثرت بكيفية او بأخرى في رواد العلمانية في أوروبا». وفي مقام آخر، تكون كامل الفرق الاندلسية تجسد هذا المنحى العلماني.. «فان الفلسفة في الأندلس، فلسفة ابن ماجة وابن طفيل وابن رشد، قد تأسست على العلم، على الرياضيات والمنطق، مما سيجعل منها فلسفة علمية علمانية».

الشطح الايديولوجي والتفاضل القائم على النفي ولا يتوقف الشطح هنا، بل يمتد الى ابعد من ذلك، عودا الى التغليب. فالتفاضل هنا لا يتم الا بالنفي، «.. كل من عاش او يعيش لحظة ابن سينا بعد ابن رشد، انما قضى او يقضي حياته خارج التاريخ، وبالفعل قضينا نحن العرب حياتنا بعد ابن رشد خارج التاريخ.. لاننا تمسكنا بلحظة ابن سينا، بعد ان «ادخله» الغزالي في الإسلام، وعاش الأوروبيون التاريخ الذي خرجنا منه لأنهم اخذوا منا ابن رشد فعاشوا لحظته وما زالوا يفعلون». هذه اللحظة السينوية، بقدر ما هي خارجة عن نطاق العقل، والتاريخ، هي ابعد ما تكون عن دائرة الاسلام (الدين)، فقدكان الغزالي هو من تولى ادخالها -ليس في دائرة البيان فحسب- بل في دنيا الإسلام!! هذه السنوية العملاقة الضخمة، لم يعترف لها الجابري باي ماثرة على صعيد الانا (التراث) او الآخر(الغرب).. فأوروبا الناهضة، المتعلمنة.. قامت على نقيض هذه السينوية الغنوصية، السحرية، الروحانية.. ولهذا السبب بالذات، انتهى تمسكنا بلحظة ابن سينا - نحن العرب- إلى هامش التاريخ.. لا ندري ان كان الجابري حقا يعي ما يقول -وهو طبعا واع به-، اذ في أي دائرة من دوائرنا المعرفية -نحن العرب- «البيان ام العرفان، ام البرهان» او في اي حيز جغرافي وتاريخي، سادت فيه هذه اللحظة السينوية وكانت لها سلطة تسندها، وتؤمنها. مع ان الجابري يتحدث عن العرب، بينما ظلت السينوية شيعية عرفانية إيرانية. ربما كان حتما على هذه السينوية التي ربطت مصيرها بالتشيع والعرفان، ان تقيم -هي وانصارها- خلف التاريخ، مثلما ظلت للاسباب نفسها خارج العقل، وخارج المعقول الديني! حتى ولو انها في اللحظة التي «كان الفكر الفلسفي، في جميع ارجاء العالم الإسلامي، يغط في سبات عميق، قام هؤلاء المعلمون في المدرسة السينوية» الايرانية يقودون الإسلام الشيعي إلى أعلى مراتب وجدانه الفلسفي».

حتى لو تخرج من هذه السينوية رموز علمية، لها مكانتها في تراث النهضة الأوروبية.. ابن الهيثم (965 - 1038م) الذي كان «لكتابه المناظر وبحثه في البصريات اثر عظيم على اللاتين في القرن الثاني عشر. وهو واضع تحليل في الإدراك البصري لا يزال، إلى يومنا هذا نموذجيا، وسوف نلتقيه عند فيتلو».

أوروبا الناهضة تمسكت بـ «ب تتب ا? جآ»، هكذا عرفته، واجتاحها طبه ورياضياته.. كما تمسكت بطب الرازي وفلكه، وكيمياء جابر بن حيان، اسماء بارزة كانت أساسا لتلك النهضة العلمية الجبارة. وخلال حقبة طويلة في تاريخية النهضة الأوروبية، كانت هناك أسماء تتردد، مثل ب تتب ا? جآ ،تب ?آب ? آ ،ب ثآب ب? آ ، ? ثآث هذه أسماء تنتمي لما اسماه الجابري العقل المستقيل. هم -حقا- من قادنا خارج التاريخ! التاريخ الذي دخلته أوروبا حينما أطاحت بهذه الفرقة السينوية! لكننا نملك استئناف الرحلة داخل التاريخ.. وابن خلدون، لحظة مهمة في هذه القطيعة بين التاريخ واللاتاريخ.. لا نعلم ان كان ابن خلدون نفسه قد وفق الى تطبيق هذا الاكتشاف العلمي، على تاريخ صراعي، سلطاني! من منع فيلسوف التاريخ من تحقيق المهمة الثانية بعد اكتشافه منطق التاريخ؟ الجابري يرجعها الى محض فشل..

تتوقف الآلية الابستمولوجية، والإحالات.. فأي ميزة تبقى لهذه اللحظة الخلدونية، إن كان التاريخ فيها يجري خارج عقل التاريخ، وينزل رتبة اقل ممن سلط عليهم في «مقدمته» سيف النقوض والطعون! فهل أعادنا - ابن خلدون- حقا إلى علم التاريخ؟ « إن تأسيس التاريخ على البرهان كان يتطلب من ابن خلدون خطوتين اثنتين: كان عليه ان يخترع الطريقة البرهانية الصالحة للتطبيق في ميدان التاريخ، أي «منطق» جديدا خاصا بالتاريخ، وكان عليه أن يوظف هذا المنطق الجديد توظيفا ينقل التاريخ فعلا من ميدان اللاعلم إلى مستوى العلم.

أما الخطوة الأولى فقد استطاع ابن خلدون انجازها، واما الخطوة الثانية فقد اخفق فيها. لقدنجح ابن خلدون في اكتشاف علم جديد يصلح ان يكون -على الأقل من وجهة نظره- معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب في ما ينقلونه»، ولكنه اخفق في تطبيق هذا «المعيار في مؤلفه التاريخي الضخم..».

إلا أن الجابري... لا يعطينا تفسيرا موضوعيا عن هذا الاخفاق ولا يقدمه في اطاره التاريخي، وفي بعده المقاصدي، الذي ظل حاضرا في الخطاب التاريخي الخلدوني. اين السياسة في كل ذلك؟ هنا تكمن صعوبة التناول الابستمولوجي للظاهرة، حينما يشوبها طلاء الانتماء.. أو لما تحدق «ميدوز» المعقول الديني لتحجر تلك الجراة! (جاء في أسطورة يونانية ان كل من وقع نظره على ميدوزا ينقلب الى حجر) هل اخفق ابن خلدون حقا في التطبيق او انه تراجع عنه؟ فان كان الإخبار الموجه، والتبديع والإقصاء والمدح والذم.. يكشف عن مجرد اخفاق في الانجاز، فما ذنب مؤرخي الرسل والملوك! هذا من جهة، ومن جهة اخرى نرى طموحا لابتعاث بنية للفكر العربي من داخل ثقافته. البنية التي يمكن الإمساك بعناصرها الاساس، في نقدية ابن حزم، وعقلانية ابن رشد وتاريخية ابن خلدون، مع اننا لا نكاد نلمس تماهيا حقيقيا في هذه الاتجاهات المختلفة، ولو جعلها الباحث تنم عن انشغال مشترك، وتنطلق من قلق واحد! مايعني استحالة الوقوف على بنية ما في هذه الامشاج المذهبية. لقد كانت تاريخية ابن خلدون براغماتية، وهي ما اعاد الفكر العربي الى الوراء -حقا-، فقد عادى ابن خلدون، الفلاسفة الذين دافع عنهم ابن رشد، كما حمل ابن حزم على اهل القياس الذي أقام عليه الشاطبي بناءه الاصولي، وامتدح طريقتهم ابن خلدون، وظل ابن رشد سندهم الأرسطي.

أي بنية ستنبعث من هذه الانتماءات المختلفة، وان كان الجامع بينها، المجال الجغرافي، والانتماء إلى أمراء بني أمية بالأندلس!؟ جهل الجابري بالتراث التاصيلي للشيعة وعجزه عن فهمه لقد اجترح الجابري أسلوبا فريدا في تناول الفكر الشيعي، فلا نكاد نفرق معه بين التشيع والعرفان والغنوصية. فان كان جزء من التصوف، هو وحده ما وقع ضحية الاختراق الغنوصي، فان التشيع، اصبح عرفانيا مطلقا! لا يكلف الجابري نفسه عناء التفريق بين طبقاته او مذاهبه. لا يجد فرقا جوهريا بين العرفانيين، والامامية. فالشيعة، بالنتيجة، جميعهم باطنية! وهذا انما يكشف عن جهل كبير بالتراث التاصيلي لدى الامامية الاثني عشرية منهم، على صعيد علم الأصول والدراية والفقه الاستدلالي! فلقد تبلور عقل برهاني جبار عند الامامية في العلوم الشرعية ابتداء من القرن الرابع الهجري حتى الان. ومن هنا، وحينما نتناول قضية الاجتهاد ومسائله، كالبناء العقلاني، ومباحث الالفاظ التي اقحمها الامامية في علم الاصول والمنطق معا، سوف يتبين انهم امعنوا نظرهم في مفهوم القرينة والحد الوسط في القياس المنطقي، وهو -حسب الجابري- ما لم يتقيد به العرفانيون عموما، والشيعة الباطنية على وجه الخصوص. ويرجع الجابري، في عملية تسطيحية، زعم انها مسهبة، لضبط الالية الذهنية التي يعتمدها العرفانيون والشيعة «في تاويل الخطاب القرآني»، مفهوم الاعتبار او الاشارة، وهي «القرينة» التي تحل عندهم محل الدليل عند المتكلم، والحد الوسط عند المناطقة والعلة بلغة الفقهاء، الى مفهوم المماثلة (ب ? بت? آتآ ). وذلك تعبيرا عن القاعدة العرفانية «النظير يذكر بالنظير» او مفهوم «المثل والممثول» الاسماعيلية. لقد حاكم الجابري مفهوم «المثل» بذهنية بيانية، انطلاقا من معطيات المنطق الصوري، وهو مع ذلك يرى التفسير الشيعي اذا ما اعتبر هذه المماثلة لا تخرج عن كونها وسيلة إيضاح، فلا وجود لاي مشكلة ما دامت تلك هي وظيفة التمثيل، غير ان الشيعة في نظره، يخرجون عن هذه الوظيفة، ليخلقوا عالما آخر من المطابقة..

هكذا يعطينا مثالا عن«تفسيرهم» الآية الكريمة: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فباي آلاء ربكما تكذبان، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) «الرحمن/55».

ف «عندما فسر الشيعة قوله تعالى «الآية» بان المقصود ب «البحرين»: علي وفاطمة، وب«البرزخ»: محمد(ص) وبـ «اللؤلؤ والمرجان» الحسن والحسين، فإنهم لم يفعلوا أكثر من إقامة مماثلة بين بنيتين: الأولى هي تلك التي عناصرها:

علي وفاطمة ومحمد والحسن والحسين وعلاقة القرابة بينهم، وهي البنية «الأصل». والثانية هي تلك التي عناصرها:

البحران والبرزخ واللؤلؤ والمرجان والعلاقة التي تقوم بينها، وهي البنية «الفرع». وعلاقة المماثلة بين هاتين البنيتين كما يلي :

محمد علي فاطمة، برزخ بحر بحر، علي فاطمة الحسن الحسين، بحر بحر لؤلؤ مرجان».

هكذا، ادعى الكاتب، بجراة، انه يقدم فهما ابستمولوجيا للعرفان الشيعي، من خلال إحالته الى عنصر المماثلة، الذي سرعان ما يبارحه العرفانيون، إلى المطابقة! وهنا أبان الكاتب عن عجز الباحث المتسلح بذهنية البيان الظاهري، والبرهان الصوري، عن فهم حقيقة العرفان الشيعي، الذي اعتبره - جهلا منه، به - دون العقل منزلة! هذا العقل الذي قيم به الكاتب العرفان والتشيع،هو ما وصفه إخوان الصفا بالحجاب.. أي ذلك العقل الظاهري الذي يحجب عن الباحث الحقيقة المغمورة! وما كان على الجابري - حينما طرق مجال العرفان- ان يتحدث عن «تفسير»،لان آلية هذا الأخير تختلف جوهريا عن آلية التأويل العرفاني. وحتى يتيسر فهم هذه الحقيقة، يجب إعادة النظر في عقل البيان نفسه الذي خضع الى بناء مفهومي، قيد المعرفة، وحاصر العقل، وكان بالتالي، «حاجب» للحقيقة! وعلى عادته، يرد الكاتب، مفهوم «المماثلة» او «النظير المذكر بالنظير»، إلى أصل فيتاغوري.. ذلك لاعتبار بسيط، ان أرسطو، ذكر ان الفيتاغوريين كانوا يعتمدون كثيرا على مفهوم «المماثلة». ينسى الكاتب انه، في هذه الإحالات الفجة، كان يمارس المنهج نفسه. «النظير المذكر بالنظير».. ويتجاوز الوظيفة الاشارية للمماثلة الى المطابقة..«منهج المماثلة الذي تعتمده العرفانية الاسماعيلية، بل كل العرفانيات، والذي ربما يرجع أصله إلى الفيتاغوريين».

وقد يجهل الجابري - وطبيعي أن يجهل ميدانا كهذا ليس من اختصاصه، فضلا عن انه ليس من هواه- بأنه أساس هذا العقل المماثل، لم يكن نابعا من أصول أجنبية ، بل هو أسلوب ثاو في تعاليم الاسلام نفسه، كما تضمنتها نصوص القرآن والسنة وأقوال الأئمة الشيعة. وكان ذلك هو أساس التأويل، كما مارسه جمهور القراء في عصر النبي(ص). لهذا السبب تم إحراق نسخ من القرآن في عصر عثمان، لجماعة من القراء الذين ثمن النبي(ص) قراءاتهم، في عهده، وشهد بشرعيتها، مثل ابن مسعود وابن عباس... إن عصر التدوين وما جاء به من مفاهيم، مثل الإجماع، وأولوية الظهور العرفي للألفاظ، وانقسام المعنى إلى حقيقة ومجاز، والمعنى الوحيد الحصري للفظ الواحد، هذه مفاهيم كانت قد قضت على إحدى اهم ركائز التاويل، ألا وهي : فكرة «تعدد الوجوه». والعادة التي سار عليها القراء في عصر الرسالة وبعدها -الى ما قبل عصر التدوين- لم تكن هي تفسير القرآن، وفقا لهذه المعيارية البيانية المشيدة على البرهان الصوري، حيث يستبد اللفظ بالمعنى ويحجر عليه.. لقد كانوا «مؤولين» بواسطة «تعدد الوجوه» أو ما يعرف «بتعدد القراءات»! هكذا ارتبطت «الفتي» -وبالتالي الفقه والدراية في مفهوم ما قبل التدوين- بالتأويل.

وفي التفسير المأثور، نعثر على عينات من هذه المماثلة الفيتاغورية - ان جاز هذا الربط الجابري- في فهم النصوص، فقد فسر النبي(ص) كلمة الظلم، بالشرك، في الآية (الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم) على أساس المماثلة، بالإحالة الى وصية لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك باللّه، ان الشرك لظلم عظيم).

وهو منهج قام عليه التاويل وهو مناط تفسير القرآن بعضه ببعض.. هكذا يسهل علينا فهم قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه، فأولئك هم الظالمون) اي المشركون، وهكذا تنتظم العلاقة المعنوية بين كل من الشرك والكفر والظلم.

لا نعرف، ان كان مفهوم المماثلة (ب ? بت? آتآ ) هو موروث المعقول العقلي اليوناني ذاته، الداعم للمعقول الديني، ام انه كان القاعدة الابستمولوجية الرئيسية للعرفان المتهرمس. ام كان ذلك وسيلة الجابري نفسه في ربط هذه بتلك وإحالة هذا الى ذاك.

ويدعي الجابري ان العرفانيين، متصوفة كانوا ام شيعة امامية أم إسماعيلية، مجمعون على ان العقل «حجاب».. ولهذا يقول :

«والواقع أن العقل حجاب يمنع من الانزلاق بالمماثلة الى المطابقة، من القفز من النظر إليها على أنها مجرد وسيلة من وسائل الإيضاح الى اتخاذها أساسا لـ «البرهان».

ويضيف : ومن هنا كان التشيع في طليعة التيارات القائمة في، «اللامعقول» والداعمة له! ما هو جدير بالذكر، ان البحث المعمق في مفهوم العقل، من خلال تعاليم أئمة الشيعة، يكشف عن ان المعنى المراد، هنا، بالحجاب هو ما شاع تداوله في عصر التدوين، اي ذلك العقل المؤقنم الذي حد من إمكانات العقل المتعددة ويحكم على الحقيقة بالظهور السطحي لها. ذلك الظهورالذي يعزر السلطة ولا ينفيها! على هذا الأساس كان قياس العرفانيين والشيعة من دون جامع، «القياس العرفاني اذن، قياس بدون جامع، بدون حد وسط. بدون رقابة عقلية. انه انزلاق بالمماثلة بوصفها مشابهة في العلاقة بين بنيتين إلى المطابقة بينهما بصورة تجعل الواحدة منهما مرآة للأخرى..».

هنا يضبط الكاتب بين مفهوم الاعتبار ومفهوم الحد الوسط القياسي.. الاعتبار هو إمارة تفتح المجال للانتقال إلى علاقات أخرى، وإيضاحات أخرى، وبالنتيجة الى مطابقات، ما دام الكشف الواقع احد مقاصد الاعتبار! وإفساح المجال - أيضا- امام العقل ليعانق المعاني الممكنة والمحتملة، التي يتيحها النص.

هنا تتأكد سلطة النصر وديناميكيته في إنتاج المعنى وإظهاره حسب منطقة الداخلي.. فالاعتبار هو مفتاح هذه الديناميكية التاويلية، التي قبل ان تكون «مماثلة»، كانت عملية تفكيك وتركيب، بالمعنى الدياليكتيكي للتركيب! العملية التي بها -فقط- يتم انماء المعرفة، وإخراج النص من تحجره! فلا يمكن القول - اذن- ان القياس العرفاني (الاعتبار) هو قياس من دون جامع ومن دون رقابة عقلية الا اذا فهمناه في ضوء تلك العلاقة التمثيلية،كما يهوى الباحث ممارستها، وليس انزياحا من العلاقة الإيضاحية إلى المطابقة. انه آلية مستقلة تقع -عكس ما نحا الجابري- فوق العقل، عقل البيان، بتقنياته البرهانية الظاهرية والقياسية والتفسيرية. فالنص هنا كائن حي، متحرك، يملك ديناميكية تجعله قابلا لمواصلة اضاءاته. النص الذي ان أخضعناه إلى تقنيات البيان الجابرية (الظاهرية)، سوف يموت مع «أسباب النزول» ومع « أسبقية الحقيقة على المجاز»! يبقى نصا ميتا يستصحب للذكرى والتبرك، لا ليكون بؤرة معرفية متواصلة، أو ليكون (فيه تبيان لكل شيء) «النحل/89» ويبقى المستوى الدلالي الاستبدالي للباطن غير مستواه السياقي الظاهري.. هو معنى المعنى، كما يسميه عبد القاهر الجرجاني هذه الخاصية الديناميكية لنص يتمنع على بيانية صورية، لا يجد مأواه الطبيعي إلا في هذه الهرمينيوطيقية الاستبدالية! فلا شبه بين طبيعة الاستنباط العرفاني والاستنباط البياني. الخلاف بينهما في الطبيعة والوسيلة معا، وليس في الوسيلة فقط، كما ذهب الجابري.

والعقل الذي اعتبره الشيعة «حجاب» لم يكن المراد منه «العقل» بما هو القدرة البشرية على التامل المحض، فاذا ما رفض الشيعة او عموم العرفانيين آليات عصر التدوين، فذلك لا يعني رفض العقل! هذا مع أننا نرى ان القياس والمماثلة التي لا تنتهي الى المطابقة، هي تلك الإلية البرهانية التي مكنت عقل البيان من الانخراط في دائرة «المعقول العقلي» و-«المعقول الديني».. لكننا نجد معارضة شديدة لهذه الالية من دائرة البيان نفسها، لا، بل من دائرة البيان الأندلسي.. ابن حزم الظاهري في الفقه وابن مضاء القرطبي في النحو. كما ان قياسا كهذا والعلية التي حاربها انصار الظاهرية الجابرية، مما كافح ابن سينا وحاشيته لتثبيته.. أولئك الذين يؤهلهم دفاعهم عن هذه المضامين البرهانية -عند الجابري- ليظفروا بموقع خارج دائرة العقل المستقيل.

مزاعم الجابري وحقائق المنصوص دعنا نرى في احد نصوص اخوان الصفا- وهم في زعم الجابري أنصار العقل المستقيل، ورسائلهم في زعمه أيضا «مدونة هرمسية» -ان كان هؤلاء يقفون فعلا هذا الموقف من العقل والفلسفة والعلوم :

«ولكن اشرهم على اهل الدين والورع، واضرهم على العلماء، واشدهم على عداوة الحكماء، هذه الطائفة الظلمة المجادلة المخاصمة.. الذين يخوضون في المعقولات وهم لا يعلمون في المحسوسات، ويتعاطون البراهين والقياسات وهم لا يحسنون الرياضيات، ويتكلمون في الإلهيات وهم يجهلون الطبيعيات، ويتصدرون في المجالس ويتجادلون في أشياء لا تفيد في الدين علما، ولا تنتج في الحكمة فائدة، مثل كلامهم في التعديل والتجويز والجزء الذي لا يتجزأ... ويعارضون الحكماء والعلماء، ويشنعون عليهم مثل قولهم: ان علم الطب والنجوم باطل، وان الكواكب جمادات وان الأفلاك لا وجود لها، وان علم الطب لا منفعة فيه، وان علم الهندسة لا حقيقة له، وان علم المنطق والطبيعيات كفر وزندقة».

ولمزيد من الاطلاع، يذكر اخوان الصفا كلاما آخر: «اعلم ان في الناموس أقواما يتشبهون بأهل العلم ويتدلسون باهل الدين، لا الفلسفة يعرفونها، ولا الشريعة يحققونها، ويدعون مع هذا معرفة الأشياء، ويتعاطون النظر في خفيات الامور الغامضة البعيدة، وهم لا يعرفون أنفسهم التي هي اقرب الأشياء إليهم، ولا يميزون الامور الجلية، ولا يتفكرون في الموجودات الظاهرة المدركة بالحواس المشهورة في العقول، ثم ينظرون في الفطرة والخلقة والجزء الذي لا يتجزأ وما شاكلها من المسائل في الأمور المتوهمة التي لا حقيقة لها في الهيولى، وهم شاكون في الأشياء الظاهرة الجلية، ويدعون فيها المحالات بالمكابرة في الكلام والحجاج في الجدل، مثل دعواهم ان قطر المربع مساو لاحد اضلاعه، وان النار لا تحرق، وان شعاع البصر جسم يبلغ في طرفة عين الى فلك الكوكب، وان علم النجوم باطل، وما شاكل ذلك من الزور والبهتان فاحذرهم يا أخي، فإنهم الدجالون الذلقون الالسن، العميان القلوب، الشاكون في الحقائق،الضالون عن الصواب».

هذا النص يكفي للرد، على ادعاء الجابري ، بان إخوان الصفا او السينوية التي كان لها الفضل في التأسيس للقياس البرهاني ومسالة العلة التامة، في الاسلام، لم يكونوا اعداء للعقل! كيف يتصور المرء، أن تخرج من ذلك الماوى الظلامي، القاتل للعقل، والهائم في «فلسفة التحظيم الذاتي»، كما يزعم الجابري، عبقريات الطب والهندسة والرياضيات والبصريات والكيمياءوالفلسفة؟! لقد تحدث الجابري عن كتاب «الكافي» للكليني، غير انني ارجع انه لم يقراه، قراءة عالمة! أو لعله لم يطلع عليه سوى في مصادر غيره! ولو انه قراه تلك القراءة المذكورة، لوجد ان هذه المدونة التي تعتبر اهم جامعة اخبارية لدى الشيعة، جعلت اول كتاب لها، «كتاب العقل والجهل»، وفيه نقرا عينات من الأخبار الدالة على قيمة العقل في مستوى المعقول الديني والعقلي..نقرا، مثلا، عن ابي جعفر قوله: «لما خلق اللّه العقل استنطقه ثم قال له: اقبل فاقبل، ثم قال له: ادبر فادبر، ثم قال :

وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ولا اكملتك الا في من أحب، أما إني إياك آمر وإياك انهي وإياك اعاقب واياك اثيب».

قال الرسول(ص) في ما يرويه الكليني ايضا: «ما قسم اللّه للعباد شيئا أفضل من العقل، فنوم العاقل افضل من سهر الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل، ولا بعث اللّه نبيا ولارسولا حتى يستكمل العقل، ويكون عقله افضل من جميع عقول امته، وما يضمر النبي(ص) في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين، وما أدى العبد فرائض اللّه حتى عقل عنه، ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل. والعقلاء هم أولو الألباب الذين قال اللّه تعالى (وما يتذكر الا أولو الألباب»).

ولا ضير في ان نعرض تلك الوصية التي تلقاها هشام بن الحكم عن موسى بن جعفر كما اوردها الكليني في «الكافي»، مع بعض التصرف. يقول: «يا هشام، ان اللّه تبارك وتعالى اكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة «...» يا هشام، ان القول مع العلم فقال: (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) «...» يا هشام: ان للّه على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والانبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول «...» يا هشام، كان أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) يقول: ما عبداللّه بشيء افضل من العقل...».

الخطاب الايديولوجي وتوظيفه السياسي لقد كان التشيع، والعرفان في طريقه، هو ما سوف يضحي به الجابري في مشروع اعادة انتاج موقف السلطة، موقف المعقول الديني المتسلح بالمعقول العقلي، على تلك الاسس المتينة.وقد سحقت الالية الخطابية (الجابرية) كل من صادفت في طريق التشيع، حتى العرفان السني. فالعرفان هو مظهر ذلك الوافد الهرمسي، الذي انتقل الى الحقل الثقافي العربي، محدثا بذلك ردة عقلية ودينية. هاهنا يسفر مارد السياسة عن وجهه! لقد كانت الغنوصية والهرمسية، كما يرى الجابري، تيارين يهددان الاسلام، سواء من حيث هما أجنبيان عن الفضاء الثقافي العربي، او لكونهما تيارين ظهرا في الأزمنة المتقدمة على الاسلام. ولهاتين الاحالتين، أبعاد وظيفية ينبغي فهمها على حقيقتها. فالقديم هنا يحيل على ما قبل الإسلام (جاهلية) والأجنبي، إلى المعادي والمحارب (دار الحرب)! لهذا السبب-بالذات- سوف تنفتح عليهما قوى الاعتراض داخل المجتمع العربي والإسلامي، ولان التشيع في مقدمة تلك القوى، سيكون أول من يتهرمس في الإسلام. ولانه يمثل طليعة هذا الاعتراض (الرفض)، فسوف يكون الاكثر إيغالا في الغنوصية والهرمسية، اي متهرمسا كله! هذه الغنوصية المعادية، لم تكن مناقضة للإسلام بحسب طبيعتيها القديمة (الجاهلية) أو الأجنبية (المناقضة)، بل هي أيضا محاربة له! والجابري، هنا، يدمج بعدين لهذه المحاربة: بعد الدين وبعد السياسة.. «الغنوص اذن كان يحارب الإسلام دينيا وسياسيا، وفي هذا النضال استعان الإسلام بالفلسفة اليونانية وعني بايجاد عالم من العلوم الدينية العقلية يشبه عالم العصر المدرسي في أوروبا العصور الوسط ى. فكان الإسلام الرسمي قد تحالف اذن مع التفكير اليوناني والفلسفة اليونانية ضد الغنوص».

هكذا، وكما يرى الجابري، فمن الطبيعي ان يعادي الشيعة الاسلام الرسمي، ما دام اساس عقيدتهم قد شحن بهذا الموروث الغنوصي، المعادي -مبدئيا- والمحارب، للاسلام.

وتدويلا لهذا الصراع، ينتقل عدوان الشيعة الاصيل للاسلام - الدين، الى عدوان ضد الاسلام- السلطة. في النتيجة، نكون أمام معارضة منبعثة من موقع العداء للإسلام -الدين، وليس من داخل الواقع التاريخي وتمخضاته الاجتماعية والسياسية..

فهي مأوى للخارجي ، الوافد، أما انتقالا منه إليها، او هروبا، منها، اليه! في كل الحالات، سوف يت آزر الجانبان إلى درجة التماهي، ليحققا،معا (الغنوص والشيعة) وظيفة مشتركة :

القضاء على الإسلام! في مقابل ذلك، سينفتح الإسلام الرسمي - المعقول الديني- على الفكر اليوناني -المعقول العقلي ليت آزرا في سبيل القضاء على «الغنوص» عدو المعقول العقلي، والشيعة، اعداء المعقول الديني.. المعارضة هي، اذن، ماوى للت آمر، للامعقول، للاين! فقد «كان المناهضون للحكم العربي من الأقليات الدينية والمانوية خاصة، يطعنون في القرآن وفي مصدره الإلهي بدعوى أن معانيه معروفة لا جديد فيها وان ما فيه من أخبار مستقاة من التوراة او من الموروث القديم بصورة عامة».

أما السلطة، أموية أو عباسية، القائمة على «العصبية» الخلدونية.. و«القبيلة -الغنيمة» الجابرية، فهي بسحر ساحر، ترقى إلى منزلة المعقول الديني، والمعقول العقلي. وبحلم المأمون -الذي كان شديدا على المعقول الديني الحنبلي- يتم هذا الفصام، بين خندقين.. هكذا يتحدد انتساب الباحث عن بنية العقل العربي، او بالاحرى الناحت لبنية عقل السلطة، وينخرط بكل قوة في صراع قديم متجدد، او بالأحرى، متسلل، وبالوسائل التي تنطوي على المضامين نفسها، فيحل «الهروب العرفاني» محل الخروج والردة.. و«اللامعقول العقلي» محل الجاهلية،و«اللامعقول الديني» محل الكفر والزندقة.. إنها أسماء تحمل المضامين القديمة نفسها: التحامل والنفي والإقصاء، أسلوب الطعون وتسويغ الأمر الواقع! إن أي شكل من الاعتراض، سياسيا كان ام مذهبيا، هو، كما يرى الجابري، كفر وخروج عن الإسلام. فمن لا يرى رأي السلطة السياسية، هو كافر متزندق.. بقدر ما تكون معارضا سياسيا تكون كافرا متزندقا: «من عارض تزندق» على هذا الأساس يقوم مشروع العقل العربي (الجابري)! رشدية، تؤسس لعلمانية..

تؤسس لمعقول عقلي، هو وسيلتها التسخيرية لدعم سلطة زمنية، تمت على اثر حلم «مطبوخ» ورؤيا «مدبرة» للمأمون! لم يحدثنا الجابري، ان كان المعقول العقلي اليوناني الذي سخرته السلطة في مواجهة معارضة متهرمسة هو نفسه قد يعادي المعقول الديني. فان كان الباحث قد أعطى الطبيعة التسخيرية لهذا المعقول العقلي اليوناني لصالح السلطة، فكيف لا يرى في غنوصية فارس والاسكندرية وجند سابور.. وسيلة تسخيرية للمعارضة، ان كان الامر، ولابد، يجب ان يخضع الى هذا الشكل من التسخير او الاختراق! هذا، من دون ان ننسى دائما المحاولة الحثيثة لتسويغ الواقع السياسي، والطعن في كل بادرة للتغيير. التغيير لا يمكن ان ينبعث من الداخل. ان هناك دائما عناصر دخيلة، وافدة، غازية.. هي من يحدث ذلك التغيير -الغدر.. التغيير - آلت آمر.. التغيير- العدوان! ولكي يخفي الجابري غلوه العراكي، يتبرأ من ان يكون قد خاض حربا ايديولوجية : «وذلك ما حاولنا القيام به، لا يهدف شن حرب إيديولوجية عليه، بل في إطار تحليلنا النقدي للنظم المعرفية في الثقافة العربية».

هذا الكلام الطارى، عن براءة مشوبة، يعني ان عنصرا عدائيا، عراكيا ظل مستورا تحت هذه البراءة المزعومة.

نعم، اننا برؤيا المأمون، سنقصم ظهر غنوصية وافدة، محاربة..

غنوصية فارسية، أو شيعية، في عصر المأمون، حيث سلطة العجم والخراسانيين.. وحيث هذه الرؤية المامونية ستخوض حربا لا هوادة فيها على اهل الحشو والحديث، وتحديدا، سيكون ضحية هذه اللحظة (القطيعة)، احد قمم العقلانية (المعقول الديني): ابن حنبل! هكذا تكون الورقة رابحة من كلتا جهتيها :

حلم يؤسس للمعقول الديني - بفتح المجال أمام المعقول العقلي- ويبطش، البطشة الكبرى، بالمعقول الديني (ابن حنبل وجماعته)! لقد ظل الجابري يبحث عن العرفان بوصفه بنية عامة..لذلك بدت له آثاره ماثلة في مختلف مكونات الحقل الثقافي العربي والاسلامي، عند الشيعة والمتصوفة! لكن سرعان ما ينزاح الباحث عن هذا المسلك الابستمولوجي، ليبحث في عملية انتقال الموروث العرفاني من التشيع الى التصوف السني، ذلك الانتقال، الذي تم بوساطة الاطلاع! فالحاجة الى العرفان لدى الشيعة، مصدرها، مروق وزندقة وتبييت، وتواطؤ بين محارب الاسلام -الدين ومهدد الاسلام - السياسة، في ضوء التماهي المذكور، بغض النظر عن اي أساس ابستمولوجي لهذه العرفانية الطافحة، ولأي باعث اجتماعي او سياسي لها. لكنه لا يذكرنا،على اي وجه تقبل التصوف السني هذه العرفانية المتشيعة او المتهرمسة! هل ثمة دوافع -الدوافع نفسها: محاربة الإسلام (الدين والسلطة)؟ لا نعثر على تسويغ حقيقي لذلك! غير ان العرفان المتهرمس، كان قد دخل دائرة البيان السني بفعل الاطلاع العفوي، لعالم رحالة، وليس لحاجة ابستمولوجية او اجتماعية. ربما كان خروج ابن عربي، من حيزه الجغرافي(الأندلس)، في سفرته إلى الشرق، هو سبب هذه البلوى، اطلاعه على مقالات الإسماعيلية، وربما، بصورة مباشرة، على الكتابات الهرمسية. هذه البلوى تبدأ بمبارحة المكان، الذي اطر به الباحث فرقته الصامدة في وجه اللامعقول العقلي والديني على السواء.. هذه المبارحة من المكان، لم تؤثر في احد عناصر الفرقة المغربية، ابن خلدون، مثلا. يكون الامر، حينما يتعلق بالعرفان، وصلته بدائرة البيان، شكلا من أشكال الغزو.. «.. ومن جهة أخرى، فان هذا «الغزو» العرفاني لدائرة البيان الذي حصل في وقت كان فيه هذا الأخير قد استكمل تشييد صرحه المعرفي» وليس مثاقفة من قبل عناصر منتمية الى عالم البيان، ربما ساعدها - أو حفزها- الموقف من السلطة إلى فك عزلتها داخل هذا التلقين المعرفي الصلب! فالعرفان، مهما بلغ أمره في دائرة البيان، ولدى «قمة العرفان في الإسلام» ابن عربي، فانه لا يتجاوز إطار الحقيقة والسلوك إلى مجال الشريعة.. فعلى «الرغم من تصوفه الباطني الصريح والجامع «اي ابن عربي» يقول بالأخذ بالظاهر في مسائل الشريعة، كما نجد خطابه الباطني ذاته مطبوعا بالطابع البياني، سواء على مستوى المصطلح والمفاهيم او على مستوى طريقة التعبير وآلياته.وهكذا يمكن القول أن ابن عربي كان بيانيا في باطنيته..».. مع أن الباحث لا يوضح، إن كان هذا الموقف مبيتا من ابن عربي، تفاديا لبطش الفقهاء، ودهاقنة المعقول العقلي، الظاهري!لكن وبغض النظر عن ذلك، فان هذا النص يكشف عن سياق ما، انشغل الباحث بانمائه لان هذه الرؤية القاسية، لطبيعة العرفان -الغازي للبيان، ليكون العرفان الكشف ليس فقط تجليا للذات الإلهية للعارف بل أيضا «العلم- ?4نعة ت آمرية بدعية،شيعية في الأساس، تجد قمتها في اليقين» بما هو صحيح وما هو غير صحيح في الشريعة».

هكذا يغزو ابن عربي بباطنيته مجال الشريعة أيضا، فضلا عن الحقيقة! هذا ناهيك عن التهافت الداخلي لهذه القراءة المتشنجة، حينما ادعى الجابري أن ابن عربي كان يعرض العرفان ب آلية بيانية.. كيف، بعد هذه المحاولة المستميتة لإنزال العرفان وآليته الذهنية منزلة أدنى من منزلة العقل..

كيف تستطيع آلية المعقول الديني والمعقول العقلي، ان تحتضن -من دون نشاز- ذلك اللامعقول الديني واللامعقول العقلي! كيف، إذا كانت آلية العرفان، تتجسد في ذلك الانزياح عن المماثلة من دون رقابة عقلية، ان تحافظ على شطحها وحقائقها، حينما تعرض ب آلية بيانية متشددة! وهل العقل -الحجاب كما اجمع العرفانيون، يستطيع ان يقدم العرفان، ويحدث بذلك اختراقا لدائرة البيان.. إذن، لما بقي العرفان، عرفانا.. ولما كان لدائرة البيان فضل في ايجاد الرقابة العقلية الحصينة لعالمها المعقولي! فهذا -كما سبق قولنا- لا يعبر عن تناقض. لان الجابري، وهو يؤسس لمشروع يكتنفه الكثير من الغموض، لم يكن يمثل عقلا بيانيا، حتى يكون التناقض مذمة له حينما يكون متهما به..

بل هو ناحت في التراث على اساس علة غائية.. تضحي بكل ما من شانه إعاقة النتيجة! ولذلك، تظل المعيارية، حتى في هذه الحدود الضيقة، متصلة بمعيارية القرب من السلطة او البعد عنها.فكلما اتجهنا نحو المعارضة توغلنا في مجاهل الغنوص والهرمسية، او بتعبير آخر: تزندقنا وأوغلنا في الكفر.. حتى إذا دخلنا في أقوى معارضة (التشيع)، كنا قد دخلنا الهرمسية ذاتها، ما دام ان التشيع قد تهرمس نهائيا. وكلما اقتربنا من السلطة اتجهنا صوب عقل البيان.. المعقول الديني.. الإجماع، او بتعبير صريح، دخلنا الإسلام! اتجاه الإسلام اتجاه السلطة اتجاه المعارضة اتجاه الكفر كلما تقدمنا في اتجاه السلطة، تقدمنا تبعا لذلك باتجاه الإسلام، والعكس صحيح.

بهذا يكشف الجابري، في مغامرته التجزيئية والتغليبية، في حقل التراث العربي والإسلامي، ومن خلال جرأته، واستسهاله لمخاطر هذا الحقل، عن انه كان يؤسس -وهو لا يناقض نفسه،اي انه واع، جدا، بخطواته الفكرية -لخطاب سلفي، عمل على تحيينه، وتجديد اصطلاحاته مع الإبقاء على مضمونه..

خطاب تتجسد حرفيته وظاهريته- المعادية للمعقول العقلي نفسه-في دائرة البيان! انه خطاب يعانق منطقا بيانيا، صوريا، تشوبه سلفية ظاهرية حروفية، تجللهما معا، سلطوية متمركزة.

وقد يكون من المناسب ان نقول: إن أكثر العناصر عداء للمعقول الديني والعقلي، ظلت هي هذا الثالوث المسيطر، ذو الأضلاع الحميمة المتكاملة.. خطاب غاياته سلطوية، قاعدته سلفية وذهنيته ظاهرية! اذا كان ذلك ما تراءى للجابري بخصوص التشيع، وفي مجال الحقيقة.. فان ميدان الشريعة أيضا طاله قسم من الطعون، حينما اعتبر الشيعة لا يضفرون بفقه فعال. انه «فقه متوارث».. وليس ذلك مرده فقط، إلى قصور المصادر التي استند إليها الباحث، ولم تسعفه في تكوين رؤية حقيقية حول طبيعة النظر الفقهي عند الأمامية.. كما ليس مرد ذلك الى الخلط بين الامامية والإسماعيلية حيث لم يقع نظره على تراث فقهي كبير لدى الإسماعيلية، يضارع تراثهم الفلسفي! بل مرد ذلك الى نظرة معكوسة، تقلب وجه التراث، ويتحول المتوارث الى الديناميكي،والعكس صحيح! لقد صادر الجابري على ان الزمن الشيعي مغلق ودائري. وهو في ثباته كالمكان. ومن هنا فالشيعي او العرفاني، يرى نفسه قادرا على الحراك في كل اتجاهاته.. الزمن بمخارجه الثلاثة، كما يملك الحضور فيه والغياب عنه..

من هنا لابد من ان ينتهي الى المصادرة على ثبات فقههم وطبيعته الوراثية، على اساس المنظور «الكورباني» (نسبة الى المستشرق هنري كوربان) حول فلسفة المعاد او انتظار ظهور الحقيقة المستورة.. ( الظهور التام). فالفقه هو بالتالي نتيجة اجتهاد. وثمرة نظر متواصل يلحظ الواقع وتطور الزمن.

من هنا أهمية المقاصد.. طبعا، الجابري لم يكلف نفسه البحث في التراث الفقهي الأمامي، حتى يستطيع بناء حكم كهذا، توصل إليه من طريق تكهني.. وقياس ناقص! وكان يكفيه أن يتساءل، إن كانت ظاهرة «الحفاظ» مما شهده التراث الشيعي.. ظاهرة الحفاظ كانت ملازمة لكل فقه متوارث. أما الدائرة التي يقف عليها مشروع الجابري الظاهري، فقد احتضنت ظاهرة الحفاظ، وساهمت في إنهاء «قصة» الاجتهاد، في القرن الرابع الهجري.

وهو بالذات، زمن الاجتهاد الفقهي الشيعي، الذي سيثمر مع مرور الزمن، تراثا فقهيا وعقلانيا مهما، كما سنوضع في ما بعد! أن هذه الانتظارية -التفاؤلية- التي أساء الجابري استيعابها..

تتحول الى زمن دائري، وقار، في حين، هي جوهر لحقيقة روحية وسياسية، كافرة بالزمن السيال على دروب التظلم، اي الزمن المتحرك على غير ممشاه الحقيقي ( الزمن الثابت) فالوجه الآخر، لهذه الثباتية الزمانية، هي الديناميكية الفعالة، المتحركة بكيفية ارادية. تجعل الانسان سيد مجاله ومداه! فالعقل الشيعي، ككل عقل، فعالية ذهنية ذات اصل غير مفارق.

وهناك فضاءات اشتغل فيها هذا العقل فكانت بذلك احدى تلويناته.. كونه عقل انبثق عن ماساة.. وتتحول تلك المأساة الى نظام رموز واشارات.. تبقى هي اللون الطاغي على الفكر الشيعي اليومي.. تشده بالماساة، تركزها وتخترق بها الزمن، لتتحول المأساة الى الذاكرة المعاشة والخارقة في آن.. تتعالى على الزمن (الزمن الرديء) في نغمة متصلة، تجعل من كل يوم عاشوراء ومن كل ارض كربلاء! ان ما يبدو زمانا مغلقا وعقلا مانعا، هو عقل التزام! وعقل الرفض لمنشى ء المأساة.. «المأساة ملة واحدة ».. فالزمن المأساوي ينغلق ليزداد وعيا بمأساويته..

فلا ينفتح الزمان المغلق إلا مع التغيير، ليكون الانفتاح حقيقيا، كان العقل الماساوي، يستبعد وجود الزمان المنفتح من دون تغيير. المانعية هنا هي تحقيق لعقل ملتزم، تصل به القناعة بالتغيير الى مستوى «نكون أو لا نكون»! ومع ذلك، فان العقل الشيعي لم يقتصر على عقل المأساة، بل تجاوزها، ليلامس ما سماه بعقل العقل،بتقنيات المعاقلة العالمة! ففي المنطق والأصول والفقه.. لم تحضر المأساة بثقلها كله، ولا كان هناك مجال لأي هرمسية -جابرية- مزعومة.. ينهض العقل الشيعي ليرتفع بالعقل الإسلامي إلى أرقى مداركه! هكذا أثمر الزمان الشيعي، المتظاهر بثباته الكاذب، المحتال، تطورا فلسفيا ومعرفيا هائلا.. اقتحم دائرة البيان، دائرة الزمان المتحرك، المنفتح، احدث تغييرا رهيبا، في التاريخية الإسلامية وجغرافيتها، ناضل، ثار، حكم، اجتهد! بينما ظل الزمان البياني، الحراكي، متيما بسلفيته. ارتجاعيا، مهادنا، «حفاظي»، حشويا، زمانا متوقفا!