الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

النقد الأيديولوجي وتحديث العقل العربي

 

  سعيد بنسعيد

مقدمة

لا شك أن كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة(1) هو واحد من المؤلفات الجادة القليلة التي كتبت، خلال العقدين الأخيرين، في موضوع الفكر العربي المعاصر. ولعل الجدية تأتي من كون الكتاب استطاع أن يفلت من عمل التأريخ والتصنيف للفكر العربي منذ عصر «النهضة»، ليصبح بالفعل تأملاً وتفكيراً في تلك «النهضة» ذاتها: بين ما كان منتظراً منها ومأمولاً فيها وبين ما انتهت إليه بالفعل. هذا يعني أن الكتاب استطاع أن يكون، بالفعل، وكما يصفه صاحبه، «محاولة نقدية»(2) أي أنه استطاع أن يرقى من مستوى التأريخ إلى مستوى التفكير النقدي. فحيث يتخذ عمل التأريخ طابع الجرد والإحصاء للتيارات والمذاهب المختلفة (وهي الصفة التي طغت على المؤلفات التي تناولت موضوع الفكر العربي المعاصر)، يسعى عمل التفكير النقدي لكي يكون على العكس من ذلك عمل تساؤلات ومراجعات مستمرة لأوجه النظر المعروضة أمامه. وحيث يكون هم الأول إرجاع الآراء والمواقف العديدة إلى تيارات ونزعات يسهل حصرها والحديث عنها، يريد الثاني من ذلك الفكر أن يكون جواباً عن الأسئلة التي يطرحها على المثقف واقعه الحالي الذي يعيش فيه. يمكن القول بتعبير آخر بأن الأول يحيله إلى «ماض» فكري وحضاري، ومن ثم فهو يدرجه في عداد نوع من الثقافة الموسوعية التي تطلب لذاتها، في حين أن الثاني يحكم بالصلة القوية التي تربطه بالحاضر الذي يعيش فيه، ومن ثم فهو يريده حياً و «حاضراً» يحاوره حول المشكلات السياسية والاجتماعية والفكرية التي يحياها ويسعى إلى إيجاد الحلول الملائمة لها.

طبيعي أن مسألة الموافقة على الآراء التي يطرحها فكر «النهضة»، وكذلك رفضها كلياً أو جزئياً أمران غير واردين. هناك إيمان بجدوى ذلك الحوار، بل وبحتميته في المرحلة التاريخية الراهنة بالنسبة للمثقف العربي من أجل اكتساب الوعي الضروري للتغيير والبناء(3). هذه أحد الموجِّهات الكبرى في تفكير الأستاذ عبد اللَّه العروي، ليس في كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة فحسب، وإنما أيضاً في غالبية كتبه التي أعقبت تأليفه. يكون هذا التوجيه، ضمنياً، مضمراً حيناً (مثلما هو الشأن في مفهوم الدولة ومفهوم الحرية)، ويكون صريحاً ومباشراً أحايين أخرى. ففهم الأزمة التي يعيشها المثقف العربي حاضراً يستدعي الرجوع إلى النتاج الأيديولوجي الذي صاحب ميلاد وأزمة الفكر العربي في «عصر النهضة». من الواضح أن هذا التقرير يعني اختياراً آخر واضحاً وصريحاً وهو أن: فهم الواقع العربي الراهن (واقع التخلف، والسلبية، و «التحول المعاق») يتم عبر التفكير في واقع آخر يعلو عليه ويعبر عنه في الوقت ذاته وهو «أزمة المثقفين العرب». لنوضح هذا القول: هناك مستويات عديدة من النظر والتفكير في الواقع العربي الراهن: المستوى الاقتصادي، المستوى السياسي، المستوى الاجتماعي، المستوى الأيديولوجي.. ولكل واحد من هذه المستويات منهجه الخاص به، وطريقته المميّزة له في العرض والتحليل. بمعنى أن كل واحد من المستويات المذكورة «يرى» الواقع على نحو مخالف، مغاير للنحو الذي «تراه» به المستويات الأخرى: تشخيص حقيقة الواقع، واقتراح الحلول المناسبة له لا يكون بطبيعة الحال واحداً متطابقاً.

ما هو الاختيار الذي يسلكه العروي وما الذي ينتج عن هذا الاختيار منهجاً ومضموناً؟

واضح أن القراءة التي يقوم بها العروي للواقع العربي المعاصر تنقله إلى المستوى الأيديولوجي بطبيعة الحال، مع كل ما يستلزمه ذلك المستوى من صعوبات، وما يحف به من مزالق وأخطار: من جنوح ضروري إلى التجريد، غموض واضطراب في استعمال المفاهيم (بما في ذلك مفهوم الأيديولوجيا ذاته)، ميل شديد إلى الوثوقية والقناعات النهائية. أضف إلى ذلك أن الكتابة تصبح عرضة لأكثر التأويلات تعارضاً وتناقضاً، أي أنها تدخل، بحكم منطقها ذاته، في مجال الأيديولوجيا، وربما لكل هذه الأسباب نجد عند العروي نفسه رجوعاً مستمراً إلى القضايا الأصلية والأولية بقصد الشرح والتوضيح ـ بل والتبرير بطبيعة الحال ـ سالكاً في ذلك نوعاً من البيداغوجية التي يمتزج فيها العرض التحليلي التعليمي مع الاستخلاص التركيبي التنظيري، بل إنه ينبهنا ـ بأسلوب صريح ومباشر ـ إلى ما يبدو له أنه بيت القصيد من كل ما كتب ويكتب. «بدأت أحس أن المشكل الأساسي الذي أحوم حوله منذ سنين هو الآتي: كيف يمكن للفكر أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل (وبدون) أن يعيش مرحلة ليبرالية»(4). ولكن الذي حدث هو أن العروي مارس على القارئ العربي كثيراً من التأثير السيئ بهذه الجملة. كانت تلك الجملة التي يذكرها ويرددها، قراءة العروي تقوم بعمل الشجرة التي تخفي الغابة، فعوض مساهمتها في تبديد الغموض ودفع الالتباس اللذين يلفان كتابة صاحب الأيديولوجية العربية المعاصرة ساهمت في الواقع في الغموض النظري وشاركت في «التعتيم الأيديولوجي». غالبية ما قرأناه من كتابات «نقدية» في هذا الموضوع ظلت تتناوب بين تصفيق الاستحسان وصفير الاستهجان ـ أي أنها بالتالي لم تستطع أن تفلت من دائرة «الخطاب الأيديولوجي» ـ هل في الإمكان أن نجعل النقاش الأيديولوجي يرتقي إلى مستوى التحليل العلمي؟ إن نجاح أو فشل الدعوة إلى تحديث العقل العربي ترتبط بالإجابة عن هذا السؤال.

نعتقد أن هناك نحواً آخر من النظر إلى كتابة الأستاذ العروي يستطيع أن يأخذ تلك الكتابة مأخذ الجدية، وذلك بمحاولة ممارسة نوع من «النقد الحواري»(5). هذا النقد أو القراءة الممكنة لا ترى ضرورة في الالتزام بإشكالية العروي على النحو الذي يصوغها به: «كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية..»، بل ربما كانت تزيحها أو ترفضها بصورة مؤقتة على الأقل. هي بالأحرى ترفض الانطلاق من «إشكالية جاهزة»، لكي تنتهي بعد ذلك إلى العناصر التي تكوِّن تلك الإشكالية. وتريد لمسيرتها أن تكون معكوسة بحيث تنطلق من العناصر المتفرقة إلى الكل المنتظم. فتأخذ النصوص الموجودة أمامها، وتقوم بممارسة نوع من الجرد الإحصائي تنتهي معه إلى اكتشاف مفاهيم أساسية ثابتة ترتد إليها كل المفاهيم الأخرى كما لو كانت فروعاً لها ولواحق عليها ثم تنتبه وتنبه إلى الكيفية التي تنتظم فيها تلك العناصر في صورة بناء نظري متماسك. فتصبح غاية القراءة صياغة الإشكالية على نحو يسمح بمساءلتها ومحاورتها، بمعنى أن تكون قراءة جديدة تنضاف إلى القراءة الأولى الأصلية التي يقوم بها المؤلف ذاته، فهي إذن بالضرورة تأويل ـ وهي لا تملك إلاّ أن تكون كذلك ـ لأنها تؤمن أن كل قراءة هي بالضرورة تأويل.

عند العروي قراءة معينة للواقع العربي الراهن، ينظر من خلالها إلى ذلك الواقع ويرفضه ويدعو إلى ضرورة مجاوزته في الوقت ذاته، وهي تتحدث عن ذلك الواقع في صورة علامات أو أعراض. يمكن القول، أيضاً، بأنها تقوم ببناء ذلك الواقع، وليس المقصود من كلامنا، بطبيعة الحال، أنها تتوهم واقعاً غير موجود أو غير «واقعي» في مقابل الواقع الفعلي، وإنما نقصد فقط أنها تصوغه بكيفية يكتسي بها درجة كافية من المعقولية. إنها ترفض كل واقعية ساذجة تعتقد أنها معرفة الواقع (الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي) لا لشيء إلاّ لأنها تعيش فيها. وككل قراءة تنتهي إلى صياغة مجموعة من الأسئلة تمهد بدورها للأجوبة المناسبة، أو لنقل إنها تحملها في جوفها. هي تنتهي، إذن، إلى صياغة البديل الممكن أو البدائل الممكنة من ذلك الواقع المرفوض.

كيف يقرأ العروي الواقع العربي الراهن؟ وما هو البديل الممكن لذلك الواقع؟

أولاً: قراءة العروي للواقع العربي الراهن

يتحدث العروي عن الظروف التي تمّت فيها كتابة الأيديولوجية العربية، ومن ثم الأسباب التي حملته على اختيار مستوى التحليل الأيديولوجي دون المستوى الاجتماعي أو السياسي مثلاً، فيذكر أن مصدر ذلك هو التفكير في الخيبة التي عرفتها الحركات التحررية الوطنية في البلدان العربية، مستدلاً على ذلك بالخيبة التي مني بها ثلاثة من الزعماء العرب هم: المهدي بن بركة، جمال عبد الناصر، وبن بلا، الأول وكان عند اتخاذ مواقفه السياسية «يتوصل هو إلى النتيجة عن طريق تحليل مسلسل ومنطقي، ولكن في العرض يقدم النتيجة جاهزة كأنها من بديهيات «العلم» العصري الذي يجب أن تقبل بدون مناقشة فلا يعطي في العرض مع النتائج طرائق الاستنتاج. وعندما كان يؤخذ عليه هذا الأسلوب الناقص، غير المكوّن في الواقع لأطر الحركة، كان يتجنب الموضوع أو يقول إن الوقت لم يحن بعد»(6). والثاني لأنه يكشف في الواقع عن المشكل في جانب آخر منه وهو «مشكل النقص الأيديولوجي (...) ولا أدل على ذلك الضعف، وضعف الأفق من «الميثاق» الذي كان زبدة تفكير النخبة المثقفة المتعاونة مع النظام الناصري». والآخر «لأنه لم يهتم أدنى اهتمام ولم يقتنع أبداً بأرضية القرارات التي عرضت عليه (...) لم يقبل المقترحات إلاّ على أساس النتائج الوقتية واستمالة الرأي العام في الداخل والخارج»(7). هذه الإخفاقات علامة على الإخفاق الذي منيت به الحركات الوطنية في الوطن العربي: وإذا كانت قد استطاعت أن تحقق النجاح باعتبارها حركات تحررية مناهضة للوجود الاستعماري في بلدها، فإنها قد أخفقت مع ذلك في أن تحقق ما يحتاجه المجتمع العربي من تحرر على المستويات: الاجتماعية والسياسية، والأيديولوجية. في كل هذه التجارب الثلاث الثابت أساساً هو «العجز الأيديولوجي أو بكيفية أدق تخلف الذهنيات(*) عن الأوضاع الاقتصادية ـ الاجتماعية العامة»(8). «العجز الأيديولوجي» أو «النقص الأيديولوجي»، أو «الخلط الأيديولوجي»، بل وربما أيضاً «الخلاعة الأيديولوجية»، كل هذه الأوصاف المتشابهة أو المتقاربة من جهة أولى، يضاف إليها «تخلف الذهنيات»، «الفكر اللاتاريخي»، «الوعي الساذج»، «وهم الماضي» كل هذه النعوت المختلفة، التي تدل في نهاية الأمر على حقيقة واحدة، يمكن أن تجد مفهوماً إجرائياً يعبر عنها أفضل تعبير وهو مفهوم «التأخُّر التاريخي». لنحاول أولاً الإمساك بهذا المفهوم قبل أن نتساءل عن إجرائيته أو عدم إجرائيته في الحديث عن المجتمع العربي المعاصر.

«عرفت الإنسانية الحديثة ثورة دينية، وثورة ديموقراطية وثورة صناعية ـ كل واحدة منها تعبر، في ميدان خاص وبكيفية خاصة، عن تطور المجتمع كوحدة متكاملة. ونتج عن هذه الثورات انقلابات في الفكر تستحق أيضاً اسم الثورات: العلمية، والتاريخية والعقلانية ثم عبَّرت عن هذه الثورات أيديولوجيات مختلفة أهمها الليبرالية والاشتراكية»(9). والحداثة في المجتمعات الإنسانية الغربية هي الخلاصة العليا لكل هذه الثورات، بينما الاشتراكية والليبرالية هما الخلاصتان الأيديولوجيتان في التعبير عنها. كل هذه الثورات عاشتها الإنسانية في الغرب، منذ القرن السادس عشر، سياسياً، ومادياً، وأيديولوجياً. فهل كان الأمر كذلك بالنسبة للبلاد العربية؟ الجواب هو طبعاً بالنفي: «لم يعرف المجتمع العربي إلاّ ثورة واحدة، الثورة الوطنية، واختلطت فيها ثورات متعددة: ذهنية فردية، وديموقراطية اجتماعية، واقتصادية اشتراكية»(10). هل استطاعت الثورة الوطنية في المجتمع العربي أن تقوم بعملية الاختزال التاريخي لكل الثورات الأخرى؟ وهل استطاع الفكر العربي أن يحقق طفرة تمكِّنه من استيعاب العقل الحديث؟ الجواب هو بالنفي مرة ثانية والدليل على ذلك عند العروي هو «الخيبة» التي رأيناه يتحدث عنها سابقاً. المقصود بالتأخر ليس هو التخلف في ميدان المعمار والبناء، أو التوفر على وسائل المواصلات الحديثة والسريعة، أو التمتع بوسائل الترفيه المتطورة. الثورات الكبرى التي عرفها العالم الغربي ترتبط بنشأة المدن الكبيرة كما هو معروف. ونحن نتوفر اليوم، في البلاد العربية، على مدن ضخمة مكتظة بالسكان فهل يعني هذا أنها فعلاً «تجمعات مدينية». ربما كان المشكل هو أنه «ستزيد مدننا ضخامة واتساعاً دون أن تنتشر فيها ذهنية مدينية، تكثر فيها اللعب العلمية بينما تبقى الذهنية العمومية استهلاكية خرافية تواكلية»(11). غياب الذهنية المدينية مع وجود المدينة هو مثلٌ من علامات هذا التأخر لا تعكس الذهنية المدينية نمطاً من العلاقات الجَماعية، وإنما هي تعبِّر عن نظام متماسك تكون فيه السيادة للإنتاج قبل الاستهلاك، ويكون فيه العلم نشاطاً جماعياً قبل أن يكون مجهوداً فردياً منعزلاً. الذهنية المدينية تعني وجود «جو ثقافي مديني، جو يتواصل فيه الناس بسهولة وتتجه فيه اهتماماتهم نحو الإنتاج وتطويع الطبيعة»(12). وهذا بالضبط ما هو منعدم في المدينة العربية لأن الذهنية العربية متأخرة عن الواقع المادي للوجود العربي. لا غرابة أن نشاهد «مجتمعاً مدينياً وتاريخياً يختار، كأسلوب في التعبير، ثقافة بدائية وقبلية»(13)، ولا غرابة بالتالي من وجود المثقف المتجه كلية نحو الماضي، والبعيد كلية عن الحاضر، يتعلق بأهداب ثقافة لا تربطه بها أدنى صلة معقولة، تماماً كما كان الشاعر الأندلسي في القرن الخامس الهجري ينعم بالقصور الفاخرة والرياض العطرة فيما كانت روحه متجهة كلية نحو صحراء لا يعرفها ولا يستطيع أن يعيش فيها(14).

التأخُّر التاريخي أولاً وأخيراً هو تأخُّر في الذهنية، أي أنه، بتعبير آخر، تأخُّر أيديولوجي. إنه التعبير عن هذا التعايش الغريب بين التقدم الصناعي والتطور التجاري في مقابل التخلف الذهني. هذا التأخُّر هو ما يسمح للأيديولوجيات ـ التي يفترض أنَّ تجاوزها قد تحقَّق في التاريخ ـ بالاستمرار في الوجود، بل ويكسبها نفساً جديداً. إن بلاد العالم الثالث، كبلاد تحكمها التبعية تعيش هذه الثنائية (التقدم الصناعي أحياناً ـ التخلف الذهني) في صورة تناقض غريب وحاد، ولكنه تناقض مفهوم وضروري: «ينتج عن التبعية تطور عكسي وتقهقر قطاعي، أي أن المجتمع التابع يتقدم أو يتغيّر في بعض قطاعاته في حين أن قطاعات أخرى لا تبقى على حالها كما يتبادر إلى ذهن المرء، بل ترجع عضوياً وضرورياً إلى مراحل تخطتها في الماضي»(15). تقدم وتطور في المستويات التجارية والصناعية والاقتصادية، وتقهقر وتراجع في المستوى الأيديولوجي. هذا يعني أن التفاوت الموجود أصلاً «بين قاعدة المجتمع المسيطر وقاعدة المجتمع المسيطر عليه يضاعف في الميدان المجتمعي، ويضاعف أكثر في الميدان الأيديولوجي». يمكن الكلام بهذا المعنى عن تأخر مضاعف أو مضعَّف بالأحرى لأن «الأيديولوجيا في كل بلد خاضع لغيره تكون متأخرة بالنسبة للهيئة الاجتماعية، وهذه تكون متأخرة بالنسبة للقاعدة الاقتصادية»(16)، وهذا التأخر لا يظل موجوداً فحسب، بل هو يتنامى باستمرار ما لم تتحقق الطفرة الضرورية للإفلات من أسر التأخُّر التاريخي. القول بالتأخر المضعَّف بالنسبة للأيديولوجيا، قول يعني بأن الأيديولوجيا في مجتمع التبعية «تنتمي إلى أصول تاريخية متنافرة» ولذلك فإن الأيديولوجيا تكون فقيرة ناقصة: «المشكل الحقيقي الذي نواجهه فعلاً، والذي نهدف إلى كشف القناع عنه هو عدم وجود الأيديولوجيا المنسجمة عضوياً والتي يستخلص منها برنامج مستوفٍ لشروط الاستيعاب والشمول، والذي يجد فيه المجتمع العربي صورة وافية ومقنعة لملامح ماضيه وتطلعات حاضره ـ هذه الأيديولوجيا لم تخرج بعد، إلى يومنا هذا، من القوة إلى الفعل( * ) » ( 17).

سيادة الفكر اللاتاريخي، تخلف في الذهنية بالنسبة للواقع المادي المعاش، نقص أيديولوجي: عناصر تنتظم في ما بينها لكي تصبح تعبيرات أو تجليات أو أعراض لداء عضال ينخر «جسم» الواقع العربي الراهن: داء التأخر التاريخي. تلك هي الخلاصات الكبرى التي ينتهي إليها العروي من قراءته للواقع العربي. تشخيص للداء يحمل في ثناياه مقترحات العلاج: لا سبيل إلى محاربة تخلف الذهنيات إلاّ بالعمل على تحديث العقل العربي، ولا سبيل إلى القضاء على الفكر اللاتاريخي إلاّ بمعانقة الفكر التاريخي في أعلى صوره، ولا سبيل إلى مجاوزة النقص الأيديولوجي إلاّ بممارسة النقد الأيديولوجي.

ثانياً: ضرورة النقد الأيديولوجي

القول بالنقد الأيديولوجي كسبيل ومنهج لتجاوز النقص الأيديولوجي، التعبير الفكري الحقيقي عن التأخُّر التاريخي، هو قول يجعل المثقف العربي المعاصر ينتهي في نهاية تحليلاته إلى التقرير بوجوب تبني الماركسية، الماركسية المؤولة على نحو معين هو النحو الذي يلائم ظروف وواقع هذا المثقف. هذا يعني أنه يطلب من الماركسية شيئاً واضحاً محدداً، يبحث عن ماركس الذي يعنيه ـ أي الذي يرسم له الطريق لتجاوز التأخُّر التاريخي ـ ماركس الذي يمكِّنه بما هو في حاجة إليه من سلاح النقد الأيديولوجي.

يقرأ ماركس مثقف العالم الغربي ويقرأه مثقف العالم الثالث، كل منهما يقرأه بهدف معين، بمعنى أنه يبحث فيه عن شيء ليس هو بالضرورة ما يبحث عنه الآخر، بل وربما كان ما يبحث عنه أحدهما هو بالضبط نقيض ما ينشده الآخر. يرجع هذا إلى سبب واضح ومقبول وهو وجود التناقض «بين عالمين: عالم الرأسمالية المتقدمة الذي لا يعنيه مشكل التأخر، والعالم الثالث الذي لا يهتم بتحليل النظام الرأسمالي إلاّ في نطاق السؤال الأصلي: كيف يتطور مجتمع غير رأسمالي وغير صناعي في عالم تحكمه الرأسمالية الصناعية؟»(18). مثقف العالم الغربي الرأسمالي لا يعنيه مشكل التأخر التاريخي لأن التطور الفكري الذي عرفته أوروبا منذ عصر الأنوار جعلت همومه من نوع آخر، وجهته إلى ماركس «العالم»، أما مثقف العالم الثالث فالمشكل الأول في جدول الأعمال المعروض عليه، بل المستعجل والوحيد هو مشكل التأخر التاريخي. العلاقة التي عرفتها المجتمعات الغربية، عبر تاريخها، بين التطور المادي للمجتمع والتطور «الأيديولوجي» له كانت تجعل الأوضاع المادية تسبق النظرية وتفرزها بكيفية حتمية. في حين أن هذه العلاقة تصبح معكوسة بالنسبة للمجتمعات المتأخرة: «في حالة ثورة لتدارك تأخر تاريخي، فالعلاقة معكوسة، النظرية سابقة الوضعية الملائمة لها (...) فالعقدية إذن ضرورية، تنتج أولاً، عن كون مضمون الثورة هو إعادة ما وقع فعلاً في زمن ماضٍ بكيفية تدريجية (تحصيل الحاصل) وثانياً، عن كونها مفروضة من فوق»(19). العقدية هنا تعني بطبيعة الحال الماركسية المؤولة على نحو معين ـ ماركسية ماركس ما ـ ماركسية ماركس «الأيديولوجي»: «الواقع في ما يرجع إلى العالم الثالث هو أن ماركس لا يؤثر فيه إلاّ إذا ارتدى لباس الأيديولوجية الألمانية، أي احتفظ بإشكاليتها»(20).

لماذا هذه الحاجة إلى ماركس «الأيديولوجي» دون ماركس «العالم» أليس في استطاعة الثاني أن يقوم بعملية اختزال للأول فيحقق بالنسبة لمثقف العالم الثالث طفرة كاملة من الأيديولوجيا إلى العالم؟

يؤكد العروي بأنه لا ينفي حقيقة هذا التطور عند ماركس من الأيديولوجية إلى العلم الموضوعي ولكن المهم هو «المحافظة على العملية التطورية كلها لا الاقتصار على صورة خيالية لماركس «العالم» كما تستخلص من تحليلات رأس المال». المحافظة على هذه العملية تعني هنا استخلاص العبرة البيداغوجية للعملية أي فهم الدرس الماركسي في حقيقته كدرس ناجع عملياً ومفيد تطبيقياً. ولكي نفهم هذا الدرس ينبغي أن نتأمل حالة المجتمعات التي كانت توجد في وضعية شبيهة بوضعية مجتمعات العالم الثالث، أي وضعية المجتمعات التي استطاعت أن تتدارك التأخر التاريخي. لنأخذ مثالين قوميين وشهيرين معاً: مثال ألمانيا، ومثال روسيا ولنتساءل حول الأسباب الحقيقية التي سمحت لهما، كل في نطاق تجربته الخاصة، اللحاق بركب البشرية المتقدمة تاريخياً. نجد السر في ذلك يكمن في أن كلاً منهما «جعلت أوروبا الليبرالية أفقاً لهدفها الثقافي ولهدفها السياسي»(21). فإذا أقمنا المقارنة مع المجتمع العربي المعاصر فإننا نجد، على العكس من ذلك، إن «الثقافة العربية»، في تعبيرها الكلاسيكي، في أكثر الأجزاء تأثيراً من تعبيرها الحديث المعاصر، نجدها تتعارض مع الثقافة الليبرالية نقطة بنقطة»(22). معارضة الثقافة الليبرالية، في الفكر العربي المعاصر، نقطة يلتقي عندها كل من المثقف السلفي والمثقف الذي يعتبر نفسه خصماً عنيداً ومعارضاً للسلفية وثقافتها. يرفضها الأول باسم الأصالة ورفض الأيديولوجيات المستوردة ويرفضها الثاني لأنه يرى فيها حليفاً للاستعمار ومواكباً له. ما الذي يؤشر إليه هذا التعارض في الموقف من الثقافة الليبرالية بين ثقافة البلاد التي استطاعت أن تتدارك التأخر التاريخي، والبلاد التي لا تزال غارقة فيه؟ هو يؤشر بطبيعة الحال، عند العروي، على «تخلف الذهنية»، ولكنه يؤشر قبل ذلك على النقص الأيديولوجي كواقع من جهة وعلى ضرورة مجاوزته، عن طريق النقد الأيديولوجي، من جهة أخرى. في استطاعة المثقف الغربي أن يرفض «الليبرالية أو الماركسية المتأثرة بها أو يطمح إلى تجاوزها في ميادين غير الميدان الاقتصادي [لأنه] يرفض أشياء موجودة وملموسة حوله قد جربها مجتمعه منذ عقود»(23). ولكن ذلك المثقف، وكما هو الشأن في أمثلة البلاد التي استطاعت تدارك التأخر، لا يرفضها، بل هو على العكس من ذلك يتبناها ويحافظ عليها مع الإيمان بضرورة تطويرها لأنه يدرك «أن الماركسية ذاتها، بحسبانها أيديولوجية وممارسة سياسية هي في نهاية التحليل عقلنة (...) لهذه الثقافة الليبرالية ذاتها»(24). يمكن القول أيضاً بأنه قد أدرك الدلالة البيداغوجية للدرس الماركسي، قد فهم الأسباب التي كان ماركس ينوه من أجلها بالثقافة البورجوازية وبطابعها الكوني، في الوقت نفسه الذي كان يدينها فيه كطبقة اجتماعية ويحكم عليها بالاندحار والفناء. أما نحن، مثقفي العالم الثالث، فعندما نرفض الثقافة الليبرالية فنحن في الواقع «نرفض ما لا نملك ونظن أننا ملكناه، بمجرد أننا رفضناه. نستهزئ بالتراث الليبرالي (...) ونحن لم نستوعبه بعد ويبقى المجال (...) مفتوحاً للفكر التقليدي الذي يظن أنه معاصر الوقت الحاضر لأنه ليبرالي»(25). إن مثقف العالم الثالث لا يقع على الدلالة البيداغوجية للدرس الماركسي فتكون النتيجة على حساب هذا المثقف بطبيعة الحال، وتكون في صالح الفكر الذي يتوهم أنه يتجرد لمناهضته ومحاربته. هنا يبلغ النقص الأيديولوجي درجته العليا من الخطورة التي تعني تعميق هوة التأخر التاريخي عوض العمل على ردمها ومجاوزتها.

إن المثقف العربي اليوم، كمثقف من العالم الثالث، في حاجة إلى إعادة التفكير في الدرس الماركسي، درس «ماركس الأيديولوجي [الذي] سيبقى حياً يبعث ما دامت هناك بقية متأخرة في العالم»(26). لأن هنالك عدداً من أوجه التشابه بين الظروف التي وجد فيها ماركس إبان كتابه الأيديولوجية الألمانية، والظروف التي يوجد عليها مجتمعه اليوم. المثقف العربي، اليوم، مدعو إلى محاربة الفكر التقليدي كفكر يجسّد السلبية والتواكلية والانهزامية، يجسّد كل ما هو مرفوض لأنه يكبل المجتمع العربي بأغلال وقيود تزيد من حدّة التأخر التاريخي وثقله. هذه الدعوة لا يستطيع أن يلبيها إلاّ بقدر استيعابه للتراث الليبرالي، لأن ذلك التراث هو الذي استطاع أن يهزم التقليد في ظروف تاريخية مشابهة لظروف المجتمع العربي اليوم، ولذلك فإن المثقف العربي يكون في حاجة ماسة إليه. المجتمع العربي كله، في سبيل تدارك التأخر التاريخي، في حاجة إلى «استيعاب الثقافة البورجوازية بكل خصائصها العصرية بدون لجوء إلى تكوين طبقة بورجوازية»(27). وهو بدوره يقول نعم للثقافة الليبرالية البورجوازية، ويقول لا للطبقة البورجوازية. المجتمع العربي في حاجة إلى فصل الثقافة عن الطبقة، في حاجة التَّبرجز دون وجود الطبقة البورجوازية.

هذا هو المعنى الدقيق للنقد الأيديولوجي: إنه نقد لا تستطيع أن تمارسه إلاّ الماركسية وحدها، إلاّ نوع واحد من الماركسية، هو هذا الذي يأتي التقاء المثقف العربي به التقاءً حتمياً ـ وهو ماركس الأيديولوجية أو الماركسية التاريخية.

ثالثاً: المثقف العربي والتاريخانية

لا تأتي حتمية التقاء المثقف العربي بالماركسية من التشابه بين تجربة المجتمع العربي وتجربة المجتمع الألماني في القرن التاسع عشر فحسب، وإنما لسبب آخر لا يقل قوة أو وجاهة، سبب يمكن أن نسميه مسبقاً بيداغوجياً. ولكي نفهم هذه النقطة يتعين علينا الرجوع إلى نوع من المقايسة مع المثقف العربي في القرن الثالث الهجري مثلاً. كان هذا المثقف يقرأ أرسطو ولكنه لم يكن يقرأه «كإنسان حي يحاول أن يفهم مشكلات فعلية وحية، وإنما كان يقرأه وهو يرى فيه رجلاً يلخص كل المعارف التي كدسها مجتمع كان على عتبة الفناء والاندثار. لم يكن ذلك المثقف يرى في هذا الرجل إلاَّ ناقلاً لثقافة لم يكن في مكنته هو أن يحصل عليها بصورة مباشرة». كان أرسطو بالنسبة للثقافة العربية الإسلامية، في القرن الثالث الهجري، هو حصيلة العلم البشري والخلاصة الروحية للمعرفة الإنسانية. أما في الأزمنة الحديثة فإن ماركس هو الذي يقوم بدور مماثل بالنسبة للمثقف العربي. إن الماركسية، بالنسبة لهذا المثقف، تمثِّل «الخلاصة المنهجية للتاريخ الغربي (...) وهي ما لم يكف الفكر العربي المعاصر من البحث عنه منذ ثلاثة أرباع القرن»(28). يتحدث كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة عن ثلاثة نماذج ذهنية تمثّل موقف المثقف العربي المعاصر من الغرب هي نماذج كل من: رجل الدين، رجل السياسة، ومحب التقنية. في حين أن الوعي العربي، من خلال هذه النماذج، كان يبحث عن الماركسية بكيفية لا شعورية لأنها هي الجواب المنطقي الذي كان ينشده من جهة أولى، وهو الجواب الوحيد الممكن من جهة ثانية. بهذا المعنى يمكن القول مع أحد قُراء العروي بأن الوعي العربي كان «في الحقيقة يمارس الماركسية كما كان المسيو جوردان يمارس النثر، أي بدون أن يعرف ذلك»(29). إن ماركس بالنسبة للمثقف العربي اليوم، بل ومنذ مطلع هذا القرن، هو أرسطو العصر الحديث، هو المعلم. هذا هو المقصود بالسبب البيداغوجي الذي يفسر حتمية التقاء المثقف العربي بالماركسية ـ الماركسية الوحيدة الممكنة في حالته، أي الماركسية التاريخية.

على أن اعتبار الماركسية خلاصة منهجية للتاريخ الغربي الحديث، واعتماد المثقف العربي لها كبيداغوجية تمكنه من فهم الثقافة الليبرالية واستيعابها على نحو ما هو في حاجة إليه (أو ما يعني اعتبارها تاريخانية) هو قول لا يخلو من التباس شديد، مصدره هذا الجمع بين الماركسية والتاريخانية على نحو لا ينتبه إلى الأبعاد المختلفة التي يكتسبها مصطلح التاريخانية. التاريخانية تعني أن للتاريخ معنى وغاية، وأن هناك «سبقاً منطقياً وفعلياً للتاريخ العام على التاريخ المحلي»(30). ولذلك فإن المبدأ الواحد مثلاً يتطور إلى نتائج مماثلة وبالتالي فلا تكون هناك مدعاة للغرابة في النظر إلى عدد من الأمور: «إذا وجدنا عند علاَّل الفاسي مثلاً عبارات هيغيلية فالسبب هو استنتاج منطقي من مبدأ واحد مشترك لدى جميع المتصوفة من أي دين كانوا»(31). إن التاريخانية تقدم التفسير الذي يضفي أكبر قدر من المعقولية على مسيرة التاريخ، ولكنها لهذا السبب أيضاً تقدم أفضل التبريرات الممكنة لكل التحولات السلبية التي تحدث في التاريخ. لهذا السبب تكون كل النزعات المحافظة التي عرفها الفكر البشري في القرن التاسع نزعات تاريخية أو نزعات تاريخانية. في استطاعة التاريخانية أن تكون تبريراً معقولاً لكل ردود الفعل التي ترفض التجديد والتطوير. إذا كان «التقليد يولد من معارضة شيء ما فإن التاريخانية تولد في جوف التقليد، وفي استطاعتها أن تكون في خدمته على طول الخط. ولكن في استطاعتها، بالمقابل، أن تعمل في صف معارضته وأن تشهر السلاح في وجهه»(32). يمكن القول بأن هنالك، بالأحرى، تاريخانيتين: تاريخانية تشرح السلبية والركود (بل والنكوص إلى مراحل سابقة) وتقوم بتقديم التبرير اللازم لهما. وتاريخانية تبرر الحركة والفعل. الأولى تاريخانية محافظة، والثانية تاريخانية فاعلة أو فعّالة. وإن الماركسية، لكل الأسباب النظرية المعروفة لا تستطيع أن تكون تاريخانية في المعنى الأول، إنها تفسير السكون والركود ولكنها لا تبررهما إطلاقاً لأنها في حقيقتها رفض للركود والسكون.

إذا ارتفع هذا الالتباس الذي يحف الاقتران بين «الماركسية» و «التاريخانية» وذلك بالرجوع إلى الماركسية التي يفسرها ماركس في كتاب الأيديولوجية الألمانية، فإننا نستطيع أن نفهم، مرة أخرى، وبمناسبة التنبيه إلى وجوب الاحتراز من الوقوع في هذا الالتباس الجديد (أية تاريخانية؟) نستطيع أن نفهم، بسهولة، كيف تكون التاريخانية «هي التجربة الأولى في ذهن مثقف العالم الثالث رغم كل ما يدَّعيه هو ورغم كل ما يُقال عنه»، وذلك لسبب منطقي وتاريخي معاً: «لا يظهر وعي ونشاط وحيوية في مجتمع مغلوب على أمره أو مسيطَر عليه أو على أقل تقدير محتقر ومهمل إلاّ وظهرت النزعة التاريخانية، بدونها يعم الخضوع ويبرر الإستسلام»(33).

المثقف العربي، كمثقف من العالم الثالث، في حاجة إلى الماركسية التاريخانية لأنه لا يريد أن يبرر الإستسلام والخنوع، لأنه يرفض التأخر التاريخي ويدينه بإدانته للفكر الذي يقبله ويبرره، وللفكر الذي يعمل ما هو أخطر من ذلك: الفكر الذي ينمي ذلك التأخر ويعمقه في الفكر والمجتمع معاً. التاريخانية هي دعوة إلى تحديث العقل العربي من جهة، وهي البرنامج العملي لذلك التحديث من جهة أخرى.

رابعاً: المثقف العربي وتحديث العقل العربي

القراءة الأيديولوجية للواقع العربي الراهن على النحو الذي يكشف عن الأعراض الكبرى التي يشكو منها (سيادة الفكر اللاتاريخي، النقص الأيديولوجي والتأخر التاريخي) والتقرير بوجوب سلوك علاج يقضي باعتبار الماركسية التاريخانية مضموناً أو عقيدة، والنقد التاريخي منهجاً أو أسلوباً ـ كل هذه مقدمات وحيثيات ضرورية للإعلان عما يشكِّل عمق «الدعوة» عند العروي وهو: تحديث العقل العربي. لنحاول أن نستخلص برنامج ذلك التحديث من خلال القيام بمراجعة عامة وشاملة للعناصر المذكورة أعلاه.

1 ـ النقطة الأولى في برنامج التحديث بالكيفية العملية التي يستطيع المثقف العربي أن يستفيد بها من الماركسية كنظرية علمية، كأداة قادرة على التحليل العلمي، بعدما يكون قد وقع على الدلالة البيداغوجية للدرس الماركسي (ما يجعل التقاءه به حتمياً من جهة أولى، وأسلوباً واحداً مقبولاً من جهة ثانية) ـ وهذه الكيفية العملية هي ما يدعوه الأستاذ العروي تعريب الماركسية، تمييزاً لها عن تعريب النصوص الماركسية، الأمر بالنسبة للثاني واضح لأنه سهل ميسور نسبياً، ويتطلب إنجازه وقتاً قصيراً. أما بالنسبة للأول فهو عمل غير واضح تماماً لأنه يتطلب جهداً علمياً جماعياً وتخطيطاً واسعاً يطال مختلف جوانب الثقافة والتاريخ العربيين. تعريب الماركسية يقضي بإعادة كتابة التاريخ العربي، على نحو يلقي أضواء كاشفة على المراحل الشائكة فيه متجهاً إلى الإجابة عن سؤال مثل: لماذا كان قيام الثورة العباسية أمراً ممكناً ونجاحها متعذراً؟ كيف يمكن أن نفسر قيام ونجاح دعوة المهدي بن تومرت في المغرب أو نجاح الدعوة الإسماعيلية في مصر؟ هو يعني إخضاع التاريخ العربي والماضي الثقافي العربي للتحليل الماركسي. هناك، في الميدان، سيكتشف المثقف أن ما كان يعتقده خصوصية يتميّز بها التاريخ العربي ليس في الواقع سوى صفة عامة تعرفها كل المجتمعات البشرية عندما تكون في مراحل مماثلة من التطور. كذلك يتبيّن لهذا المثقف أن ما كان يعتبره طابعاً ثقافياً يميّز الثقافة العربية عما عداها من الثقافات هو في الواقع سمة كونية تعرفها كل الثقافات في الأوضاع المماثلة. هذه الممارسة تعني التعوُّد على الفكر التاريخي والإيمان به، أي ما يكون المثقف العربي في حاجة إليه، ما يكون مجتمعه كله في حاجة إليه. تعريب الماركسية يعني أخيراً أن الأولية في المجتمعات المتأخرة، في العالم الثالث، ينبغي أن تكون في برامج المثقفين السيطرة الثقافية عوضاً عن الهيمنة السياسية.

2 ـ لا يكون تعريب الماركسية ممكناً، ولا تتم السيطرة الثقافية، إلاّ متى أدرك المثقف في المجتمع العربي المعاصر من هو الخصم الذي يتعيَّن عليه أن يحاربه وأن يتشدد في محاربته، وإلاّ متى عرف السلاح الذي يركن إليه في المعركة. وأول ما تجب معرفته في هذا الصدد هو أن برنامج تحديث العقل العربي يجعل من معاداة التراث الليبرالي موقفاً اعتباطياً، وعداءً مجانياً لأنه سرعان ما يتحول إلى عكس المراد منه. «الواقع الذي يجب الاعتراف به هو أن نقد التراث الليبرالي باعتباره مواكباً وحليفاً ومبرراً للاستعمار يقوي جانب التقليد، أي كل ما هو عتيق، ميت ومميت في ذهننا وسلوكنا ومجتمعنا»(34). هذا هو المقصود باستيعاب الليبرالية، استيعابها كثقافة وسلاح يشهره في وجه الفكر التقليدي ـ وتلك هي النقطة الثانية والمهمة في البرنامج.

3 ـ أحد الشروط الأساسية لتدارك التأخر التاريخي بالنسبة للمثقف العربي، وما يمكن اعتباره نقطة بارزة في برنامج التحديث، هو جعل «النهضة العربية (أي الانتفاضة الفكرية التي عرفتها الثقافة العربية في نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي)، موضوعاً للتفكير في النهضة العربية، ما يمكن أن نسميه بالنهضة الثانية، وربما كان هو البداية الفعلية لفكر قد بلغ سن الرشد»(35). لذلك يكون من المفيد، بالنسبة للمثقف العربي اليوم، أن يتوقف عند مختلف الآراء التي يذيعها مفكرو ذلك العصر (وربما كانت تلك هي دلالة الوقفة المطولة التي يقفها العروي عند آراء أولئك المفكرين في كل من مفهوم الحرية، و مفهوم الدولة)(36).

4 ـ النقطة الأخيرة البارزة في هذا البرنامج هي ما يمكن أن نعبر عنه بتحديث الذهنية. لماذا؟ لأن ما عرفته البشرية من «الثورات الحديثة، منذ القرن السادس عشر، دينية، سياسية، اقتصادية في الظاهر فقط، أما في العمق، فإنها دائماً تعني الانتقال من ذهنية استهلاكية إلى ذهنية إنتاجية، وبالتالي من الاتكال إلى النشاط، من الأسطورة إلى العلم، من العبودية إلى الحرية»(37). فإذا رجعنا إلى مثال المدن الضخمة المكتظة في العالم الثالث والتي يغيب عنها الوعي المديني يمكن أن نضيف بأن المدينة قبل أن تعكس نظاماً من العلاقات البشرية تكون تعبيراً عن نظام فكري، هي تجسيد لذهنية حضورها يعني التقدم والتفوق، وغيابها يعني التخلف والتأخر.

تحديث الذهنية، أخيراً، هو العلامة الكبيرة الهادية إلى تحديث العقل العربي، وتحديث العقل العربي هو الغاية التي يسعى إليها النقد الأيديولوجي، وهو الضرورة التي يكشف عنها منطق التاريخ، ذلك الذي تكون الماركسية التاريخانية معلمه الأمين الذي ينير للمثقف العربي دروب السبيل.

تلك هي الخلاصة العامة التي يمكن الانتهاء إليها من تأملنا لقراءة العروي للواقع العربي الراهن، وللحلول التي تستدعيها تلك القراءة. يبقى الآن أن ننتقل من المتابعة إلى المساءلة والحوار، أي أن نسجل بدورنا جملة ملاحظات حول قراءة الأستاذ العروي وبصفة مباشرة حول النتائج التي تنتهي إليها تلك القراءة.

خامساً: ملاحظات حول قراءة العروي

1 ـ الملاحظة الأولى هي أن الأستاذ العروي يقوم بقراءة أيديولوجية للواقع العربي الراهن. هذه مسألة واضحة ومنتهية، ونحن لا نريد أن يفهم من ملاحظتنا هذه أن لدينا اعتراضاً على هذه القراءة أو رفضاً لها. المسألة مسألة اختيار ولا إعتراض لدينا على اختيار الأستاذ العروي. على العكس من ذلك ربما كانت تلك هي المزية الأولى والكبيرة لكتابة عبد اللَّه العروي. هي كتابة تعرف أن هناك مستويات كثيرة مختلفة، (بل ومخالفة لبعضها البعض) في التحليل، ثم إنها تدرك ضرورة اختيار المستوى الذي ستعمل فيه. من الأفضل مئة مرة أن يقوم المرء بتحليل أيديولوجي، وأن يقدم على اتخاذ موقف أيديولوجي واضح ـ أو يسعى جاهداً لتوضيحه ـ من أن يكون مدَّعياً لإدانة التحليل الأيديولوجي، أو أن يشجب الموقف الأيديولوجي في ما هو يعبِّر عن موقف أيديولوجي على نحو ساذج يوقعه في أشنع الأغلاط. تحديث العقل العربي، بما يشكل أساس الدعوة التي يتجرد لها العروي، لا يمكن أن يكون إلاّ عملاً أيديولوجياً، أو مشروعاً أيديولوجياً طويل النفس. كل كتابته تسير في خط هذا المشروع لشرحه وتوضيحه، ولتعمقه في الأذهان. في هذا السياق تفهم سلسلة كتب المفاهيم سواء تلك التي تمت كتابتها بالفعل (الأيديولوجيا، الحرية، الدولة، والتاريخ إلى حد ما)، أو تلك التي يمكن أن نترقبها إما لوعد سابق من المؤلف، أو استجابة مع المشروع في كليته (مثل: العقلانية، الليبرالية، الإبداع...). قراءة الواقع العربي، تستلزم، في سياق الأستاذ العروي، المطالبة بتحديث العقل العربي. ولعملية التحديث، على النحو الذي تقوم به (½ «دعوة») مقتضيات نظرية يجمعها شرط واحد هو الوثوقية. هي قراءة تعرف بالضبط ماذا تريد، بحيث أن المعرفة تكون برنامجاً دقيقاً وواضحاً: هذا أولاً، وذاك ثانياً... هذا مقبول، لأنني في حاجة إليه، وهذا مرفوض لأنه لا يعنيني. المسألة الواحدة لا تحتمل إلاّ تأويلاً واحداً، كل ما عداه خاطئ. إن الأيديولوجيا تعبير عن الوثوقية في أعلى درجاتها، ولذلك فإن الداعية يعرف تماماً ماذا يريد وما لا يريد أيضاً. الحقيقة دائماً مطلقة لأنها دائماً واحدية المعنى ونقيضها هو، بالضبط، ما لا يعترف به الخصم. نجاعة الأيديولوجيا تأتي من الصلابة التي تعلن عنها وتتمسك بها حتى نهاية السير، لذلك فإن الكتابة الأيديولوجية هي دائماً كتابة عراك وجدال لأنها نضال ـ سجال يخضع بدوره للمنطق الذي يخضع له السجال: يخفي أموراً كثيرة، ويعود ويغالط في أخرى، ولكن التمويه والمغالطة لا يكونان دائماً بكيفية شعورية، بل لعلهما لا يكونان كذلك إلاّ نادراً جداً. ولا يمكن للتحليل الأيديولوجي أن يتم إلاّ انطلاقاً من موقع أيديولوجي ما، من أرضية أيديولوجية ما، وبالتالي انطلاقاً من وثوقية ما.

وهذه الوثوقية هي الغلالة التي تغلف كتابة العروي، وهي ما يعبّر عنها بالعقدية (ربما عملاً منه على التلطيف من غلوائها)، وهذه العقدية بالنسبة للماركسية هي الماركسية التاريخانية، تلك التي يكون على مثقف العالم الثالث أن يقف عندها ويتعلم منها. العقدية، أو بالأحرى، ضرورة العقدية تنبع من حاجة مثقف العالم الثالث إلى ماركس معين، هو ماركس الذي كتب، تحت تأثير ظروف معينة، كتاب الأيديولوجية الألمانية، إنه ماركس الأيديولوجي أو ماركس التاريخاني (على حد تعبير العروي). ولكن الذي يحدث عند العروي هو هذا الثبات الغريب، هو هذا الإصرار الدوغماطيقي على صورة ماركس الأيديولوجيا الألمانية، وعلى المفاهيم المتداولة في ذلك الكتاب، وفي مقدمتها مفهوم الأيديولوجية مع انتباهه الذكي إلى الالتباس الذي يكتنف ذلك المفهوم. هو مثلاً ينتبه إلى الغموض المحيط بمفهوم الأيديولوجيا في كتاب الأيديولوجيا الألمانية وينبه إليه ولكنه سرعان ما يدخل في تأويل شديد يسعى فيه إلى التوفيق بين ما كان ماركس يسعى إليه، بحسبانه «فيلسوفاً كلاسيكياً، حريصاً على الانفلات من خصوصية الأيديولوجيا إلى عمومية العلم» وبين ما اضطره إليه جنوحه إلى الكونية من أداء الثمن «بغموض في المفاهيم المستعملة لم يستطع على الأغلب أن يجد لها حلولاً مرضية»(38)، لكي يخلص بعد ذلك إلى صورة ماركس الجميلة التي ينشدها مثقف العالم الثالث والتي هي عند نهاية المطاف صورة ماركس الوثوقي (½ التاريخاني).

إن العروي لا يكتفي بالوقوف عند مفهوم الأيديولوجيا في كتاب الأيديولوجية الألمانية، وإنما هو يرجع إليه من خلال جهد مضاعف، لا يتجه إلى الكشف عن مضامين أيديولوجية عند ماركس «العالم». لا يريد أن ينشد الأيديولوجي عند العالم، وإلاّ كان سيسقط في تناقض شنيع وفي خطأ فادح يحرص على الإفلات من الوقوع في شِراكه آن تمييزه الواضح والصارم بين ماركس المرغوب فيه من طرف مثقف العالم الثالث وماركس الذي لا يرى حاجة إليه. هو يأخذ المفهوم في سياق الفكر الفلسفي المعاصر بدءاً من هيغل وانتهاء بالتوسير من جهة، وهربرت ماركوز من جهة أخرى، مروراً بكل من جورج لوكاش، وكارل مانهايم وماكس فيبر جاعلاً من «الأيديولوجية الألمانية» معياراً صارماً يقيس به مختلف الآراء والتأويلات التي يحملها كل هؤلاء الفلاسفة السابقين. هذا ما يقوم به العروي فعلاً في كتابه مفهوم الأيديولوجيا. يذكر العروي في مقدمة الكتاب «إن مفهوم الأيديولوجيا ليس مفهوماً عادياً يعبر عن واقع ملموس فيوصف وصفاً شافياً، وليس مفهوماً متولِّداً عن بديهيات فيحدّ حدّاً مجرداً، وإنما هو مفهوم اجتماعي تاريخي، وبالتالي يحمل في ذاته آثار تطورات وصراعات ومناظرات اجتماعية وسياسية عديدة. إنه يمثّل «تراكم معانٍ» مثله في هذا مثل مفاهيم محورية أخرى كالدولة أو الحرية أو المادة أو الإنسان». ويخلص بعد ذلك إلى التقرير بأن كل نقاش حول هذا المفهوم يستلزم «الاطلاع على أصله وصيرورته وبالتالي على المذاهب الفلسفية المتعلقة به»(39)، ولكن ما يقوم به هو نفسه شيء مختلف، بل ومخالف في الواقع. لا تعنيه الخصوبة التي يمكن أن نلتمسها عند فيلسوف مثل نيتشه والتي يمكن أن نفيد منها في بلورة مفهوم الأيديولوجيا، انطلاقاً من توضيح أفضل لمعنى «غل المستضعفين»، وإنما هو يقطع مع مناقشة نيتشه في جمل قصيرة تقريرية وحاسمة يلخص فيها، في الوقت ذاته، مضمون النيتشوية ويوضح الأسباب التي بموجبها «أغرت العقول في الغرب». قد يُقال بأن نيتشه لا يعني مثقف العالم الثالث، ومن ثم «فلا حاجة إليه» اطلاقاً، وإن المؤلف يذكره لمجرد أن سياق الحديث عن مفهوم الأيديولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر قد استدعاه وإننا لن نكون قد خسرنا شيئاً بالتالي عند حذف الفقرات القليلة التي يخصصها المؤلف له. لكن ما القول في فيلسوف معاصر عرف باجتهاده البين في تأويل الماركسية على نحو معين وهو الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير؟ إن العروي يعترف له بهذه الصورة فعلاً ويرى في قراءته لماركس القراءة التي يكون مثقف العالم الغربي المتقدم في حاجة إليها، ولكن الغريب والمثير هو موقف العروي من ذلك التأويل. لا نقصد بالغرابة أو الإثارة كون العروي يختار ماركس التاريخاني أو الأيديولوجي ويعلن عدم حاجته إلى ماركس «العالم» ـ فتلك مسألة اختيار مبدئي يوضحه ويدافع عنه ويؤكده مرّات عديدة. ولكن المقصود هو القراءة التي يقرأ بها بدوره قراءة التوسير، هذه القراءة من الدرجة الثانية (½ قراءة القراءة ـ رفعاً لكل التباس في القول العربي) يوجهها هم أيديولوجي خفي هو الخيط الرفيع الذي يوجه الكتاب في كليته. ذلك أن العروي يفصل عند التوسير بين الهدف الذي يسعى إلى بلوغه (½ البحث عن الماركسية كنظرية. هدف تقوده الفرضية الآتية: الماركسية موجودة عملياً، ولكنها غائبة نظرياً)، وبين المنهج الذي يتوسل به من أجل بلوغ ذلك الهدف. هذا الفصل بين الهدف والمنهج هو بطبيعة الحال غير الفصل المعروف بين طريقة العرض وطريقة التحليل لأن الذي يوجهه هو هدف لا يريد أن ينتبه إلى هذا الفصل، لأنه، في الواقع، لا يريد أن يعترف به. لا يعني العروي كل الجهد الذي يبذله التوسير والذي يتجلى في إرادته الاستفادة من المنهجية العلمية المعاصرة: من تقنيات التحليل اللساني، والقراءات الجديدة للتحليل النفساني خصوصاً. لا يريد أن يرى الجديد الذي تحمله نظرية التوسير في الأيديولوجيا: لا يناقشه فيقبله أو يرفضه، هو بكل بساطة لا ينظر إليه. كل هذا الغنى المنهجي الذي يمكن تسجيله نقط فوز وتفوُّق لصالح الماركسية لا يعني داعيتنا التاريخاني. كما لا يعنيه ما تريد قراءة الرأسمال أن تجعله هدفاً لها. لا يندرج الحديث عن التوسير في سياق الفكر الفلسفي المعاصر منظوراً إليه من حيث إسهامه العلمي، وإنما ينظر إليه من حيث هو انسياق مع تيار «الاستخفاف بعلم الطبيعيات»، أي مع التيار الذي يبتعد عن ماركس «الأيديولوجية الألمانية»، والرمز الكبير الوفي لذلك التيار عند الأستاذ العروي هو جورج لوكاش ومن بعده غرامشي، الممثلان البارزان للماركسية التاريخانية، ولذلك فإن التوسير يتحدد بالنسبة له من حيث رفضه الانسياق مع هذا التيار، من حيث إصراره على رفض التاريخية واعتباره أن الماركسية الحقة، ماركسية «ماركس العالم» أو ما بعد كتاب الأيديولوجية الألمانية لا يمكن أن تكون تاريخانية. لذلك فإن نظرة العروي التاريخاني، ومحاكمته لمشروع التوسير تكون إنطلاقاً من هذه الأرضية الواضحة: النظرة الأيديولوجية للماركسية التي تعلن رفضها للماركسية التاريخانية. لذلك فهو يلجأ إلى تقويم شامل لما يريد التوسير أن يسعى إليه: «أراد التسوير أن ينقذ علم الطبيعيات فرأى من واجبه أن يفند تحليل لوكاش وينفي كل علاقة عضوية بين العلم الماركسي والفلسفة الهيغيلية. كانت هذه نيته». ويتساءل العروي بصدد التوسير «هل نجح في محاولته؟» ويأتي الجواب تقريرياً صارماً: «يمكن أن نقول إنه نجح أكثر من اللازم فخرج كلية عن نطاق الإشكالية الماركسية». الخروج عن نطاق الإشكالية الماركسية أو «النجاح أكثر من اللازم» هو المصير المحتوم الذي ينتظر كل محاولة للابتعاد عن إشكالية «ماركس الأيديولوجي»، هو الدليل على إخفاق كل القراءات الأخرى الممكنة للماركسية عدا القراءة التاريخانية بطبيعة الحال. لهذا يعقب العروي على هذا «النجاح» متسائلاً: «أليس في هذا الموقف المتطرف والمستبعد اعتراف ضمني بالعجز عن حلّ مشكل المعرفة في نطاق ماركسية غير هيغيلية؟»(40)، (غير هيغيلية تعني هنا غير تاريخانية).

كانت مبادئ هذه القراءة الأيديولوجية والمنطق الداخلي الذي يحكمها محدِّد وموجِّه قراءة العروي للواقع العربي. بواسطتها يتم تشخيص الواقع المرفوض، كواقع ينبغي تجاوزه (½ واقع التأخر التاريخي)، وهي التي ترسم الآفاق الممكنة لمجاوزة ذلك الواقع وطرح البديل المرتقب (½ تحديث العقل العربي عبر ممارسة النقد الأيديولوجي). وطبيعي أن كل المزالق التي تحيط بالقراءة الأيديولوجية عامة والأخطار التي تجابهها هي نفسها التي تعترض القراءة الأيديولوجية للواقع العربي.

2 ـ الملاحظة الثانية تتعلق بالخلاصة التي تنتهي إليها قراءة العروي وهي القول بضرورة النقد الأيديولوجي كسبيل إلى تحديث العقل العربي. أول شروط التحديث هو الإيمان بالتاريخ وبالفكر التاريخي والانتباه إلى أخطار النزعات اللاتاريخية. وثاني الشروط الضرورية هو الإيمان بالعلم وبالمنهجية العلمية الحديثة والاستفادة من مكتسباتها في مختلف الميادين: ذلك هو المغزى البعيد للعديد من المقالات ذات النفحة التعليمية الواضحة (حول منهجية غرونباوم في دراسة الثقافة (العرب والفكر التاريخي)، تكون الدولة (مفهوم الدولة) وكذا غالبية الفصول المكوّنة لكتاب ثقافتنا في ضوء التاريخ. الإشكال يأتي عندنا من التعارض الذي يحصل بين الشرط الأول للتحديث والشرط الثاني له.

الإيمان بالتاريخ وبالفكر التاريخي لا يمكن أن يتحقق للمثقف العربي إلاّ بتبني بيداغوجية خاصة تمكّنه من تحقيق تلك الغاية. هذه البيداغوجية الخاصة، ما هي في الواقع إلا خلاصة منهجية لتطور الفكر الغربي الحديث، هي الماركسية التاريخانية بطبيعة الحال. بيد أن الشرط الأساسي لصحة التاريخانية يكون في نهاية التحليل هو الوثوقية، ما يدعوه العروي بالعقدية. وما يكسب النقد الأيديولوجي دلالته ويوجهه معاً هو الوثوقية بطبيعة الحال. إن النقد الأيديولوجي لا يكون شيئاً آخر سوى التعبير عن الوثوقية، سوى تجسيد الوثوقية في أكثر صورها فعالية ودينامية: في الميدان الأيديولوجي. أما الإيمان بالعلم والمنهجية العلمية المعاصرة فهو، بالضرورة، إزاحة للوثوقية وإقصاءً لها. هذا الإيمان يعني الانفتاح على كل المناهج والتقنيات التي تتعلق بالتأريخ للذهنيات والتي تمتلك القدرة على تحليل فعاليتها. هو انفتاح لا يكون إلاّ بالتعود على ممارسة نوع من المنهج المتعدد الميادين، الأمر الذي ترفضه الوثوقية وتخشاه. الوثوقية: العماد الأيديولوجي للتاريخانية ويشكّل صخرة هائلة تتحطم عليها كل محاولات الإقبال على منهج مماثل. ولعله يكفينا في هذا الصدد أن نتأمل الكيفية التي تتعامل بها التاريخانية مع محاولة التوسير في فهم فعّالية الأيديولوجيا في ضوء المعطيات المنهجية المعاصرة! في تطوير النظرية الماركسية على نحو يجعلها تستوعب التطور الذي يتم في مختلف ميادين العلوم الإنسانية.

النقد الأيديولوجي يحمل في الواقع على ضرورة الاختيار بين موقفين يجعلهما متعارضين. موقف الوثوقية أو التصلب النظري (وهو شيء آخر غير الصلابة النظرية طبعاً). وهذا موقف يجعل الأحكام قاطعة دائماً ونهائية لا تردد فيها ولا حرج عندها في الانزواء في نوع من الاكتفاء الذاتي النظري. وموقف يقتنع بالمكتسبات المنهجية المعاصرة في ميدان دراسة الذهنيات قناعة فعلية لا تقف عند مجرد الأمل والتمني، وعلامة ذلك الاقتناع هو الإقبال على هذا المنهج المتعدد الميادين الذي يأخذ في الوقت نفسه بالتحليل النفساني للمعرفة، وبالتحليل اللساني، وبكل المعطيات العديدة التي تقدمها الأنثروبولوجيا الثقافية. نقول إنه يحمل على ضرورة الاختيار بين الموقفين لأن كل محاولة للجمع بينهما لا تؤدي إلى شكل جديد من أشكال التلفيقية النظرية. نصل هنا في الواقع إلى نقطة الضعف الخطيرة في الأساس الذي يقوم عليه النقد الأيديولوجي، باعتباره نقداً يريد أن يكون بهدف شيء آخر هو: تحديث العقل العربي. فالسؤال يصبح متعلقاً بإمكانية قيام التاريخانية، معرفياً أو نظرياً: كيف يمكن للتاريخانية (كنظام معرفي يزودنا نحن مثقفي العالم الثالث بمنطق العلم الحديث) أن تكون ممكنة من الناحية النظرية مع احتفاظها، في الوقت ذاته، بشروطها الذاتية (½ الوثوقية) وبرغبتها في العلمية المعاصرة؟ وبتعبير يلخص ملاحظتنا السابقة: كيف يمكن للتاريخانية أن تتجاوز التجميع التلفيقي وأن تكون نظرية متماسكة؟ يضمر هذا التساؤل مسألة مهمة بالنسبة للمثقف العربي هي: كيف يكون ذلك ممكناً اليوم، في الأزمنة الحديثة، أزمنة التطور الهائل في مجال العلوم الإنسانية؟ وبعبارة أوضح: كيف يمكن للمثقف العربي الذي يؤمن بضرورة تحديث العقل العربي أن يكون اليوم تاريخانياً؟ والجواب الذي يبدو لنا منطقياً هو أن الجمع بين التحديث وبين النقد الأيديولوجي لا يمكن أن يكون إلاّ جمعاً تعسفياً، لأن النقد الأيديولوجي هو هذا النوع من النقد الذي يضحي بالنقد كسلاح من أجل الأيديولوجيا. تظل الأيديولوجيا نتيجة القراءة محكومة بالمبادئ التي توجه تلك القراءة: عند التردد والتهيُّب الملازمين لكل موقف علمي رصين، يحكم النقد الأيديولوجي بالحسم لفائدة الوثوقية.

3 ـ الملاحظة الأخيرة تتعلق بمعنى التحديث، تحديث العقل العربي، متى كان التحديث مرتبطاً بالنقد الأيديولوجي ونابعاً من مقتضياته فإنه يكون برنامجاً، يكون مجموعة من المراحل التي يتعين اجتيازها ـ عدداً من الخطوات ينبغي القيام بها. يكون قياسنا في ذلك (بالنسبة للمجتمع العربي) هو ما عرفته الإنسانية في الغرب من تحولات كبيرة، وما عاشته من ثورات. تعني كلها، في اجتماعها وتفاعلها، تحقق ثورة واحدة كبيرة هي الثورة الذهنية. والهدف الأسمى الذي يريد العروي من التاريخانية أن تحققه بالنسبة للمثقف العربي هو تحقيق الاختزال الذهني لكل هذه الثورات من أجل تدارك التأخر التاريخي، ذلك هو معنى استيعاب الليبرالية دون المرور بمرحلة ليبرالية. ولكن الاستيعاب متى كان نقداً أيديولوجياً فإنه يكون مالئاً للفراغات وتغطية للنقص الموجود. الإشكال هنا إشكال معرفي مرة أخرى. إن الموقف الذي يصدر عن العروي يأخذ بالمقولة الشهيرة «الفكر البشري صفحة بيضاء لم يخط فيها حرف واحد، والذي يملأ تلك الصفحة هو التجربة»، أي أن المعرفة مجموعة تراكمات وإضافات وتنقيحات. تعلُّم شيء جديد هو إضافة جديدة، هو انتقال من الجهل إلى العلم، أي من «الصفحة البيضاء» إلى الصفحة التي خط فوقها شيء. قياساً على ذلك فإن التحديث، تحديث العقل يكون برنامجاً يهدف الوصول إلى «الرأس المكون تكويناً جيداً»، والذي يفضل طبعاً «الرأس الممتلئ» كما يقول المفكر الفرنسي مونتيني. ولكن المؤسف هو أن الرأس المكوّن تكويناً جيداً «هي مع الأسف رأس مقفلة»(41). هي كذلك لأن الفكر ليس إطلاقاً «صفحة بيضاء» ولكنه، على العكس من ذلك، مليء بالكثير من الأوهام والأخطاء تكسوه الخطوط من كل الجهات والجوانب. هذا يعني أن التعلم يكون حذفاً قبل أن يكون إضافة، يكون رفضاً قبل أن يكون قبولاً، هو مراجعة دائماً، إعادة نظر مستمرة. لذلك فهو يرفض الوثوقية للأسباب نفسها التي يرفض بها الاختبارية والواقعية الساذجة. التعلم بهذا المعنى يكون نقداً، وممارسة مستمرة للنقد، وهذا ما يرفضه النقد الأيديولوجي لأنه لا يستطيع إليه سبيلاً، لأنه هو نقيضه المباشر.

إذا لم يكن في استطاعة التاريخانية أن تكون ممارسة للنقد الدائم والمراجعة المستمرة، موقفاً للتقويض والرفض، تقويض ورفض يكونان هما البناء ذاته، فإن هذا لا يعني أن الماركسية لا تستطيع أن تكون كذلك. ربما كان العكس هو الصحيح لأنها درس في النقد. ليس درس ما تحقق في الماضي كإنجاز، وإنما الاستفادة من الكيفية التي أمكنه أن يتحقق بها. صحيح أن العروي يجعل ضمن شروط التحديث ما يدعوه «تعريب الماركسية» تمييزاً له من تعريب النصوص الماركسية، أي اللجوء إلى المنهج الماركسي من أجل إنارة كثير من نقط ماضينا الاجتماعي والثقافي وكذا فهم بعض مشكلات الحاضر، ولكن التاريخانية، للأسباب التي عرضنا لها سابقاً، تتحول إلى مجموعة من العوائق التي تفرغ الماركسية من دلالتها النقدية لأنها تحيلها، فعلاً، إلى ماض يتعين القياس عليه. لذلك فإن «التعريب» يتحول إلى سراب لا يستطيع التاريخاني أن يبلغه أبداً. قد يُقال بأن هذا الخطر الذي نشير إليه تدفعه نقطة بارزة في برنامج التحديث، بل لعلها النقطة المحورية التي يتعين فهمها والانتباه إليها أكثر من غيرها، وهي ما يوضحه معنى السيطرة الثقافية أو استيعاب المكتسبات الليبرالية لأن في ذلك الاستيعاب تثوير الذهنية الموجودة برمتها. فعلاً، إن الاعتراض قوي والجواب مسكت، ولكنه لا يكون كذلك إلاّ بشرط الوقوع على الدلالة النقدية للفكر الليبرالي في فجر ظهوره، في طراوة صباحه الأول. قد يعترض علينا ثانية بأن هذا هو معنى التمييز عند العروي بين الليبرالية الأولى (ليبرالية القرن السابع عشر)، وهذه تكون مقبولة، وهي ما نحن في حاجة إليها وبين ليبرالية القرن التاسع عشر، وتلك ما لسنا في حاجة إليها. ولكن المشكل أن هذه الليبرالية الأولى أو الأصلية سرعان ما تتحول إلى وثوقية جديدة عندما تلفها غلالة التاريخانية ـ أي أنها تفقد روحها النقدية وتتحول إلى منهج جاهز. فهل تستطيع النظرية الجديدة (وهي هنا الليبرالية المستوعبة) أن تكتسح الميدان وتقصي النظرية القديمة (وهي هنا الذهنية المتأخرة) لمجرد التقرير الإداري تقريباً، دون أن يسبق ذلك ويصاحبه ويعقبه الفكر النقدي الحي والمتجدد؟! وهل تمتلك الليبرالية، التي ترتدي بذلة التاريخانية، القدرة على إحداث الثورة الذهنية اللازمة للعقل العربي؟ لا نعتقد ذلك، وهذا قول لا نظن أننا نرسله على عواهنه.

هنالك موجِّه أصلي يوجِّه فكر العروي ويحكمه بمقتضياته النظرية، وليست التاريخانية عنده سوى نتيجة لذلك التوجه، سوى استخلاص على نحو ما، وهذا الموجِّه الأصلي هو حركة التحرر الوطني ومنطقها في المغرب العربي عامة وفي المغرب خاصة، هو الفكر الذي أفرزته تلك الحركة. كانت هذه الحركة نضالاً ضد الاستعمار من جهة، ونضالاً ضد البنية الذهنية التي جعلت استعمار البلاد ممكناً من جهة أخرى. وكان الفكر المواكب لتلك الحركة فكراً لا يتجه إلى البحث عن الوضوح النظري أو الانسجام الفكري، وإنما كان يلجأ إلى الاستعارة والاقتباس من التيارات الفكرية الأكثر تنافراً وتضاداً (الليبرالية والسلفية معاً) لأن همه الأول الأساسي هو الفاعلية البراغماتية والنجاعة العملية. إذا جاز أن نرسم لذلك الفكر صورة تبسيطية فإنه يمكن القول بأن ذلك الفكر كان نضالياً في مضمونه، سجالياً في منهجه، نهائياً في قناعاته. وكتابة العروي لا تزال تعكس الغضب الذي عبّر عنه فكر تلك الحركة. كتاب تاريخ المغرب الكبير الذي يريده العروي أن يكون «محاولة في التركيب»، أي بحثاً عن الوضوح النظري في النظر إلى تاريخ المغرب، يظل في الأساس رد فعل وطني قومي طبيعي ضد النظرة الاستعمارية إلى تاريخ المغرب، ضد المدرسة الكولونيالية في التأريخ للمغرب الكبير منذ الأزمنة الأولى (ما قبل التاريخ: ربط البربر بأوروبا على سبيل المثال)، وحتى حركات التحرر الوطني (مناقشة بعض الدراسات حول الحركات الوطنية)(42). وكتاب الأصول الاجتماعية والثقافية لا الوطنية المغربية، هذا الإنجاز الرائع والفريد حتى الآن، كُتب بدافع الأسباب نفسها. إذا كان العروي يجعل تأمله يكون في إطار الفكر الأيديولوجي العربي المعاصر، بل ويجعله أحياناً أخرى في إطار أعم وأوسع، أي في إطار العالم الثالث، فإن نقطة الانطلاق كانت هي التفكير في وضعية خاصة، هي وضعية المغرب. بهذا المعنى بالضبط نستطيع أن نقول بأن كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة قد خرج من جوف نص آخر هو كتاب النقد الذاتي لعلاَّل الفاسي. نقول هذا مع ضرورة الانتباه إلى الأساس الذي ينهض عليه نص النقد الذاتي، والانتباه إلى الخيط الرفيع الذي يوجِّه فصول هذا النص وهو: الشعور بالفقر النظري للحركة الوطنية المغربية، أو الشعور بالنقص النظري، ما نسميه بدورنا غياب النظرية. القول إذن بأن كتاب العروي قد خرج من جوف كتاب المرحوم علاَّل الفاسي لا يعني أبداً أنه امتداد له أو أنه يسير على خطه أو يدعم قناعاته. ربما كان العكس هو الصحيح متى نظرنا إلى طريقة المعالجة وإلى النتائج المستخلصة. فالعروي يصدر تقريباً من المواقف نفسها الذي يصدر عنها نص علاَّل: الشعور بالفقر النظري، وهو ما يدعوه العروي: «النقص الأيديولوجي». النظرة تظل واحدة وإن اجتهد الثاني ليرتقي بها إلى مستوى الأيديولوجية العربية عامة، والإشكالية التي يصدر عنها علاَّل الفاسي هي إشكالية الحركة الوطنية في المغرب، ونص النقد الذاتي هو التعبير الأيديولوجي عنها، هو البيان الأيديولوجي للحركة الوطنية في المغرب نهاية الأربعينات والخمسينات، والإشكالية التي يصدر عنها العروي هي، في العمق، تطوير وتغيير للإشكالية التي تصدر عنها الحركة الوطنية، والتطوير والتغيير يعنيان الاستمرارية والاتصال، ولا يفيدان اطلاقاً القطيعة والابتعاد والخروج. ما كانت الحركة الوطنية تهدف إليه هو التحرر الوطني أولاً، التحرر الوطني وحده، تماماً كما يقول العروي عن المجتمع العربي إنه لم يعرف سوى ثورة واحدة هي الثورة الوطنية، وإن هذه الأخيرة لم تستطع أن تحقق الثورات الأخرى التي عرفتها الإنسانية الحديثة. الثورات التي ستكون «الثورة الذهنية»، هي الخلاصة المعبِّرة عنها، وهذه الثورة الذهنية أو تحديث العقل العربي هي بالضبط ما يدعو إليه عبد اللَّه العروي على نحو ما عرضنا له أعلاه.

كتابة العروي ـ أخيراً ـ إعادة لطرح الإشكالية نفسها التي طرحتها الحركة الوطنية في المغرب. طرح جديد، فعلاً، لأنه يتوسَّل بمصادر جديدة في التفكير، ولأنه محاولة للتفكير في الإخفاق النظري لتلك الحركة. ولكنه تفكير لا تزال تحكمه النزعة الوثوقية التي كانت ضرورية لتلك الحركة في بدايتها، والتي قد تكون اليوم عائقاً في وجه الشطر الثاني من برنامج تلك الحركة وهو: تحديث العقل العربي. وهذا الأخير رهن استعادة جديدة للوعي بالذات لأنه يتطلب نوعاً من «تصفية الحساب» النظري مع الخصم الأكبر لتثوير الذهنيات، أي مع الوثوقية والاكتفاء النظري في كل أشكالها. ہ6