هنا ترقُدُ الشَّاكرية، بلادنا العابرة..

 

سليم مطر

 

يا أصدقائي، لعلكم تتفقون معي، بأن بلاد الإنسان الأولى هي مرابع طفولته، لأن وعي الطفل لا يدرك من الوجود، غير ما يراه بعينيه ويعيشه في حياته اليومية، فبلاده بالنسبة إليه، لا تتعدى حارته أو قريته.

كانت (الشاكرية) هي بلادي الأولى، إذ ولدتُ وعشتُ فيها حتى سن السابعة. هي مدينة فقيرة نبتت مثل الفطر، في أواسط القرن الماضي، عند أطراف حي بغدادي غني ومعروف اسمه (كرادة مريم). آلاف العوائل نزحت من الجنوب، وبالذات من ريف العمارة، وبنت بيوتها على عجل من طين وتبن وسعف وبواري (حصر قصبية). 

لعل ذكرياتي الأولى عن الشاكرية تعود إلى سن الرابعة (1960). كنا زمرة الأطفال الحفاة، في طريقنا إلى ضفاف دجلة (الشط)، نضطر إلى اجتياز منطقة (كرادة مريم) المحاذية، بوجل وعجل، كما يجتاز الكبار حدود البلدان الأجنبية. كنا نشعر بأننا نجتاز بلاداً أخرى، بقصورها الفارهة وكنيسة الأرمن الكبيرة الخلابة وسياراتها النظيفة، ورجالها مدنيون تقدميون أفندية بثياب عصرية، ونساؤها سافرات أنيقات بيضاوات حمراوات صفراوات مثل حوريات الجنة. يختلفون عن أهالينا الشرگاوية التعبانين، وآبائنا المعـگلين (لابسي العقال) المتخلفين، وأمهاتنا اللواتي مهما كنَّ جميلات أو بيضاوات، فإنهن يبدون بعيوننا ملحات كالحات شاحبات، لأنهن مبقعات بحزن وفقر وسواد. وعندما سألتُ أخي الأكبر (قيس) عن سرِّ البشرة الرقيقة البيضاء التي يتميز بها هؤلاء المدنية، قال لأنهم يغتسلون يومياً بالحليب. فعاهدت نفسي، عندما أكبر وتصير عندي فلوس، بأني سأغتسل يومياً بالحليب. وكم أصبت بالخيبة، عندما بلغت أوروبا فوجدت الناس، على العكس، يدفعون الفلوس، لكي تكتسب بشرتهم الاسمرار بأشعة شمس طبيعية وصناعية!

نحن أطفال (الشاكرية) كنا نقتنص فترات الظهيرة، حين يهجع أبناء (كرادة مريم) إلى قصورهم، لكي نجتاز بلادهم بسرية وخوف ونحن حفاة راكضين، بحثاً عن ضفاف دجلة. نجتمع تحت (جسر الجمهورية)، في المكان الذي تحول فيما بعد إلى وزارة التخطيط، ونطلق الصرخات لكي يرجع إلينا صداها، ونقذف طيور الماء بالحجارة، وننتسلق أعمدة الأسس العملاقة، ونبحث في المزابل عن لقى نادرة، تخلى عنها الأغنياء سهواً، فنعثر على دگم (أزرار) مذهبة تضعها أمهاتنا في ثيابنا المرقعة، وأدوية طيبة المذاق، نشربها ونأكلها كقطع حلوى، وجنين طفل نغل (لقيط) بعناه بخمسين فلساً لساحرة عوراء تصنع منه تعاويذ إخصاب لعذارى في ليلة عرسهن.

كنت عموماً منسجماً مع حياتي في (الشاكرية) بلادي الصغيرة. كنا جميعاً نتشابه في حياتنا، ولم أشعر بأني أنا وعائلتي كنا بائسين، لأني كنت أشاهد الجميع يعيشون البؤس نفسه، ولهذا لم أعرف أنه كان بؤساً. كنا جميعاً نسكن في بيوت من طين، يصنعها أهلنا أمامنا من الأرض نفسها التي نسكن عليها، وقد شاركت أبي بضعة مرات في إعداد خميرة الطين والتبن من أجل تعمير حوشنا (بيتنا) وتصليحه. كان حوشنا يتكوَّن من حجرتين، واحدة تقوم بمهمة مخزن أغراض ومطبخ وحمام ومنام أختي الكبيرة ليلى وحبوبتي (جدتي) روبية، حينما تزورنا بعد تجوالها على بناتها الثلاث عماتي الشهيرات (نوعية وصبرية ومكية). أما الحجرة الثانية، فكانت لحياتنا كلها ليلاً ونهاراً، نعيش فيها وننام جميعاً، أمي وأبي على ﭼربايا (سرير) في طرف الحجرة، ونحن الأخوة الخمسة ننام على الأرض فوق بساط واحد وغطاء واحد.

نحن أطفال الشاكرية كنا جميعاً نحمل في أبداننا النحيفة أكواماً من أمراض العالم الثالث: البلهارسيا والملاريا والتيفوئيد، وأمراض عابرة تحلّ فينا وترحل عنا دون أن ندري بها. أصابتني جميع هذه الأمراض، واجتزتها بنجاح باهر. وعندما كان يستعصي شفاؤنا، تأخذنا أمهاتنا إلى (الإمام الكاظم) لكي يلفَّ السيد على معاصمنا علگ(خيط) أخضر من راية الإمام الحسين، لكي يحمينا ويشفينا.

وكان عزرائيل، ملاك الموت، يأتينا ضيفاً عادياً بين حين وآخر، فكانت أمهاتنا ينجبن الأطفال في كل عام مثل البزازين (القطط)، ومثل البزازين أيضاً كان يموت الكثير منهم. أمي أنجبت (13) طفلاً، مات منهم خمسة، عدا الكثيرين الذين أسقطوا قبل الاكتمال، وبقينا نحن الثمانية: ليلى وقيس وراضي وأنا الأصغر حينذاك، قبل أن يأتي فيما بعد أخوتي الأربعة: أحلام وطارق وليث، ثم بعد سنوات طويلة، وقد تجاوز عمر أبي السبعين، أتانا بزر الگعدة (آخر العنقود) أخي قائد. وقد شاهدت بعيني لأول مرة في حياتي، وأنا في سن الخامسة، موت أختي الرضيعة (أنعام) الجميلة، التي كنت ألاعبها بمحبة بديلاً عن دمية لم أحصل عليها. قد يكون (قلق الموت) الذي رافقني طيلة حياتي، قد بدأ عندما شاهدت أمي تمرِّغ نفسها في التراب، وتطلق نحيبها الذي يفطر القلب، وأختي ليلى تحتضن أنعام. ثم مشهد أبي يبكي، وهو يحمل الرضيعة، مكفنة بين يديه، محاطاً بأبناء الحارة، وعويل أمي وأختي، ليدفنها بعد سكة القطار في (مقبرة مريم) عند الجتة (مزرعة الجت). حتى الآن، يُخَيَّلُ إليَّ أحياناً رؤية ملامحها الرقيقة الطيبة في وجوه بعض الصغيرات.

وعندما كنا ننجو من تلك الأمراض، كان ملاك الموت يجذبنا إلى أماكن عديدة كثيرة لكي يقبض أرواحنا: مستنقعات المياه الآسنة، التي كنا نسبح فيها مع الكلاب والجواميس، والشاحنات والقطارات المارقة، كذلك في نهر دجلة القريب. حتى الآن، وسوف تظل إلى الأبد صورة (أم فلاح)، تلك الأم الجنوبية، ذات العيون الزرق وهي تعول وتبكي بحثاً عن جثة ابنها (صلاح) الذي ابتلعه النهر. صديقي (صلاح) ذلك الطفل الأبيضاني الجميل. كنا في الصباح قد تسللنا خفية بعيداً عن عيون أمهاتنا إلى الشط، نبحث عما يجلبه لنا النهر من حاجات طافية. فجأة انتبهنا إلى صلاح وهو يستغيث بنا، ولا أحد يعرف كيف انزلق في النهر. كنا مندهشين متجمدين، لا نعرف ماذا نفعل، ونحن نشاهد الخوارة (دوامة الماء) تبتلع صديقنا. بقينا نبكي ونستغيث بالله والناس، حتى غاب عنا صلاح إلى الأبد. بقيت (أم فلاح) تجول هائمة عند ضفاف النهر لأيام وأيام، تنادي ولدها المفقود، حتى تمكَّن غواص من العثور على جثته في زاوية من النهر. 

كان آباؤنا يذهبون صباحاً إلى أعمالهم، شرطة وفراشون ومنظفون وبناؤون، كذلك عسكر يموتون في حروب تحدث في أماكن مجهولة بعيدة. وكنت أسمعهم أحياناً، حينما تأتي جثة عسكري قتيل، يرددون أهزوجة شائعة: طرگاعة لفت برزان، بيَّس بأهل العمارة (مصيبة تقع على برزان، قسى على أهل العمارة). وكان من الطبيعي جداً أن يتقاتل آباؤنا فيما بينهم، فنسمع كل ليلة صوت طلقات نارية، قد تكون لطرد اللصوص أو لاغتيال شخص ما.

رغم المحبة والتعاطف والتعاضد بين الناس، هنالك أيضاً خوف وحذر. فأول شيء تعلمته مما يسمى بـ (النضال السري)، عندما أخبرني أهلي بأنه عليَّ أن أخفي سرَّ انتمائنا إلى عشيرة (الحلاف)، لأن في ذلك خطر علينا. فعشيرتنا المنتشرة في جنوب العراق، هي مثل كل عشائر الوطن لها ثارات معروفة ومجهولة. ففي الشاكرية، كثيراً ما كان يحدث أن يتم اغتيال شخص ما لمجرد انتمائه للعشيرة الفلانية، لأن أحد أبناء عشيرته قد ارتكب جريمة ضد أحد أبناء عشيرة أخرى تقطن في الجنوب.

نحن أطفال الشاكرية، كنا نجتمع مع أمهاتنا عند حنفية الماء الوحيدة التي تتغذى على مائها مئات العوائل. نغسل الأبدان والثياب والأواني قرب الحنفية. وكنا أيضاً جميعاً نجتمع عند سكة حديد خط البصرة، لكي نلوح بأيدينا إلى ركاب القطارات العابرة، ونضع قطعة الفلس الأحمر على السكة، لكي تتمدد وتكبر بعد مرور القطار عليها. ونتبادل الاتصالات عبر بوريات (أنابيب) النفط العملاقة التي يعادل قطرها حجم طفل، والممتدة على طول السكة. وحينما نملّ، نضع التبن والبيض على السكة، آملين أن ينزلق القطار. لكن القطار لا ينزلق، ونحن لا نفقد الأمل، فنعود لسرقة البيض والتبن لنضعه على السكة، وحينما يمرّ القطار نغمض عيوننا وأكفنا على قلوبنا الهلعة وننطوي على أبداننا المقشعرة من خوف وترقب، ونطلق صرخات نشوة جنونية تمتزج بهدير وصرير القطار المارّ، ونحن ندعوا الله أن ينقذه هذه المرة أيضاً، فنفرح عندما نكتشف أنه قد استجاب لدعواتنا.

 

*     *      *

 

نعم يا أصدقائي، الشاكرية جذوري وطفولتي وبلادي الأولى، وكثيراً ما يحدث وأنا في عمري الحالي، أن أهرب إلى ذكرياتها عندما أشاهد تعلق الآخرين في أوطانهم. منذ فترة، كنت أتمشى عصراً في أزقة مدينة (جنيف) القديمة، فوجدت نفسي أمَّر بموكب كبير لمحتفلين بأحد الأعياد الوطنية، كبار وصغار مبتهجين صارخين وسط غناء وموسيقى عسكرية. ثمة شمس غاربة وعتمة شرعت تتخلل الأزقة، وعبقت في الجو رائحة مساء، فشعرت فجأة برعشة خفيفة من كآبة وقلق، وعادت إليَّ مثل حلم باهت ذكرى بعيدة يوم تهت في الشاكرية. ربما في الرابعة من عمري، كنت مع (سكينة) ابنة عمتي التي بعمري، وجدنا أنفسنا ذات عصرية نسير خلف (موكب عزاء الشاكرية). نركض وراء الحشود، ونهزج معهم بنداءات عاشوراء، ونضرب صدورنا مع قرع الطبول (وا حسيناه .. وا شهيداه..)، دون أن نفهم بالضبط من هو المقصود، معتقدين بأنه أحد شيوخ عشائر الشاكرية. انتبهنا لأنفسنا تائهين وسط الازقة المجهولة والظلام الذي خيم. تهيأ لنا بأنا تهنا في عالم آخر غريب وخطر وليس ثمة أمل بالعثور على أهالينا. رحنا نبكي ونستغيث بالله وأولاد الحلال بحثاً عن المنقذ. لكن الناس كانوا يتغاضون عنا معتقدين بأننا نبكي على الحسين. ولم يصدقونا إلاّ بعد أن راحت (سكينة) تتمرغ على الأرض، صارخة بالله والأهل. أغاثنا الناس وحملونا إلى أهالينا. مازالت حتى الآن ثمة مشاعر قلق من ضياع تأتيني في المواقف المشابهة.

كنا منسجمين تماماً مع حياتنا، لأننا كنا نعرف كيف ننتقم من بؤسنا. نتقبل بكل طيبة عقوبات أمهاتنا اللواتي بعد أن يتعبن من ضربنا بنعولهن البلاستيكية السوداء، يشكين إلى آبائنا لكي يكملوا حفلات الرعب بعد عودتهم مساءاً. وعندما يتراكم الغيض فينا، كنا نبحث عن أي وسيلة لتفريغه. كنا مثل جميع أطفال الأرض نعشق الحيوانات.. حتى الموت! وكنا نطبق على أصدقائنا الكلاب والقطط، ذلك المثل المعروف(من الحب ما قتل). اكتشفنا تسلية رائعة. كنا نغافل أهالينا، وننصب طشوت الغسيل كشراك للقطط. نصطادها ونشرع بكل براءة ورقة طفولية بتعذيبها وتكسير أطرافها بـالهيم الحديدي (المكسار)، ونحن نتصارخ بعبث، ونتضاحك ببراءة وفرح، لا يمتلكها حتى غلمان الجنة. وكنا نكمل طقوسنا الجهنمية هذه بالهجوم على الكلاب، نحيطها من كل جانب، ننهال عليها بالحجارة والعصي، وهي تنبح وتعول مستغيثة بآلهتها الخاصة بها التي لم تكن أقل منها حيوانية وسخرية، حسب اعتقادنا. كنا ندفعها ونحن نتضاحك ببراءة إلى مستنقعات مياه الأمطار الآسنة، التي سبق وأن غرق فيها الكثيرون منا.

بعد أن نفرغ من جنوننا البدائي، نعود إلى أهالينا الغاضبين من قسوتنا والمعتذرين لله عن جرائمنا التي لا تغتفر، لكي نتعرض لعقوبات بدنية قبل النوم، وعقوبات روحية أثناء النوم على شكل كوابيس رعب تفترسنا خلالها مرات ومرات تلك القطط والكلاب التي عذبناها وغدرنا بها.

حينما أتذكر حكايتي مع القطط، أحّس بالعار، لأني كنت ناكراً للجميل لجنس القطط الذي أنقذني من موت محقق. لا أدري إن كنت أتذكر حقا تلك الحكاية، وهذا أمر غير معقول، أم إني سمعتهم يحكونها لي، فانطبعت في ذاكرتي: كنت راقداً في الكاروك (المهد) وإذا بثعبان يتجاوز طوله ذراع، أبيض مرقط، يزحف على عمود محاذٍ. وفي اللحظة التي كاد فيها أن يبلغني وإذا بقط يهجم عليه وينهشه، وقد هبت أمي وجدتي على صوت بكائي.

الغريب أن قسوتي الوحشية هذه ضد الحيوانات، لم تترك في نفسي غير أثر معاكس تماماً. أصبحت فيما بعد وحتى الآن، بالغ الرقة والحساسية، بحيث أني لا أتحمل مشهد عنف ودم حتى في الصور والسينما. وأنا هنا، كم من مرات تركت قاعة السينما وسط العرض، بعد أن فوجئت بمشاهد عنف ودم تتخلل الفيلم. وعندما أجلس أحياناً للتبرع بالدم، أغمض عيني تجنباً لرؤية الإبرة وهي تسحب دمي. لعل حساسيتي هذه تعود أساساً إلى أني أنا شخصياً كنتُ مثل تلك القطط، عانيت أيضاً من عنف وقسوة من الكبار. كذلك شاهدت بعيني فيما بعد، كيف يُعذَّب الرجال في سجون دائرة الأمن، إذ مازالت أصوات المعتقلين الشاكية الباكية الطالبة للرحمة تصدح في روحي، ممتزجة بصراخ ضحايا طفولتي من كلاب وقطط!