فلســـفة التـــنوير 1

 

جاد الكريم الجباعي

 

 1 - عصر التنوير

آ - عصر يفكر بعقله الخاص، لا بعقل السلف

أطلق النقاد ومؤرخو الفلسفة على القرن الثامن عشر اسم "عصر الأنوار" أو عصر التنوير، ورأى فيه بعضهم عصراً من أبرز سماته "الميل إلى النفي والهدم والنقد" ( 1 ) , نفي المنظومات الناجزة، التيولوجية منها والميتافيزيقية والعقلانية، كالأفلاطونية والأرسطية والتومائية والديكارتية وغيرها، وهدمها بالنقد؛ والميل إلى استقلال الفكر النظري عن علوم الطبيعة، بخلاف مذهب ديكارت الذي جمع بين فلسفة الطبيعة وفلسفة الذهن. ومعلما هذا القرن هما نيوتن ولوك؛ فالقسم الجوهري من فكر نيوتن، أي الفلسفة الطبيعية، لا يمت إلا بصلة واهية إلى نظراته في الموجودات الروحية التي كان يميل إلى الإيمان بها بسائق التصوف الشخصي، أكثر مما كان يميل إلى اتخاذها موضوعاً لتأملات منهجية ذات ارتباط لا تنفصم عراه بعلمه الطبيعي. ولوك وضع فلسفة في الذهن تعنى بفكرة اللاتناهي وبمسالة الحرية وروحانية النفس ووجود الله، (محاولة في الفهم البشري) لا يربطها رابط جوهري بالتطور المعاصر للعلوم الرياضية والطبيعية لدى بويل أو لدى نيوتن ( 2 )

ومع أن نيوتن ظل يستنجد بـ "عقل أعلى" لتفسير ما لا يمكن استنتاجه رياضياً، (مواقع الكواكب في المجموعة الشمسية وحركة دورانها) فقد وضع أساساً مكيناً لتفسير الظاهرات الطبيعية بالعلل الكامنة فيها، ومهد لظهور نظريات جديدة في نشوء الكون وحركة المادة. فحين صاغ قانون الجاذبية الكلية لم يكن يتصور أنه وصل إلى العلة الأخيرة للظاهرات التي يفسرها هذا القانون الذي سوف يلهم كانط ولابلاس وغيرهما وصولاً إلى هيزنبرغ وإينشتاين.

قال لابلاس: "لا أستطيع إلا أن ألاحظ كم حاد نيوتن، بصدد هذه النقطة (ترتيب الكواكب) عن المنهج الذي وفق أيما توفيق في تطبيقه في نقاط أخرى .. فترتيب الكواكب هذا ألا يمكن أن يكون هو نفسه نتيجة لقوانين الحركة؟ والعقل الأعلى الذي يستنجد به نيوتن ألا يمكن أن يكون رهن ترتيب الكواكب بظاهرة أعم؟ وما هذه الظاهرة، على ما تذهب إليه ظنوننا سوى مادة متناثرة بكتل متفاوتة في لا تناهي الأفلاك .. فلنقلِّب النظر في تاريخ تقدم العقل البشري وأخطائه يستبن لنا أن العلل الغائية تتراجع فيه على الدوام إلى حدود معارفه". ويقول برهييه: لقد قبل الكثيرون بعلم نيوتن الطبيعي، وأشاحوا في الوقت نفسه، عن نظريته في ما بعد الطبيعة. ثم إن علمه الطبيعي نفسه يطالعنا بنمط من المعقولية مباين بما فيه الكفاية للنمط الديكارتي( 3 ) .

العقل الأعلى (الله) الذي كان نيوتن يستنجد به هو، بالأحرى، سؤال مفتوح يتحدى الذكاء البشري ويحفزه، (الله مبدأ معرفة، لا نهاية المعرفة، ومبدأ حرية لا قيد على الحرية، والحرية هنا ودوماً هي الفكر الذي يوجه العمل ويحدد أنماط السلوك، لا دوغما مغلقة وكتيمة ونهائية). ولقد أدرك دلامبير ذلك في رده على من اتهم نيوتن بالاستعانة بكيفيات خفية بقوله: "ما الضرر الذي أنزله (نيوتن) بالفلسفة عندما أتاح لنا أن نفترض أن المادة يمكن أن تكون لها خاصيات لا نشتبه في وجودها، وعندما حررنا من وهم ما استقر فينا من ثقة مضحكة بأننا نعرف تلك الخاصيات جميعها؟"

أجل، الله، التجريد الأعلى للطبيعة، أي للكون اللامتناهي زماناً ومكاناً، أو الروح الإنساني الكلي، المطلق، المغترب عن ذاته في الطبيعة وفي نتاجاته ومخلوقاته، سؤال مفتوح يقيم الحد على نسبية المعرفة البشرية وجزئيتها وظرفيتها ويضع قابليتها للنمو، ويكشف في كل مرة عما يعتريها من نقص وعما يلتبس بها من أوهام؛ إنه سؤال مفتوح يضع حداً بين العقل والإيمان، ويقيم الحد على إيمان العجائز، ويضع الحرية مبدأ ومسعى وغاية على طريق المعرفة التي تتجاوز نفسها وتتخطى حدودها باستمرار. المطلق حد يحد النسبي من جميع الوجوه، ويعين ماهيته، ويمنحه معنى واتجاهاً، ويضعه تحت مقولة الشكل ومنطق التشكُّل؛ و"الشكل، في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه معرفة نظرية، والمضمون، في مغزاه الأكثر عينية أيضاً، هو العقل بوصفه الماهية الجوهرية للواقع الفعلي، سواء كان واقعاً أخلاقياً أو طبيعياً". "ومن ليس في روحه وفي فكره المطلق يحول نسبيَّه إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد". فليس مصادفة أن تقترن فلسفة التنوير بمناهضة الاستبداد والطغيان. إن مفهوم العقل في فلسفة الأنوار مقترن بمفهوم الحرية لا ينفك عنه، ولعل لهذا الاقتران أثراً حاسماً في اكتساب مفهوم العقل مضامين ودلالات جديدة تنأى به عن أي شبهة تيولوجية.

القول الفصل في المعرفة الموضوعية هو للتجربة والاستقراء وحدهما ( 4 ) , وهو ما يجعلنا على الدوام أسرى الشك وعدم اليقين، لا بحكم النقص الملازم للمعرفة البشرية فحسب، بل بحكم حركة الواقع المطردة وتغيره المستمر؛ "فثمة تصادر يبعث على الدهشة بين دقة النتائج وعدم صلابة المبادئ، ولسوف يكون هذا التصادر هو الموضوع الضمني لشطر لا بأس به من فلسفة القرن الثامن عشر" ( 5 ) فلسفة الأنوار.

العبرة كلها في النتائج، نتائج التجربة العملية الحية، أما المبادئ والأسس المفترضة والنظريات و"القوانين" فقابلة للنمو والتغير والدحض؛ والأسباب الفعلية والعلل المعقولة تكمن في النتائج فحسب. ذلك لا يقلل من شأن النظرية التي تظل ضرورية لا غنى عنها، ولا يحط من شأن القانون، بصفته تجريداً نظرياً كلياً للتجربة الجزئية، بل يضع النظرية والقانون كليهما على محك التجربة العملية المفتوحة على تقدم المعرفة ونمو الخبرة، ويشير، من ثم، إلى التعارض الملازم بين جزئية التجربة وكلية القانون، وبين أفرادية الواقع وعمومية النظرية.

إذا كانت التجريبية والآلية، الميكانيكية، المشفوعتان بنزعة نقدية صارمة، تنفيان الغائية على اختلاف صورها، فإنهما تتركان دوماً مساحة معتمة تحتلها الظاهرات التي لا تستطيعان تفسيرها، فتظل التيولوجيا قابلة للحياة، يعززها ميل عميق إلى إيجاد مبدأ تنظيمي شامل يقبع خلف الأشياء المختلفة والظاهرات المتباينة، سواء كان هذا المبدأ هو الطبيعة أم الله. لذلك فإن القرن الثامن عشر يقدم لنا شهادة حية على أن التأليه، ولا سيما  تأليه الطبيعة، هو قرين الجهل، وعلامة تدل على النقص، وهذه الشهادة تنم على طبيعة ذلك العصر، عصر التحولات الجذرية الكبرى التي دشنتها الثورة الفرنسية، بما هي محصلة ذلك العصر وخاتمته.

فليس مصادفة أن يلجأ فلاسفة القرن الثامن عشر (المثاليون والماديون على السواء) إلى موضعة الله في الطبيعة وتلمس قدرته وحكمته في نظامها وفي طبيعة الأشياء ذاتها. الله حاضر حضوراً كلياً في الطبيعة التي يمكن فهم جميع ظاهراتها بالتجربة والاستقراء، فهو مبدأ الخلق المستمر والنظام الشامل، لا يخرج من دائرته شيء، وهو، على حسب ما رأى اللورد بولنغروك (1678-1751) أشبه ما يكون بملك إنكليزي يسلك دوماً وفق الأصول التي تمليها طبيعة الأشياء، فهو محدود بالقواعد التي تضعها حكمته اللامتناهية لسلطته اللامتناهية ( 6 )

لعل لهذا الميل إلى تأليه الطبيعة صلة قوية ببزوغ الفردية، وبإيلاء التجربة الفردية الأهمية التي تستحق ومنحها القيمة التي تستحق؛ "فقد باتت قواعد التفكير والعمل تُطلب في قلب التجربة الشخصية للفرد المعني وفي منطقه بالذات، فهما الحكم الأخير، ولا حاجة بهما إلى ضامن أو كفيل، فعلى الإنسان أن يتدبر أمر نفسه في وسط السديم، وأن ينظم علمه ونشاطه بالاعتماد على جهوده الخاصة" ( 7 )  . فالله هو الروح الذي يسري في الطبيعة، وفي طبيعتنا ذاتها وليس شيئاً مفارقاً ومتعالياً كالذي اخترعه دهاء الكهنة والساسة. "إن الله لكائن في الطبيعة، لا كما من قبل في التاريخ؛ كائن في العجائب والآيات التي يحللها علماء الطبيعة وعلماء الأحياء، لا كما من قبل في السريرة والطوية حيث يترافق حضوره بمشاعر الخطيئة أو السقوط أو الخلاص؛ إنه يترك للإنسان أمر مصيره الخاص.( 8 )

اقترن التأليه الطبيعي والإلحاد بكل الحركات المطالبة بالتسامح وبكل الاتجاهات الإصلاحية، واقترن كذلك بالمذهب التجريبي اقترانه بالمذهب الفردي وبسلطة العقل وحرية الفكر. "فالشعور الداخلي (جوانية الفرد) هو، على وجه التعيين، العدو اللدود لأصحاب العقيدة القويمة" ( 9 ) . في هذه الحيثية تتموضع "مشكلة الحرية"، ويغدو الإيمان ذاته مظهراً من مظاهرها، وتفصح "العقيدة القويمة"، أي عقيدة، عن حقيقتها بوصفها سلطة على ضمير الفرد؛ فبمقدار ما ينزاح الإيمان من دائرة الشعور الفردي إلى دائرة العقيدة الجمعية تتقلص الحرية وتزداد سلطة العقيدة قوة وعسفاً.

النفي والنقد والهدم، أو النفي ونفي النفي، من أبرز سمات المراحل التاريخية التي تشهد تحولات جذرية أو تمهد لها.

وللبحث صلة

 

 


1.    إميل برهييه، تاريخ الفلسفة، الجزء الخامس، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1983، ،ص5

 

2.    راجع: إميل برهييه، تاريخ الفلسفة، الجزء الخامس، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى،  1983، ص6

كانت ميكانيكا نيوتن تتميز بسمتين معاكستين تماماً لسمات العلم الطبيعي الديكارتي، هما: دقتها في تطبيق الرياضيات على الظاهرات الطبيعية، مما أفسح في المجال أمام حساب الظاهرات الكونية الكبرى (حركة الكواكب وجاذبية الأرض والمد والجزر) حساباً دقيقاً إذا ما توافرت معطياتها الأولية، وتركها هامشاً واسعاً جداً لما لا يقبل التفسير؛ على اعتبار أن هذه المعطيات الأولية لا يمكن استنتاجها رياضياً، ولم يكن لغير التجربة أن تعطيها، وهما سمتان متضامنتان، إذ كانت الأولى منهما مرهونة باختراع حساب التفاضل، وهو اللغة الوحيدة المطابقة للميكانيكا الجديدة، إذ يعبر حساب التفاضل لا عن وضع مقدار بعينه في لحظة بعينها، نظير ما تفعل الهندسة التحليلية، بل يعبر أيضاً عن كيفية تغيره شدة واتجاهاً في تلك اللحظة المحددة. بيد أن الشروط التي تجعل تطبيق هذا الحساب على الوقائع الطبيعية ليست متضمنة ،وهذه هي السمة الثانية، في هذا الحساب نفسه: فمن الممكن بسهولة أن نتخيل شروطاً معينة لو قيض لها أن تتحقق لجعلت من المحال تماماً استخدام هذا الحساب واكتشاف قانون الجاذبية. (ص 7-8)

3.    المصدر نفسه، ص 9- 10

4.    هذا لا ينفي الحدس الذي أشبه ما يكون بومضة برق أو اشتعال عود ثقاب، ولا يقلل من أهميته وأثره في تطور المعارف. ولكنه يقيم الحد على المنهج الاستنتاجي، ويعيِّن حدود موضوعيته.

5.    المصدر نفسه ص 13

6.    عن برهييه، المصدر السابق نفسه، ص 18

7.    المصدر نفسه، ص 18

8.    المصدر نفسه، ص 20

9.    المرجع نفسه، ص 26