الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

الثقافة المغايرة 

د . جابر عصفور

 

نحن في حاجة إلى ثقافة مغايرة، ينطلق هذا المبدأ من إيماني بالدور الحيوي الذي تلعبه الثقافة في المجتمع. إن الثقافة أساس التنمية، في كل جوانبها، كما أكد تقرير ''اليونسكو'' الذي نشر في كتاب بعنوان: ''التنوع البشري الخلاق''. ولقد عشنا طويلاً تحت وهم أن الاقتصاد أساس التنمية، وقيل لنا إن الصناعة أساس التنمية، ثم قيل لنا إن العلم هو أساس التقدم في كل شيء، ومن ثم أساس التنمية. ولقد أثبتت التجارب أن كل هذه الأقوال لا محل لها من الإعراب؛ لأنها لم تؤد إلى التقدم المنشود في كل مرة اعتمدت عليها الدول النامية أو المتخلفة بلا فارق كبير. فلقد أثبتت تجارب هذه الأمم، ولا تزال، أنه لا تنمية صناعية أو اقتصادية ما لم تسندها ثقافة تدعمها، وتدفع بها إلى الأمام. وبالقدر نفسه لا يمكن تطوير العلم أو مساهمته في التقدم، في مجتمعات لا تزال تؤمن بالخرافة، ولا تعترف بالتفكير العلمي منهجاً في نظرتها إلى؟ الحياة وإلى المستقبل في آن. إن الثقافة هي أساس التقدم والقوة المحرِّكة له في كل مجال، ابتداء من السياسة وليس انتهاء ببناء بنية تحتية قوية وكافية، ينهض على أسسها ازدهار العلم.

وليست كل ثقافة تدفع إلى التنمية بالطبع، فالثقافة لفظة محايدة تشير إلى أشكال الوعي الاجتماعي والقيم والأعراف والموروثات. وينطلق من هذا التعريف الأساسي التمييز بين الثقافات، فهناك ثقافة ماضوية ''مهووسة بالماضي'' وثقافة مستقبلية، كما أن هناك ثقافة منغلقة وثقافة مفتوحة. أما الثقافة الماضوية، فهي ثقافة منغلقة على نفسها، تجعل من الماضي إطارها الأوحد في القيمة، بمعنى أنها لا تستحسن أو تستقبح شيئاً إلا إذا كان له نظير قبيح أو حسن في الماضي، وفي الوقت نفسه، لا تقبل في حاضرها أي جديد إلا إذا كان له شبه في الماضي، ولذلك فهي ثقافة تمضي إلى الأمام ووجهها في قفاها، كما وصف المرحوم أحمد أمين هذا النوع من الثقافات. والتقليد هو أساس هذا النوع، وأهل السلف هم أفضل دائماً من الخلف، والماضي دائماً أكثر أمناً وإيجابية من الحاضر الذي يبدو منحدراً، دائماً، إلى الهاوية. ومفهوم التاريخ نفسه هو مفهوم أقرب إلى الخط الهابط من الأعلى إلى الأدنى، أو أقرب إلى الدائرة التي تعود حركتها إلى، حيث ابتدأت فتكتمل، كأنه لا جديد تحت الشمس، وما نقول إلا معاداً من قولنا مكروراً. ونقطة الضوء في الماضي هي عصر ذهبي، يتم تصوره في هذه الثقافة بوصفه عصراً ذهبياً يوجد في تمامه وكماله، لكنه ينحدر مع حركة البشر، أو بحركة البشر إلى أن يصل إلى الهاوية، وذلك قبل أن تأخذه دورة الوجود إلى الصعود، فتستعيد اللحظة الذهبية في الماضي أو ما يشبهها. ولذلك فما أكثر البكاء على الماضي والحنين إليه في هذه الثقافة، حتي في مجالات مأثوراتها الشعبية.

والمستقبل شيء غامض يبعث على الخوف من تأمله في هذه الثقافة التي تجد راحتها ومراحها في استعادة ماضيها، درساً وتأملاً وتحقيقاً. ولذلك لا تسمع عن شيء اسمه الدراسات الثقافية في هذه الثقافة، فكل ما يومئ إلى المستقبل ينطوي على مخاطرة، لا تخلو من المغامرة. وكل جديد بدعة متحركة في هذه الثقافة، ما ظل لا سند له، ولا شبيه، ولا أصل يقاس عليه في الماضي. والتعليم، كالعلم في هذه الثقافة، شروح أو حواش على متون أو نصوص سابقة. والعلم ليس التجريب، أو التحديث، أو التكنولوجيا، أو المساهمة في إنتاج منجزات التقدم التي أصبحت تشبه المعجزات، وإنما هو شرح المتاح بعد أن يوجد له ما يسنده في الماضي، والتديين الذي يقحم الدين في كل شيء، متجاهلاً موروثنا الإسلامي الذي يأمرنا بأن نعمل ونجتهد ما نستطيع كأننا نعيش أبداً، ونتَّقي الله كأننا نموت غداً، فضلاً عن كوننا أدرى بشؤون دنيانا. وهو إقحام يترتب عنه، أو يصاحبه، كثير من مظاهر التعصب التي تنتقل من المجالات الدينية إلى غيرها من المجالات فتؤدي إلى تعميق وتوسيع أشكال التمييز في المجتمع، عقديا وطائفيا وعرقيا ونوعا أو جنسا.

ويصاحب ذلك كله صفة الانغلاق التي هي نتيجة طبيعية لما سبقها، فالثقافة المتهوسة بالماضي تلجأ إليه عادة، أو في أغلب الأحوال على الأقل، حماية لها من احتمالات الحاضر المقلقة، أو تحديات المستقبل المخيفة. ولذلك فهي معادية للآخر المختلف؛ لأن الأصل فيها هو التشابه لا الاختلاف، والهوية لا الغيرية. و''الآخر'' تتعدد صوره في هذا السياق، فهو المختلف عنا في المذهب الديني، أو الوضع الطبقي، أو نوع الجنس، أو اللون، أو العرق. ويمتد أمر العداء للآخر إلى الثقافات الأجنبية التي تتحول إلى مصدر خطر داهم، خصوصاً حينما تقترن بالغزو العسكري، ومن ثم التبعية الاقتصادية التي تتحول إلى اتِّباع فكري.

ولا تميز الثقافة الماضوية التقليدية بين أوجه الآخر المستعمر الغازي ونظيره المتقدم الذي يمكن أن نفيد من علمه، ونأخذ عنه أخذ الواثق من قدرته على المساءلة وإعادة الإنتاج.

وبالطبع، فهذا النوع من الثقافات هو ثقافة التخلف التي تحدثت عنها في أكثر من موضع، ولا أزال أرى أننا نعيش شروط الضرورة التي تفرضها علينا، والتي تتبادل شروطها الفكرية المعنوية وشروط التخلف الاقتصادي العلمي والظلم السياسي والقهر أو التمييز الاجتماعي، فثقافة التخلف تتبادل الوضع والمكانة والفاعلية، في كل مجال من مجالات مجتمعها. والنتيجة أنها تدعم الدولة الاستبدادية، دائماً، وتتدعم بها، وتكون سنداً للتعصب والتطرف الديني اللذين يتحولان إلى تبرير لها وأرض تنمو في فضائها. وقل الأمر نفسه على بقية أشكال التفاعل وتبادل الأثر والتأثر بينها وبين التخلف في كل مظاهره.

وعلى النقيض من ذلك ثقافة المستقبل، الثقافة المفتوحة، واثقة من قدرتها الخلاقة على الإضافة، متطلعة دائماً إلى مستقبلها بما لا يقلل، أبداً، من اعتزازها باللحظات والإنجازات المضيئة في ماضيها أو تراثها.