الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

عن دور النص الإرهابي

 

 

السيد ياسين

ليس هناك شك في أن العنف الإرهابي الذي يجتاح العالم أصبح من السمات المميزة للمجتمع الإنساني ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين. فلم يعد الإرهاب ظاهرة محلية تقوم بها جماعات سياسية متطرفة أيا كانت هويتها الأيديولوجية، تريد أن تنقضّ على نظام سياسي معين لتقلبه بالقوة، وتقيم على أنقاضه نظاما سياسيا مغايرا. ولقد حدث تحول للإرهاب في العقود الأخيرة ليصبح إرهابا معولماً - إن صح التعبير يجتاح حدود الدول، ولا تقف أمامه "سدود" الأمن القومي التقليدية.

وهو بهذا يرتبط ارتباطا وثيقاً بالعولمة من زاوية سماتها الاتصالية مع جعل الاتصال المفتوح بين البشر من سمات العصر، ومع تمكن الإرهابيين من استخدام أدوات الثورة الاتصالية وخاصة الأقمار الصناعية والبريد الالكتروني وشبكة الانترنت لتحقيق غاياتهم الهدامة.

فكل يوم يتساقط في العراق مئات القتلى والجرحى جراء الإرهاب المجنون الذي يخلط خلطا معينا بين المقاومة المشروعة للاحتلال الأجنبي وضرب الشعب العراقي نفسه رجالا ونساء وأطفالا بذرائع واهية. وقد تحول الإرهاب بفعل السيارات المفخخة، والبشر المهووسين الذين يفجرون أنفسهم فعلا عشوائيا، فهو ليس موجها ضد أهداف عسكرية محددة للمحتل الغاصب، ولكنه موجه ضد الشعب العراقي نفسه!

ولا تقتصر المسألة على الإرهاب في العراق فهو يضرب في كل مكان، في السعودية وفي مصر وأخيرا في بالي بأندونيسيا، وقبل ذلك بالطبع في قلب الولايات المتحدة في أحداث أيلول الشهيرة.

وللمفارقة فان الهجوم الإرهابي على مراكز القوة الأمريكية وردود الفعل التي تمثلت في غزو أفغانستان والعراق في ما أطلق عليه "الحرب ضد الإرهاب"، أصبحت الآن احد المصادر الرئيسة في تفريخ الإرهاب انطلاقا من العراق!

محاولة للفهم والتحليل

وقد تعددت الندوات الفكرية وتراكمت البحوث العلمية التي حاولت أن تشخص ظاهرة الإرهاب وتشرح أبعادها المختلفة، وذلك بغرض التوصل إلى استراتيجيات فعالة لمقاومة تلك الظاهرة.

وفي هذا السياق أتيح لي المشاركة أخيرا في ندوة فكرية مهمة انعقدت جلساتها في مدينة الإسكندرية، حاولت أن تقدم رؤية تحليلية لظاهرة الإرهاب، وقدمت فيها بحوث قيمة، تلتها تعقيبات مهمة حاولت أن تؤصل الظاهرة بالإضافة إلى مناقشات الحضور وأسئلتهم التي ألقت بأضواء متعددة على هذه الظاهرة التي باتت تهدد السلام العالمي والأمن الإنساني.

ولفت نظري في الندوة بحث مهم حاول أن يقدم تحليلا متكاملا للخطاب الإرهابي من ناحية السمات الأساسية التي تميزه عن غيره من الخطابات الأخرى.

والواقع أن تلك النصوص الإرهابية وهي منشورة في كتب أعدها بعض الباحثين تحتاج إلى منهج متكامل لدراستها وفهمها.

ويمكن في هذا المجال تطبيق منهج سبق أن اقترحه الفيلسوف البولندي المعروف آدم شان لدراسة أي أيديولوجية أوضح معالمه في مقالة نشرها منذ سنوات بعيدة في مجلة ماركسية فرنسية معروفة هي "الإنسان والمجتمع".

ويتحدث شان في هذه المقالة عن ثلاثة مقتربات أساسية هي المقترب "التكويني" الذي يتعقب النشأة التاريخية للأيدولوجيا الإرهابية أيا كانت، والمقترب "البنيوي" الذي يحلل العناصر المكونة لها، والمقترب "الوظيفي" الذي يبيّن الأهداف المرتجاة من هذه الأيديولوجية، والوظائف المحددة التي يجب أن تقوم بها.

غير أن تحليل الخطاب الإرهابي يمثل من وجهة نظرنا خطوة تالية لخطوة لا بد أن تسبقها وهي عملية إنتاج الخطاب الإرهابي.

إنتاج الخطاب الإرهابي

السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي العوامل المتعددة التي تتضافر لتساعد على إنتاج الخطاب الإرهابي؟

وفي تقديرنا انه لفهم ظاهرة الإرهاب المعولم لا بد من تطبيق المنهج المقارن، لكي نعرف أن الإرهاب ليس مقصورا على العالم العربي والإسلامي، كما تحاول أن تدّعي بعض الأبواق الدعائية الغربية، ولكنه نشأ وترعرع في ظل مجتمعات غربية وآسيوية متعددة، وتلون بألوان شتى، لأن الجماعات التي قامت به كانت جماعات يسارية تأثرت بالماركسية بما توصي به من أن استخدام "العنف الثوري" مسألة مشروعة لقلب النظم الرأسمالية المستقلة، ومنها جماعات يمينية تتبنى أيديولوجيات محافظة تكنّ عداء لفكرة الدولة المركزية ذاتها، مثل العديد من الميليشيات العسكرية الاميركية والحركات اليمينية المتعصبة فيها. وذلك بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة التي ترى شرعية في الخروج على الحاكم الظالم لمحاربة الطغيان.

غير أن تطبيق المنهج المقارن لا بد أن يقودنا إلى حقيقة ثابتة مؤداها أن الأديان السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، شهدت في نصف القرن الماضي حركات إحياء ديني تعدت صورها وأشكالها وأسبابها، وهذه الحركات الإحيائية ارتبط بها وإن بشكل غير مباشر ظهور جماعات إرهابية تدعو لتطبيق الدين الصحيح يهوديا أو مسيحيا أو إسلاميا، وتتبنى نظرة عدائية إزاء "الآخر" المختلف دينياً.

وهناك تفسيرات متعددة لنشأة الحركات الإحيائية، ولعل من ابرز هذه التفسيرات أن فشل مشروع "الحداثة" الأوروبي الأصل في تحقيق أهدافه هو أحد الأسباب الرئيسة في بروز حركات الإحياء.

وقد عبر ببلاغة ملحوظة عالم الاجتماع الاميركي الشهير دانيل بيل عن هذه الظاهرة في مقال منشور له في "المجلة البريطانية لعلم الاجتماع" عنوانه "العودة إلى المقدس" حين أكد أن السبب هو وصول الحداثة إلى منتهاها وعدم تحقيقها السعادة للبشر من ناحية، ولم تؤد إلى تقدم التاريخ الإنساني كما زعمت من ناحية أخرى. غير أن المنهج المقارن وان كان مفيدا في فهم أسباب انتشار ظاهرة الإحياء الديني في أديان متعددة وفي رحاب ثقافات متنوعة، إلا أنه لا يصلح بذاته لفهم جوهر ظاهرة الإرهاب.

وفي تقديرنا أن التحليل الثقافي قادر بمفاهيمه ونظرياته على النفاذ إلى أعماق الظاهرة. ولعل أحد المفاهيم الرئيسة التي تستخدم في التحليل الثقافي وهو "رؤية العالم" يمكن أن يساعدنا على الفهم والتحليل. ورؤية العالم بحسب التعريف هي النظرة المجددة إلى الكون والمجتمع والإنسان.

وفي هذا السياق يمكن القول إن رؤية العالم التي تتبناها الجماعات الإسلامية المتطرفة، رؤية مغلقة تتسم بالجمود الفكري ولا ترحب بالانفتاح على العالم، وترى الآخر باعتباره الجحيم إذا استخدمنا مفردات جان بول سارتر، وهذا الآخر يمثل العدو الذي ينبغي استئصاله. وفي هذا الضوء نفهم العبارة الشهيرة لأسامة بن لادن في احد بياناته حين قرر "أن العالم ينقسم إلى فسطاطين، فسطاط الكفر الذي يمثله الصليبيون وعلى رأسهم الاميركيون وفسطاط الإيمان الذي يمثله المجاهدون في سبيل دين الله".

وهذه الرؤية المنغلقة للعالم تقوم عليها النصوص الإرهابية التي تتم على أساسها عملية تجنيد الشباب لكي يكونوا إرهابيين يطيعون أوامر "أمرائهم" بلا قيد ولا شرط، من خلال عملية "غسيل مخ" متقنة.

وبذلك نرى أن العوامل المنتجة لظاهرة الإرهاب متعددة، فهي بالإضافة إلى ما سبق عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية، تحتاج في المستقبل إلى متابعات مستقلة، لإلقاء الضوء على هذه الظاهرة المدمرة التي أصبحت اخطر ما يهدد الأمن الإنساني في الوقت الراهن.