الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

درجات "الآخر" ... في القرآن الكريم

                                                             محمد عابد الجابري

مفهوم "الأخر" مفهوم أجنبي عن اللغة العربية، واللفظ العربي القريب من هذا المفهوم هو "الغير" ومنه الغيرية التي تعني مجرد "الاختلاف"، وبالتالي فهي ليست ضرورية للوعي بالذات، كما رأينا في الفكر الأوربي .إنها في العربية تقع على مستوى الصفات فحسب، ولا ترقى إلى مستوى الجوهر كما في اللغات الأوربية، والغالب ما يستعمل لفظ "الآخر" في معنى الترتيب على مستوى التعداد، ولكن دونما أفضلية.

    ينطلق موقف القرآن من "غير المسلمين" -في البداية على الأقل- من الاعتراف بهم، لا بوصفهم "الآخر" بالمعنى الأوربي للكلمة، بل كـ "آخرين" معترف بهم، كأهل دين، وهم جميعا، بما في ذلك "الأنا"/الإسلام، متساوون أمام الله. يقول تعالى: "إن الذين آمنوا (المسلمون)، والذين هادوا (اليهود)، والنصارى، والصابئين (المجوس)، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة 62). ويعتبر القرآن النصارى –في مرحلة من مراحل تاريخهم- أقرب مودة إلى المسلمين من اليهود والمشركين: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا: اليهود والذين أشركوا. ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا: الذين قالوا إنّا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" (المائدة 82).

    وهذا الموقف الذي يمكن وصفه بـ "الغيرية الإيجابية" لم يكن يخص النصارى العرب وحدهم بل كان يعم النصارى عموما. يظهر ذلك جليا في مناسبة أخرى، حيث ينطوي الخطاب على موقف أقرب ما يكون إلى الموقف السياسي الإيجابي من الغرب المسيحي الذي كان يتمثل آنذاك في الروم (البيزنطيين). ففي القرآن: "الم، غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله، لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (الروم 1-6). إن القرآن ينتصر هنا للروم البيزنطيين، وذلك لأنهم يتبعون دينا أقرب إلا الإسلام من ديانة الفرس.

    لكن، عندما أصبح الجوار والعلاقات الاجتماعية المختلفة، كعلاقات الولاء، يطرحان مسألة رسم الحدود بين المسلمين واليهود والنصارى، المتساكنين في "المدينة"، برزت الحاجة إلى تحديد الهوية، فظهر نوع جديد من الغيرية، يؤكد على الانفصال كما في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتوَلَّهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين" (المائدة 51).

    ويرتفع الاحتكاك، من مجرد احتكاك التساكن داخل المدينة الواحدة (مدينة الرسول) إلى احتكاك بين دولة صغرى ناشئة ودولة كبرى قائمة، ذات مصالح اقتصادية واستراتيجية في المجال الذي تتحرك فيه الدولة الوليدة. وهكذا فبمجرد ما رأت الإمبراطورية البيزنطية (الروم) أن الإسلام لم يعد مجرد حركة محلية، وأنه صار دولة تهدد مصالحها في المنطقة بادرت إلى الاصطدام العسكري معه (غزوة مؤتة). ثم جاء فتح مكة، التي كانت مركزا تجاريا عالميا، فازدادت مخاوف الروم على مصالحهم التجارية والاستراتيجية فجهز هرقل، رئيس الروم، جيشا ضم إليه جموعا من القبائل العربية النازلة بالشام وفلسطين، يريد اقتحام مكة وانتزاعها من الدولة الجديدة، دولة الإسلام.

    لقد تغيرت طبيعة هذا الآخر/الروم/الغرب فكان من الطبيعي أن يتغير موقف الإسلام منه. وتأتي سورة "براءة" لتقرر "غيرية" أخرى إزاء المشركين من قريش الذين كانت تربطهم مع الرسول معاهدات نقضوها، وأيضا إزاء اليهود والنصارى الذين صاروا خصما معلنا. إنها "غيرية البراءة"، وهي غيرية استراتيجية لا لبس فيها عبر عنها القرآن في غير ما آية من السورة المذكورة. من ذلك قوله تعالى: "وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله، أنّى يؤفكون" (براءة/التوبة 31).

***

    لقد أتينا على ذكر هذه الأنماط من الغيرية، إزاء "النصارى" والروم/الغرب، كما وردت في القرآن الكريم ليس فقط من أجل الرجوع إلى الجذور الأولى لعلاقة الإسلام بالغرب، بل أيضا لأن هذه الأنماط من الوعي إزاء الآخر المسيحي/الغرب قد ترسخت في ضمير المسلمين ليس فقط من خلال علاقات الجوار وصنوف الاحتكاك التي عرفها تاريخهما على مدى خمسة عشر قرنا والتي بقيت مستمرة إلى اليوم، بل أيضا لأن ورودها في القرآن جعلها تتأسس في وعي المسلمين كحقائق مطلقة، كما هو الشأن في كل ما تقرره الكتب المقدسة، خصوصا عندما تفهم من دون اعتبار "أسباب النزول". ومن دون شك فإن ورود هذه الأنماط من الوعي بالآخر/الغرب في القرآن يفسح المجال، اليوم كما بالأمس، لتبرير المواقف التي تفرضها الأحداث والاحتكاكات وإضفاء الشرعية الدينية عليها.

    إن المجال هنا ليس مجال استعراض مواقف المسلمين إزاء الغرب المسيحي، ولا مواقف هذا إزاء الإسلام، فهي مواقف متنوعة وتاريخية محكومة بالظروف. ومع ذلك فلا ينبغي أن تفوتنا الإشارة هنا إلى أن مواقف المسلمين إزاء المسيحية كانت أقل عداء من مواقف المسيحيين إزاء الإسلام. وقد تكفي الإشارة هنا إلى أن المسيحية لا تعترف بالإسلام دينا بل تعتبره بدعة وهرطقة (=نحلة منحرفة). أما الموقف من نبي الإسلام محمد (ص) فهو أبعد ما يكون من موقف الإسلام والمسلمين من النبي عيسى. ومع أن الباحث يصادف من حين لآخر في كتب التراث الإسلامي عبارات عدائية وجارحة أحيانا، إزاء المسيحيين وإزاء رجال الدين منهم خاصة، فإن عنف العبارة بل القذف الصريح للإسلام، والمتَّـسِم أحيانا بالمبالغة وتجاوز الحدود إنما نجدهما بصورة أوسع وأوضح في التراث الغربي في القرون الوسطى، بل وفي كتابات بعض المستشرقين وغيرهم.

    باختصار يمكن القول إن "الغيرية" التي تعاملت بها أوروبا مع العرب والمسلمين هي دوما غيرية استراتيجية. وحتى أولئك الذي يفكرون في بلاد الإسلام بوصفها جزءا من "الشرق" الذي يتخذه الغرب موضوعا لأناه ، سواء من أجل السيطرة التي تحركها المصالح المادية، أو من أجل أهداف أخرى ... حتى هؤلاء وأولئك إنما يصدرون عن غيرية