الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

استرجاع الماضي في مواجهه الآخر

 

د. كريم الوائلي

 

لايمكن للتمثل الحسي ان يتحقق إلا بتوفر ثلاثة عناصر أساسية :

1.     المحسوس

2.     الحاسة

3.     أداة التوصيل بين الحاسة والمحسوس.

 

   ولو فقد أحد هذة العناصر او تعطل لا يمكن تحقق التمثل الحسي فالشجرة – على سبيل المثال الحسي البصري – يمثل المحسوس , وتمثل العين الحاسة , وتمثل إنعكاس صورة الشجرة على العين أداة التوصيل , فلو إختفت الشجرة , أو تعطلت العين , او تعذر توصيل لم يتحقق التمثل الحسي .

ويختلف عنة التخيل , لأن المخيلة تحرر من شروط الحس كلها , إذ يتم إسترجاع الصورة المختزلة فيها من دون الحاجة الى : محسوس او حاسة او أداة توصيل , غير ان المستقر الثابت - هنا – هو إستعادة الصورة المختزنة بحسيتها .

إن هناك فرقا جوهريا بين الحس والتخيل ذلك إن الأول محدود وضيق , بحيث لا يستطيع الإنسان تغييرها او إعادة تشكيلها , بخلاف التخيل الذي تسهم فيه المخيلة بإلباس الصور المختزلة بهيئات واشكال لم تكن موجودة في أصلها المادي , بل تتمكن المخيلة من إختراع هيئات وأشكال جديدة , بـمعنى ان المخيلة لها القدرة على الإعادة والتشكيل والخلق على غير مثال سابق .

وتبدو علاقة الإنسان العادي بـماضيه ميكانيكية يتم فيها إسترجاع صور الماضي للتمتع بها او التألم منها , وقوامها مجرد إستحضار – الصور – المختزنة في الذهن على وفق تتابعها في سياقاتها في الزمن .

إن الماضي ليس منفصلا عن حاضر الإنسان ومستقبله لأن وجوده الحقيقي الآني والمستقبلي مقترن به كإقتران المعلول بعلتة أحيانا , كما ان تكوينه يتشكل ويتبلور في إطار عملية من الجدل بين ذلك القريب / البعيد ( الماضي ) وما يحصل في واقعه اليوم وعلى الرغم من قدرتنا على إستعادة الماضي وإسترجاعة فإن هذة العملية تخضع لمؤثرات خارجية , الأمر الذي يجعل منة عجينة لدنة غير قابلة للثبات والإستقرار , لان الإسترجاع وان كان يستعيد صور الأشياء المختزنة فأن مثيرات الحاضر ووعي الأنسان الآني يسقطان على الصور المسترجعة من مشكلات ومعضلات وطرح أسئلة وإنتظار إجابات , ولذلك فأن هناك جدلا بـين الوعي الإنساني وواقعة وطبيعة الصور المسترجعة .

وقد يبدو الماضي كائنا ينمو ويتطور بمقدار تطور الإنسان الفكري والنفسي , لانه جزء لا يتجزأ من وجودة الحقيقي , صحيح ان البعض الناس يتوقف تطورهم النفسي والمعرفي في مرحلة معينة لا يتجاوزونها , ان لم يتراجع أحيانا .

إن دلالة الماضي أعم من أبعاده الزمنية الضيقة الى زمانية / مكانية اشمل تكتنف ما يقع فيه من احداث تأريخية أو تجارب إنسانية , وأفكار معرفية وثقافية , بمعنى إن الماضي وإن كان يقع وراءنا فأننا نحمله معنا ونقدمه احيانا على حاضرنا ومستقبلنا , ونعد إمتلاكنا له ثروة حقيقية .

إن عودتنا وإسترجاعنا للماضي يتضمن قطعا إستحضار الآخر الذي سبقنا في المعرفة والإبداع في العصر الحديث , والذي نعي تماما حتمية الإنفتاح عليه والإطلاع على منجزاتة والإفادة من تقدمة , ومعرفة أسباب تطورة وإزدهارة .

ويبدو ان هناك جدلا بين مكونين (  إسترجاع الماضي ) و ( إستحضار الآخر ) لان معرفة ذاتنا لا تتحقق في أغلب الأحيان إلا بمعرفة الغير وان وعي تخلفنا لا يدرك إلا بمعرفة تقدم الآخر .

ان تجازنا لحالات التخلف لاتتحقق بالعزلة وإغلاق النوافذ ودس الرؤوس في التراب كما تفعل النعام , وإنما يتم من خلال الثقة المطلقة بالذات ووعي الماضي – ومن ضمنه التراث – نقديا , ومن ثم مواجهة الآخر , وتعني المواجهة – هنا – التسلح بالوعي لفهم الآخر , ونقدا لتراث وتأسيس معرفة جديدة , وإرساء قواعد لحضارة متطورة .

إن الإنفتاح على الآخر لا تعني تماهيا معه , بحيث نلغي الخصائص الفردية والحضارية للإنسان والأمة , وإنما محاولة الإستفادة لما يؤسس لأفكار التقدم ويسهم بشكل فاعل في ترسيخ المبادئ والقيم العقلانية .