الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

قداسة الرقـــمين (7) و(12

سيد القمني

 

ويلحظ الباحثون أن رقم (7) قد أحيط بهالة كبرى من التقديس في الديانات السامية الكبرى، فقصة الخلق التوراتية تقول: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح من عناء عمله في اليوم السابع، لذلك تقدس اليوم السابع الذي اعتبروه يوم السبت، من (شباث) أو الثبات والسكون، لذلك لا يعمل اليهودي يوم السبت ويقلل من حركته ما أمكن، واعتقد اليهود بأن المحافظة على قدسية اليوم السابع مجلبة لرضا الإله ولحسن الحظ، وأن أنتهاكه نذير شؤم ودمار، ثم انصرف ذلك التقديس إلى مواضيع شتى يشغل فيها الرقم (7) مكاناً بارزاً فتحدثوا عن أعمار الإنسان السبعة، وما للقطط من السبع أرواح ... الخ، ثم جاءت المسيحية لتستمر في تقديس ذات الرقم، وتحدثنا عن الخطايا السبع المميتة، وسيوف الحزن السبعة في قلب العذراء، وأبطال المسيحية السبعة، مع تقديس اليوم السابع الذي أصبح يوم الأحد، وكلها لدى المؤمن المسيحي أمور واضحة ومعقولة لمجرد أنها سبعة وكفى بذلك سبيلا.

أما القرآن الكريم، فقد قال بقصة الخلق ذاتها، لكن الإسلام خالف كلا المعتقدين في يوم الراحة المقدس، وكرس له يوم  الجمعة الذي كان يعرف باسم يوم العروبة، ثم أفسح مجالا فسيحا للرقم (7) وهو ما نجد نماذج له في الآيات الكريمة:

-         "ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات" (29/البقرة)

-         "كمثل حبة أنبتت سبع سنابل" (261/ يوسف)

-         وقال الملك: إني أرى سبع بقرات" (43/ يوسف)

-         "سبع سنبلات خضر وآخر يابسات" (43/ يوسف)

-         "ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق" (17/ المؤمنون)

-         "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن" (12/ الطلاق)

-         "سخرها عليهم سبع ليال" (7/ الحاقة)

-         "ولقد أتيناك سبعاً من المثاني" (87/ الحجر)

-         "لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم" (44/ الحجر)

-         "والبحر يمده من بعده سبعة أبحر"  (27/ لقمان)

ومع الميل للمبالغة يصل التقديس من السبعة إلى السبعين، كما في عدد السبعين إسرائيلياً الذين اختارهم موسى لمقابلة الإله (يهوه) في جبل سيناء، كذلك السبعون تابعاً للمسيح، وهو ما يجد صداه في الآيات الكريمة من قبيل:

-         "في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا"  (32/ الحاقة)

-         "فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لميقاتنا" (155/ الأعراف)

-         "إن تستغفر لهم سبعين مرة قلن يغفر الله لهم" (80/ التوبة)

أما الحسنات السبعين فمتكررات في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة.

أصــل الأســبوع

من غير المعلوم يقيناً السر في تقديس الرقم (7) وقد وضع بسبيل ذلك عدة احتمالات، منها أنه عدد تام لا يقبل القسمة إلى على نفسه، وقيل إن الجذر (سبع) لغة يعني الكفاية والتمام والامتلاء، وهو بالعبرية (شبع) أي امتلأ، ثم هو يعني القسم المغلظ، كما في حادثة بئر سبع التي أقسم عندها إبراهيم وأهل فلسطين، وتسمى لذلك بئر القسم، كما تعني أيضاً رقم (7) لأنهم ذبحوا عندها سبع نعاج، أما السبع – الأسد – فهو ملك الحيوانات وأكملها وأجلها شأناً. ولما كانت الباء تتبادل مع الفاء في اللغات السامية، باعتبار أن كلتيهما من الحروف الشفاتية، فقد تحولت سبع وشبع لتصبح شفع، علامة على الأرباب الشفعاء في الجاهلية، أما الإسلام فقد ألغى جميع الشفاعات وأبقى على شفاعة واحدة للمصطفى – صلى الله عليه وسلم.

لكن بعد التأمل والتدقيق، يمكن أن يطلعنا على السر وراء كل ما أسبغ على الرقم سبعة من هالات قدسية، لنكتشف أنه ليس لخاصية فيه، بقدر ما كان ناتجاً عن تقديس الساميين القدماء، وبخاصة أهل الرافدين للكواكب السيارة الخمسة مع النيرين الكبيرين الشمس والقمر وعددهم سبعة.

وكان للقمر بالذات في البداوة وليل الصحراء مكانه المتميز، لذلك كان ألصق بخيال البدوي من الشمس المحرقة خاصة في ليل الصحراء، مع السحر القمري المبهر المتمثل في تحولاته ما بين هلال وتربيع وبدر محاق.

وقد لاحظ الساميون القدماء أن تحولات القمر تنقسم إلى قسمين متساويين، من ولادته إلى تمامه بدراً أربعة عشر يوماً، ومن ظهوره بدراً إلى محاقه أربعة عشر يوماً، والأربعة عشر يوماً ينقسم إلى قسمين متساويين 7 + 7، ومن هنا وصلوا إلى تقسيم الزمان بمعرفة معنى الأسبوع، الذي هو وربع الشهر القمري، وقد قرن البابليون المتفوقون في دراسة الأفلاك تلك النتيجة بالسيارات الخمس المعروفة آنذاك: المشترى (الإله مردوخ) والزهرة (الإلهة عشتار)، وزحل (الإله نيناب) وعطارد (الإله نابو) والمريخ (الإله نرجال) مع الشمس (الإله شماس) والقمر (الإله سين) (وعددهم جميعاً سبعة آلهة)، لينتهوا إلى وضع الزمن في أسابيع على عدد الآلهة السماوية السبعة، وكانت أعظم الآلهة في المعتقدات الرافدية، وغنى عن الذكر أن هياكل بلاد الرافدين كانت هياكل لعبادة تلك الأجرام، كما كانت في الوقت نفسه مراصد فلكية ومحلاً لدراسة الأفلاك ومتابعتها.

ولعل القارئ سيلحظ معنا أن السنة تتكون من (52) أسبوعاً، ولو جمعنا طرفي الرقم 2 + 5 سيعطينا النتيجة (7).

والخلاصة من كل ذلك أن تقديس الرقم (7) يعود أصلاً إلى تقديس الآلهة الكوكبية السبعة العظمى المعروفة بالإلهة مقررة المصائر، وقد تمت عبادة كل إله من تلك الآلهة في يوم سمي باسمه، وقد ترك ذلك التقديس القديم أثره في أسماء تلك الأيام حتى اليوم في أسماء الأيام الأفرنجية، التي تعود إلى أصول سكسونية قديمة، فيوم الأحد كان يوم عبادة الشمس، وكان في السكسونية sund's day الذي جاء منه اسم يوم الأحد Sunday ويم الاثنين المكرس لعبادة الإله القمر اسمه Monday وقد أخذ من الأصل السكسوني Moond's day أما الثلاثاء الذي كان مكرساً لعبادة إله الحرب، وهو عند السكسون الإله Tiwes فقد جاء منه اسم يوم الثلاثاء Tiwesday كذلك شأن الأربعاء الذي كرس لعبادة الإله ودن Woden ومنه جاء اسم يوم الأربعاء Wednes day، ثم يوم الخميس يوم إله الرعد الصاعقة Ther ومنه جاء اسم الخميس Thurs day، أما الجمعة المنسوبة للإله Friga فاشتق منه الاسم Fri day، لينتهي التقسيم بيوم عبادة الإله زحل Satern الذي اشتق منه اسمه اسم يوم السبت Satur day.

الــــرقم 12

وهكذا كانت عبادة الأجرام السماوية هي الأصل والمنشأ لمقدسات ظلت تفرض وجودها في تاريخ الإنسانية حتى اليوم، وهو الأمر الذي قصدنا بيانه من خلال التوضيح العاجل السالف، لنصل إلى عدد تلامذة المسيح وحوارييه، إلى العدد (12)، وهو ما جاء في سؤال الأستاذ خليل بخطأ من قبيل السهو فقال: إن عددهم ثلاثة عشر.

والرقم (12) أحيلت إليه أعداد مقدسة الأشخاص مقدسين، فتلامذة المسيح من غير اليقيني أبداً أنهم كانوا أثنى عشر حوارياً،  لكن كتاب الأناجيل ضبطوا عدد التلاميذ مع العدد المقدس، وكذلك فعلت التوراة عندما جعلت أبناء يعقوب – إسرائيل المعروفين بالأسباط اثني عشر ولداً هم بنو إسرائيل، وفي الجلجال بفلسطين كان يقوم اثنا عشر عموداً مقدساً من سالف الأزمان، كذلك كانت مجالس الأمفكتيون المشرفة على المعابد اليونانية تتكون من أثني عشر عضواً، وكذلك كان عدد أعضاء مجلس معبد دلفي المشهور في اليونان، أما يسوع المسيح فقد أظهر تفوقه العقلي وهو يناهز الثانية عشرة، عندما كان يواجه كهنة الهيكل ويفحمهم (أنظر مثلاً إنجيل لوقا2/ 47).

وكما كانت قدسية الرقم سبعة قد فرضت نفسها حتى أصبحت أشواط الحج سبعة، ليدور المؤمن حول المركز المقدس، كما تدور الكواكب السيارة حول مركزها الإله الكبير الشمس، فقد جاء كذلك تقديس الرقم (12) من ذات المصدر القديم، فالمنازل السماوية للكواكب الإلهية المعروفة بالبروج عددها اثنا عشر برجاً، فالعدد (12) هو رسم البروج، أي عدد علامات الزودياك، وكما كانت الآلهة السبعة تسكن البروج الاثنى عشر الفلكية البابلية القديمة، فقد تم إسكان أسابيع الزمن في اثنى عشر شهراً وهي عدة شهور السنة عند الله.