الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

مأساة إبليس

صادق جلال العظم

 “I am the spirit that ever denies”

"فاوست" لغوته 

تمهيد

لو حاولنا أن نحدد المشاعر الرئيسية التي عبّرت بها الأديان الساميّة الثلاثة عن علاقة الإنسان بالإله لوجدنا أنها تنحصر في المحبة والخوف والكراهية: محبة الله، والخوف من جبروته وعقابه، وكره عدوه إبليس. عالج المفكرون الدينيون هذه المشاعر وأفردوا لها الصفحات والكتب، وكانت أقوالهم عن إبليس تتراوح بين المحاولات "الجدية" لمعرفة المكانة التي يحتلها في نظام الكون وتحديد علاقته بالإله، واستقصاء الغاية التي وجد من أجلها، وبين مجرد الاستفاضة في شرح تلبيسه على البشر وتلقينهم التعاليم والتعاويذ المعروفة بغية إبعاده، واتقاء شره. لا شك أن كل واحد منا يحمل في مخيلته صورة معينة عن شخصية إبليس ورثها كجزء لا يتجزأ من ثقافته التقليدية وتربيته الدينية. ولا أجدني مضطراً لأن أسترسل طويلاً في إعادة هذه الصورة إلى الأذهان، لأنها معروفة جيداً لدى الجميع. كان إبليس من المقربين بين الملائكة وكان له شأن عظيم في نظام الملأ الأعلى، إلى أن عصى أمر ربه فطرده من الجنة، ولعنه لعنة أبدية، فأصبح بذلك تجسيداً لكل ما هو شر، وجمع في ذاته كافة الخصائص التي تنتفي عن الله. ونلاحظ هنا أن اسمه يدل على جوهره وهو "الإبلاس"، أي اليأس التام من رحمة ربه، ومن العودة إلى الجنة (وفقاً للتفسيرات الإسلامية التقليدية لمعنى الإبلاس). ومن منا لا يعرف المثل الذي يُضرب بأمل إبليس في الجنة، دلالة على الأمل الضائع كل الضياع. تدل كلمة "إبليس" عند الجميع على الدس والفتنة والوسوسة والافساد والعصيان، وما إليه من الصفات الشنيعة والقبيحة التي جسدها خيال البشر في شخصية واحدة هي الشيطان. وعلى مر العصور أضفت مخيلة الانسان قوى كبيرة، وقدرات عظيمة على إبليس: منها الطاقات الفكرية الخلاقة، والقوى الفنية المبدعة، ومنها القدرة على القيام بخوارق الأعمال، وعجائب الأفعال، حتى أصبح إبليس يلي الإله مباشرة من حيث قوته ومنجزاته. وقد ألف الإمام جمال الدين بن الجوزي كتاباً سماه "تلبيس إبليس"(2) . أحاط فيه بالطرق التي يلبّس بها إبليس على البشر فيبعدهم عن طريق الصلاح، والطريف في هذا الكتاب أنه لا يرسم لنا الصورة التقليدية الشائعة لشخصية إبليس فحسب، وإنما يسبغ عليه، من حيث لا يعلم ولا يدري، قوى خلاقة مبدعة تثير الاعجاب والتقدير. وعلى سبيل المثال يعزو ابن الجوزي معظم الحركات الدينية والفكرية الكبرى التي قامت في تاريخ الحضارة الإسلامية إلى عمل إبليس، ويجعله مسؤولاً عنها، فيحوله بذلك إلى فيلسوف كبير، ومتكلم قدير. يقول إمامنا المحترم أن السفسطائية، والدهرية، والطبائعية، وأديان الشرق الأقصى، والمسيحية، وعلم الكلام، وفرقة المعتزلة هي من أعمال إبليس، ونتيجة لتلبيسه على المفكرين والعلماء(3) . كما أنه يرد حركة الخوارج والرافضة والزهد والتصوف إلى تلبيسه على ائمة هؤلاء القوم، بما فيهم، أبي طالب المكي، والإمام الغزالي(4). ويقول عن بعض الآراء الفلسفية ما يلي:"إن أرسطو طاليس وأصحابه، زعموا أن الأرض كوكب في جوف هذا الفلك، وأن في كل كوكب عوالم كما في هذه الأرض، وأنهاراً، وأشجاراً... فانظر إلى ما زينه إبليس لهؤلاء الحمقى مع ادعائهم كمال العقل"(5). كما أنه يقول عن تلبيس إبليس على أهل اللغة والأدب ما يلي:"قد لبّس على جمهورهم، فشغلهم بعلوم النحو واللغة من المهمات اللازمة التي هي فرض عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات، وما هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح القلوب"(6).

نستنتج إذن، أن الفكرة الشائعة عن مقدرة إبليس لا تنحصر في مجرد اعتباره مصدر إغواء الناس عن سلوك الطريق القويم، بل تتعدى ذلك لتشمل قوى واسعة، وقدرات عظيمة لو أخذناها بعين الجد، لظهر لنا أن إبليس يسيّر قسماً كبيراً من مجرى الأحداث، ويعتبر مسؤولاً عن معظم الحركات الفكرية والفنية والسياسية في تاريخ الحضارة.

بعد هذه المراجعة السريعة للصورة التقليدية الشائعة عن إبليس، وسلطانه، أريد أن أبين أن هدف هذه الدراسة هو إعادة النظر في قصة إبليس، ودراسة شخصيته وموقفه، ومسؤوليته ومصيره على ضوء جديد يختلف عما ألفناه من عقائد وأفكار سيطرت على تصورنا لهذا المخلوق. أما المراجع الأولية التي سأعتمد عليها فهي الآيات القرآنية التي تروي لنا قصة إبليس وسيرته وبعض المؤلفات التي تركها لنا المفكرون المسلمون الذين اهتموا بإبليس وشخصيته، وعصيانه، ووظيفته، ونهايته.

ولكن قبل أن أدخل في صلب الموضوع، أريد أن يتضح للجميع أن بحثي يدور في إطار معين، لا يجوز الابتعاد عنه على الاطلاق، ألا وهو إطار التفكير الميثيولوجي – الديني الناتج عن خيال الانسان الاسطوري وملكاته الخرافية. إنني لا أريد معالجة قصة إبليس باعتبارها موضوعاً يدخل ضمن نطاق الايمان الديني الصرف، ولا أريد أن أتكلم عنه باعتباره كائناً موجوداً وحقيقياً، وإنما أريد دراسة شخصيته باعتبارها شخصية ميثيولوجية، أبدعتها ملكة الانسان الخرافية، وطوّرها وضخمها خياله الخصب. عند التفكير بموضوع إبليس، أجد نفسي واقفاً وجهاً لوجه أمام تراث ميثيولوجي – ديني عريق في قدمه وتاريخه. وجل ما أريد تحقيقه هو دراسة إحدى الشخصيات الرئيسية التي انحدرت إلينا مع هذا التراث، شرط أن نبقى ضمن حدود المعطيات البديهية للتفكير الميثيولوجي وبدون أن نخرج عن مسلماته الأولية.

ومن هنا، يجدر بي أن ألفت الانتباه إلى أن الفكرة المسبقة والشائعة عن الاسطورة، وعن أهميتها بعيدة قليلاً عن حقيقة الدور الذي تلعبه الأساطير في حياة الانسان، وفي تركيب حضارته. لقد اعتدنا أن نقول عن أمر ما أنه من باب "الأساطير والخرافات"، لنحط من شأنه ونبعد أذهان الناس عنه، ولننفي عنه صفات الواقعية، والموضوعية، ولنبين أنه مجرد وهم وخيال. لذلك أرى أنه لا بد من الاستطراد ولو قليلاً في شرح بعض الحقائق الهامة عن طبيعة الاسطورة، وعن أهمية التفكير الميثيولوجي بالنسبة للانسان والمجتمع.

عرّف الفلاسفة الانسان بأنه "حيوان ناطق"، وإذا كان الانسان حيواناً ناطقاً، فلا شك كذلك بأنه "حيوان خرافي". فكما أنه الحيوان الوحيد الذي يتصف بالنطق، فإنه الحيوان الوحيد الذي ينسج الخرافات والأساطير ويحولها إلى ميثيولوجيات معقدة، يؤمن بها إيماناً جازماً، كما لو كانت حقائق واقعة لا ريب فيها. التفكير الاسطوري إذن صفة جوهرية من صفات الانسان، ووجه هام من أوجه نشاطه العقلي بالمعنى الواسع للعبارة. لذلك وجه الكثيرون من الباحثين اهتمامهم إلى دراسة نشاط الانسان الخرافي، لما يكشفه من الحقائق الأساسية عن الانسان وعن مجتمعاته وقدراته وثقافاته وحضاراته. وعلى سبيل المثال عندما أتكلم في هذا البحث عن "مأساة إبليس"، لا بد أنكم ترجعون في أذهانكم إلى الارتباط العضوي القديم بين المأساة والدراما من جهة، وبين الميثيولوجيا والتفكير الأسطوري من جهة أخرى. كما أن إعادة النظر في هذه الشخصية الاسطورية التي درجنا على تسميتها بإبليس ستتفتق عن أبعاد ونتائج هامة بالنسبة للدين، والفن والفلسفة. وقد بذل الباحثون جهوداً كبيرة لشرح العلاقات والارتباطات العضوية بين التفكير الأسطوري وبين الابعاد الدينية والفنية والفلسفية لأية معضلة من المعضلات الكبرى التي يواجهها الانسان. الميثيولوجيا بحد ذاتها كانت ولا تزال ديناً بالقوة وفلسفة بالقوة، لأنها تحتوي في قالبها المرن غير المحدد الأطراف والأبعاد على عناصر المواساة والتعزية الضرورية لكل دين، وعلى خصائص التعبير الفني الخلاقة والاستجابة الجمالية للمؤثرات التي تحيط بالانسان، وعلى نزعة نحو تعليل الأحداث وتفسير الوجود والتساؤل عن أصله وغايته. بالاضافة إلى ذلك، كانت الأسطورة ولا تزال الوسط الذي واجه الانسان فيه مشكلاته الكبرى والدائمة كالموت، والمصير، والشر، وأصل الأسياء وغايتها ومعناها. لذلك كان التفكير الميثيولوجي يشكل دوماً قوة حضارية خلاّقة يغرف منها الفكر الديني والتأمل الفلسفي والتعبير الفني باستمرار. وزيادة في الإيضاح سأستشهد بنص كتبه الفيلسوف الإلماني إرنست كاسيرر الذي يعتبر من الرواد الذين درسوا طبيعة الأسطورة، وبينوا علاقتها الجوهرية بباقي أوجه النشاط العقلية، والروحية، والفنية عند الانسان. يقول كاسيرر في تحديده لعالم الأسطورة، وهو العالم الذي حصرت نفسي فيه في هذا البحث، ما يلي:

"فعالم الأسطورة، عالم درامي – عالم أعمال وقدرات وقوى متصارعة، والأسطورة ترى هذا الاصطدام بين تلك القوى في كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة. والادراك الأسطوري مفعم دائماً بهذه الخصائص العاطفية، فكل ما يرى أو يحس محاط بجو خاص – جو من الفرح أو الحزن أو العذاب أو الهياج والاستبشار والغم. في حال الأسطورة لا نستطيع أن نتحدث عن "الأشياء" باعتبارها مادة ميتةأو هامدة، فكل شئ ثمة خيّر أو شرير، صديق أو عدو، مألوف أو غريب، جذاب معجب أو منفر متوعد"(7).

سأختتم هذا الجزء التمهيدي من بحثي بالتأكيد على أن كلامي عن الله وإبليس والجن والملائكة، والملأ الأعلى لا يلزمني على الاطلاق بالقول بأن هذه الأسماء تشير إلى مسميات حقيقية موجودة ولكنها غير مرئية. إن تركيب اللغة يتطلب مني بطبيعة الحال أن أكتب وأتكلم بطريقة معينة توحي في الظاهر وكأن الشخصيات التي أذكرها موجودة بالفعل، ولكن يجب ألا يخدعنا هذا الوهم اللغوي، فلو كنت أكتب عن الأمير هملت مثلاً فلن يعتقد أحد منكم بأن لهذا الاسم مسمى خارج نطاق التراث الأدبي الذي تركه لنا شكسبير. كما أنه عندما نقول "قتل هملت عمه"، فإننا لا نعتقد بأن مثل هذه الحادثة وقعت فعلا في تاريخ الدانمرك. كذلك عندما نقول "طرد الله إبليس من الجنة"، يجب ألا نظن بأن مثل هذه الحادثة وقعت في تاريخ هذا الكون، لأن مغزى هذا الكلام ومعناه يكمن في كونه رمزاً لا في كونه وصفاً لإحداث وقعت بالفعل.

القسم الثاني

إذا رجعنا إلى المصادر التي قلنا أننا سنعتمدها في دراستنا لقصة إبليس نجد أن سيرته تبدأ بوصف لمكانته المرموقة في نظام الملأ الأعلى وعرض للمنزلة الرفيعة التي كان يتمتع بها بين الملائكة قبل طرده من الجنة. يقول الإمام عز الدين المقدسي في كتابه "تفليس إبليس"، مخاطباً الشيطان:

 

"وأنت الذي خلقك الله بيد قدرته، وأطلعك على بدائع صنعته، ودعاك إلى حضرة قربته، وألبسك خلع توحيده، وتوّجك بتاج تقديسه وتحميده، وجعلك تجول في مجال ملائكته، يقتبسون من نورك، ويستأنسون بحضورك، ويهتدون بعلمك، ويقتدون بعملك، فما برحت في الملأ الأعلى، تشرب بالكأس الأملى، وتتلذذ بالخطاب الأحلى، طالما كنت للملائكة معلماً وعلى الكروبيين مقدماً"(8).

ومن ثم تصف لنا الآيات القرآنية ماذا حدث لإبليس وكيف عصى ربه فلعنه إلى يوم الدين، وطرده من الجنة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) – البقرة :30-34.

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ *فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ *قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ*قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ*وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ*قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ*قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ*إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ *قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) – الحجر: 28-40

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ *قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ) الأعراف: 10- 17

تبدو قصة إبليس، كما وردت في هذه الآيات، بسيطة في ظاهرها، لقد أمره الله أن يقع ساجدا لآدم فرفض وكان ما كان من شأنه، غير أنه لو أردنا أن نتجاوز هذه النظرة السطحية إلى مشكلة إبليس لرجعنا إلى فكرة هامة قال بها بعض المسلمين وهي التمييز بين الأمر الالهي وبين المشيئة، أو الإرادة الإلهية، فالأمر بطبيعة الحال، إما أن يطاع وينفذ، وإما أن يعصى، وللمأمور الخيار في ذلك. أما المشيئة الإلهية فلا تنطبق عليها مثل هذه الاعتبارات لأنها بطبيعتها لا ترد، وكل ما تتعلق به المشيئة الإلهية واقع بالضرورة. لقد شاء الله وجود أشياء كثيرة غير أنه أمر عباده بالابتعاد كما أنه أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم أن يحققوا أشياء أخرى(9).ً لذلك باستطاعتنا القول بأن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولكنه شاء له أن يعصي الأمر، ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجداً لوقع ساجداً لتوه، إذ لا حول ولا قوة للعبد على رد المشيئة الإلهية. إذا نظرنا إل الأمور من هذه الزاوية بامكاننا أن نعتبر الأمر والنهي أشياء طارئة وعرضية إذا قيست بسرمدية المشيئة الربانية، وقدم الذات الإلهية.

عندما نعيد النظر في الآيات القرآنية التي أثبتها في الصفحات السابقة يتبين لنا أن الله أراد للملائكة "أن يسبحوا بحمده ويقدسوا له"، ويقول الطبري في تفسيره الشهر أن "التسبيح والتقديس" هما توحيد الله وتنزيهه، وتبرئته مما يضيفه إليه أهل الشرك به(10) وبعبارة أخرى يشكل التوحيد واجب الملائكة الأول والمطلق نحو خالقهم، ولذلك نراهم منغمسين في أدائه بكل كيانهم ووجودهم، أما بقية الواجبات المفروضة على الملأ الأعلى فتعتبر عرضية وثانوية بالنسبة للواجب المطلق الذي ينبع من المشيئة ا؟لإلهية نفسها.

بعد أن بينا الفارق بين الواجب المطلق نحو الله، وبين واجبات الطاعة الجزئية لأوامر الرب بامكاننا أن نميز الأمور التالية في جحود إبليس:

1- لا شك أن إبليس خالف الأمر الإلهي عندما رفض السجود لآدم، غير أنه كان منسجماً كل الانسجام مع المشيئة الإلهية، ومع واجبه المطلق نحو ربه.

2- لو وقع إبليس ساجداً لآدم لخرج عن حقيقة وجوده وعصى واجبه المطلق نحو معبوده. أراد الله للملائكة أن يقدسوه وأن يسبحوا باسمه، لذلك كان السجود لآدم وقوعاً في ما يضيفه أهل الشرك إلى الذات الصمدية مما هي منزهة عنه، إذ أن السجود لغير الله لا يجوز على الاطلاق لأنه شرك به. في الواقع يثير اختيار إبليس سؤالاً هاماً جداً هو: هل تكمن الطاعة الحقيقية في الاذعان للأمر أم في الخضوع للمشيئة؟ هل يكمن الصلاح في الانصياع للواجب المطلق أم لواجبات الطاعة الجزئية؟ لو كان الجواب على هذا السؤال بسيطاً وواضحاً لما وجدت المأساة في حياة الانسان، ولما وجد إبليس نفسه في هذه المحنة، ولما وقع بين براثن الأمر والمشيئة، نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في أصفى معانيه، وأنقى تجلياته، وكأن لسان حال إبليس يقول:"جبين سجد للأحد لا يذل في الوجود لأحد"(11). وعبر شهيد الصوفية الحلاج عن هذه الحقيقة في كتاب "الطواسين" بالكلمات التالية: "موسى عم وإِبليس على عَقَبَةِ الطور ، فقال له " يا إبليس! ما مَنَعَك عن السجود؟" – فقال منعنى الدعوى بِمَعْبُودٍ واحدٍ ، ولو سجدتُ لَهُ ، لكُنْتُ مثلك ، فأنك نُوديت مرّةً واحدةً "انْظُرْ ، إلى الجبل" فَنَظْرتَ ، ونُوديتُ أَنا ألفَ مرّةٍ أّن اُسْجُدْ فما سَجَدْتُ لدعواى بمعناى"(12).

3- برر إبليس رفضه السجود لآدم تبريراً منطقياً واضحاً، إذ قال: (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). وبالاضافة إلى ذلك تتضمن الآيات القرآنية التي أشرت إليها تبريراً خفياً لرفض إبليس وهو معرفته المسبقة بأن آدم وذريته سيعيثون في الأرض فساداً ويسفكون الدماء، وكان هذا شعور الملائكة أجمعين، عندما قالوا لربهم: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). أي كانت الملائكة، بما فيهم إبليس، على علم بما سيرتكبه آدم وذريته من الكبائر والمعاصي، فاستكبرت واستعظمت أن يخلق الله من يعصيه ويسفك الدماء.

عند إمعان النظر بحجة إبليس الأولى، التي تتألف من مفاضلته بين جوهره (النار)، وبين جوهر آدم (الصلصال)، نجد أنها لم تكن استكباراً وفخاراً بقدر ما كانت استذكاراً لحقيقة أساسية شاءها الله وأوجدها على ما هي عليه. وهذه الحقيقة هي أن الله لم يخلق الطبائع على درجة واحدة من السمو والكمال وإنما ميّز بينها، ليس من حيث خصائصها الطبيعية والمادية فحسب، بل من حيث درجات كمالها ورفعتها أيضاً. وبناء عليه ففي إمكاننا أن نصنف الكائنات والأنواع في نظام تقديري معين، يبدأ بالكمال المطلق ذاته، ثم يتدرج بالأنواع هبوطاً كل حسب درجة كماله التي أسبغها الله عليه إلى أن نقترب من العدم باعتباره الحد الذي نقف عنده. ولا ريب أن النار بطبيعتها وجوهرها تحتل مرتبة أسمى وأرفع في هذا الترتيب من المرتبة التي يحتلها الصلصال. بعبارة أخرى تنطوي مفاضلة إبليس بين جوهره وبين جوهر آدم على نظرة فلسفية معينة لنظام الكون وترتيب الطبائع وفقاً لدرجات الكمال التي تتصف بها. لذلك كان إبليس على حق في جوابه، لأن الخالق جعل الأشياء على ما هي عليه من درجات الكمال والسمو، وأمر السجود لآدم يشكل مخالفة صريحة لهذا النظام، وخروجاً على الترتيب الذي شاءه الله وأوجده. فإذا كان جوهر إبليس أرفع في سلم الكمالات من جوهر آدم فلن تستطيع النار عندئذ أن تذل للصلصال إلا بالسير في اتجاه مضاد لطبيعتها ومناف لدرجة الكمال التي أسبغها الله عليها، وهذا أمر محال ما لم يطرأ تحول جذري على المشيئة الألهية فتغير ترتيب الطبائع عما كانت عليه منذ أن أوجدها الله. لقد أمر الله إبليس بشئ، وشاء له تحقيق شئ آخر، لذلك سنرى فيما بعد أن أمر السجود لم يكن أمر مشيئة، وإنما كان أمر ابتلاء. ومن الطريف أن نلاحظ بهذا الصدد أن التحول الذي لحق بإبليس بعد طرده من الجنة، لم يمس جوهره، وإنما جرى على صفاته، وأحواله، فتشوهت صورته، وأصبح لعيناً رجيماً. عبّر الحلاج بطريقته الخاصة عن هذه الحقيقة في المحاورة التي مر ذكرها بين موسى وإبليس، حيث يبين إبليس لكليم الله أن التغير الذي أصابه والتشويه الذي نزل به كانا في الأحوال الظاهرة والزائلة فحسب، ولم يمسا جوهره الدائم، ومعرفته الثابتة لأحكام المشيئة الإلهية، قال موسى لإبليس:" فقال لَهُ "تَرَكْتَ الأَمْرَ؟" فقال "كان ذلك ابتلاءً لا أَمْراً" – فقال له "لاجَرَمَ قَدْ غيَّرَ صورتَك" –قال له "يا موسى ذا وذا تَلْبيِسٌ ، والحال لا مُعَوَّل عليه فإنَّهُ يَحُولُ ، لكن المعرفة صحيحة كما كانتْ، وما تَغَيَّرَتْ ، وإِنْ الشخْص قد تَغَيَّرَ ".(13).

أما الحجة الثانية التي برر بها إبليس رفضه السجود لآدم فكانت تستند إلى علم الملائكة بأن آدم وذريته سيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فكيف يسجد من كان غارقاً في التوحيد والتسبيح والتقديس ومن كان أمام الملائكة وخطيب الكروبيين لمخلوق سيفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ يلخص الحلاج هذه الناحية من الموضوع بقوله:

قال الله لإبليس: "لاتسجد؟ يا أيُّها المهين! " قال "مُحِبّ ، والمحِبُّ مَهِينُ ، إنَّك تقول "مَهين" ، وأنا قرأتُ فى كتابٍ مُبين ، ما يجر عليّ يا ذا القوَّةِ المتين ، كَيْفَ أذل لَهُ وقد خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طينٍ، وهُما ضِدَّان لايتوافقان ، وإنِّي فى الخدمَةِ أَقْدَم، وفى الفَضْلِ أَعظَم، وفى العِلْم أَعْلَم ، وفى العمر أَتَمُّ "(14).

نستخلص إذن أن قصة إبليس كما وردت في الآيات القرآنية التي ذكرناها ليست بالبساطة التي كنا نتخيلها، إنها ليست قصة الصراع بين الخير والشر ، والحق والباطل. وقع إبليس بين شقي الرحى، رحى المشيئة من ناحية، ورحى الأمر من ناحية أخرى، فكان عليه أن يختار اختياراً مصيرياً بين واجبه المطلق في التقديس والتوحيد والتسبيح، وبين واجبات الطاعة الجزئية التي أمره بها الله، فجاءت محنته مفعمة بالعناصر الدرامية والمأساوية.

قبل أن أستمر في استخلاص النتائج المترتبة على هذا التصور لمحنة إبليس، أجدني مضطراً للرد على الدعوى التي قال بها العقاد في كتابه "إبليس". تتلخص دعوى العقاد في محاولة للدفاع عن النظرة التقليدية السطحية إلى شخصية إبليس واعتباره مجرى كائن عصى أمر ربه فطرده من الجنة. لذلك يرفض العقاد الاعتراف بمحنة إبليس، ويقول بوجوب سجوده لآدم. وعند تمحيص هذا الرأي نجد أنه يستند إلى حجتين:

1- وجب على الملائكة السجود لآدم لأنه خير منهم فهو قادر على فعل الخير والشر بينما الملائكة قادرة على فعل الخير فقط، وهي بمنجاة من غواية الشر ولا توصف به(15).

2- حق السجود لآدم، لأن الله علمه الأسماء كلها، ولم يعلمها للملائكة، مما جعله أسمى مرتبة منها(16) .

وسأرد على هاتين الحجتين على حدة.

أ‌- تبرهن قصة إبليس أنه حتى سادة الملائكة والمقربين منهم ليسوا بمنجاة من غواية الشر، وإلا لما عصى إبليس ربه وانتهى إلى بئس المصير. نستنتج إذن، أن الملائكة عرضة للخير والشر وهي كالانسان، مطالبة بالخيرات وممتحنة بالشرور، مما ينفي فضل آدم على الملائكة، وبالتالي يلغي ضرورة السجود له.

ب‌- لو افترضنا جدلاً مع العقاد أن الملائكة ليست عرضة للخير والشر، وإنما هي تفعل الخير دائماً بطبيعتها وجوهرها، فهل يعني ذلك أن آدم أفضل منها؟ لنطرح السؤال بصيغة أعم وأشمل: أيهما أفضل، الكائنات التي تصنع الخير أحياناً، وتصنع الشر أحياناً أخرى فتفسد في الأرض وتسفك الدماء، أم الكائنات التي لا تصنع إلا الخير بصورة مستمرة ودائمة؟ أعتقد أن الجواب على هذا السؤال واضح كل الوضوح، ولا يتطلب مزيداً من النقاش، بدليل أن تصورنا الأخلاقي للإرادة الفاضلة في أسمى مراتبها يقول بأنها الارادة التي تصنع الخير باستمرار وبدون أي عناء أو جهد، لأن صنع الخير أصبح من جوهرها ومعدنها. أما الارادة الناقصة فهي لا تزال تصارع وتجاهد للتغلب على غواية الشر لها، محاولة بذلك الاقتراب من الارادة الفاضلة باعتبارها مثلها الأعلى. وإذا كانت الملائكة، وفقاً لدعوى العقاد، بمنجاة عن غواية الشر، فلا شك أن الله أنعم عليها بإرادة فاضلة تجعلها أسمى وأرفع بدرجات من آدم وذريته. عندما قال الله للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، استكبرت الملائكة الأمر واستعظمته بدليل جوابها(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء). فهل يريد العقاد أن يجعل من قدرة آدم على الإفساد وسفك الدماء مصدراً لسموه على الملائكة؟

ننتقل الآن إلى الرد على حجة العقاد الثانية، التي تدعي بأن سجود الملائكة حق لآدم، لأن الله علمه الأسماء كلها، ولم يعلمها للملائكة. بينّا في السابق أن سمو إبليس على آدم كان سمواً بالطبيعة والجوهر، وليس سمواً في الأحوال العارضة الزائلة كالتي اكتسبها آدم عندما علمه الله الأسماء كلها. بعبارة أخرى، لا يؤلف علم آدم بالأسماء كلها خاصة من خصائصه الجوهرية المميزة، ولا شك أنه كان باستطاعة الملائكة تعلّم الأسماء كلها لو شاء الله ذلك. نرى إذن أن علم آدم بالأسماء كلها كان علماً طارئاً أنعم الله عليه به ليغري الملائكة على السجود.

نستخلص مما ورد:

1- أن لا فضل لآدم على الملائكة، بما فيهم إبليس، لا من حيث قدرته على صنع الخير والشر، ولا من حيث علمه بالأسماء كلها.

2- أن جوهر إبليس أفضل وأسمى من جوهر آدم، لأن الله خلقه من نار، وخلق آدم من صلصال، وهو الذي أراد للصلصال ألا يسمو سمو النار.

3- أن دعوى العقاد القائلة بأنه كان يجب على إبليس أن يسجد لآدم، لأنه أفضل من الملائكة دعوى فاسدة ومردودة.

القسم الثالث

لنعد الآن إلى محنة إبليس الناتجة عن تناقض الأمر والمشيئة، عبّر الحلاج عن محنة إبليس بإيجاز رائع بقوله:

"لما قيل لإبليس "أسجد لآدم"، خاطب الحق:"أرفع شرف السجود عن سري إلا لك حتى أسجد له؟ إن كنت أمرتني قد نهيتني"(17).

وحدد الإمام المقدسي طبيعة التناقض بين الأمر والإرادة الإلهية بالكلمات التالية: "فإني نظرت بعين اليقين دائرة الشقاوة والسعادة: تدور على خط الأمر، ومراكز الإرادة، وبينهما تدقيق يدق عن التحقيق، ومضيق يفتقر سالكه إلى رفيق للتوفيق. فالآمر يهب والإرادة تنهب، فما وهبه الآمر، نهبته الإرادة. الآمر يقول إفعل والإرادة تقول لا تفعل"(18).

يبدو أن الإمام المقدسي أدرك الكثير عن أهمية العناصر الدرامية والمأساوية التي تنطوي عليها محنة إبليس. لذلك نراه يشدد على عنصر التناقض الذي واجهه إبليس، وعلى عجزه عن أن يجد مخرجاً لائقاً لنفسه، مما جعل الاختيار الذي كان عليه أن يقوم به اختياراً مصيرياً تتوقف عليه شقاوته الأبدية أو سعادته الأبدية، فإما أن يخضع لمتطلبات المشيئة وينسجم مع واجبه المطلق فيسعد في نهاية المطاف، وإما أن ينزلق في الإذعان للأمر والخضوع لواجبات الطاعة الجزئية فيفشل في الامتحان ويشقى إلى الأبد. أي أن أمر السجود وضع كيان إبليس وحياته وسعادته الأبدية في الميزان لأن "الآمر يهب، والإرادة تنهب"، و"الآمر يقول إفعل والإرادة تقول لا تفعل". بالاضافة إلى ذلك تبين الفقرة التي استشهدنا بها من كتاب الإمام المقدسي أن الذين يقعون في مثل هذه المحنة لا يرون طريقهم واضحة ناصعة ولا يتاح لهم أن يميزوا بسهولة بين الاختيار الصائب والاختيار الفاسد، لأن "بينهما تدقيقا يدق عن التحقيق". كما أن الذين يتورطون في مثل هذا المأزق يجدون أنفسهم في وحدة تامة لا ينفعهم فيها لا نصح صديق، ولا معونة رفيق، عليهم أن يختاروا وحدهم وأن يتحملوا نتائج اختيارهم، لأن الطريق التي كتب عليهم أن يسلكوها "مضيق يفتقر سالكه إلى رفيق للتوفيق"، على حد قول الإمام المقدسي.

في الصفحات التالية سأحاول أن أحدد عناصر المأساة في محنة إبليس، وأن أبرز نواحيها المتعددة، بقدر ما يسمح به الموضوع من الدقة والوضوح. لذلك سأعتمد مرجعين رئيسيين هما: مسرح سوفوكليس من التراث الأدبي اليوناني الغربي، وقصة النبي إبراهيم من التراث الديني السامي، ولا حاجة لي أن أطيل الكلام في إعادة قصة إبراهيم إلى أذهانكم. أمر إبراهيم أن يذبح ولده إسحاق (أو إسماعيل) ولما هم بذلك فداه الله (بذبح عظيم)(19). وهنا أقف برهة لأشير إلى دراسة كيركجورد الشهيرة لقصة إبراهيم في كتابه "الخوف والقشعريرة" لأبين أني اعتمدت في هذا القسم من بحثي الخطوط العريضة لتأويله لتجربة إبراهيم. لكن هذا لا يمنع وجود بعض الخلافات الأساسية بين الآراء التي سأوردها حول هذا الموضوع وبين نظرة كيركجور الخاصة إلى شخصية إبراهيم.

مما لا ريب فيه أن قصة إبراهيم تحتوي على إمكانات مأساوية عنيفة، وتتضمن كثيراً من المقومات الرئيسية للتراجيديا، ولكنه لا يحق لنا، في أية حال من الأحوال، أن نعتبرها مأساة حقيقية، لأنها تنتهي نهاية سعيدة متفائلة يرتاح لها الجميع. فالشعور الذي تخلفه فينا قصة إبراهيم يختلف اختلافاً تاماً ونوعياً عن الشعور الذي تخلفه فينا قصة الملك أوديب مثلاً.(20).

توجد اعتبارات عديدة تجعل من محنة إبليس مأساة حقيقة، وسأوجه إليها الانتباه واحدة تلو الأخرى:

1- كثيرا ما تقع الماساة في ساعة الأزمات الكبرى والهزات العنيفة التي تقلب الأوضاع السائدة وتزلزل أركان الأنظمة القائمة وتهز القيم المسيطرة فيشعر الذين يمرون بالتجربة بان كيانهم السابق ونمط وجودهم المألوف قد وضعتا موضع التساؤل، وأن العالم الذي يحيط بهم أصبح على وشك الانهيار بمقوماته المادية والروحية والأخلاقية. أنعم الله على إبراهيم "بغلام حليم" "فلما بلغ معه السعي"، قال له "يا بني إني أرى في المنام اني أذبحك"، أمر إبراهيم بذبح ولده، تقدمة منه إلى الله، فقلب هذا المر المعايير والمقاييس، وصدع القيم، وأضاع الملامح وخلط القسمات إذ على الأب الرحوم العطوف أن يقتل ولده أشنع قتلة عن سابق تصميم وتدبير، وبكل هدوء وخشوع. كان إبليس للملائكة معلما، وعلى الكروبيين مقدما، كان كما يقول المقدسي، ساكن البال مستقيم الحال، صالح الفعال، ولكن بينما هو في حضرة الشهود، أتى الله بآدم إلى الوجود، وأمر له بالسجود (21)، فاهتز نظام الملأ الأعلى وانقلبت المعايير والموازين مرة أخرى إذ على الجبين الذي لم يسجد إلا للأحد، أن يذل بالسجود لبشر، وعلى معلم الملائكة في التوحيد أن يجحد التقديس والتسبيح، وعلى النار أن أخضع للصلصال. ولكن إبليس رفض السجود، فلعن إلى يوم الدين. بعبارة أخرى تعرض علينا القصة جحود إبليس وطرده وهو في قمة عزه، ومن ثم ترينا إياه في حضيض بؤسه وشقاوته شأنه في ذلك شأن القصة اليونانية القديمة التي تعرض علينا الملك أوديب في ذروة مجده وسلطانه، ومن ثم ترينا إياه ضالا في متاهات اليأس والعذاب والألم. لقد أضحى كل منهما منبوذا مشوها مكروها، بعد أن هوى إلى أدنى مهاوي الشقاء فأصبح كل من كان عونا لهما عوناً عليهما.

2- إذا رجعنا إلى مسرحية أنتيجونا، نجد أن المأساة التي انتهت إليها البطلة ناتجة عن التناقض الجوهري القائم بين ما تمثله انتيجونا من ناحية، وما يمثله كريون ملك ثيبة من ناحية أخرى. كانت أنتيجونا مصممة تصميما مطلقاً أن تدفن جثمان أخيها القتيل مهما كلفها الأمر، وكان دافعها إلى ذلك حبها العظيم لأخيها وإيمانها الذي لا يتزعزع بضرورة تنفيذ مشيئة السماء القاضية بدفن الموتى. تقول أنتيجونا لأختها أسمينا: "أما أنا فموارية أخي، فإذا أديت هذا الواجب فما أجمل بي أن أموت، ولئن مت فإنما أنا صديقة لحقت بصديقها. سأؤدي واجبا عدلا ملؤه التقوى، لأن الوقت الذي سأروق فيه إلى الموتى أطول من الوقت الذي سأروق فيه إلى الأحياء، فسأكون قرينته أبد الدهر"(22). ومن ناحية أخرى نجد أن الملك كريون كان مدفوعا بعاطفة نبيلة ووطنية لما أمر بإنزال العقاب بالأخ الذي حمل السلاح ضد مدينته وقتل على أبوابها. كما أنه كان صادقاً في محاولته لإحلال حكم القانون وإعادة النظام إلى مدينة ثيبة بعد الفوضى التي عصفت بها. لذلك كان لزاماً عليه أن يتمسك بالحزم ويتسلح بالشدة ويصر على تنفيذ أوامره وإرشاداته بحذافيرها، وبكل تفاصيلها وأن يتوعد كل من تسول له نفسه مخالفة النظام بأشد انواع العقاب. وجميع هذه الاجراءات أمور طبيعية وضرورية في مدينة عانت من ويلات الحرب والوباء والفوضى ما عانته ثيبة عندما تسلم كربون مقاليد حكمها وكانت النتيجة ذلك الصدام المفجع بين متطلبات السلطة الزمنية وضروراتها، متمثلة في شخصية كريون، وبين متطلبات السماء وأوامر الآلهة متمثلة في شخصية أنتيجونا وحصد الجميع الموت واليأس والمأساة. عندما يسأل كريون انتيجونا:"وكيف جرؤت على مخالفة هذا الأمر؟" أجابت:" ذلك لأنه لم يصدر عن "ذوس" ولا عن "العدل".. ولا عن غيرهما من الآلهة الذين يشرعون للناس قوانينهم، وما أرى أن أمورك قد بلغت من القوة بحيث تجعل القوانين التي تصدر عن رجل أحق بالطاعة والاذعان، من القوانين التي تصدر عن الآلهة الخالدين، تلك القوانين التي لم تكتب، والتي ليس إلى محوها من سبيل... ألم يكن من الحق عليّ إذن أن أذعن لأمر الآلهة من غير أن أخشى أحداً من الناس؟ وقد كنت أعلم أني ميتة وهل كان يمكن أن أجهل ذلك حتى لو لم تنطق به؟ لئن كان موتي سابقا لأوانه فما أرى في ذلك إلا خيرا ..."(23).

إذا نظرنا إلى قصة إبراهيم من هذه الزاوية تبين لنا أنها تحتوي على تناقض شبيه بالتناقض الذي صوره سوفوكليس في مسرحيته المذكورة. لا بد أن إبراهيم عانى الأمرين من التناقض بين احترامه لمتطلبات الأبوة العاطفية وواجباتها الأخلاقية من جهة، وبين ضرورة الاذعان للأمر الإلهي القاضي بذبح إسحق من جهة أخرى. كان إبراهيم يحب ولده أكثر مما يحب نفسه، وكان يقوم بواجبات الأبوة خير قيام، ولكن عساه أن يفعل إذا تعارض هذا الحب وتعارضت واجبات الأبوة مع متطلبات الطاعة التامة لأوامر الإله مع واجباته الدينية المطلقة تجاه ربه؟ الحق يقال أن محنة إبراهيم مشحونة بعناصر المأساة وببوادر توترها إلى درجة أعظم من مسرحية أنتيجونا لأن التناقض الأساسي في مسرحية سوفوكليس كان بين السلطة الزمنية وبين أوامر السماء الأزلية. ولكل واحد من طرفي هذا التناقض يعودان في نهاية الأمر إلى مصدر واحد هو الله. عندما خضعت أنتيجونا لأوامر السماء خالفت بذلك أوامر السلطات الزمنية، بينما حين خضع إبراهيم لأمر ربه ووضع المدية على عنق ولده خالف بذلك القواعد الاخلاقية المطلقة التي أنزلها الله على عباده عن كيفية معاملة الآباء للأبناء، والأبناء للآباء. بعبارة أخرى لما أطاع إبراهيم ربه من الناحية الدينية اضطر لأن يعصيه من الناحية الاخلاقية.

ولا تختلف محنة إبليس، من حيث النوعية، عن محنة كل من انتيجونا وإبراهيم. كان أمامه الأمر الإلهي المباشر بأن يقع ساجداً لآدم، وفي الحين ذاته كانت أمامه متطلبات المشيئة الالهية الداعية للتوحيد والتقديس والتسبيح والتي لا تسمح بالسجود لأحد سوى للذات الصمدية. فأذعن إبليس لمتطلبات المشيئة وعصى بذلك أمر السجود فطرد ولعن، وكتب عليه اليأس المطلق من العودة إلى الجنة. لكن مأساة إبليس كانت أعظم وأفجع من محنة إبراهيم، ولا نقول مأساة إبراهيم بسبب ذلك الكبش الذي ذبحه عوضاً عن إسحق، لأن التناقض الذي واجهه إبليس لم يكن بين واجبات الطاعة الدينية وبين واجبات الطاعة الاخلاقية، بل كان بين واجبات الطاعة للأوامر الالهية فحسب. بعبارة أخرى واجه إبليس الرب وهو يناقض نفسه بصورة مباشرة ومفضوحة فذهب ضحية هذا التناقض وضحية الموقف الذي اختاره ووقفه.

 

من ينظر إلى شخصية أنتيجونا بشئ من الدقة والعمق، لا يمكن أن يرى فيها مجرد البطلة التقليدية التي تمثل كل ما يوصف بالخير والحق والجمال، بينما يمثل خصمها نقيض هذه الخصال. كما أن من يفهم قصة إبراهيم بأبعادها الانسانية لا يمكنه أن يرى محاولته ذبح ولده مجرد جريمة نكراء تتنافى مع أبسط بديهيات الانسانية والأخلاق. وكذلك الأمر بالنسبة لإبليس لأن من يدقق النظر في محنته لن يرى في جحوده أمر السجود مجرد تجسيد للعصيان والشر والخطيئة. إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية معينة فإننا نشك بأن إبليس كان عاصياً وجاحداً، ولكن من ناحية أخرى يجب ألا ننسى أن جحوده كان أعظم تقديس للذات الالهية وأكبر مثال على التمسك بحقيقة التوحيد. وقع إبليس في الاثم عندما جادل ربه ولكن الله هو الذي سمح له بذلك، وأصغى له عندما قال(أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). وهنا تتجلى شخصية إبليس المأساوية باعتبارها مزيجا من البراءة والاثم، من الجمال والقبح، من الحق والباطل، ومن الخير والشر. إنه يتصف بهذه الصفات مجتمعة، شأنه في ذلك شأن الابطال المأساويين الذين عرفناهم من خلال التراجيديات الكبرى في تاريخ الأدب، إذ كان على إبليس أن يرفض السجود تماما كما كان على "أوريستيز" أن يقتل أمه، وعلى هاملت أن يقتل عمه، وكان عليه أن يتحمل مثلهم البلاء والألم واليأس الناتج عن فعله. وجميع هؤلاء الابطال وجدوا أنفسهم بين شقي الرحى. فهم محقون من ناحية وغير محقين من ناحية أخرى، ولا يتحمل هذا التوتر المأساوي إلا أشدهم بأساً وأصلبهم عوداً، أي لا يتحمله سوى من كان معدنهم من معدن الابطال.

3- ستتضح لنا الأمور بصورة أفضل لو ميزنا بين نوعين من المأساة:"مأساة الغربة" (Tragedy of Alienation )، و"مأساة المصير أو القدر" (Tragedy of Fate). وموضوع الذنب أريد أن أطرحه الآن هو: أن محنة إبليس تمثل بكل جلاء كلا النوعين من المأساة. ينتج البلاء في مأساة الغربة بسبب الانفصال عن "وضع معين"، كان البطل يشارك فيه قبلا ولكنه يجد نفسه غريبا عنه الآن. وتعطينا أعمال ميلتون ودوستويفسكي وكافكا وكتاب كامو "الغريب" أمثلة واضحة عن مأساة الغربة. أما بالنسبة لغربة إبليس فقد قال الحلاج، على لسان إبليس، وفي وصفها ووصف ويلاتها ما يلي:" أَفْردَنَى ، أوجدَني ، حيرني طردنى لئلا أختلط مع المخلصين ، مانَعنَي عن الأَغيار لغَيْرتي ، غَيّرني لِحيْرتِي ، حَيَّرَني لِغُربْتِي [-] حَرَّمَني ، لصُحبَتِي ، قَبَحَنِي لِمِدْحَتِي ، أَحْرَمَنِي لِهَجرتَي، هجرني لِمكُاَشَفَتي ، كَشَفَنِي لِوَصْلَتي"(24).

وكتب الامام المقدسي على لسان إبليس الأسطر التالية في وصف غربته وشقائه: "ثم لكمال شقوتي سألت الأنظار، فصرت أضحوكة للحضار، أذوب إذا سمعت الذاكرين، وأتمزق إذا رأيت الشاكرين، واحد أفر من ظله. وواحد أهرب من زكي فعله. وواحد تحرني أنفاسه. وواحد يعجزني مراسه.. إذا تاب التائب قصم ظهري. وإذا رجع الآيب نقص عمري، كلما بنيته مع العاصي في سنة، تهدمه التوبة في سنة، فأنا في ويل لا يزول. وحرب لا تحول، وحزن شرحه يطول"(25).

أما إذا رجعنا إلى الوصف الرائع الذي تركه لنا أبو الحيان التوحيدي لحال الغربة فإننا نجده ينطبق كل الانطباق على حال إبليس، قال أبو حيان:

"يا هذا .. الغريب من غربت شمس جماله، واغترب عن حبيبه وعذاله، وأغرب في أقواله وأفعاله.. الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة، وبانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة.. يا رحمتاه للغريب .. طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب، واشتد ضرره من غير تقصير، وعظم عناؤه من غير جدوى"(26).

تعتبر مسرحية "الملك أوديب" ومسرحية "روميو وجولييت" لشكسبير من أروع ما كتب حول مأساة المصير. وكل من قرأ مسرحية سوفوكليس المذكورة يعرف كيف أخذ القدر مجراه المحتوم وصدقت جميع النبوءات، وكيف فشلت جميع المساعي التي قام بها أوديب وجوكاستا ليفلتا من مصيرهما المظلم. إذا نظرنا إلى محنة إبليس من هذه الزاوية تبين لنا أنه كان مسيرا في جميع خطواته وفقا للقدر الذي كتبه الله عليه شأنه في ذلك شأن كل ما هو كائن في ملكه بدليل الحديث القدسي القائل:

"إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال مقادير كل شئ حتى تقوم الساعة من مات على غير هذا فليس مني"(27).

وعبر الحلاج عن هذه الحقيقة بانشاده عن إبليس:

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ***** إياك إياك أن تبتل بالماء

بعبارة أخرى كان إبليس خاضعا في أحواله واختياره وطرده ولعنته وتشويهه إلى أحكام الإرادة الإلهية ولأمر قضائه الذي لا يرد، كان مجبوراً بحكمته ومقهورا بمشيئته بدليل قوله تعالى: (إنا كل شئ خلقناه بقدر). وكتب الحلاج الكلمات التالية حول خضوع إبليس لقضائه وقدره:

"قال الحق سبحانه لإبليس:"الاختيار لي لا لك"، فأجاب إبليس:"الاختيارات كلها واختياري لك، قد اخترت لي يا بديع وإن منعتني فأنت المنيع، وإن أخطأت في المقال فأنت السميع، وإن أردت أن أسجد له فأنا المطيع، لا أعرف في العارفين أعرف بك مني، لا تلمني فاللوم مني بعيد، وأجر سيدي فإني وحيد"(28).

هنا يجب ان نلفت النظر إلى أنه ليس كل من جار عليه القدر وسحقه المصير المحتوم يصبح بذلك شخصية مأساوية. لأن المرء يتوقف إلى حد كبير على نوعية الرد الفعل الذي يبديه الانسان تجاه محنته، وطبيعة الاستجابة التي يبديها نحو مصيره. وعلى سبيل المثال كانت شقيقة أنتيجونا واعية كل الوعي للتناقض الذي دفع باختها إلى نهايتها المفجعة غير أنه لا يجوز لنا بأية حال من الأحوال أن نعتبر أسمينا شخصية ماساوية لأنها ظلت سلبية في استجابتها لهذا التناقض واستسلمت لمجرى الاحداث، لذلك نراها تنصح بالتعقل والتحفظ وتثير الشكوك وتبدي المخاوف مما يبين أن معدنها لم يكن من معدن الأبطال. والاعتبار نفسه ينطبق على الملائكة (وسيماهم على وجوههم من أثر السجود). ومن الطريف أن نقارن بين موقف إبليس وموقف آدم من هذه الناحية. عصى آدم ربه شأنه في ذلك شأن إبليس ولو شاء ربك لآدم ألا يعصي لما عصى، ولما عاتبه الله على معصيته لم يبد آدم أي رد فعل إيجابي بل قال: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). أما البطل المأساوي الذي يصارع مصيره كما صارعه الملك اوديب فلا يقول(إني ظلمت نفسي)، لأنه يعلم حق العلم أن قدره المحتوم هو الذي ظلمه. أما إبليس فإنه استجاب بصورة إيجابية لعتاب ربه فقال (بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض) فنفى بذلك أن يكون قد ظلم نفسه أو أن يكون مسؤولا عن مصيره ومآله. ومرة أخرى ينطبق على إبليس وصف أبي حيان التوحيدي للغريب :"لا عذر له فيعذر، ولا ذنب فيغفر، ولا عيب عنده فيستر"(29). أي خاف آدم من الاعتراف بهذه الحقيقة لما عاتبه ربه بينما ناقشه إبليس وحاول أن يدافع عن فعله وأن يبرر اختياره بالغرم من علمه أنه لا مفر له مما قدره الله عليه مثله في ذلك كمثل أدويب وجوكاستا في محاولاتهما الافلات من مصيرهما المشؤوم مع العلم بأن فشلهما كان محتوما ومتوقعا. وحتى بعد أن نزلت اللعنة بإبليس ظل إيجابيا في موافقه وأفعاله بدليل قوله (لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين...) نرى إذن أن إبليس هو المعدن الذي صنع منه أبطال الأعمال التراجيدية الكبرى في الأدب العالمي وصورت شخصياتها المأساوية على صورته. ولا عجب إذن أن نجد بأن هؤلاء الأبطال كانوا إما على اتصال مباشر بالشيطان أو كانوا يتصفون بصفات شيطانية واضحة. كما أنه ليس من باب الصدفة أن تكون الشخصيات المأساوية الكبرى مستمدة في معظم الأحيان من بين جموع الشاذين والمخربين والعاصين والكافرين والجاحدين والقتلة، ولذلك وردت المحاكمات القانونية بكثرة في عدد كبير من الأعمال التراجيدية المشهورة. ويكفينا أن نذكر على سبيل المثال أسكيلوس، وكافكا، والأخوة كارامازوف، ورواية "الغريب" لكامو. وبامكاننا أن ننظر إلى الجدل الذي دار بين إبليس وربه على أنه نوع من المحاكمة العرفية السريعة حيث أتيحت لإبليس فرصة ليدافع عن نفسه قبل أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

 4- من العسير على الباحث في طبيعة المأساة ألا يتطرق إلى موضوع عاطفة الكبرياء وإلى الدور الذي تلعبه في حياة الشخصيات المأساوية. ويكتسب موضوع الكبرياء أهمية خاصة بالنسبة لنا بسبب الرأي الذي يعزو رفض إبليس السجود إلى دافع الكبرياء والفخار. قال الحق لإبليس لما طرده من الجنة "فاهبط منها فما لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين". ولندرك كبرياء إبليس على حقيقتها يجب أن نميز بين الكبرياء بمعنى العجرفة وبين "الكبرياء المأساوية" التي اتصفت بها الشخصيات المأساوية الكبرى، علما بأن هذا لا يمنع أن يكون البطل المأساوي متعجرفا. غير أن هذه الخصلة الذميمة تبقى عرضية وطارئة بالنسبة لبطولته ومأساته. فالتعجرف والكبرياء والدونكيشوتية لا يجلبان لصاحبهما سوى الشفقة والسخرية، أما الكبرياء المأساوية فإنها تفرض علينا موقفا جديا تجاه البطل فيه الكثير من الإعجاب والتقدير حتى لو كان موقفه مخالفا لكافة مبادئنا ومواقفنا الخاصة. لذلك كانت الكبرياء دوما من أهم الدوافع التي حركت الشخصيات المأساوية من الملك أوديب إلى إيفان كارامازوف.

يتكون جوهر الكبرياء المأساوية من رفض البطل لأن يبقى سلبيا في وجه ما يعتبره تحديا لواجبه وكرامته حتى لو كان يعلم أن هذا التحدي هو جزء من مصيره وأن كبرياءه ستنتهي به إلى الدمار واليأس والموت. هكذا انتهى أوديب وهكذا انتهت أنتيجونا وهكذا انتهى إبليس. أما آدم فلم يعرف هذا النوع من الكبرياء على الإطلاق ولو كان مقدرا له ان يكون شخصية مأساوية لما قال (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). نستنتج إذن أن كبرياء إبليس لم تكن ناتجة عن عجرفة فارغة ولا عن تطاول على معبوده بل كانت كبرياء مأساوية دفعته لأن يلجا إلى الله من قضاء الله عليه. ولم يغير إبليس موقفه من ربه حتى بعد أن أصبح طريدا ولعينا، وظل يعترف بسلطانه وقوته ويخاف منه ولا يقرّ لنفسه بمعبود سواه بدليل قوله تعالى (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين). وبدليل جواب إبليس عندما أقسم أمام الله (بعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) - سورة ص 83, 84. أي أنه بيّن أن لا شيء أعز عنده من عزة ربه، حتى بعد أن نزلت به اللعنة، واستثنى عباده المخلصين من قسمه وكأنه يريد أن يبين حسن ثنائه وصدق ولائه لرب العالمين، حتى بعد اللعنة والطرد. لم يكن إبليس غريبا فحسب بل كان في غربته غريبا على حد تعبير أبي حيان. يصف الحلاج موقف إبليس من ربه بعد أن نزلت عليه اللعنة الابدية في محادثته التي تخيلها بين موسى وإبليس:

"فقال موسى "الآن تَذْكُرُهُ؟" - فقال يا موسى الفِكْرَةُ لا تذكر ، أنا مذكور وهو مذكور ، ذِكْرُهُ ذِكرى ، وذِكْرِى ذِكْرُهُ ، هَلْ يكون الذاكرون إلا مَعاً ؟ خِدْمتِى الآن أَصْفَى ، ووقَتْى أَخْلى ، وذِكْرى أَجْلى ، لأَنى كنْتُ أخدِمُهُ فى القِدَم لحظِى ، والآن أخدمُهُ لحظَّه"ِ.

ونظر الإمام المقدسي إلى مصير إبليس وكبريائه نظرة غير مألوفة متأثرا في ذلك برأي الحلاج فقال:

"قال لي أسجد لغيري قلت لا غير، قال عليك لعنتي قلت لا ضير، إن أدنيتني فأنت أنت، قال تفعل ذلك استكبارا وفخارا، فقلت سيدي من عرفك في عمره لحظة، أو خلا بك في دهره غمضة، أو صحبك في طريق محبتك ساعة، حق له أن يفتخر، كيف بمن قد قطع الأعمار. وعمر بحبك الآثار. كم قد رقمت من صحائف توحيدك في الليل والنهار. كم قد درست من دروس تقديسك وتمجيدك في الإعلان والإسرار، والآثار تشهد لي، والديار تعرف بحقي، والليل والنهار يصدقني.. فأين كان آدم وأنا أمام صفوف الملائكة، وخطيب جميع الكروبيين، وقادة وفد المقربين فلي معك سابق عبادة، ولك معي سابق إرادة، فلما ظهرت أعلام الإرادة، انطمست رسوم العبادة، فأخطأ المجتهد اجتهاده، وزال السيد عن رتب السيادة، وأصابه سهم القضا فما أخطى فؤاده. فسواء أسجد أو لم أسجد. وعبدت أم لم أعبد، فلا بد من الرجوع إلى سابقة الأقدار. فإنك خلقتني من نار، فلا بد من العود إلى النار. منها خلقناكم وفيها نعيدكم"(31).

 

_________________________

1- ألقيت كمحاضرة في النادي الثقافي العربي في بيروت، 10 كانون الأول 1965، نشرت مع شئ من الاختصار بمجلة "حوار"، بيروت، كانون الثاني 1966. أنظر أيضا مجلة النادي "الثقافة العربية"، العدد الثاني، شباط 1966.

2- حققه محمد منير الدمشقي، مطبعة النهضة، القاهرة، 1928.

3- راجع "تلبيس إبليس"، ص: 39- 44، 65، 73، 82، 83.

4- ص: 164- 165.

5- ص: 45- 47.

6- ص: 126.

7- من كتابه "مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية، أو مقال في الانسان"، ترجمة الدكتور إحسان عباس، دار الأندلس، بيروت، 1961، ص: 147- 148.

8- تفليس إبليس، مطبعة مدرسة والدة عباس الأول، القاهرة، 1906، ص: 11.

9- أورد الطبري في تفسيره الشهير الأسطورة التالية، وهي ذات مغزى هام بالنسبة للموضوع الذي نحن بصدده:"فبعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني. فرجع، ولم يأخذ. وقال: رب، إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث الله ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين".

تمثل هذه القصة الفارق بين المشيئة والأمر، أمر الله جبرائيل وميكائيل، أن يأتيانه بطين من الأرض ولكنه شاء ألا يتحقق الأمر إلا على يدي ملك الموت، وكان له ما شاء. "تفسير الطبري" تحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف بمصر، ج 1- ص: 459.

10- تفسير الطبري، ج 1 - ص: 475.

11- تفليس إبليس، ص 15.

12- "كتاب الطواسين"، تحقيق لويس ماسينيون، باريس 1913، طاسين الأزل والالتباس.

13- طاسين الأزل والالتباس.

14- المصدر نفسه.

15- عباس محمود العقاد، "إبليس"، دار الهلال، القاهرة، ص: 10- 11.

16- العقاد، ص 148.

17- "كتاب الطواسين"، المقدمة، ص 11- 12.

18- تفليس، ص 4.

19- قال فريق من المجتهدين أن الابن الذي أمر إبراهيم بذبحه هو اسحق، بينما قال فريق آخر بأنه إسماعيل. وقد ناقش الطبري في تفسيره آراء الفريقين، وأورد حججهم وانتهى إلى تبني رأي القائلين بأنه إسحق. وسأتبع رأي الطبري في هذه التسمية. تفسير الطبري، (الطبعة القديمة)، المطبعة اليمنية بمصر، ج 8، الجزء 3، 49.

20- يرى كيركيجور في استعادة إبراهيم لابنه إسحق خاتمة دينية خاصة تسمو بقصة إبراهيم فوق المأساة بمعناها الأدبي المعروف ويرى في شخصية إبراهيم إنسانا تجاوز بمراحل شخصية البطل المأساوي كما نجده في الأدب العالمي. بينما الواقع هو أن قصة إبراهيم تقتصر تقصيرا تاما عن الوصول إلى مستوى المأساة، وتبقى شخصيته دون شخصية البطل المأساوي للأسباب المذكورة أعلاه.

21- تفليس إبليس - ص: 15.

22- طه حسين- "من الأدب التمثيلي اليوناني، سوفوكليس" - دار المعارف بمصر، ص: 138.

23- من الأدب التمثيلي - ص: 151.

24- طاسين الأزل والالتباس

25- تفليس - ص: 36- 37.

26- "الإشارات الألهية"، تحقيق عبد الرحمن البدوي، القاهرة، 1950، ص: 80، 81، 82.

27- الشيخ محمد المدني، الاتحافات السنية في الأحاديث القدسية، حيدرآباد، 1258 هـ. - ص: 87.

28- طاسين الأزل والالتباس.

29- الاشارات الالهية، ص: 81.

30- طاسين الأزل والالتباس.

31- تفليس، ص: 21- 22.

 

 

 

القسم الرابع

 

عالجت في الصفحات السابقة مشكلة إبليس على مستويات مختلفة، بدأت بالنظرة التقليدية الشائعة ثم وصفت محنته ثم حددت النواحي المأساوية في شخصيته وموقفه، ومما لا ريب فيه أنه كلما انتقلنا من أحد هذه المستويات الثلاث إلى المستوى الذي يليه انكشفت لنا حقيقة إبليس بصورة أفضل وأعمق وتبينت لنا جوانب شخصيته المتعددة بجلاء أعظم. ولكن هذا لا يعني أن فهمنا لشخصية إبليس على مستوى المأساة يبين لنا حقيقته تامة وكاملة إذ أن شخصيته ليست من إنتاج الخيال الأدبي والدرامي بقدر ما هي من إنتاج الخيال الديني الصرف. لذلك تظل نظرتنا المأساوية إلى إبليس ناقصة لا تكشف إلى جانباً من حقيقته ولن تكتمل الصورة ما لم نعالجها على المستوى الديني البحت الذي سيكشف لنا وضع إبليس الحقيقي والنهائي في نظام الخليفة. أما السبب الرئيسي الذي يدعوني إلى هذا القول فهو تعذر قيام المأساة بمعناها النهائي والمطلق ضمن إطار الأديان السامية الثلاثة. يستحيل على الدين أن يقبل المأساة بصفتها النهائية لأن العناية الإلهية تحيط بالكون إحاطة تامة وتسيره نحو الغايات القصوى التي اختارها اللـه له، لذلك نجد أن الدين بطبيعته يدعي تجاوز المأساة مهما كانت مفجعة ويدعي حل جميع إشكالاتها، إن لم يكن في الحياة الدنيا، ففي الآخرة إذن. وعلى سبيل المثال تتطلب النظرة المأساوية للأشياء أن يتكبد الأبطال خسائر فادحة لا يمكن أن تعوّض على الإطلاق يرمز إليها في معظم الأحيان بالموت أو اليأس التام، كما يطلب من الأبطال أن يتحملوا بلاء وعذاباً لم يستحقوهما ولم يريدوهما لأنفسهم. أما الدين فلا يقبل بهذا المنطق المأساوي ويقول بأن الخسائر التي يتكبدها الصالحون ستعوض عليهم في يوم ما كما عوّض اللـه أيوب على المصائب التي حلت به وكافأه على صبره الطويل. أما الخسائر التي يتكبدها الأشرار فإنها عقاب عادل استحقوه بسبب آثامهم وأفعالهم الشريرة بدليل أن "من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" وحتى فاجعة الموت، بالنسبة للدين، ليست إلا خسارة مؤقتة ترمز إلى الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء. أي أن الدين لا يقبل المأساة إلى بصورة مؤقتة ومرحلية ويتبع من ذلك أنه لا بد لمأساة إبليس من أن تكون مأساة مؤقتة ستتلاشى في يوم من الأيام.

بعد هذه الإشارة إلى حدود النظرة المأساوية إلى شخصية إبليس أريد أن أطرح السؤال التالي: لماذا أمر إبليس بالسجود لآدم؟ أو بالأحرى لماذا وضعه اللـه في هذا المأزق ورماه في هذه المحنة؟ والجواب هو لأنه أراد أن يمتحنه ويجربه كما امتحن من بعده أيوب وإبراهيم وغيرهما من عباده الصالحين. والإشارة إلى تجربة إبليس واضحة في قوله لربه "بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض" و "فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم..." أي أنه سيغوي البشر كما أغواه اللـه وسيبتليهم كما ابتلاه. كان إبليس أمام الملائكة وخطيب الكروبيين فأراد اللـه أن يبتليه فأمره بالسجود لآدم ليرى مدى تمسكه بحقيقة التوحيد وتشبثه بدعواه في التقديس والتسبيح، وبرهن إبليس عن استعداده لأن يضحي بكل شيء في سبيل دعواه بمعبود واحد. يقول الحلاج عن إبليس:

"هو الذي كان أعلمهم بالسجود، وأقربهم من الموجود، وأبذلهم للمجهود، وأوفاهم بالعهود، وأدناهم من المعبود سجدوا لآدم على المساعدة وإبليس جحد بالسجود لمدته الطويلة على المشاهدة" (32).

وكما ابتلى اللـه إبراهيم بأن طلب منه تضحية أعز ما عنده في سبيل وجهه تعالى كذلك ابتلى إبليس بأن طلب إليه تضحية أعز ما لديه في سبيل معبوده ومحبوبه.

من خصائص التجربة الدينية أنها تدخل الممتحن في محنة صعبة تحمله ما لا يطاق، فتظهر حقيقته بكل جلاء وبدون أي تمويه أو تزييف. والفكرة الرئيسية التي أريد أن أبينها هي أن إبليس اجتاز التجربة التي ابتلاه اللـه بها بنجاح تام، وتتضح لنا هذه الحقيقة من الاعتبارات التالية:

1 – نجح إبراهيم في التجربة لأنه علّق مفعول واجباته الأبوية والتزاماته العائلية والإنسانية ليذعن للأوامر الإلهية ويقوم بواجبه نحو ربه مهما كلفه الأمر. كذلك نقول أن إبليس نجح في التجربة لأنه علق مفعول واجبات الطاعة الجزئية ليذعن للمشيئة الإلهية ويتمسك بواجبه المطلق في التوحيد والتقديس.

2 – كما حول الأمر الإلهي، ذبح إسحق من مجرد جريمة نكراء إلى تضحية كبرى وعطاء ما بعده عطاء، حول تمسك إبليس بواجبه المطلق، جحوده من مجرد عصيان إلى أسمى تقديس توجه به مخلوق إلى الذات الإلهية.

3 – في الواقع جعل الأمر الإلهي من واجبات ابراهيم الأبوية والتزاماته الإنسانية، واجبات ابتلاء لو أذعن لها لفشل في التجربة، كذلك أصبحت واجبات إبليس الجزئية واجبات ابتلاء بالنسبة للواجب المطلق، لو امتثل لها لفشل في التجربة.

4 – كما أن إبراهيم لم يسلك سلوك الإنسان العادي تجاه واجباته الأبوية وإنما سلك سلوك الأنبياء والأولياء فظهرت حقيقته من خلال التجربة، لم يسلك إبليس سلوك الملائكة بالنسبة لواجباته الجزئية نحو اللـه بل سلك سلوك القديسين والصالحين والمقربين فبانت بذلك حقيقته بكل صفائها ونقائها.

5 – أصبح من الجلي أن الابتلاء الإلهي هو مصدر البلاء والعذاب واليأس الذي يمر به الممتحن. كانت رغبة إبراهيم الشديدة في إنقاذ إسحق والاحتفاظ به مصدر عذابه وشقائه، ولولا هذه الرغبة العنيفة لما استحقت تجربته كل هذا الاهتمام لأنه يكون قد قدم إلى ربه شيئاً لا يعز عليه إلا قليلاً ولا يشكل فقدانه بلاء عظيماً. كذلك الأمر بالنسبة لإبليس. عندما جربه اللـه كان يشعر برغبة جامحة لأن يذعن لأمر السجود وعز عليه إلى أقصى الحدود أن يضحي بهذه الرغبة في سبيل تمسكه بحقيقة التوحيد وإلا يكون قد ضحى بشيء لم يكن يرغب فيه أصلاً إلا رغبة طفيفة. كان إبليس وإبراهيم يعلمان أن اللـه يجربهما وأنه يطلب منهما أشق أنواع التضحيات وأغلاها على الإطلاق ولكن ما من تضحية تصعب عليهما في سبيل وجهه تعالى، لذلك رفض إبليس السجود ورفض إبراهيم روابط الأبوة والإنسانية.

وعندما عالجنا محنة إبليس على مستوى المأساة وقارناها بقصة إبراهيم ومسرحية أنتيجونا ذكرنا أن محنة إبراهيم عجزت عن الوصول إلى مستوى المأساة بسبب ذلك الكبش المشهور وبسبب تعذر وجود المأساة الحقيقية في الدين. كما قلنا حينئذ أن محنة أنتيجونا تعلوها في الأهمية من حيث أنها تمثل مأساة حقيقية، أما محنة إبليس فاعتبرناها مأساة المآسي لأنها تعبر عن المأساة بأجلى صورها وأقصى حدودها وأبعد معانيها. غير أنه عندما ندرس هذا الموضوع على مستوى التجربة الدينية نضطر لأن نغير هذا التصنيف ونستعيض عنه بتصنيف جديد ينسجم مع منطق الدين وموقفه من المأساة. ولو قدّر لحقيقة إبليس أن تتجلى على مستوى المأساة فحسب لانتهت مشاغلنا عند التصنيف الأول. أما التصنيف الجديد فإنه يضع محنة أنتيجونا في أسفل السلم لأن تجرتها فرضت عليها الاختيار بين أمر السلطة الزمنية وبين أمر السماء وكل منهما يعود إلى مصدر غير المصدر الذي يعود إليه الآخر. بينما نجد أن تجربة إبراهيم كانت أهم مغزى وأقوى مفعولا لأنها خيرته بين أمر اللـه المباشر وبين الواجبات الأبوية والالتزامات الأخلاقية والإنسانية التي كان يعتقد ابراهيم أنها مقدسة ومنزلة من عنده تعالى. أي أن اختياره كان بين أمرين نبعا من مصدر واحد هو اللـه. أما تجربة إبليس فهي تجربة التجارب وأعظمها شأناً وأشدها مرارة لأنها اضطرته للاختيار بين متطلبات المشيئة الربانية من ناحية وبين الأمر الإلهي المباشر من الناحية الأخرى. أي لم يكن على إبليس أن يختار بين الدنيوي والأزلي كما كان على أنتيجونا أن تفعل، ولم يكن عليه أن يختار بين الإلهي والأخلاقي كما كان على إبراهيم أن يفعل، بل كان عليه أن يختار بين الإلهي والإلهي أو بين الأزلي والأزلي لذلك كان ابتلاؤه لا يطاق وبلاؤه لا يقاس ويأسه لا يوصف.

من المقومات الأساسية للتجربة الدينية الناجحة أن يجهل الممتحن جهلاً تاماً النهاية التي ستسفر عنها تجربته إن كانت هذه النهاية لصالحه أم لم تكن. فلو شك إبراهيم لحظة واحدة أنه سيذبح كبشاً عوضاً عن إسحق لما كانت محنته تجربة بل كانت مهزلة، ولو توقع أيوب تعويضاً لصبره على المصائب التي ابتلاه اللـه بها فتحمل العسر أملاً منه باليسر الذي سيليه لفقدت تجربته كل معانيها ومغازيها وفشل في الامتحان. ولو دخل في خلد إبليس يوماً أن لعنته ليست أبدية أو أن خاتمته النهائية ليست جهنم وبئس المصير لانقلبت محنته من تجربة مفعمة بالمأساة إلى مسرحية هزلية. بعبارة أخرى من شروط التجربة الناجحة أن يعتقد الممتحن اعتقاداً راسخاً لا يتطرق إليه الشك بأن تجربته ستسفر عن خاتمة مفجعة، وكم عندئذ ستكون فرحته عظيمة عندما يكتشف أنها أسفرت عن نهاية سعيدة، كما حدث لابراهيم لما استعاد ولده، ولأيوب لما أعاد اللـه إليه أمواله وذريته أضعافاً مضاعفة. وبما أن اللـه كافأ ابراهيم وأيوب على صبرهما ونجاحهما وتمسكهما بواجبهما المطلق نحوه يجوز لنا أن نستنتج بأنه سيكافئ إبليس على نجاحه وتضحيته ويعوض عليه ما تكبده من خسارة مفجعة وما عاناه من شقاء وبلاء وغربة. ولكن إذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً لماذا لعنه إلى يوم الدين؟ الجواب بسيط: لعنه إلى يوم الدين لأن التجربة بحد ذاتها تتطلب ذلك، فلو اعتقد إبليس مثلاً أن اللعنة نزلت به كانت مؤقتة فأمل بالعودة إلى الجنة لفقدت تجربته مغزاها ومعناها، ذلك لأن تمسكه بحقيقة التوحيد، بالرغم من يأسه التام من النجاة، هو دليل اجتيازه التجربة بنجاح، تماماً كما كان يأس إبراهيم من إنقاذ اسحق ووضعه المدية على عنقه الدليل القاطع على نجاحه في التجربة التي ابتلاه اللـه بها. بعبارة أخرى لا تبين اللعنة الأبدية مصير إبليس الحقيقي فهو أمر يجب أن يظل سراً مكتوماً عنه إلى أن يحين موعد إفشائه، تماماً كما ظل مصير إسحق سراً مكتوماً على ابراهيم حتى حان الوقت المناسب لإعلانه. كما أنه لا يجوز لإبليس أن يبقى ملعوناً إلى الأبد، بعد اجتيازه التجربة بنجاح، لأن بقاءه على هذه الحال يشكل مأساة كبرى وحقيقية في الكون. ومنطق الدين، كما مر معنا مراراً، لا يسمح بذلك على الإطلاق.

كما أن فهمنا لشخصية إبليس على مستوى المأساة لا يبين لنا حقيقته تامة وكاملة، كذلك الأمر بالنسبة لمعالجتنا لشخصيته على مستوى التجربة والابتلاء مع العلم بأن مستوى التجربة يقربنا إلى حقيقته بصورة أفضل وأعمق من أي مستوى آخر ذكرناه. ولنصل إلى معرفة حقيقة إبليس التامة ومنزلته الفعلية في الكون علينا تحديد علاقته الجوهرية المباشرة بالمشيئة الإلهية. ومهما بحثت لن أجد تعبيراً عن علاقة إبليس الحقيقية بالمشيئة الإلهية أفضل من التعبير الذي ضمنه الإمام المقدسي في الأسطر التالية حيث قال على لسان إبليس:

"خلقني كما شاء. وأوجدني لما شاء. واستعملني فيما شاء. وقدّر علي ما شاء فلم أطق أن أشاء إلا ما شاء. فما تجاوزت ما شاء. ولا فعلت غير ما شاء. ولو شاء لردني إلى ما شاء. وهداني بما شاء ولكنه شاء. فكنت كما شاء... فمن يكون على القضاء عوني. ومن يطق من القدر صوني. ولكن كل ما يرضيه مني. رضيت به على رأسي وعيني. يا هذا ما حيلة من ناصيته في قبضة القهر. وقلبه بيد القدر. وأمره راجع إلى حكم القدم. وقد قضي الأمر وجف القلم" (33).

بعبارة أخرى كان إبليس صنيعة الإرادة الإلهية خاضعاً لأحكامها ومنفذاً لطلباتها. وعندما اختار العصيان والجحود لم يختر سوى ما كان اللـه قد اختاره له منذ الأزل. إنه مستعمل فيما قدّره اللـه عليه واقع في قبضة قهره وبذلك بطل الأمر والنهي. يستطرد الإمام المقدسي في تبيان مكانة إبليس الحقيقية والغرض الإلهي من طرده فيقول على لسان إبليس:

"يا هذا. أتظن أني أخطأت التدبير. ورددت التقدير. وغيرّني التغيير. لا وعلو عزته. وسنا قدرته. لكنه خلق الحسن والقبيح. والمستقيم والصحيح. جمعاً بين الشيء وضده. ليدل على كمال قدرته. فإن الأشياء لا تعرف إلا بالأضداد. فجعلني في الأول أعلم المحاسن في الملأ الأعلى فأبينها للأملاك. وأزين بها الأفلاك. فكنت معلم التوحيد. فلما طالع أطفال المكتب أمثلة توحيدهم. وحققوا حروف هجاء تقديسهم وتمجيدهم. نقلني من العالم الأعلى إلى العالم الأسفل أعلمهم ما هو ضد ذلك فأبين لهم القبائح وأزينها لهم. فبي عرف الحسن والقبيح. وميز المستقيم والصحيح. فأنا في الأرض والسماء. عريف العرفاء. معلم العلماء. فأنا معجز القدرة. ومشاهد حضرة الحكمة. فمن هو في الحضرة أدنى مني. ومن هو في الذكر أشهى مني. فلي شرف إذ ذكرني. وإن كان لعنني. ولي فخر إذ نظرني. وإن كان قد طردني. فبمعرفتي له أنكرني. ولحيرتي به حيرني. ولغيرتي عليه غيرني. ولخدمتي خذلني. ولصحبتي حرمني. فالآن وقتي به أصفى. وحالي معه أشفى. لأني كنت أخدمه لحظي. والآن أخدمه لحظه. فارتفع الحظ من البين. وأنت تظنه بين. فلئن كنت قد سقطت من العين. فقد وقعت في عين العين" (34).

سأكرس هذا القسم من بحثي لمحاولة إيجاد تعليل ديني مقبول لبعض المفارقات التي وردت معنا في الأقسام السابقة من هذا البحث وللإجابة على بعض الاسئلة الهامة التي ما تزال معلقة. وفي ما يلي تصنيف لأهم هذه المفارقات والأسئلة.

1) عندما طرحت السؤال، لماذا أمر إبليس بالسجود لآدم، أجبت عليه بقولي: لأن اللـه أراد أن يجربه ويبتليه كما جرب ابراهيم وأيوب من بعده، والسؤال الذي يبرز أمامنا الآن هو، لماذا يبتلي اللـه ملائكته وعباده وهو العليم بكل ما يظهرون وما يبطنون؟ هل باستطاعتنا مثلاً أن نحدد صفة من الصفات الإلهية التي تدعو اللـه لأن يجرب عباده؟ أو بالأحرى إلى أية صفة من صفات الذات الإلهية يجب أن ننسب هذا الميل إلى ابتلاء العباد؟

2) لما ميزنا بين المشيئة والأمر في مطلع هذا البحث ذكرنا أن اللـه يأمر أحياناً بشيء بينما يكون قد شاء تحقيق شيء آخر. ترى هل من تعليل ديني لهذه المفارقة في تصرفات الإله؟

3) رأينا أن إبليس واقع في قبضة قهرة خاضع خضوعاً تاماً لقدره وأحكام مشيئته، شأنه في ذلك شأن بقية المخلوقات، مما يبطل مفعول الأمر والنهي عنه. إذا كان هذا القول صحيحاً لماذا طرده من الجنة بحجة الأمر والنهي؟ بالإضافة إلى ذلك قدر اللـه منذ الأزل من هم أصحاب الجنة ومن هم أصحاب النار. والأدلة الدينية على ذلك عديدة أورد منها، على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الحديث القدسي التالي: "إن اللـه تعالى قبض قبضة فقال هذا إلى الجنة برحمتي ولا أبالي وقبض قبضة هذا إلى النار ولا أبالي" (35). ولكن بالرغم من ذلك أنزل اللـه الكتب وأرسل الرسل وشحنها بالأمر والنهي وميز بين الحلال والحرام، وما فائدة كل ذلك لمن كان مجبوراً بحكمته ومستعملاً فيما قدره عليه.

4) إذا كان اللـه صانع الأشياء كلها ومقدر الخير والشر على عباده لماذا أراد للناس أن يعتقدوا أن إبليس هو سبب الشر والمعصية ولماذا شاء تحميله أوزار أولئك الذين خلقهم للشر وأجرى الشر على يديهم؟ هل باستطاعتنا أن نعلل هذه المفارقة بردها إلى إحدى الصفات الإلهية المعروفة؟

أعتقد أن الصفة الإلهية التي نبحث عنها للإجابة عن هذه الأسئلة هي صفة المكر. وإليكم بعض الآيات القرآنية التي تبين طبيعة هذه الصفة:

1) "ومكروا ومكر اللـه واللـه خير الماكرين" (آل عمران 54).

2) "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر اللـه واللـه خير الماكرين" (الأنفال 30).

3) "وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مسّتهم إذا لهم مكر في آياتنا قل اللـه أسرع مكراً إن رسلنا يكتبون ما تمكرون" (يونس 21).

نجد أيضاً أن بعض الآيات الأخرى تنسب إلى الذات الإلهية صفة متشابهة هي صفة الاستهزاء، كما في قوله تعالى "اللـه يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون" (البقرة 15). وأوردت بعض الآيات المعنى نفسه دون ذكر المكر الإلهي وتخصيصه كما في الآيات التالية:

1) "ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين" (آل عمران 178).

2) "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول". أي وجب عليها العذاب (الإسراء 16).

3) "إن المنافقين يخادعون اللـه وهو خادعهم.." (النساء 141).

 

نستخلص من تفسير الطبري للآيات المذكورة ما يلي:

أ) ينطوي المكر على الاستهزاء والخديعة (36).

ب) ينطوي المكر على إظهار شيء لشخص ما وإضمار شيء آخر له لذلك: "يظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف الذي عنده في الآخرة" (37).

ج) إملاء اللـه للقوم، يعني "أن يمد من عمرهم وسعادتهم وجاههم، ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتة" (38).

د) لما قال اللـه: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول" كان قد شاء تدمير القرية، ولكن لئلا يكون للعباد عليه حجة في ما شاء لجأ إلى المكر فأمر مترفيها أن يفسقوا حتى يبدو للجميع وكأن القرية استحقت ذلك التدمير. بينما الحقيقة غير ذلك.

ويشرح أبو طالب المكي فكرة المكر الإلهي ويربطها بكل وضوح بابتلاء العباد فيقول في كتابه الشهير "قوت القلوب" ما يلي:

"وحدثنا عن أبي محمد سهل رحمه اللـه تعالى قال رأيت كأني أدخلت الجنة فلقيت فيها ثلثمائة نبي فسألتهم ما أخوف ما كنتم تخافون في الدنيا فقالوا لي سوء الخاتمة هي من مكر اللـه تعالى الذي لا يوصف ولا يفطن له ولا عليه يوقف ولا نهاية لمكره لأن مشيئته وأحكامه لا غاية لها ومن ذلك الخبر المشهور أن النبي صلى اللـه عليه وسلم وجبريل بكيا خوفاً من اللـه تعالى فأوحى اللـه إليهما لم تبكيان وقد أمنتكما، فقالا ومن يأمن مكرك فلولا أنهما علما أن مكره لا نهاية له لآن حكمه لا غاية له لم يقولا ومن يأمن مكرك مع قوله قد أمنتكما ولكان قد انتهى مكره بقوله، ولكانا قد وقفا على آخر مكره، ولكن خافا من بقية المكر الذي هو غيب عنهما.. فكأنهما خافا أن يكون قوله تعالى (وقد أمنتكما مكري) مكرا منه أيضا.. ويختبر بذلك حالهما.. كما اختبر خليله عليه السلام لما هوى به المنجنيق في الهواء فقال (حسبي الله ربي) فعارضه جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال: لا، وفاء بقوله: (حسبي الله) فصدق القول بالعمل"(39).

بعد هذه المراجعة السريعة لفكرة المكر الإلهي بإمكاننا القول أن الله كان يبدي لإبليس من الرضا غير ما شاء له من مصير وأضمر له من قدر ومحنة وخاتمة. أي أنه مكر به فأمره ظاهراً بالسجود لآدم ولكنه شاء له ضمنا أن يعصي الأمر حتى يكون له حجة على إبليس ليفعل به ما شاء وينفذ فيه قضاءه وقدره. لم يكن أمر الابتلاء إذن سوى أداة المكر الإلهي غايتها تنفيذ أحكام المشيئة وتبريرها أمام مخلوقاته فتصبح بذلك مقبولة في أعينهم فلا يكون لهم حجة عليه فيما يفعل بهم. وكما قال أبو طالب المكي: لا غاية لمشيئته وأحكامه، ولكن المكر الإلهي يتدخل ليجعل الأمور تبدو للعباد على غير ما هي عليه أي ليجعل المشيئة تبدو وكأن لها غايات ومبررات وأسبابا. لذلك مكر الله بالملائكة فأبدى لهم وكأن إبليس طرد لسبب وجيه هو العصيان ولولا هذا التدبير الماكر لاستعظمت الملائكة طرد سيدهم أكثر مما استعظمت قوله: (إني جاعل في الأرض خليفة)، ولتعذر عليها تحمل أحكام المشيئة الربانية ومواجهتها مباشرة دون توسط المكر بمبرارته وتفسيراته. لذلك طرده من الجنة بحجة الأمر والنهي وليس بحجة نفاذ مشيئته فيه. كما أنه يحسن للعباد، من الناحية العملية، أن يعتقدوا أن إبليس عصى أمر ربه فطرده بسبب جحوده، لأنهم لو آمنوا عن حق بأن الله قدر عليه هذا المصير التعيس منذ الأزل لما تحملت عقولهم هذه الحكمة فيفقدون صوابهم ويكفرون بعدالته ورحمته. لذلك رأى أن الإمام المقدسي قد وقع على عين الصواب حين كتب ما يلي عن إبليس:

"إن زل أحدهم قال إنما استزلهم الشيطان. وإن نسي أحدهم قال فأنساه الشيطان. وإن عمل أحدهم قال هذا من عمل الشيطان، فأنا حمّال أوزار المذنبين، وحمّال أثقال الخاطئين".(40).

رأينا أن أبا طالب المكي ربط بين تجربة إبراهيم وبين المكر الإلهي لأنه عندما كان إبراهيم على وشك السقوط في النار توكل على الله توكلا تاماً بقوله (حسبي الله ربي) غير أن الله اراد اختبار تمسكه بهذا التوكل فمكر به بأن أرسل له جبريل يعرض عليه المساعدة. أي كان إرسال جبريل إغواءاً له للجحود بتوكله على الله ولكنه رفض مساعدة الملاك ونجح في التجربة، فكانت النار برداً و سلاماً على إبراهيم. بعبارة أخرى شاء الله منذ القدم لإبراهيم أن يكون من أهل الجنة ومن أنبيائه الصالحين فابتلاه حتى لا يكون لأحد من مخلوقاته حجة عليه فيما شاء لإبراهيم من قدر ومصير. أما بالنسبة لإبليس فقد شاء له الله منذ الأزل أن يكون معلم التوحيد في الملأ الأعلى وأن يكون معلم الشر والمعصية في العالم الأدنى لذلك ابتلاه ومكر به حتى لا يكون لأحد عليه حجة فيما شاء لإبليس من مصير تعيس.

ومع أن الله قرر منذ الأزل من هم أصحاب الجنة ومن هم أصحاب النار، أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وملأها بالأمر والنهي، وميز بين الحلال والحرام ليبدي لعباده أن سعادتهم وشقاوتهم تتوقفان على سلوكهم واختياراتهم في إتباع أنبيائه والتمسك بشرائعه وبذلك لا يكون لهم حجة عليه بالنسبة للمصير الذي كتبه عليهم "إنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون". وهذا يعني أن إرسال الرسم، وإنزال الكتب، والتمييز بين الحلال والحرام ليست إلا وسائط مكر لتنفيذ أحكام مشيئته في عباده، شأنهم في ذلك شأن أهل القرية التي أراد الله تدميرها فأمر مترفيها ففسقوا فيها، وشأن الذين أملى الله لهم خيرا لأنفسهم ليزدادوا إثما فعذبهم عذاباً مهينا. ومع أن إبليس كان مجبوراً بحكمته لا حول له ولا قوة تجاه ربه لم ينفذ مشيئته فيه ويلعنه إلا بعد أن مكر به بواسطة أمر السجود, فظهر للجميع وكأن إبليس كان مسؤولاً واستحق هذا العقاب.

رددنا مراراً أن الله هو صانع الخير والشر بدليل الحديث القدسي القائل:

" إن الله عز وجل يقول لا إله إلا أنا خلقت الخير وقدّرته فطوبى لمن خلقته للخير وخلقت الخير له وأجريت الخير على يديه، أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الشر وقدرته فويل لمن خلقته للشر وخلقت الشر له وأجريت الشر على يديه" (41).

ولكن من مكره أراد للعباد أن يعتقدوا غير ذلك بأن ينسبوا النقيصة والقبيحة إما لأنفسهم كما فعل آدم عندما قال: "ربنا ظلمنا أنفسنا" أو إلى تلبيس إبليس وغوايته، وأن ينسبوا الخير والعدل والرحمة إلى الله كما فعل آدم عندما قال: "إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين". بالإضافة إلى ذلك يحسن للعباد من الناحية العملية، أن يعتقدوا بصورة عامة أن لله عدواً اسمه إبليس اللعين هو مصدر الشر والزلة والخطيئة، لأنهم لو آمنوا عن الحق أن الله هو مصدر بلائهم ومصائبهم التي تحيط بهم من كل جانب لما تحملت عقولهم هذه الحقيقة فيفقدون صوابهم ويكفرون به وبنعمته. كتب الإمام المقدسي على لسان إبليس ما يلي:

"وبعد ذلك. فإنه جعلني سبباً لوجود الزلة. وعلة لتوجه الأمر والنهي. في الحقيقية لا علة لأمره، ولا معقب لحكمه. ولا سبب لبعد أعدائه ولا نسب لقرب أوليائه. فأن الله تعالى غني عن خلقه.. قائم بنفسه قيوم بعباده، لا تنفعه حسنات المحسنين ولا تضره سيئات المسيئين. فقد نفذ حكمه. ومضى قضاؤه. وجف قلمه بما هو كان في ملكه.. أن شاء عذّب وإن شاء عفا لا يلزمه إثبات الوعيد. بل الأمر إليه في وعيده. والمشيئة إليه في تهديده. فله أن يعذب بلا سبب. وأن يسعد بلا نسب ولا مكتسب"(42)

إن كان باستطاعة آدم أن ينسب النقيصة إلى نفسه أو إلى إبليس الذي أغواه وأن يطلب المغفرة والرحمة من ربه تمشياً مع توصية السيد المسيح: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فإلى من يجب أن ينسب إبليس عصيانه وجحوده؟ أو على حد قول إبليس: "فلئن كنت إبليس آدم فليت شعري من كان إبليسي؟"(43). وبطبيعة الحال أحال إبليس جحوده إلى مصدره الحقيقي والنهائي بقوله: "فيما أغويتني" فأعطى بذلك لله ما لله ولم يعط لقيصر شيئاً، لأن قيصر لا يملك شيئا على الإطلاق بالنسبة لإبليس ولا حول له ولا قوة حتى ينسب له أي شيء. إذا استرسلنا في مقارنة موقف آدم بموقف إبليس نجد أنه إذا كان إبليس أول بطل مأساوي في الكون كان آدم أول انتهازي لأنه رفض اتخاذ موقف محدد بين الأمر والمشيئة رغبة منه بالنجاة كيفما تمت الأمور، وهذا واضح في جوابه الذي رددناه مرات عديدة، فلو صح "الأمر" وكان آدم مسؤولا بالفعل عن عصيانه يكون قد اعترف بذنبه واعتذر من ربه واستغفره فأتاح له فرصة النجاة، ولو صحت المشيئة وبذلك انتفت عنه مسؤولية العصيان يكون قد نجا بتسليم أمره لله وتعلقه برحمته وغفرانه، بعبارة أخرى أضاف آدم الفعل إلى نفسه لما قال: "ربنا ظلمنا أنفسنا" وأخذ مسؤولية العصيان على عاتقه فكان "قدرياً" ونفى بذلك أن يكون الله قد قدر عليه الظليمة وأرادها له. ولما قال آدم "إن لم تغفر لنا وتحرمنا لنكونن من الخاسرين" تعلق بحبال الرحمانية المنوطة بعروة المشيئة فكان "جبرياً" ونفى بذلك عن نفسه مسؤولية الظليمة لأنه في هذه الحال يكون الله قد قرر منذ الأزل فيما إذا كان سيرحم آدم أم سيعذبه فتكون الظليمة حجة الله على آدم ولا يكون لآدم حجة على ربه. نرى إذن أن آدم حاول النجاة عن طريق القدرية وعن طريق الجبرية في آن واحد تحوطاً منه إذا أنه لم يكن على يقين أيهما ستصح في نهاية المطاف. أما إبليس فقد اتخذ موقفاً محدداً بقوله "فبما أغويتني" فلم يضف شيئاً إلى نفسه بل أحال كل شيء إلى مصدره الحقيقي أي إلى المشيئة الإلهية فكان بذلك جبرياً مخلصاً ولم يحاول الاستفادة من القدرية كما فعل آدم بغية السلامة والنجاة.

رفض بعض المجتهدين إحالة النقيصة إلى المشيئة الإلهية وقالوا إن إبليس هو مصدر الشر وخالق المعصية(44) رغبة منهم بتنزيه الله عن خلق الشر وتقديره على عباده. أعتقد أن هذا الاجتهاد ينسجم مع بعض النظريات الفلسفية التي تأثر بها المفكرون المسلمون أكثر بكثير مما ينسجم مع النظرة الدينية الخالصة للموضوع، وبما أننا نعالج شخصية إبليس ومكانته في الكون على المستوى الديني البحت لا يمكننا أن نأخذ بالاجتهاد المذكور. بالإضافة إلى ذلك ينسب هذا الاجتهاد إلى إبليس القدرة على الخلق والتكوين لا على التشويه والإفساد فحسب. وهذا قول مردود من الناحية الدينية. ولو أراد إبليس خلق المعصية لكان بقدرته تعالى أن يمنعها وبما أنه لم يمنعها نستنتج أن وجودها كان منسجماً مع مشيئته السرمدية.

ورد معنا قول أبي طالب المكي "أن الخاتمة هي من مكر الله تعلى الذي يوصف ولا يفطن له ولا عليه يوقف". يعود بنا هذه القول إلى الخاتمة النهائية التي توقعتها لإبليس عندما قلت أن الله سيكافئه على نجاحه في التجربة التي ابتلاه بها ويعيده إلى الجنة يوم تشرف هذه الدراما الكونية على الانتهاء. سأقدم فيما يلي الاعتبارات والاسباب التي جعلتني استنتج أن نهاية إبليس ستكون نهاية سعيدة ومرضية:

أ‌) تمسك إبليس بحقيقة التوحيد تمسكا لا مثل له ولذلك لا يمكن أن ينتهي في جهنم عملا بالحديث القدسي القائل: "قال الله عز وجل اني أنا الله لا إله إلا أنا من أقر له بالتوحيد دخل حصني ومن دخل حصني أمن عذابي"(45).

ب‌) نجح إبليس في التجربة التي ابتلاه الله بها وصبر على البلاء الذي حل به من جرائها وعليه فإن مكافأته النهائية مضمونة بدليل الحديث القدسي القائل:"قال الله عز وجل إذا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً فحمدني و صبر على ما ابتليته فإن يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا ويقول الرب للحفظة إني قيدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك من الأجر" (46)، ولولا هذه النهاية السعيدة المتوقعة لإبليس لكانت خاتمته مأساة حقيقية ونهائية لا يمكن لمنطق الدين أن يقبل بوجودها كما مر معنا في السابق. وبما أن الخاتمة هي من كره تعالى، جعل الله إبراهيم وأيوب يعتقدان أن خاتمة تجربة كل منهما ستكون على نقيض ما كانت عليه فعلاً، وعلى عكس ما أراد لها الله من خاتمة أي أنه أبدى لهما من أحكامه عند بداية التجربة غير ما أضمر لهما بالنسبة لخاتمتها. ينطبق هذا الاعتبار على إبليس إذ أن مكر الله يتطلب أن يعتقد إبليس اعتقاداً جازماً بأن خاتمته لن تكون تعيسة ويائسة. نستنتج إذن أن اللعنة التي نزلت بإبليس لم تكن تعبيراً عن نهايته الحقيقية التي شاءها الله له، وإنما كانت مكراً إلهيا غايته تنفيذ أحكام المشيئة فيه.

لنفترض جدلاً أني على صواب في ما قلته عن حقيقة إبليس وعن خاتمته ومصيره النهائي، ماذا يستتبع هذا الافتراض من نتائج بالنسبة لموقفنا الشخصي من إبليس؟ أعتقد: أولا أنه يجب علينا إدخال تعديل جذري على نظرتنا التقليدية إلى إبليس وإحداث تغيير جوهري في تصورنا لشخصيته ومكانته. ثانيا، يجب أن نرد اعتباره بصفته ملاكاً، يقوم بخدمة ربه بكل تفانٍ وإخلاص، وينفذ أحكام مشيئته بكل دقة وعناية. وأخيراً، يجب أن نكف عن كيل السباب والشتائم له، وأن نعفو عنه ونطلب له الصفح، ونوصي الناس به خيراً بعد أن اعتبرناه زورا وبهتانا، مسؤولا عن جميع القبائح والنقائض. ولكن أرى من واجبي أن أحذركم أن العفو عن إبليس ورد الاعتبار له يستتبع نتائج وعواقب هامة لا تخطر على بال أحد في أول الأمر. إن مثل هذه الخطوة تضطرنا لأن نبدل الكثير من أفكارنا الدينية ومعتقداتنا الموروثة حول أمور الدنيا والآخرة. ولأعطيكم فكرة بسيطة عن خطورة العواقب التي قد يؤدي إليها العفو عن إبليس، سأستشهد بقصة طريفة وجميلة كتبها توفيق الحكيم (47). يقول الحكيم في هذه القصة أن إبليس قرر ذات يوم أن يتوب إلى ربه وأن يرجع عن إثمه ليكرس نفسه لعمل الخير والسير على الصراط المستقيم، فذهب إلى شيخ الأزهر ليتوب على يديه ويدخل بإرشاده في الدين الحنيف، فدار الحوار التالي بين إبليس وشيخ الأزهر:

"- إيمان السيطان؟! عمل طيب ولكن ..

- ماذا؟ أليس من حق الناس ان يدخلوا في دين الله أفواجا؟ أليس من آيات الله في كتابه العزيز: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)؟ هأنذا أسبح بحمده واستغفره، وأريد أن أدخل في دينه خالصا مخلصا، وأن أسلم ويحسن إسلامي وأكون نعم القدوة للمهتدين!

وتأمل شيخ الأزهر العواقب لو أسلم الشيطان، فكيف يتلى القرآن؟ هل يمضي الناس في قولهم:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟!" لو تقرر إلغاء ذلك لاستتبع الأمر إلغاء أكثر آيات القرآن.. فإن لعن الشيطان والتحذير من عمله ورجسه ووسوسته لمما يشغل من كتاب الله قدراً عظيماً .. كيف يستطيع شيخ الأزهر أن يقبل إسلام الشيطان دون أن يمس بذلك كيان الإسلام كله؟!

رفع شيخ الأزهر رأسه ونظر إلى إبليس قائلا: إنك جئتني في أمر لا قبل لي به... هذا شئ فوق سلطتي، وأعلى من قدرتي، ليس في يدي ما تطلب... ولست الجهة التي تتجه إليها في هذا الشأن.

- إلى من أتجه إذن؟ ألستم رؤساء الدين؟ كيف أصل إلى الله إذن؟... أليس يفعل ذلك كل من أراد الدنو من الله. أطرق شيخ الأزهر لحظة.. وهرش لحيته ثم قال:

- نية طيبة ولا ريب! ... لكن ... على الرغم من ذلك أصارحك أن اختصاصي هو إعلاء كلمة الاسلام، والمحافظة على مجد الأزهر، وأنه ليس من اختصاصي أن أضع يدي في يدك".

أي أدرك شيخ الزهر ضرورة وجود إبليس لإعلاء شأن الدين والمحافظة على مؤسساته. ولو اختفى الشيطان لزال سبب وجوده وذهب مبرر استمراره، وكما يقول الحكيم نفسه في ذات القصة:

"كيف يمحى إبليس من الوجود دون أن تمحى كل تلك الصور والأساطير والمعاني والمغازي التي تعمر قلوب المؤمنين وتفجر خيالهم؟.. ما معنى "يوم الحساب" إذا محي الشر من الأرض؟ وهل يحاسب أتباع الشيطان الذين تبعوه قبل إيمانه أم تمحى سيئاتهم ما دامت توبة إبليس قد قبلت...؟"(48)

وبعد أن يئس إبليس من شيخ الأزهر صعد إلى السماء مباشرة وتكلم مع جبريل طالبا منه ان يتوسط له عند ربه لينال المغفرة وتقبل توبته فدار الحوار التالي بين إبليس وجبريل:

" - نعم ولكن زوالك من الأرض يزيل الأركان، ويزلزل الجدران، ويضيع الملامح ويخلط القسمات، ويمحو اللوان. ويهدم السمات. فلا معنى للفضيلة بغير وجود الرذيلة... ولا للحق بغير الباطل.. ولا للطيب بغير الخبيث.. ولا للأبيض بغير الأسود .. ولا للنور بغير الظلام.. بل ولا للخير بغير الشر.. بل أن الناس لا يرون نور الله إلا من خلال ظلامك .. وجودك ضروري في الأرض ما بقيت الأرض مهبطاً لتلك الصفات العليا التي أسبغها الله على بني الإنسان!

- وجودي ضروري لوجود الخير ذاته؟! نفسي المعتمة يجب أن تظل هكذا لتعكس نور الله!. سأرضى بنصيبي الممقوت من أجل بقاء الخير ومن أجل صفاء الله ... ولكن ... هل تظل النقمة لاحقة بي واللعنة لاصقة باسمي على الرغم مما يسكن قلبي من حسن النية ونبيل الطوية...

- نعم يجب أن تظل ملعونا إلى آخر الزمان .. إذا زالت اللعنة عنك زال كل شئ..

- عفوك يا ربي! لماذا أحمل هذا الوقر العنيف، لماذا كتب عليّ هذا القدر المخيف؟ لماذا لا تجعل مني الآن ملاكا بسيطا من ملائكتك، يباح له حبك وحب نورك، ويثاب على هذا الحب بالعطف منك والحمد من الناس؟ هأنذا أحبك حبا لا مثيل له ولا شبيه.. حبا يستوجب مني هذه التضحية التي لم تدركها الملائكة ولم يعرفها البشر.. حبا يقتضيني الرضا بارتداء ثوب العصيان لك، والظهور في لبوس المتمرد عليك، حبا يستلزم مني احتمال لعنتك عليّ ولعنة الناس. حبا لا تسمح لي حتى بشرف ادعائه. ولا بفرح الانتساب إليه.. حبا إذا كتمه النساك ملأ صدورهم نورا.. وأنا أكتمه، ولكن نوره يأبى من صدري اقترابا..

وبكى إبليس .. وترك السماء مذعنا .. وهبط الأرض مستسلما.. ولكن زفرة مكتومة انطلقت من صدره، وهو يخترق الفضاء.. رددت صداها النجوم والأجرام، في عين لوقت كأنها اجتمعت كلها معها لتلفظ تلك الصرخة الدامية.

"إني شهيد !... إني شهيد!...."

 

_________________________

الهوامش:

 

31- تفليس إبليس، ص: 21، 22.

32- طاسين الأزل والالتباس.

33- تفليس، ص: 13.

34- تفليس، ص: 22- 23

35- الاتحافات السنية في الأحاديث القدسية، ص: 68.

36- تفسير الطبري، ج 1، ص: 301- 302.

37- تفسير الطبري، ج 1، ص: 303.

38- تفسير الطبري، ج 7، ص: 421- 422.

39- أبو طالب المكي، قوت القلوب، ج 1، ص: 229.

40- تفليس، ص: 26.

41- الاتحافات السنية، ص: 71.

42- تفليس، ص: 28- 29.

43- تفليس، ص: 16.

44- تفسير الطبري، ج 1، ص: 477- 488، 508.

45- الاتحافات السنية، ص: 4.

46- الاتحافات السنية، ص: 10.

47- الشهيد.

48- الشهيد.