من أمل دنقل إلى جونار إكيلوف

 

 

جابر عصفور

مرت عشر سنوات على وفاة الشاعر أمل دنقل، وما زالت أصداء قصائده تلح على الذاكرة العربية. وتقدم هذه الدراسة المقارنة رؤية جديدة لهذا الشاعر من خلال تشابك التجربة الإنسانية مع شاعر عالمي آخر رغم اختلاف البلدين.

         احتفلنا في شهر مايو الماضي بمرور عشر سنوات على وفاة الشاعر القومي أمل دنقل الذي فقدته الحياة الأدبية العربية في الصباح الباكر للثالث والعشرين من مايو 1983. اللافت لانتباهي أنني كلما تداعت على خاطري ذكريات أمل دنقل الصديق تداعت على ذاكرتي قصائد الشاعر السويدي جونار إكيلوف أغلب الظن أن السبب في ذلك يرجع إلى أن كلا الشاعرين قد مات بسبب مرض السرطان اللعين. وأنني قد تعرفت إلى شعر إكيلوف في فترة زمنية من فترات الغربة والقلق الملهوف على أمل الذي كان يعالج حينئذ في المعهد القومي للأورام في مصر. وقد توفي إكيلوف قبل أمل دنقل بسبعة عشر عاما على وجه التحديد. ولم يكن أحدهما يعرف الآخر بالقطع، فهما من جيلين مختلفين، وثقافة مغايرة، واتجاه شعري متعارض إلى حد لافت. ومع ذلك فقد كان أمل دنقل- بشكل غير مباشر- هو سبب تعرفي إلى شعر إكيلوف وإقبالي عليه.

المعاناة في الشعر والمرض

         كان ذلك عام 1981 بعد أن غادرت القاهرة مضطرا للعمل أستاذا زائرا في جامعة استكهولم في السويد، وكان علي أن أفترق عن أمل دنقل الذي كان السرطان قد بدأ ينهش جسده ويخوض فيه معركته الأخيرة المنتصرة. وكانت صداقتي لأمل دنقل معروفة لأصدقائي القليلين في السويد، ومنهم كاتبة مغرمة بالدراسات العربية فاجأتني يوماً بواحدة من سلسلة كتب "البينجوين" المعروفة عن الشعراء الأوربيين المحدثين. وقدمتها إلى قائلة: هذه مختارات لشاعر سويدي متميز اسمه جونار إكيلوف، وهو يشبه صديقك المصري في المعاناة من المرض نفسه، وهو متأثر مثل صديقك بالتراث العربي، ويستخدم كثيراً من الأقنعة التراثية في شعره.

         تلقيت المختارات التي ترجمها الكاتب السويدي ليف سيبري مع الشاعر الإنجليزي و. هـ. أودن وكتب مقدمتها جوران بنتز بالسون ونشرت لأول مرة عام 1971 في سلسلة الشعراء الأوربيين المحدثين التي يتولى الإشراف عليها أ. الفاريز ضمن سلاسل "البنيجوين" الشهيرة. وقدمتني المقدمة التي كتبها المترجمان إلى جونار إكيلوف الشاعر الذي ولد عام 1907 في مدينة استوكهولم لأب وأم لمن الأثرياء، الأم كانت من صغار النبلاء والأب كان سمسارا ناجحا في سوق الأوراق المالية، سرعان ما فقد حياته بسبب مرض الزهري الذي انتهى به إلى الجنون. وقد أفضت حياة الوحدة التي عاشها الطفل جونار إكيلوف بعد فقد والده إلى الأحلام التي تعوضه عن جهامة الواقع، وإلى القراءة التي تستبدل بعالم الكآبة عوالم من المسرة، ومع القراءة المتصاعدة والتعليم الجامعي تعرف إكيلوف إلى التراث العربي واكتشف ديوان ترجمان الأشواق في المكتبة الملكية في مدينة استوكهولم، وأصبح الديوان كتابه المفضل لسنوات طوال، وتعلم منه أول ما تعلم المعنى المقصود من وراء الرمزية والسريالية. ومن هذه البداية الشعرية انطلق إكيلوف إلى الدراسة في مدرسة اللغات الشرقية في مدينة لندن، حيث قضى فترة عاد بعدها إلى السويد ليدرس- إلى جانب العربية- اللغة الفارسية في جامعة أوبسالا، وهناك دهمه المرض بعد أن كان قد أخذ يحتل مكانة متميزة بوصفه واحدا من شعراء الطليعة المحدثة في الشعر السويدي. وقد بدأت الأنظار تتجه إليه منذ مطالع الأربعينيات بعد أن نشر "أغنية العبّارة" عام 1941. وتوالت أعماله الشعرية التي كان من أهمها ديوانه عن "الأمير أمجيون" الذي صدر عام 1965، و "حكاية فاطمة" الذي صدر عام 1966، و"دليل العالم السفلي" الذي صدر عام 1967، وهو ديوانه الأخير الذي أصدره قبل وفاته بعام واحد، فقد توفي إكيلوف عام 1968. وقد أصدر أصدقاؤه ومحبوه بعد موته مجموعات ومختارات من شعره مترجم إلى الإنجليزية، وغيرها، ومنها المختارات التي تضمنت بعض قصائد ديوانين من أهم دواوينه على الإطلاق، وهما ديوان "الأمير أمجيون" 1965 وديوان "حكاية فاطمة" 1966.

الشعر واستلهام الماضي

         ويقول المترجمان في مقدمة المختارات الإنجليزية: إن إكيلوف يشبه الشاعر اليوناني الإسكندراني كفافيس، فقصائده تدور في الماضي وتستلهم أحداثه ومشاهده. صحيح أن كلا من إكيلوف وكفافيس يختلف عن الآخر في الحساسية الشعرية، فكفافيس ساخر متباعد عن موضوعه، وإكيلوف عاطفي ومنغمس في موضوعاته، ولكن كليهما، لا يختار الماضي بوصفه فرارا، بل بوصفه وسيلة لإضاءة الحاضر ونقده. يضاف إلى ذلك أن إكيلوف الذي كان مشغولا ببيزنطة مثل كفافيس لم يتصورها تصورا مثاليا بل تصورا واقعيا لعالم ينحدر. هذه الصفة التراثية لا تصل إكيلوف بكفسافيس فقط، بل وصلته- في ذهني - بأمل دنقل، فمن يقرأ شعر أمل يرى للماضي مكانة أساسية في هذا الشعر، ويرى الأقنعة التراثية تلعب دور كبيرا في البناء. ولا أظن أن واحدا من قراء أمل يستطيع أن ينسى قصائده عن "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" أو "من مذكرات المتنبي" أو "الحداد يليق. بقطر الندى" أو " العهد الآتي" أو "من أوراق أبي نواس" أو "أقوال جديدة عن حرب البسوس" بما تنطوي عليه من قصائد "لا تصالح" و "مراثي اليمامة" أضف إلى ذلك "بكائية لصقر قريش" و "الخيول" التي صاغها الصياغة الأخيرة في السنة الأخيرة من حياته، وقبل أن يكتب قصيدته الأخيرة " الجنوبي" مباشرة.

         كان الماضي عند أمل دنقل هو المرآة التي ينعكس عليها الحاضر ليجتلي الحاضر مجلاه فيه، ويتعرف ما هو عليه بالقياس إلى أصله. ولم تكن هذه العودة تنطوي على تقديس مطلق للماضي، أو تصوير له في صورة الفردوس المفقود، فقد كان أمل دنقل- مثل جونار إكيلوف- لا ينظر إلى الماضي إلا بوصفه وسيلة لإضاءة الحاضر ونقده.

الخيول وإيجابية الماضي

         قد نجد عند أمل إلحاحا يوهمنا أحيانا بتفضيل الماضي على الحاضر، خصوصا في بعض قصائد النهاية، من مثل قصيدة "الخيول" التي تلفت الانتباه بالتضاد الذي تنطوي عليه، حيث يتقابل الماضي والحاضر، ويتحول الماضي إلى عنصر موجب بالقياس إلى الحاضر. ولكن لو تمعنا في المشهد الكلي لشعر أمل دنقل ودققنا في سياقاته الكلية، لوجدنا أن الماضي صورة أخرى من الحاضر بكل مشكلاته في آخر الأمر، فالماضي مرآة للحاضر، ووسيلة رمزية للإشارة إلى ما يقع فيه من انحدار. كان ذلك المغزى الأساسي لقصيدة "كلمات سبارتاكوس الأخيرة" و "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" و "حديث خاص مع أبي موسى الأشعري" و"مذكرات المتنبي" و "من أوراق أبي نواس" على السواء، فالماضي في هذه القصائد وغيرها مجموعة من الأحداث الدالة والشخصيات النموذجية التي تنطوي على دلالة رمزية تؤكد الأبعاد السالبة للحاضر وتعكسها كما تعكس المرآة ما يقع على صفحتها. الواقع أن الحديث عن المرآة- في هذا السياق- يقودنا إلى نقطة أساسية، يختلف بها شعر جونار إكيلوف عن شعر أمل دنقل كل الاختلاف في الدلالة، ويتشابه معه رغم ذلك في استغلاله الوسائل الفنية، فالشاعر السويدي يتكئ على التراث العربي القديم مثل أمل دنقل، ويصوغ منه أقنعة لافتة، لعل أهمها قناع "فاطمة" المنسوج بمهارة من التراث الصوفي بوجه خاص. يضاف إلى ذلك أن الشاعر كان يرى في الشعر الصوفي عامة، سواء المكتوب باللغة العربية أو الفارسية أو التركية، مصدرا ثريا وينبوعا متدفقا للإبداع الرمزي والسريالي.

المرآة والتراث الصوفي

         وقد تعرف إكيلوف في هذا التراث الصوفي على رمز المرآة الذي لعب عند الصوفية أكثر من دور، فالمرآة رمز لانقسام الوعي على نفسه عندما يتحول الوعي إلى ذات ناظرة وذات منظور إليها على السواء، وهي رمز للتطلع الداخلي إلى النفس، ورمز للعوالم التي يمكن أن تكتشفها الأنا في عزلتها عن شغب الحواس وغوصها عميقا في أقاليم الروح وتحولاتها. هذا المستوى هو الذي يباعد إكيلوف عن أمل دنقل ويربطه به في الوقت نفسه. ذلك لأن أمل دنقل- مثل إكيلوف- يهتم - برمزية المرآة، يذكرها في شعره، ويجعل منها موازيا رمزيا لانقسام الأنا المحدثة في تضادها مع العالم حولها، وتضادها مع نفسها في الوقت نفسه. وأحسب أن قراء أمل يذكرون الإصحاح الثاني من قصيدته "سرحـان لا يتسلم مفاتيح القدس" خصوصا حين نقرأ:

أتجزأ في المرآة
يصفعني وجهي المتخفي تحت قناع النفط

         ولكن رمزية المرآة في شعر إكيلوف لا تنطوي على هذه الإشارة الواقعية الحادة في شعر أمل دنقل، إنها رمزية تنقلنا من عالم الواقع الخشن، حيث تناقضات المدينة التي تثقل قصيدة أمل دنقل، إلى عالم ما فوق الواقع حيث نغادر حيثيات الحس المألوفة، وندلف إلى أعماق الوعي الصوفي، حيث العوالم الذاتية، والغوص في قرارة اللا وعي، والإبحار في أقاليم الروح ما بين ملكوت الغياب وفناء الجسد.

         إن هذه الأبعاد الصوفية التي تباعد بين شعر جونار إكيلوف وشعر أمل دنقل هي التي تجعلنا نفهم المغزى الروحي الذي يومئ إليه هذا المقطع من شعره، حين يقول في قصيدة بعنوان "بادة":

أأستطيع
أن أصف السمو
سأختار الأزرق
ورقشتين من ذهب
نجمة على الرأس
نجمة على القدم
وتحت القدم صورة مرآة
قرارها نجمة

         وهي نفسها الأبعاد التي تصل المرآة التي تنطوي على معنى السمو (أو الذروة أو "الشهود") بالمرآة المقابلة التي تطالعنا في الأسطر الأولى من قصيدة "فاطمة" حيث نقرأ:

في المرآة الساكنة رأيت مجلى
نفسي وروحي

         وهي نفسها الأبعاد التي تصل المرآتين السابقتين بالمرآة الأخيرة التي تتضوأ بها قصيدة "العاشق" حيث نقرأ:

أعرف، بعد كل شيء، أن المرآة هناك
وأن ثمة كائنا مختلفا ينظر من المرآة
يوما ما ستدير عينيك إليه
وعندما تحول عينيك عنه، أتلاشى، أنا، بدوري.
أنت مجلى حزنك، مجلى رغبتك
مرآة ذاتك والصورة في المرآة.

الهجرة إلى أقاليم الروح

         إن هذه الدلالات الغنية التي تكتسيها رمزية المرآة في التراث الصوفي، في النهاية، هي التي فتنت جونار إكيلوف وشدته إلى شعر التصوف العربي، خصوصا شعر محيي الدين بن عربي، وهي التي جعلته يفتتح ديوانه "عن الأمير أمجيون" باقتباس شعري من "ترجمان الأشواق" يقول فيه ابن عربي:

شعرنا هذا بلا قافية
إنما قصدي منه حرف ها
غرضي لفظة ها من أجلها
لست أهوى البيع إلا ها وها

         ولكن إذا كان في عوالم التصوف وفي الهجرة إلى داخل أقاليم للروح ما يميز شعر جونار إكيلوف عما يمكن أن نراه في شعر أمل من بعض التجارب الخاصة التي تجسدها قصيدة من مثل "الهجرة إلى الداخل"، فإن في شعر الشاعرين ما يؤكد إيمانهما معا بأهمية الكلمة الشعرية، وقدرتهما على إصلاح العالم وإعادة بنائه في آن. إن هذا الإيمان هو الذي دفع كلا الشاعرين إلى الكتابة، وهما على يقين من أن الكتابة انتصار على المرض وانتصار على الموت على السواء. ومن هذا المنظور أجد نفسي، كلما فكرت في غياب أمل دنقل صديقي الذي فقدته، والذي حدثته طويلا في خلواتنا عن جونار إكيلوف، أسترجع أبيات الشاعر السويدي التي افتتح بها ديوان "حكاية فاطمة" وأرى فيها رثاء لصديقي الشاعر العربي المعاصر أمل دنقل، أعني الأبيات التي تقول:

في الخريف أو الربيع
هل ثم فارق يهم؟
في الشباب أو الكهولة
هل ثم فارق مهم؟
أنت تغيب على كل حال
في صورة الكل
أنت تفني، أنت فان
الآن، أو في اللحظة السالفة
أو منذ ألف من الأعوام الماضية
ولكن غيابك
يبقى.

عن الجمال والحرية

أوراق أدبية

قيم كثيرة آمن بها العقاد ونذر لها قلمه. ولكنها في محورها تدور حول قيمتين أساسيتين هما الجمال والحرية ومنهما تنطلق بقية أفكاره الخصبة. إننا في حاجة ماسة للتذكير بهذه القيم في وقت تعلو فيه أصوات الغوغائية وتهدد باغتيال كل الأفكار.

          احتفلت الأوساط الأدبية في شهر يونيو الماضي بالذكرى الرابعة بعد المائة لميلاد عباس محمود العقاد الذي ولد في الثامن والعشرين من يونيو عام 1889 وتوفي في الثالث عشر من مارس عام 1964. والواقع أن ذكرى العقاد تنبعث متوثبة هذه المرة، وتذكر بالقيم التي كان يمثلها والتي نحن في أمس الحاجة إلى استمرارها في حياتنا، خصوصا ونحن نواجه ما نواجهه في وطننا العربي الذي يعاني من المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدد حضور القيم العظمى التي سعى جيل العقاد إلى إقرارها وإشاعتها بين المواطنين من أبناء الأمة العربية.

          والواقع أن أجل قيمتين سعى العقاد إلى تأكيدهما في مسعاه التنويري هما قيمة الجمال والحرية. وليس من الغريب أن نعد هاتين القيمتين حجر الزاوية في إبداع العقاد وفكره على السواء. وسواء كنا نتحدث عن كتابات الرجل السياسية أو الاجتماعية أو الفلسفية أو الأدبية أو الفنية فإن الجمال يظل هو الوجه الآخر للحرية في هذه الكتابات، والعكس صحيح في الوقت نفسه ذلك لأنه لا وجود للجمال دون حرية، ولا حرية إلا إذا انطوت على الجمال، بل إن الحرية هي الجمال والجمال هو الحرية عند العقاد، كلاهما بمثابة تعريف للآخر ووجهه المتحد في الهوية على السواء.

بين الجمال والنظام

          والجمال هو النظام عند العقاد، هو الاتساق الذي يقع بين العناصر، ويصل بينها على نحو يوقع الانسجام في المشاعر والعقول، ويستجيب لما تنطوي عليه هذه المشاعر والعقول من انسجام في الوقت نفسه. هذا الانسجام الذي يصل بين العناصر قانون ثابت في حياة الطبيعة والأحياء ومنتجات الفن على السواء. ولذلك كان العقاد يرى الجميل في كل ما ينطوي على الانسجام، وكل ما يتحقق به التناغم. العمل الفني جميل لأنه يحقق أقصى درجة من التناغم بين أجزائه، حيث لا يخضع شيء للمصادفة، ولا ينبني عنصر على العشوائية بل تتضافر العناصر والأجزاء في وحدة واحدة، تنسجم مكوناتها، وتتناغم علاقاتها. والحياة نفسها عمل فني تحكمه الأصول التي تحكم بيت الشعر ولحن الموسيقى وصورة المصور. وتخرج الحياة في جملتها وتفصيلها من يد الفن الإلهي كما تخرج اللوحة من يد الصانع القدير في فكرتها الباطنة وتمثيلها الظاهر. والإنسان نفسه هو أعظم الأعمال الفنية التي خلقها مبدع الكون، فما ينطوي عليه هذا الكائن من تناغم وتناسق بين الأعضاء والجوارح يحقق صورة مثلى من صور الجمال المتكررة.

          ولكن العقاد الذي يقرن الجمال بالتناسب والانسجام والتناغم لا يترك هذه الصفات دون تحديدها. وهو يخص التناسب باهتمام خاص، ويحدد ما يقصده به عندما يقول إن التناسب هو ألا يزيد عضو أو ينقص في الحجم أو الشكل، فلا يكون أضخم ولا أنحف ولا أطول ولا أقصر ولا مختلفا في التركيب واللون عما ينبغي. ولكن التناسب ليس غاية في ذاته عند العقاد فالمهم ما ينطوي عليه من إرادة مضمرة، وما يدل عليه من دلالة ومغزى. التناسب هو الإرادة التي تتحقق شكلا، والغابة التي تتناغم عناصر، والاختيار الذي يتحقق حضورا وحركة وحيدة. إنه الشكل الجميل الذي يقترن بالحياة ويعمل على تجددها اقترانه بالحرية.

          وإذا كانت كلمات التناغم والتناسق والانسجام صفات يقتنص بها العقاد بعض أبعاد الجمال في مفهومه المجرد، من حيث علاقة عناصر الجميل بعضها بالبعض الآخر، فإن هذه المجموعة من الصفات تقترن بمجموعة أخرى من صفات الحركة، فالجمال لا يتحقق وجوده إلا على أساس من الحيوية التي لابد أن ينطوي عليها. والحيوية تعني الحركة المتدفقة بين العناصر والأجزاء التي تحفظ على الاستجابة الجمالية نشاطها وتوترها الدائم. ويقيم العقاد، في هذا السياق، نوعا من المقارنة بين الموضوعات الجميلة، فيرى أن الماء الجاري أجمل من الماء الساكن، والكائن الحي المتحرك أكثر إثارة للشعور بالجمال من التمثال الساكن الهامد، والتمثال الساكن، بدوره، لا يتميز على غيره إلا بما يوحي به من الحركة والانطلاق. والصوت الجميل هو الصوت السالك الذي يصدر عن حنجرة صافية لا يعوقها شيء عن الحركة والانطلاق.

          وإذا كان الجمال قرين الحركة التي تتناغم بها العناصر داخل وحدة الجميل، فإن هذه الوحدة تنطوي على معنى التنوع بدورها، وتستمد أهميتها من التباين الذي تنطوي عليه عناصرها. حيوية الجميل هي حيوية التنوع الذي يحققه الاختلاف الذي لا يخل بمبدأ التناغم، فالجمال ليس صيغة مصمتة متكررة. إن تنوعه بعض من صفته. وحيويته قرينة النظام الذي تنضبط به عناصر الفوضى داخل نسق.

معنى الحرية

          هذا البعد الخاص بالتنوع يكشف عن المعنى الخاص الذي تكتسبه الحرية عند العقاد، فالحرية لا تعني الفوضى أو الضرورة، وإنما تعني إطلاق سراح الطاقات الخلاقة على النحو الذي يحيل العوائق إلى وسائط، ويتخذ من الضرورات أدوات للحرية.

          والحرية بدورها هي التوازن بين الأضداد، والتناغم بين المختلفات، والتآلف بين الجمال والمنفعة، والتجانس بين الروح والمادة، والتكامل بين أفراح الفن وأوزانه. والواقع أن حرية الفن لا تختلف عن حرية الطبيعة أو حرية الكائن، فهي حرية غير مطلقة، توازن بين الروح والمادة، والقانون والعفوية، والقاعدة والانطلاق في آن.

          وإذا كانت الطبيعة تخضع لقانون عام لايتعارض مع حريتها، فيما يقول العقاد، فإن الفن له قواعده التي تبرز هذه القيمة. لأن قيود الضرورة هي مسبار مافي النفوس من جوهر الحرية الصحيحة، كما أن القيود التي تثقل بها أعضاء البهلوان الماهر هي مسبار مهارته وقدرته على الخطران والوثب، فالفن طلاقة تتخذ من الضرورة أداة للتحرر، ومن القيد وسيلة للانطلاق. أما الوسيلة التي نفهم بها هذه الحقيقة النفسية فهي الفن الجميل أو الملكة التي يدرك بها الفن الجميل. وانظر إلى بيت الشعر وتصرف الشاعر فيه. إنه مثل حق لما ينبغي أن تكون عليه الحياة بين قوانين الضرورة وحرية الجمال. فهو قيود شتى من وزن وقافية واطراد وانسجام. غير أن الشاعر يعرب عن طلاقة نفس لاحد لها، حين يخطر بين كل هذه السدود خطرة اللعب، أو يطفر من فوقها طفرة النشاط، ويطير الخيال في عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل.

          هكذا افتتح العقاد كتابه التأسيسي "مطالعات في الكتب والحياة" الذي صدر عام 1924 بمقدمة مهمة عن فكرة الكتاب الأساسية التي تجملها الأفكار السابقة. ويقول: إن الكون كله ( والحياة هي أعم من الكون في نظره) والفن ومنظر الأرض والسماء كلها مظهر للتآلف أو تنازع بين نقيضين دائما: قوى مطلقة وقوانين تحكم هذه القوى المطلقة. وكلما ائتلفت القوى والقوانين اقتربت من السمة الفنية والنظام الجميل الذي يبين بالمادة صفاء الروح ويسبر بالقيود أغوار الحرية. وهذا الائتلاف هو دستور الفن الإلهي المحيط بكل شيء، وهو فلسفة الفلسفات في هذا الوجود، وسر الجمال الذي هو الحرية.

          لقد كان العقاد يهدف إلى أن يجعل من القانون حرية، ومن الثورة نظاما، ومن الواجب شوقا وفرحا، ومن الهيولي عالما مقسما وفلكا دائرا. وهو في ذلك شبيه في مسعاه بالدلالة الأساسية التي ينطوي عليها البيتان اللذان يفتتح بهما صلاح عبدالصبور قصيدته "مرثية رجل عظيم" حيث يقول:

كان يريد أن يرى الجمال في النظام
وأن يرى النظام في الفوضى

          والواقع أن هذين البيتين يلخصان فلسفة العقاد كلها، وما تقوم عليه من وسطية تجمع ما بين قيد القانون وانطلاقة الروح. وإذا كانت هذه الوسطية تبرر نفسها بأنها انعكاس لسنة الله في خلق هذا الكون الذي جعلت قوانينه مهرا لحريته، وسببا للشعور به، فإن هذه الوسطية تحولت إلى نوع من الموالفة بين العدمين: عدم الفوضى وعدم الجور الأعمى.

ميزان الأمم

          وإذا نقلنا هذه الوسطية من الآداب والفنون إلى السياسة والاجتماع ظلت الوسطية قائمة، ولكن من حيث هي موالفة بين القيد والانطلاق. ويرى العقاد أن هذه الموالفة هي الميزان الصحيح لوزن الأمم والأفراد والحضارات والآراء والفنون على السواء.

          إذ كلما اقتربت الأمة أو الفرد أو الحضارة أو الرأي أو الفن من حسن التأليف بين أفراح الحياة وأوزانها، بين خيالها وعروضها، بين معناها وصورتها، كانت أقرب إلى السمو والنبالة والصدق لأنها أقرب إلى القصد الإلهي ووجهة الكون البادية في جميع أجزائه.

          لنقل إن التقدم جمال نصل إليه عن طريق الضرورة، وروح نلمسها بيد من المادة، فالروح هي الحقيقة، والمادة هي وسيلة الإحساس بها، والتقدم لا يفارق المعنى الروحي أو البعد الديني الذي يرتد به جمال التقدم في الدنيا المخلوقة إلى مبدأ الخالق. هذا البعد الديني يومىء إلى فلسفة الإيمان عند العقاد، ويربط هذه الفلسفة بالإدراك الجمالي لمغزى الكون في الوقت نفسه، ويجعل من كل تقدم دنيوي صورة أخرى من العلة الجمالية التي ينطوي عليها مغزى الكون كله.

مبدأ وحدة الكائنات

          وحين يصل العقاد إلى هذا المستوى فإنه يزداد يقينا بوحدة المبدأ في الكائنات والأحياء والطبيعة والفن على السواء. وينتقل من المستوى الفلسفي إلى المستوى الديني بما يؤكد معنى "الدولة" من حيث هي القانون، وتوثب الإرادة الفردية وانطلاقها العفوي بوصفه الضروري. وذلك بالمعنى الذي يقرن الحرية السياسية بالموازنة بين القيد الاجتماعي الذى يضبط الملامح المشتركة بين الأفراد، ويحدد الواجبات العامة فيما بينهم، وبين عفوية الفرد ورغبته في الانطلاق، ومبادئه الخلاقة التي تجعل منه القوة المحركة للتاريخ والإبداع.

          هذه الصيغة التي توفق بين الثنائيات المتوترة، دائما، كانت الصيغة التي انتهى إليها العقاد ليواجه التناقضات الكثيرة التي انطوى عليها تراثه وواقعه على السواء. وهي ليست صيغة خاصة به وحده فمن الواضح أن ملامحها الأساسية تصل بينه وبين أقرانه من مفكري عصر النهضة والتنوير على سواء. وغير بعيد عن هذه الصيغة ما كان يدعو إليه توفيق الحكيم من "تعادلية" وما كان ينادي به طه حسين من ضرورة المواءمة بين الثوابت والمتغيرات. ولكن العقاد ينفرد عن هؤلاء جميعا بأنه يضع هذه الصيغة في تصور فلسفي متماسك سداه الحرية ولحمته الجمال. فرد الجمال إلى الحرية، ورد الحرية إلى التوازن بين الثابت والمتغير، الفرد والجماعة، القانون والضرورة، الأنا والآخر. وجعل من الحياة لوحة غنية الأبعاد في توترها بين قواعد العقل وعفوية الخيال. وهي لوحة نحن في أمس الحاجة إلى ضرورة التذكير بها في هذه الأيام التي تهدد بأخطارها الجمال والحرية على السواء.