تجديد الفكر السياسي

 

حول إشكالية العلاقة  بين الداخل و الخارج

 

 

د. حازم نهار

 

 

المحتويات

 

تجديد الفكر السياسي حول:

 إشكالية العلاقة بين الداخل و الخارج

1- مقدمة: عصر بدون مقدسات يعيد اصطفاف القوى و البشر

2- تغيرات السياسة الأمريكية والنظام العالمي

3- إشكالية العلاقة بين الداخل و الخارج في تاريخ المنطقة

4- الداخل و الخارج في الثقافة السياسية السائدة

       أ- عقدة النقص تجاه الغرب و الخوف منه

       ب- خطاب الهوية إزاء خطر الخـارج

       ج- خطاب "الخصوصية" في مواجهة الخارج

       د- الوطن والوطنية

       ه- الخطاب المناهض للعولمة و الغزو الثقافي

       و- ثقافة العولمة والثقافات المحلية

5- إشكالية الداخل و الخارج في الممارسة السياسية

       أ- المنهج و الخطاب السائدان سياسيا

      ب- النظم الحاكمة و تعاطيها السياسي مع الإشكالية

6- الخروج من النفق المسدود

 

         

تجديد الفكر السياسي حول:

 إشكالية العلاقة بين الداخل و الخارج

 

1- مقدمة: عصر بدون مقدسات يعيد اصطفاف القوى و البشر:

مع انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت ملامح نظام دولي جديد بالتكون ، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول لتتضح هذه الملامح أكثر فأكثر ، و لتقوم على سيطرة شبه كلية للولايات المتحدة التي اجتمعت لديها جميع عناصر مركب القوة : القدرات السياسية والدبلوماسية ، الاقتصاد الهائل ، التطور التكنولوجي والقوة العسكرية ، والمساحة الواسعة ، والعدد الكبير نسبياَ من البشر ، والتماسك الإيديولوجي .

هذا التحول السياسي رافقه تغير نوعي واسع في العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال ، وأدى هذان العاملان ( التحول السياسي والتطور العلمي ) إلى انخفاض تدريجي في درجة سيادة جميع الدول بمستويات مختلفة ، لدرجة أصبحت معها السياسة الأمريكية حاضرة داخل كل دول العالم ، وتتحدد إزاءها المعسكرات والاستقطابات السياسية والاقتصادية .

أصبحت نتيجة ذلك العلاقة بين الداخل والخارج مسألة مركزية داخل كل دولة من الدول، وتحكم موضوعياَ جميع القوى المجتمعية، السياسية والاقتصادية، سواء اعترفت بذلك أو أشاحت بوجهها عن هذه العلاقة. كما تحولت هذه العلاقة إلى إشكالية ممزقة للجسد السياسي ، وهي لذلك واقعية ، وليست زائفة كما يرى البعض ، إذ إنها تعيد اليوم تشكيل القوى السياسية ، وتعيد اصطفافها من جديد ، وتلغي تحالفات طويلة الأمد ، وتحطم تسميات وصفات عديدة لازمت العديد من القوى، خاصة في المنطقة العربية، و منها سوريا.

هذا الأثر الكبير لهذه الإشكالية يجعل منها موضوعاَ أساسيا َمن موضوعات الحوار وإعادة بناء رؤانا وتصوراتنا للذات والآخر والعالم ، وإذا كان البعض ينظر لهذا الأمر بوصفه من المحرمات التي ينبغي عدم تناولها ، أو يسبغ صفة القداسة على رؤاه التي اعتادها في الماضي ، خاصة فيما يتعلق بالتصنيف السهل للبشر إلى معسكر أعداء وآخر للأصدقاء ، فإننا نرى أن أهم سمة لهذا العصر هي أنه يعلن لنا يومياَ نهاية المقدسات من جهة ، ويخبرنا أن مناهجنا السابقة وطرائقنا السابقة ما عادت قادرة على تحليل ما يحدث أو الاستفادة منه .

 بدأ هذا العصر مع انهيار الاتحاد السوفيتي والغزو الأمريكي للعراق في العام 1991 ، وترافقت هذه البداية في المنطقة العربية مع أولى محاولات خرق المقدسات واقعياَ ، أي فكرة عدم جواز الحرب بين العرب أو بين المسلمين ، بحكم مؤثرات دينية وقومية في ثقافتنا السياسية السائدة ، وقد جاء هذا الخرق على يد سلطات عربية عديدة . بعده جاء الخرق من قبل المعارضة السياسية في العراق عندما استعانت بالقوى الخارجية لإنهاء النظام الاستبدادي في العراق ، وبعد أن كان ما كان انفتحت المنطقة المغلقة لعقود على سلسلة من التغيرات التي مازالت في بدايتها ، و لتنطرح إشكالية العلاقة مع الخارج بقوة في جميع دول المنطقة .

في سوريا تكاد تصبح هذه الإشكالية المسألة المركزية التي ستعيد ترتيب واصطفاف القوى من جديد ، فمع بدء الحراك السياسي كانت القوى السياسية في المعارضة مليئة بالشكوك وبحالة من عدم الثقة فيما بينها ، وتدريجياَ ( بعد مخاضات وحوارات عديدة و بتأثير تجارب عربية أخرى ) بدأت هذه القوى تعتاد على ما لم تعتد عليه في الماضي ، إذ اقتربت القوى الدينية والعلمانية من بعضها بعضاَ ، واقتربت القوى الليبرالية من القوى ذات التوجه الاشتراكي ، واقتربت القوى القومية العربية من القوى القومية الكردية ، و هو بالطبع اقتراب سياسي بين هذه التيارات المختلفة إيديولوجياَ ، و لعل محركاته تكمن في حدوث تطور جزئي نسبي عند جميع القوى التي اقتنعت بعد تجارب مأساوية عديدة بأن كلا منها لوحده لا يمكن له أن يدعي تمثيل الشارع السوري. أما الإشكالية الباقية في الساحة فهي إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج، و هي التي ستحدد، على ما يبدو، الاصطفافات الجديدة .

أعلم في البداية ما يكتنف مقاربة هذا الموضوع من مخاطر ، أقلها التعرض لاتهامات بالعمالة أو الخيانة الوطنية ، ومن جهات عديدة قد لا تلتقي فيما بينها إلا حول هذا الموضوع . ليس هناك مشكلة في المحصلة في هذه الاتهامات ، فهذا يمكن مناقشته والتعاطي معه ، ويمكن أن يحدث تعديل أو تغيير في الآراء والمواقف من خلال الحوار ، أو قد لا يحدث ، لكن المشكلة هي في قرار الإعدام المرافق للاتهام عندما يحدث خلاف في الرأي حول هذا الموضوع ، والذي قد يكون إعداما أخلاقياَ أو وطنياَ أو سياسياَ ، أو حتى جسدياَ .

 

2- تغيرات السياسة الأمريكية والنظام العالمي:

يمكن القول أن السياسة الخارجية الأمريكية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وحتى سقوط الاتحاد السوفياتي ، ونسبياَ خلال الفترة الانتقالية ما بين عامي 1991- 2001 ، قد ارتكزت في المنطقة العربية على محورين أساسيين ، الأول دعم الأنظمة الاستبدادية ، والثاني تشجيع التيارات الإسلامية المتطرفة ، من أجل الحفاظ على مجموعة مصالحها الواضحة ، والمتمثلة في منع القومية العربية من التشكل والتكون ، وقطع الطريق على المد الشيوعي في المنطقة ، وتأمين النفط ، والحفاظ على وجود إسرائيل وأمنها .

هذه الثوابت في السياسة الأمريكية ، سواء ما تعلق منها بالأهداف أو الوسائل ، بدأت تتعرض لتغير نسبي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ، لكنها بدأت بالتبلور فيما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، عندما تحول " الإرهاب " إلى قوة عالمية مؤثرة في حياة المجتمعات والدول . و على الرغم من تحول " مكافحة الإرهاب " إلى ذريعة أمريكية تبتز من خلالها الدول ، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة الخوف الأمريكي من ظاهرة " الإرهاب " ، الأمر الذي يفسر وضع مكافحته كأحد مرتكزات السياسة الخارجية الأمريكية . الاستبداد الذي حمته ورعته الولايات المتحدة في المنطقة طوال نصف قرن ، أفرز الكثير من الغضب والكراهية للغرب وحضارته ، وكان الحاضنة الحقيقية للعنف و الإرهاب والسبب الرئيسي في تفجره ونموه وانتشاره ، الأمر الذي جعل التخلص من الاستبداد أحد وسائل مكافحة ومحاصرة الإرهاب ، فضلاَ عن الحاجة الاقتصادية إلى فتح الأسواق العالمية التي لا تلتقي مع وجود الاستبداد .

تحولت السياسة الخارجية الأمريكية إذاَ، على صعيد التوجه العام، من دعم الاستبداد نحو السير في تقويض دعائمه ، والهدف في الحالتين واحد هو المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة والأمن القومي الأمريكي .

في مرحلة دعم الاستبداد ساندت الولايات المتحدة شكلين من الأنظمة العربية ، أو بالأحرى شكلين من الاستبداد ، الاستبداد الموالي أو المتوافق معها صراحة وعلانية ، والاستبداد المعارض لها ، أو الذي يتوهم أنه معارض لها أو الذي يعارض في العلن ويوافق في السر . هل يعني هذا التحول من دعم الاستبداد إلى تسهيل التخلص منه، أن السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت مع نقيضه، أي مع الديمقراطية ؟ .

بداهة لا يمكن أن تكون أمريكا مع ديمقراطية متوافقة مع تصوراتنا ، لكن يمكن القول إنها تقف مع شكل ما من الديمقراطية يتوافق مع " التعددية السياسية " ، وهذه الأخيرة شرط للديمقراطية ، لكنها لا تتماثل معها ، وهي محكومة بدرجة أو بأخرى بالمانح أو المعطي و عرضة للاستغلال من قبله ، لكنها من جانب آخر قابلة للتطور والاغتناء، ومحكومة بشروط ومعطيات من الداخل.

يوجد اليوم إذا تقاطع محدد بين المصلحة الأمريكية في المنطقة و مطالب المعارضات الديمقراطية و هذا يحدث دون سعي أو تأثير هذه الأخيرة. التوافق أو التقاطع في بعض المصالح لا يعني التطابق, كما لا يعني بالضرورة حدوث تنسيق أو تعاون بين الطرفين.

من البديهي القول أن المشروع الأمريكي في المنطقة أكبر من دعم دمقرطتها و تحقيق التعددية. إنه أكبر مساحة و حجماً و امتداداً, و هو ليس من أجل سواد عيون شعوب المنطقة, لكن ينبغي الاعتراف أنه مهما كانت صدقية الخطاب  الديمقراطي الأمريكي, و مهما كانت الدوافع الأمريكية, فإن لهذا الالتزام العلني أثر كبير في شق جدار الاستبداد، و في خلق مناخات مناسبة للتحول الديمقراطي, لكن ليس هناك حتمية في حدوث ذلك, فهو رهن بنخب المنطقة و شعوبها التي قد تستطيع تحويل "الديمقراطية العرجاء" إلى ديمقراطية حقيقية.

مهما كانت القدرات الأمريكية, سلباً أو إيجاباً فإنها تبقى محكومة بشروط الداخل , بما يعني أنها ليست كلية القدرة، من هنا نقول إن تعميم التجارب خطأ سياسي فادح ، فقد تشترك التجارب في بعض العناصر ، ولكنها بالضرورة لا يمكن أن تكون ذاتها في كل مرة . يضرب البعض مثلاَ على السياسة الأمريكية الخرقاء في العراق ، لكن هذه السياسة تعاملت ، أو بالأحرى كانت مرغمة على أن تتعامل ، بشكل مختلف في لبنان ، وستكون مرغمة على التعامل بشكل آخر في مناطق أخرى . أياَ يكن فعل الخارج ، فإنه سيبقى محكوماَ بالمكونات الواقعية المختلفة من مكان لآخر .

قد يسأل أحدنا: هل يعقل أن تكون الولايات المتحدة مع التوجه الديمقراطي في المنطقة , في الوقت الذي يمكن لهذا التوجه أن ينقلب ضدها ؟ . لقد دعمت أمريكا في السابق الاستبداد الذي حقق لها العديد من المصالح, و منع شعوب المنطقة من التطور, لكنه تحول في المآل إلى منتج لأهم عقبة, أي الإرهاب, أمام المشروع العالمي للولايات المتحدة في دمج اقتصاديات العالم. ودعمت الولايات المتحدة في السابق التيارات الإسلامية المتطرفة, ولم تكن تدر أنها ستحول سلاحها ضدها في يوم من الأيام. إن مجمل هذه السياسات, بما فيها سياستها الداعمة للتوجهات الديمقراطية اليوم تتوافق مع الفهم الصائب للممارسة السياسية بوصفها من أقل الأفعال البشرية وثوقاً, و بوصفها تتضمن العديد من المراهنات على المستقبل، و ربما من جانب آخر تريد الولايات استغلال موجة التحول الديمقراطي في المنطقة و التحكم بها بعد أن تأكدت ملامحها و ظهرت أجنتها.  من جانب ثالث يبدو هدف دمج العالم في وحدة اقتصادية محورها الولايات المتحدة , أنه يتقبل وجود شئ من المعارضة لسياسة  القوة الأكبر والأعظم, الواثقة من نفسها و من قدراتها على التحكم بها عند الحاجة, خاصة أن الديمقراطية تسمح بوجود قوى سلمية على حساب القوى العنفية.

لكن هذا السؤال يقودنا إلى ضرورة مقاربة التصورات السائدة حول الولايات المتحدة في الذهن الشعبي, أو لدى النخب السياسية و الفكرية في منطقتنا التي لا تختلف في الإطار العام عنه. عندما نتحدث عن الولايات المتحدة أشعر على الدوام وكأننا نتحدث عن شبح لا ملامح له ، غير معروف بالنسبة لنا ، ولا نستطيع التقاط أبعاد سياساته ، وتغيراته بين لحظة سياسية وأخرى.

الصورة السائدة تتضمن كل عيوب تصوراتنا عن مختلف القضايا, فهي صورة اختزالية و استلابية و سكونية و مطلقة و خرافية في آن معاً. فالولايات المتحدة دائماً وأبداًَ, لدى جميع التيارات الفكرية السياسية, مع تجزئة الدول و تقسيمها من أجل إضعافها و نهب خيراتها, و هي لا تتورع عن اللعب بالتباينات المجتمعية و إثارة النعرات الطائفية.

بالطبع لا تتوانى أمريكا عن القيام بمثل هذه السياسات, لكن هذه السياسات ليست ثابتة , و لا تشكل قواعد أبدية في السياسة الأمريكية. الثابت في السياسة الأمريكية هو المصلحة الأمريكية, و هذه المصلحة قد تكون في لحظة معينة مع الحفاظ على وحدة منطقة معينة, كما يمكن أن تكون المصلحة الأمريكية في لحظات أخرى مع الحفاظ على السلم الأهلي بين الطوائف و التكوينات المجتمعية في منطقة معينة.

في لحظة من اللحظات السياسية أطلق عبد الناصر شعاراَ سياسياَ مفاده أننا نعرف أن سياستنا صائبة و أننا نسير في الطريق عندما تنتقدنا أمريكا أو عندما تقف ضدنا. هذه اللحظة السياسية سحبت ميكانيكياَ على جميع اللحظات السياسية ، لنصبح اليوم فاقدين لأي رؤية سياسية تجاه الولايات المتحدة ، رؤية جديرة بالتعامل ، وما هو سائد فهم ساذج وبسيط ومسطح ، يصل لدرجة رفض أي شيء يصدر عن الولايات المتحدة حتى لو كان في صالح مجتمعاتنا . تقول أمريكا ( ولو على سبيل الخطاب السياسي فقط ) أنها مع إشاعة الحريات والديمقراطية في المنطقة العربية، فيخرج البعض علينا برفض الديمقراطية. تقول أمريكا أنها تقف ضد نظرية الحزب الواحد، يخرج علينا بعض المؤتمرين في المؤتمر الأخير للبعث ليفسر بقاء المادة 8 من الدستور التي تبيح لحزب البعث حق قيادة الدولة والمجتمع قائلاَ " إلغاء هذه المادة مطلب أمريكي ولذلك فهو مرفوض ".

هذه التصورات لها علاقة وثيقة بتصور خرافي عن الآخر يلبسه كل شرور الدنيا, و هذا تصور سهل , لأنه ربما عندما يتصرف هذا الآخر تصرفاً إيجابياً من زاوية مصالحنا الوطنية , فإنه يتركنا في حيرة من أمرنا, و يسبب لنا أزمة سياسية و أخلاقية في آن معا.

في العراق تعاملت أمريكا مع مكونات و صراعات خفية منذ آلاف السنين, و هي لم تخلقها , بل خلقها بشر المنطقة و ساهم في تذكيتها الاستبداد بإلغائه للهوية الوطنية الجامعة , لتنمو التقسيمات الطائفية و الدينية و العشائرية على حساب العراق/الوطن، أي أن أمريكا تعاملت مع  واقع موجود , و كانت محكومة به.

التصور الخرافي موجود أيضاً في الضفة الأخرى, أي عند ذلك التيار الذي يرى في الآخر, أي أمريكا, الخير كله, فهذا التصور أيضاً , و إن اختلف ظاهره, إلا أنه يستند إلى النهج ذاته, و من البديهي القول أن هذا النهج غير قادر على وضع سياسات فاعلة و مؤثرة و قادرة على استيعاب ما يحدث و التعامل معه بإيجابية. هذا النهج يذكرنا بتلك الثنائيات المطلقة التي تمتلئ بها صفحات فكرنا السياسي في قضايا عديدة جرى توصيفها على أنها شر مطلق أو خير مطلق. لا يمكن أن تكون أمريكا الخير كله أو الشر كله، فهي ليست الرب أو الشيطان. هي دولة معقدة التركيب و شبكة واسعة من المصالح و كتلة متحركة من السياسات و الخيارات المتبدلة استناداً للظرف و المصالح الأمريكية العليا.

الصور الاختزالية الشائعة لأمريكا في الفكر السياسي العربي عديدة ، فهي في تصور التيارات الشيوعية "إمبريالية عالمية فقط" قائمة من أجل نهب خيرات الشعوب واستغلالها وحسب ، وهي عند التيارات القومية استعمار معاد لقضية القومية العربية وداعم لإسرائيل ، وهي عند التيارات الإسلامية الأصولية نمط انحلالي غير أخلاقي ، و نهج مادي لا يقيم وزناَ أو اعتباراَ للروحانيات ، أو هي جميع هذه الصور الاختزالية معاَ عند جميع التيارات . يشار للأمريكان أيضا عند جميع التيارات بأنهم قراصنة وتجار حروب ومرتزقة و مجتمع هجين ويفتقدون للأصالة التي نمتلكها نحن العرب. في الثقافة العربية الإسلامية المستندة لأصول بدوية ، الآخر نجس و يفتقد لكل علامات "الطهارة" التي نمتلكها ، لذلك يمتلئ رأسنا بشعارات على شاكلة: : " ظلم أهل البيت ولا ظلم الغريب" أو " نار البلد ولا جنة الخارج "، حتى لو كان ظلم أهل البيت أشد وطأة، و على الرغم من أن النتيجة واحدة في الحالتين ، وهي انتهاك كرامة الإنسان سواء من قبل أبناء جلدته أو من الخارج.

هذه الصور الجزئية والاختزالية تنم عن عدم دراية بالآخر الذي هو الوجه الآخر لعدم الدراية بالذات وبملامحها وحاجاتها وأهدافها ، وهي جميعها صور خرافية تحول الصفات النسبية إلى مطلقات .

هذه الصور و الرؤى الخرافية غير كافية، و مضللة، و لا تقدم أي فائدة ، من أجل تأسيس سياسات ناجعة مع الولايات المتحدة ، كما أن الأدوات المعرفية المعتمدة عند جميع التيارات لم تعد قادرة على حل مشكلة سياسية أخلاقية متفاقمة في تعاملنا مع هذا الآخر ، أمريكا .

التحولات العميقة في النظام العالمي، والمعطيات التكنولوجية والسياسية والاقتصادية الجديدة، تقترح تغيير أفكارنا وتعديل سياساتنا، لأنه ما عاد من الممكن التعامل معها بعقل وآليات الماضي. لم يعد مثلاَ من المقبول عالمياَ أن يقوم نظام سياسي ما بنهب شعبه وظلمه والاستبداد به تحت سمع وبصر العالم ، كما لم يعد من الممكن أن يقف العالم متفرجاَ لا حول له ولا قوة باسم احترام السيادات الوطنية ، وهناك اليوم جدل واسع داخل الأمم المتحدة حول هذا الشأن ، أي بخصوص وضع معايير للتدخل من أجل أسباب إنسانية .

الهيمنة والاستغلال موجودان في السياسة الأمريكية، وفي النظام الرأسمالي العولمي ، لكن تجاوز هذا النظام أصبح غير ممكن إلا بجهد بشري عالمي من جهة ، ومن داخل نظام العولمة ذاته من جهة ثانية ، إذ إن مقاومته ومصارعته من خارجه باصطناع قطب مجانب ومضاد أصبحت أمراَ خيالياَ وتأتي بالكوارث أكثر من الفوائد ، فقد ذهبت آليات حركة عدم الانحياز وبناء القطب الاشتراكي إلى غير رجعة . عولمة النظام الرأسمالي أمر محتم سيحدث عاجلاَ أم آجلاَ ، لذلك علينا ألا نصرف الوقت والجهد في مقاومته من خارجه معتقدين أننا بذلك ندفعه عنا إلى الأبد ، فضلاَ عن أن ما ينقص مجتمعاتنا حقا هو المزيد من التطور الرأسمالي ، رغم كل مخاطره المعروفة، و ليس العكس .

نظام العولمة الرأسمالية يسمح ، وتلك من صميم طبيعته وآلياته ، بمقاومته من داخله ، أي من جهة يتضمن الهيمنة والاستغلال والتقدم ، ومن جهة ثانية يتضمن شروط تجاوزه : الإعلام ، الأحزاب ، التظاهر السلمي ، البرلمان ، الانتخاب ، المعارضة ...إلخ ، في حين أن ظاهرة الاستبداد اجتثاثية واستئصالية لا تسمح بتكون أي شكل من أشكال المعارضة والتجاوز ، وتسلب أي مجتمع جميع أشكال الدفاع المدني ، فضلاَ عن افتقادها لبعد التقدم ، أي السير بالمجتمع للأمام .

 

 

 

3- إشكالية العلاقة بين الداخل و الخارج في تاريخ المنطقة:

إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج ليست إشكالية حديثة العهد، وهي ليست وليدة اللحظة السياسية الراهنة، رغم أنها تعمقت وازدادت ووضوحاَ خلال السنوات الأخيرة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول والتغيرات النوعية التي تلتها في السياسة الأمريكية.

إنها إشكالية قديمة و عميقة الجذور، و تذكرنا بتلك الإشكاليات التي طرحت على العرب في عصر النهضة إبان اصطدامهم بالكائن الجديد المتفوق ، أي الغرب ، مثل إشكالية " الأصالة و المعاصرة " ، " النقل والعقل " ، و " العلم و الإيمان " إلخ...، وهي الإشكاليات أو الثنائيات التي ما زال الفكر العربي يدور في أفقها ويتحرك في إطارها . و لا نبالغ إذا قلنا  إنها أبعد غورا من ذلك، فهي ترتبط، بشكل أو بآخر، بنظرة ثقافتنا عموما للآخر، التي تتكئ على مصدرين أساسيين، أحدهما بدوي، و الآخر ديني.

في المستوى المعرفي إشكالية الداخل والخارج اليوم ذات علاقة وثيقة بإشكاليات عصر النهضة، و التي تصب جميعها في بؤرة واحدة أو مشكلة واحدة، هي العلاقة مع الآخر المختلف بقيمه ورؤاه وتصوراته وسياساته. وقد طرحت عدة طرق للتعامل مع ذلك الآخر منذ ذلك الوقت ، ولازالت تعبر عن نفسها في تيارات فكرية سياسية ، وفي قوى وأحزاب سياسية ، وقد تحددت تلك الطرق عبر ثلاثة مسارات ، الأول هو التعامل مع الآخر من خلال معرفة دفاعية تنحو باتجاه التمحور على الذات والعودة إلى التراث ورفض الآخر كليا ، وقد أدى هذا الاتجاه تدريجياَ إلى نشوء تيارات وأحزاب سياسية إسلامية أصولية ، والثاني اتجاه التماهي مع الآخر والقبول به جملة وتفصيلاَ دون أي اعتبار للمعطيات الواقعية المحلية ، وقد عبر عن نفسه في صيغة أحزاب وقوى سياسية ليبرالية ، واتجاه ثالث توفيقي ، هجين ، عبر عن نفسه في صيغة أحزاب قومية ، أو في صيغة طريق ثالث يجمع انتقائيا بين الاتجاهين السابقين .

العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج ثابتة عبر التاريخ ، وقد تجسدت في العصور الحديثة في صيغة العلاقات بين الدول التي تفاوتت في مستواها بحسب اللحظة السياسية وقوة الدول وموقعها . لكن هذه العلاقة الجدلية ازدادت حدتها وكثافتها بعد التطورات والتغيرات المذهلة في العلوم والتكنولوجيا و وسائل الاتصال.

كنا نقول في السابق أن مستوى تأثير الخارج في الداخل يعتمد أو يتوقف على مدى تماسك الداخل وقوته ومنعته ، وهذا ما يزال صحيحاَ ، لكن يضاف له عنصر جديد بحكم التغيرات العالمية الواسعة وتحول العالم إلى قرية صغيرة كما يقال ، و هو أن مدى انسجام هذا الداخل مع منطق العالم وثقافته المعممة أو المقبولة عالمياَ أصبح يلعب دوراَ كبيراَ في تخفيف حدة التأثير الخارجي الممزّق ، بالإضافة لمدى قدرة هذا الداخل بثقافته وسياساته على التأثير في الخارج، إذ على الرغم من وجود عشرة ملايين عربي في الولايات المتحدة ، فإننا نكاد لا نسمع لهم تأثيراَ يذكر في السياسة الأمريكية ، في الوقت الذي يجد فيه اللوبي اليهودي آذاناَ صاغية على الدوام ، بحكم انتمائه للثقافة الأمريكية ذاتها ، أي الثقافة العالمية، و بحكم تشابك المصالح و المنافع .

عند معالجة إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج ينبغي في البداية نقد آليات تناولها السائدة في ثقافتنا السياسية ، إذ يصل الخلط الفكري أحياناَ لتحديد معان مختلفة ومتباينة تجاه المقصود بالخارج ، وهذا يعني ضرورة تحديد مضمون المفهوم في كل مرة يتم تناوله ، فهناك أكثر من داخل وأكثر من خارج ، وإن تناول الموضوع بشكله العام يساهم في تعميق حالة التشظي والبلبلة الفكرية، أكثر مما يساهم في إيجاد الحلول و المخارج الواضحة .

لدى البعض الخارج هو القوى الوطنية الديمقراطية الموجودة خارج بلدها ، ولدى غيرهم الخارج هو المعارضة الموجودة خارج بلدانها والمدعومة من الغرب عموماَ ، والولايات المتحدة بشكل خاص ، ولدى البعض الآخر الخارج هو المنظمات المدنية والحقوقية العالمية ، ولدى آخرين هو الأمم المتحدة ، ولدى غيرهم أوربا أو الولايات المتحدة أو العالم بأسره .

تتطلب مقاربة هذا الموضوع أيضاَ تحديد مستوى التناول أيضاَ ، فالتناول المعرفي الثقافي له قد لا يؤدي إلى النتائج السياسية ذاتها ، رغم وجود علاقة وثيقة بين الحيزين المعرفي والسياسي ، إذ إن المستوى السياسي محكوم بعدد من العناصر المؤثرة ، إلى جانب العنصر المعرفي الثقافي ، ومنها عنصر المصلحة السياسية والتكتيك السياسي وتوازن القوى وغيرها ، وأحياناَ تغيب العناصر الأخيرة الواقعية جميعها لصالح الجانب المعرفي الثقافي الذي يتجلى على الأغلب في صيغة العمى الإيديولوجي الذي يتعامل مع أحداث ووقائع سياسية راهنة عبر معيار أيديولوجي لا يقود إلا إلى المزيد من الأخطاء السياسية .

مستوى التحليل التاريخي للإشكالية يتطلب الكثير من التفتح الذهني والتحلي بالموضوعية، فقراءة التاريخ تتطلب تحييد العواطف والمشاعر ، وتحييد الأيديولوجيات والمواقف السياسية . لا ينقص من كرامتنا شيء القول بأن البلاد العربية ما كان لها أن تعرف أزمنة حديثة نسبياَ لولا مجيء الغرب ( نابليون ) محملاَ بأطماعه ووسائله الحديثة ، فارضاَ علينا رغم أنفنا إعادة التفكير بأوضاعنا ونظمنا وقناعاتنا ، مع أننا نعلم أن مصالحه هي التي دفعت به إلينا .

لا يهتم التاريخ كثيرا بالقيم والأخلاق والمواقف " الوطنية "، فهي ليست المحرك الأساسي له. التاريخ كالمدحلة التي تجرف كل شيء ولا تعنى في المحصلة إلا بالنتائج، سواء تلك التي تساهم في تقدم البشرية أو التي تؤدي إلى تراجعها ، والتقدم البشري قد يلتقي أو لا يلتقي مع قيمنا وقناعاتنا الأخلاقية والأيديولوجية . كانت قيم محمد ونابليون وماركس وغيرهم مرفوضة ولا تلتقي مع قيم عصرهم ، وما كنا لنسمع بهم لولا أنهم في المحصلة والمآل سروا بالبشرية إلى الأمام ، وهذا السير إلى الأمام هو ما جعل لقيمهم الجديدة معنى .

لم يخجل هيجل من مخاطبة نابليون الذي جاء مستعمراَ لبلده ألمانيا قائلاَ : " أرى العقل ممتطياَ جواداَ " ، في الوقت الذي كان فيه " الوطنيون " الألمان يقارعون نابليون مدافعين عن بلادهم، و علينا ألا نخجل من الاعتراف مثلا بخطأ فتوى الأزهر التي قضت بعدم التعامل مع المنجز الأوربي، أي المطبعة، الذي حمله نابليون إلينا .

جميعنا في اليمين واليسار ، في السلطة والمعارضة ، ننظر للسياسة الأمريكية في عهد إدارة بوش الابن ، على أنها سياسة لا عقلانية ، لكن الموضوعية والقراءة الصائبة للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن هذا الثور الأمريكي الهائج والباحث عن مصالحه ونفطه والاحتفاظ بحكم العالم لأطول فترة ممكنة ، قد قدم للمنطقة على صعيد تطورها وانفتاحها في مجال الحريات أكثر من كل أنظمتها وأحزابها ومثقفيها ، وتلك هي قاطرة التاريخ العمياء ، و ذلك رغم كل ما يقال، و هو صحيح، عن القهر الاقتصادي الذي تحمله هذه الإدارة للمنطقة.

هذا يعني أن تأثير الخارج ليس إيجابيا على الدوام، فقد يكون سلبياَ ومدمراَ. المهم أنه موجود دائماَ ، ولا يمكن إنكاره ، أو التعامل على أساس أنه غير موجود ، أما المعيار القيمي الذي يحدد إيجابية أو سلبية أي فعل بشري ، خارجي أو داخلي، فهو الإنسان ، فأي فعل أو مشروع يؤدي إلى سعادته وتحرره من سائر أشكال القهر والاستغلال ، ينبغي النظر إليه بوصفه فعلاَ أو مشروعاَ إيجابياَ .

4- الداخل و الخارج في الثقافة السياسية السائدة

عمليات التغيير و التحديث تمت في المنطقة العربية خلال نصف القرن الماضي في مستويات قشرية وسطحية بمعزل عن التعرض لأنماط و نظم الثقافة القديمة أو التقليدية التي سارت جنبا إلى جنب مع عناصر الثقافة الحديثة ، وأدى هذا الوضع إلى تفريغ كل المفاهيم الحداثية (الإنسان، الفرد، الوطنية، الديمقراطية، الساحة العمومية، الشعب ، القانون، العقل، إلخ...) من مضامينها الأصلية ، إذ حضر الشكل وغاب الجوهر في خضم تلك العلاقة التجاورية الشاذة، و لذلك ليس من الغريب بعد هذه المسيرة أن "الشعب" بقي القبيلة ، والحزب السياسي قبيلة مصغرة ، والفرد عبداً ، والقانون شريعة الدين أو السلطات000 إلخ

أ- عقدة النقص تجاه الغرب و الخوف منه :

لم يشكل العثمانيون عقدة للعرب كما شكلها الأوربيون والأمريكيون ، لا من حيث الخوف منهم ، ولا من حيث شعور النقص تجاههم ، إذ بعد المعارك الأولى استتب الأمر وتعايش العرب والعثمانيون ، والسبب واضح هو الثقافة الواحدة للطرفين .

منذ أن جاء الغرب إلى المنطقة العربية على شكل حملات استعمارية , بدءا من حملة نابليون على مصر عام 1798 ، والذات العربية تعاني مشاعر الدونية والنقص تجاه هذا الكائن الجديد ، و هذا أثر بطبيعة الحال على طريقة تعامل الذات العربية مع هذا الكائن المتفوق علماً وتكنولوجيا وحضارة، حتى على صعيد المثقفين وزعماء الإصلاح الديني في بداية عصر النهضة العربية، أما طريقة التعامل مع الغرب فمهما اختلفت وتنوعت اتجاهاتها وقناعاتها، فإن جذرها كان على الدوام هو مشاعر الدونية والنقص تجاه كائن غريب ومتفوق .

شعور الذات العربية بالنقص تجاه الإنسان الأوربي أو الأميركي يعكس نفسه بأشكال مختلفة، إلا أنها كلها محقرة للذات ولقيمتنا تجاه أنفسنا كأفراد وكجماعات , ولعل أبرز هذه الأشكال محاولات كتابنا ومفكرينا منذ بداية هذا القرن أن يبرهنوا على عظمة التراث العربي والإسلامي ومدى تأثيره في الحضارة الأوربية وتطورها . وما هذه المحاولات من الوجهة السيكولوجية غير تعبير عن هذا الشعور بالنقص ومحاولة التعويض عنه بإيجاد صلة مشرفة تربطنا بالغرب وتجعلنا جزءاً منه ولو من زاوية تاريخية مجردة . إننا في تفاخرنا على الغرب وتبجحنا بعطائنا الحضاري له إنما نؤكد رغبتنا الخفية في أن نكون مثله لنحظى بقبوله وإعجابه . وهذا الشعور بالنقص هو الذي يدفعنا أيضاً في الاتجاه المعاكس , أي إلى الطعن في كل ما هو غربي وإلى التعلق الأعمى بالتراث والتقاليد , فمنذ بداية عصر النهضة , غلبت المعرفة الدفاعية والفكر الدفاعي على المعرفة النقدية والفكري النقدي , فأخذ مثقفونا يرسمون لنا صور تاريخنا وحضارتنا ومجتمعنا بشكل تبريري , في وجه سيطرة الغرب ونفوذه , وأصبح هدف المعرفة درء الخطر عن الذات , بدلاً من معرفة الذات , من هنا كانت نظرتنا إلى أنفسنا وإلى تاريخنا وإلى العالم نظرة خاطئة تقوم على الحاجة النفسية إلى تعويض الشعور بالنقص .

الذات العربية مصابة بترجرج , وقلق , وتخلخل في القيم , وانجراح في مشاعر الأمن والانتماء , إنها الذات المنجرحة إزاء الآخر المتفوق , لذلك فهي تلجأ إلى عمليات وسلوكيات سمتها العامة النكوص إلى الداخل , التراث , التقاليد , الماضي وفي مثل ذلك السلوك تجد سبيلها إلى خفض التوتر وتأمين شيء من التوازن الانفعالي للذات كي تستطيع الاستمرار في الوجود .

موقف الذات العربية هذا ينسحب على كل موقف له صلة بالغرب تتعرض له سواء أكان متعلقاً بالأخلاق أم بالعلم أم بالتكنولوجيا أم بالثقافة . . . ولا يمكن أن نتوقع نهضة دون تجاوز هذا الموقف الدفاعي والسعي للتعامل النقدي مع الفكر الغربي وإنجازاته بدون عقد النقص التي ما زالت تتحكم بنا.

ينظر التيار القومي عموماً لدعاية الولايات المتحدة بخصوص حقوق الإنسان و الديمقراطية بقدر كبير من التوجس و الريبة، بل وبسبب تاريخ طويل من الكيل بمكيالين وازدواجية السلوك و القرارات و السياسات غالباً ما توصف الديمقراطية و منظومة حقوق الإنسان نفسها كأداة للهيمنة ، وكجزء لا يتجزأ من مساعي القوى الكبرى و على رأسها الولايات المتحدة للسيطرة على الشعوب الأخرى وفرض أنماطها الثقافية الخاصة بوسائل القوة عليها 0

ويضاعف من خطر هذه الظاهرة أنها تستثمر استثماراً ماهراً من جانب الحكومات والنظم السياسية العربية والقوى الشمولية العاملة بنشاط في الساحة السياسية و الثقافية العربية 0 ويستهدف هذا الاستثمار التلاعب بالعقول من أجل تكريس الخضوع لقيم سياسية شمولية ولنظم سياسية تسلطية، وذلك بالقول أن هذه النظم وهذه القيم تشكل الحماية الملائمة للشعوب العربية ضد محاولات اختراق سيادتها0

وبالتالي فإن التلاعب الانتهازي من جانب الولايات المتحدة بقيم حقوق الإنسان يمثل تبريراً لنوع آخر من التلاعب من جانب القوى المحلية، ونعني بذلك التلاعب المحلي بقيم السيادة وبالقيم الوطنية بهدف تمرير انتهاكات خطيرة للحقوق. إن الدعاية المكثفة للسلطات لا تكف عن إثارة النخوة الوطنية و العاطفة القومية ضد وبهدف تبرير كل من المصادرة المستمرة للديمقراطية وحقوق الإنسان0  

علاقة هذا التيار مثلا بمنظمات حقوق الإنسان علاقة يحكمها التوجس و الريبة، وهناك حكومات عربية عديدة وحركات سياسية معارضة انتحلت خطاباً وطنياً في مواجهة حقوق الإنسان على مذبح النضال ضد المحتل و العدوان الخارجــي0 و بشكل ما يتهم المدافعون عن حقوق الإنسان بأنهم عملاء للغرب وللولايات المتحدة، وليس أدل على ذلك من اجتماع وزراء الداخلية العرب في اجتماعهم في يناير 1997 بتونس على اعتبار المنظمات العربية لحقوق الإنسان خطراً على الأمن القومي0 

لقد وظف هؤلاء جميعاً  عقدة الخوف من الغرب توظيفاً انتهازياً وسيء النية حيناً ، وبسبب الجهل و تمحور الثقافة السياسية حول الفكرة القومية كشكل عدائي تجاه الآخر حينا آخر ، والمحصلة كانت الإبقاء على أوضاع حقوق الإنسان واستمرار الاستبداد .

إن الصراع لا يدور بإطلاق بين العرب والغرب، فالغرب يظهر دائما كفضاء بالغ التنوع، ليس من الناحية الثقافية وحسب، بل ومن الناحية السياسية أيضاً ، و لتؤكد الأحداث السياسية يوما بعد يوم أن صراعنا مع الولايات المتحدة هو صراع سياسي صرف ولا شأن له بصراع الحضارات و الثقافات . الاحتجاجات المدنية و حركات حقوق الإنسان في الغرب أوضحت كذلك هزالة ما حاولت تيارات فكرية سياسية قوله من وجود دوافع ثقافية وراء الحملة الأمريكية المعادية للعالم العربي وثقافته ، وبالتالي لم يعد من الممكن الدفاع عن خطاب الهوية الأحادي الذي دفع مجتمعاتنا قسراً لرؤية متوجسة إزاء العالم ترفض التفاعل الخلاق مع الثقافات الأخرى ، ليكون المآل الانكماش على الذات القومية أو الدينية أو تغليظ الحدود بيننا وبين الآخرين أو إثارة الكراهية و الخوف من جميع الأنظمة الثقافية و المجتمعية الأخرى  0

ب- خطاب الهوية إزاء خطر الخـارج:

يطرح الفكر القومي التقليدي (البعث ، الناصرية) دائماً وأبداً ، وعلى الدوام ، أهدافاً سياسية ساخنة ، على الرغم من أن الهزيمة تعشش منذ وقت بعيد ، ولازالت ، في العظام0

ينتظم هذا الفكر مسألتان، الأولى ضعف مستواه الحداثي، والثانية عقدة إهانة كبيرة بسبب الهزائم المتكررة ، يعبر عنها باهتزاز وتصدع كل أرجاء الشخصية و الوجدان0 تحت تأثير عقدة الإهانة يتم التمسك بجدول أعمال يدور أساسا ًحول  الهوية القومية ،أو بالأحرى حول أجندة عمل قومية ،وهو سلوك سهل لا يتطلب الكثير من التفكير، يعتمد البحث عن العناصر القادرة على التعبئة و التحشيد و التجييش، ويكفي أن نقول "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" حتى تنتابنا مشاعر النصر و نصل إلى السماء ، ومن ثم لترمينا الحقائق الواقعية للهزيمة رمياً على الأرض ،و يا ليتنا نصحو ، بل نعيد الكرة من جديد0

العجز الواقعي عن الفعل ، والإهانة المضمرة التي يشكلها لنا وجود هذا الكائن القوي "الغرب" ، يجري مجابهتها والتعويض عنها بمواقف إنشائية كلامية ، وبقدرات بلاغية هائلة ، لاستنفار المخزون الروحي ، ولكنها للأسف لا تتضمن أي إمكانية للتجسيد على أرض الواقع ، وكلما زاد العجز زاد الإنشاء، وكلما كان حضور الخارج كثيفاَ يجري التركيز على قضية الهوية والسيادة ، بمعنى تسخير كل شيء من أجل الحفاظ على الهوية والسيادة .

هذه الأجندة القومية ، الدائمة الحضور ، رغم عمق الهزائم ، تؤدي إلى تشوه ثقافي عام في الثقافة السياسية ، إذ تصبح المهمة الأعلى و المقدسة هي الانتصار على الآخر أو الخصم ، وبالتالي إلقاء مهام إعادة البناء الداخلي ، وما يرتبط به من استحقاقات كحقوق الإنسان و الديمقراطية إلى الهامش0

استمرار هذا  الوعي من الأسباب الأساسية لحالة الشلل على صعيد البناء الداخلي، وطالما استمر هذا التشوه الفكري سيظل ينظر لثقافة حقوق الإنسان و الديمقراطية باعتبارها وسيلة لاختراق مجتمعاتنا ، أو على الأقل تأجيلها لصالح التعبئة و التجييش الضروريين لمعركة النصر ضد إسرائيل و أمريكا و الغرب، في الوقت الذي لم تحدث حالة تعبئة و تجييش طوال نصف القرن الماضي ضد انتهاك ما لحقوق الإنسان في المنطقة العربية ، و المثال القريب نظام صدام حسين السابق الذي نال بشكل مباشر أو غير مباشر كل التحشيد و التعبئة باسم أجندة العمل القومي الراهنة دائماً ،في الوقت الذي لم تحدث من قبل تيار "الأجندة القومية" أي حركة احتجاج ضد انتهاكاته الفظيعة لحقوق الإنسان .

تأخذ " الهوية القومية " في هذا الوعي طابعاًَ وسواسياً تجاه الآخر ، وشكل تعيينات قطعية ، مغلقة و ثابتة، و هذا الفهم السكوني، بشكل أو بآخر، يعيق استقبال العناصر الإيجابية في الثقافات الأخرى بسبب سيطرة هواجس و وساوس الغزو الثقافي0 الهوية، هوية أي فرد أو مجموعة بشرية، هي كائن متجدد وعلى الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة من أفق المستقبل، وليس النظر إليها باعتبارها شيئاَ تكون في الماضي وانتهى.

يقــولـون: الهزائم تعلم الأمم ،إلا أن تيار الأجندة القومية لا يتعلم ، وهو مستعد لتكرار الهزائم إلى مالا نهاية طالما بقيت مرتكزاته و مقولاته ثابتة لا يطالها أي  تغيير ، فبعد أن ملأ هذا التيار الفضائيات العربية بتحليلاته و توقعاته ووعيه الزائف والمضلل بنهاية الأمريكان أو المغول الجدد على أسوار بغداد ، وبعد انكشاف الهزيمة والسقوط السهل لبغداد ، نام قرير العين على اعتبار أن خيانة كبرى قد حدثت ، ومن ثم تبرؤوا من صدام حسين ، مع أن هذا الأخير لم يكن إلا تجسيداً فاقعاً لحركة قومية تقليدية هشة وغير ديمقراطية وإنسانية ،ولم يكن وحدة مهزوماً بل التيار القومي  التقليدي برمته .

هذا التيار اكتفى عندما أعلن عن تشكيل مجلس الحكم الانتقالي في العراق بتوصيفه بالعمالة و الخيانة. وهذا توصيف سهل ،لكن يبقى من الواجب أن نتـأمل في الأسباب و الدوافع التي قادت آلاف الناس من اتجاهات سياسية عديدة للوقوف موضوعياً في صف العدوان، إذ لا يمكن أن نختزل الموضوع بهذا التوصيف، ويجب أن نلتقط بجدية الأسباب التي دفعتهم إلى هذا الموقف الخاطئ والتي تكمن أساساً في أن الاستبداد الطويل قد مَّزق العراق وشوَّه تياراته السياسية، حتى لم يعد من السهل توصيف الوطنية و اللاوطنية استنادا إلى هذا الموقف.  

أوضح ما يعبر عن هذا التيار هو رؤيته للصراع العربي الإسرائيلي والخطر الخارجي الذي تمثله إسرائيل على العرب ، خاصة عندما وضع هذا التيار "القضية الفلسطينية" ، ولازال ، كقضية مركزية للعرب ، وبالتالي تمحور وعيه ووعي الشارع الشعبي حولها. باعتقادي إن قضية العرب المركزية هي الديمقراطية و حقوق الإنسان ، وما عداها ، على أهميته ،سيجد مكانه اللائق عندما تعود للمواطن ثقته بذاته و بوطنه وبقضاياه القومية0

القضية المركزية و المهمة الحارة هي إعادة البناء الداخلي على أسس الديمقراطية وحقوق  الإنسان، وهذا ليس إنكاراًَ لمشروعية العمل القومي وضرورة إزالة الظلم القومي الواقع على العرب ، لكننا ندرك هذه المهمة من منظور حقوق الإنسان و الديمقراطية على اعتبار أن إنجازها رهن بتحديث وإصلاح المجتمع والسياسة و الثقافة في الأقطار العربية ،أكثر مما هي مرهونة بالوسائل العسكرية و التعبوية و التحشيد و استغلال العواطف القومية0

لقد فضحت الأحداث السياسية خطاب الأمن القومي العربي الذي استخدم لتبرير قمع الحريات العامة ، فعندما آن أوان الدفاع عن الوطن أو مناهضة العدوان الأمريكي على العراق لم تقم الأنظمة العربية بواجبها ، و تواطأ بعضها بصورة سافرة مع العدوان ، وقامت هذه الأنظمة جميعها بقمع التحركات الشعبية  القليلة و المتواضعة للتضامن مع الشعب العراقي وإدانة العدوان الأمريكي . حتى المعارضات السياسية عندما تطالب بالديمقراطية و حقوق الإنسان ، فإنما تؤكد عليها من أجل مواجهة الخطر الخارجي وحسب، وليس لأن أهل البلد يستحقونها ويحتاجونها لإعادة احترام أنفسهم و الثقة بذواتهم و التعبير عن إنسانيتهم 0

ما يصدق على تيار الأجندة القومية، يصدق أيضاً على التيار اليساري الذي وضع الاشتراكية كأجندة راهنة، لتكون في مواجهة الديمقراطية وحقوق الإنسان على مدى نصف القرن الماضي من تاريخ المنطقة العربيـــة0

ج- خطاب "الخصوصية" في مواجهة الخارج:

يكاد يكون خطاب " الخصوصية "في المنطقة العربية ومنها سوريا لسان حال جميع القوى الكابحة للتقدم ،إن كان لدى الحكومات أو لدى التيار الإسلامي الأصولي أو لدى الفكر القومي التقليدي ، بما يوحي أن مجتمعاتنا لا تنتمي إلى مجتمعات البشر ، وإنساننا ليس من أبناء الأرض ، بل من المريخ .

نشأ خطاب " الخصوصية " مع بدء احتكاكنا بالغرب على شكل خطاب دفاعي محوره كما قلنا عقدة النقص تجاه الغرب و الخوف منه، و هو ما زال حاضرا بقوة في فكر و خطاب جميع القوى و التيارات السياسية و الفكرية الموجودة في الساحة، لذلك ما زالت النظرة لحقوق الإنسان و الديمقراطية غير أصيلة، إذ ينظر لها بوصفها نتاجاً لثقافة الغرب وتعبيراً عن هيمنته،  وهي بالتالي نقيض لثقافتنا وهويتنا .

 يحمل خطاب الخصوصية ضمناً أو صراحة افتراض أن الثقافة ، أي ثقافة ، ساكنة وتحمل خصائص لا يطالها التغيير. هذا التفسير باعتقادنا لا تاريخي ينظر للثقافات كجزر معزولة و للهويات كحواجز ثابتة لا تتغير .

صحيح أن الثقافات تتمايز ، فهذه حقيقة مشاهدة لا جدال حولها ، ولكنها أيضاً تتلاقح وتتحاور ، فالثقافات أجسام حية تنمو وتتطور وتؤثر وتتأثر ، وفي مضمار هذا التلاقح تسقط بعض الترهلات من جسدها ، وتكتسب بعض السمات التي لم تكن فيها . 

خطاب " الخصوصية " ليس بريئا على الدوام، فمما لا شك أن الحكومات وقطاعاً واسعاً من النخبة الثقافية والسياسية (تيار الفكر القومي التقليدي و تيار الإسلام السياسي) يرفعون شعار الخصوصية كشعار أو واجهة لإخفاء الأوضاع المتردية من جهة، و لمواجهة ثقافة الخارج بغرائز الحفاظ على الهوية و الثقافة الإسلامية.

ذلك لا يمنع البتة من وجود خصوصيات ثقافية وفكرية واجتماعية ، بما في ذلك المجتمعات الغربية ، غير أن هذه الخصوصيات لا يمكن فهمها ايجابياً إلا بجانب " التطورية " التي تعيد تشكيل تلك الخصوصية . بالتالي فإن ما يسمى ب "الخصوصية السورية "لا يحول دون تطبيق مبادئ حقوق الإنسان و السير في طريق التحول الديمقراطي ، و إنما يجب أخذها بعين الاعتبار عند محاولة ترجمة المبادئ العامة للديمقراطية واقعيا و في لحظة زمنية محددة، و لو وقفت البشرية عند حدود الخصوصيات لما توصلت إلى مجموعة من القيم والمبادئ المشتركة بين جميع البشر ، والتي تجسدت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق الشرعية الدولية .

في الوقت الذي تقبلت فيه معظم السلطات المسلمات الليبرالية الغربية المعاصرة ، لا سيما الخصخصة و اقتصاد السوق ، فإنها رفضت مسلماته السياسية و تبعاتها في مجال حقوق الإنسان و الحريات العامة و أساسيات النظام الديمقراطي، و في الوقت الذي لم نتورع منذ اصطدمنا بالغرب في أواخر القرن التاسع عشر وحتى لحظتنا الراهنة عن استيراد كل شيء فإننا نتردد إزاء الديمقراطية وحقوق الإنسان .

ما لم يتم تجديد الثقافة العربية الإسلامية على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة، و ما لم يتم تجاوز الآليات الدفاعية في الفكر و الثقافة و السياسة ستبقى جميع المفاهيم الحداثية نبتة غريبة تعصف بها اللحظات السياسية المتغيرة، و لن تقدم أو تؤخر في مسيرة شعوب المنطقة، هذا إذا لم نقل إنها ستظل تعيقها و تنقلها من خطأ سياسي إلى آخر في تعاملها مع العالم الخارجي.

 

د- الوطن والوطنية:

الوطن في تاريخنا وثقافتنا السياسية السائدة محدد بمجموعة من المفاهيم والتصورات ، لعل أهمها عندما يشار إليه ب " الحمى " ، وهذا يعني أن الوطن محض جغرافيا ، أو  هو الجغرافيا الحاوية على الماء والكلأ والنار وحسب، و يتأسس على ذلك تقسيم العالم إلى "فسطاطين": أهل الحمى و الغزاة.

يتأسس على هذا الفهم تحديد سلبي للوطنية ، لتصبح معادلة تماماَ للموقف العدائي من الآخر ، أي الغازي أو المستعمر ، الذي يحاول انتهاك الحمى . وهذا يفسر لنا إلى حد ما ذلك الشعور بالنقص الذي ينتاب أغلب السياسيين في منطقتنا إزاء " المقاومة " ، على اعتبار أن هذه الأخيرة هي أعلى مرتبة من مراتب الوطنية ، بل ويشعرون بتفاهة أعمالهم ونشاطاتهم السياسية والثقافية إزاء قطرات الدم التي تضحي بها " المقاومة " ذوداَ عن الأرض والحمى والجغرافيا .

ربما تكون " المقاومة " مقدسة لأسباب أخرى أيضا ، فالفعل الميكانيكي (العضلي) عموماَ في ثقافتنا ، وأدبنا ، وفي الوعي الشعبي عموماَ ، أهم بما لا يقاس من الفعل الفكري أو الذهني . هذا الأخير ربما يكون محتقراَ عند البعض ، ولطالما أشير إلى المفكرين والمثقفين والساسة بأنهم أصحاب كلام فقط ، بينما جنود الحرب والمقاومة هم أصحاب الفعل الحقيقيين . من الأسباب الأخرى ربما لأنه في ثقافتنا وتاريخنا ، ولأسباب بدوية ، وأخرى دينية ، الموت له قدسية أكبر ، وهو مفضل على الحياة ، ولذلك يشيع في ثقافتنا السياسية اليوم نشيد ثقافة الاستشهاد .

ما زال تحديد الوطنية يتم بشكل سلبي ، أي بدلالة الآخر أو الخارج ، وبالموقف العدائي منه ، ولم يحدث للآن بناء الهوية الوطنية انطلاقاَ من الذات وحاجاتها وأهدافها بالدرجة الأولى ، ولذلك فهي تتطابق إلى حد ما مع " الشوفينية " .

خلال فترة مقارعة الاستعمار الغربي تطابق مفهوم الوطنية مع حركة التحرر وطرد المستعمر، ولم يكن في برامج معظم حركات التحرر العربية سوى نقطة واحدة هي تحقيق الاستقلال.

الجغرافيا ومقاومة الاستعمار هما العاملان اللذان يحددان هوية الوطن والوطنية في الثقافة السياسية السائدة، فهل كان هذا الفهم منتجاَ في الأزمنة الحديثة لدى حركات التحرر العربية والفكر القومي التقليدي ؟ وهل كانت النهايات سعيدة ومشرفة ؟ ، وهل يمكن اليوم تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية المتمحورة على الذات ، فيما لو تم تحقيق الاستقلال الجغرافي ؟

نعرف جميعاَ أن عناصر الدولة أو شروط وجودها تتحدد بالشعب والأرض والسيادة ، لكن هذا التحديد التقليدي للدولة بدأ يتغير، و هناك عوامل عديدة لعبت دوراَ كبيراَ في الحد من سيادة الدولة ، فوجود الدولة في عالم واسع يتضمن دولاَ متفاوتة في القوة يجعل من كل دولة بالضرورة ناقصة السيادة ، كما أن تطور المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية خاصة أفقد السيادة مفهومها المطلق ، مثلما حصل مع ألمانيا عندما منعت من التسلح ، وبعض الدول منعت من امتلاك الأسلحة النووية ، أو حتى من إرسال جيوش إلى الخارج ( اليابان ) ، أما بالنسبة للبلدان المتخلفة فحاجتها إلى رؤوس الأموال وأزماتها المالية الدائمة جعل من معظمها خاضعة لمؤسسات عالمية، وبالتالي ناقصة السيادة من خلال الشروط الموضوعة لمنح المساعدات ، خاصة ضغوط البنك الدولي والشروط التي يضعها لتقديم قروضه .

التطور التكنولوجي ، خاصة في السنوات الأخيرة ، أفقد السيادة الكثير من مقوماتها ، وزاد  من فعل الدول المتطورة في جميع شعوب العالم ، كما اهتز مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ، وهو أحد القواعد الأساسية للمجتمع الدولي ، على أثر حرب الخليج عام 1991 عندما أقرت الأمم المتحدة حق التدخل الإنساني .

هذا لا يعني أن الجغرافيا غير هامة، إذ ستظل سيادتنا منقوصة طالما بقيت أجزاء من أرضنا محتلة، لكن السؤال الهام هو : هل السبب في نقص السيادة السورية مثلا هو فقط احتلال جزء من أرضنا ، أي الجولان ، أو غيره ؟

في عام 1871 تنازلت فرنسا عن إقليم " الألزاس – لورين " إلى ألمانيا بشكل " نهائي " ، حتى أنه تمت إزالة الإقليم من الخرائط الفرنسية ، ولكن بعد حوالي خمسين عاماَ عاد الإقليم لفرنسا. خلال الخمسين عاماَ كان هناك مقاومة فرنسية ، وقد سئل غامبيتا زعيم المقاومة عن " الألزاس – لورين " ، فأجاب " سنفكر بها دائماَ ، لن نتكلم عنها أبداَ " ، أما في المنطقة العربية يحدث العكس ، فنتكلم كثيراَ ، ولا نفعل إلا قليلاَ .

المعروف أن حدود بلادنا حددت من قبل السفير البريطاني في الهند في أوائل القرن الماضي ودون رأي أهل المنطقة ، فلنفترض أن هذا التحديد تم بطريقة تختلف بضعة كيلو مترات في أي اتجاه وأي منطقة ، فهل كان ذلك سيغير من طبيعة فهمنا للوطن والشعور الوطني ؟ الجغرافيا هي إطار الوطن ، لكن الوطن أبعد من الجغرافيا . الأساس هو ماهية الوطن، وماذا يوجد فيه، أما الحدود الجغرافية للوطن فهي نتيجته وتتحدد به.

لم يكن الاستبداد السياسي مرذولاَ في تاريخنا السياسي ، بل على العكس ، إذ كانت فكرة " المستبد العادل " جزءاَ رئيسياَ من ثقافتنا السياسية . لذلك لا تجد تيارات سياسية عديدة أي حرج اليوم في الوقوف بشكل مباشر أو غير مباشر مع الاستبداد في اللحظات التي تتعرض فيها " السيادة الوطنية " أو بالأحرى " الجغرافيا الوطنية " للتهديد الخارجي . يؤكد ذلك أيضا الحماسة التي تبديها شعوبنا في مقاومة المحتل، في حين تتقاعس إزاء إبداء أي حالة احتجاج ضد ظاهرة الاستبداد.

كثيراَ ما يشار للوطن أو الحمى بصفات المرأة ، كأن يقال "سقطت بغداد العذراء" ، و "انتهك الغزاة حرمة البلاد" ، وكل هذه التعابير تشير إلى أهمية بعد الشرف الأنثوي وحضوره الطاغي في ثقافتنا، فالمجتمع الذي تقوم ثقافته في جزء كبير منها على "الفضيحة و العار" لا يستثيره شيء كما تستثيره قضايا الشرف، وبدرجة تفوق الحرص على الأوطان .

قضايا الشرف يصبح لها أهمية قصوى عندما يأتي اختراقها من "الغريب" أو الخارج، في الوقت الذي يتقاعس فيه الغالبية لدى اختراقها من أهل البيت، و يصمت الجميع على فضائح "عدي صدام حسين" و غيره، و ربما يكون لهذا الأمر علاقة بمنطق أهل القبيلة الذين يتقبلون أو يصمتون على سلوك "شيخ القبيلة"، رغم أنه يسوسهم كالإبل.

إضافة للجغرافيا ومقاومة الاستعمار و الحفاظ على الشرف هناك محدد رابع للوطن والوطنية في الفكر السياسي السائد، هو الأيديولوجيا، فلا أحد يتخيل الوطن والوطنية مفصولين عن الأيديولوجية. إذ إن كل إيديولوجيا، قومية أو إسلامية أو ماركسية، ترسم صورة ما للوطن والوطنية، وتنظر بالتالي لمن لا يشتركون معها بأنهم ضد الوطن ولا يتوافرون على شيء من الوطنية. 

كل من هو غير مسلم ، وبشكل أدق غير " سني " مشكوك في وطنيته في فكر التيارات الإسلامية، و هنا أيضا يجري تقسيم العالم إلى "فسطاطين"، فسطاط الكفر و فسطاط الإيمان، وكل من يحاول الاستفادة من علوم الغرب وثقافته بعيد عن الوطنية في فكر التيارات الشيوعية التقليدية ، وكل من ينتمي للأقليات القومية ( الأكراد مثلاَ ) هو عميل للخارج بشكل أو بآخر في الفكر القومي التقليدي، فهذه الأقليات ما هي إلا إسفين مغروس في مجتمعاتنا سيستخدمها الخارج في النفاذ إلينا في الوقت المناسب.

السيادة الوطنية في قاموس أنظمة الاستبداد تعني قانون الطوارئ والأحكام العرفية ، واجتثاث المعارضين ، وقطع الطريق على الحريات ، واحتكار السلطة ، وإلحاق الإعلام ومؤسسات الدولة بها ، وتخويف البشر وامتهان كرامتهم ، رغم أن هذا الفهم لم يحافظ كما تشير تجارب عديدة على الوطن والوطنية .

يضع النظام الاستبدادي معاييره الخاصة التي تتناسب مع استمراره و مصالحه في تحديد " الوطنية "، إذ يجعل منها، بشكل أو بآخر، معادلاَ للولاء له، ولتصبح كل حركة معارضة لوجوده واستمراره خارج السرب الوطني ، فهل يعتد برأي الاستبداد في تحديد الوطنية ؟

الاستبداد من جهة ثانية يشوه التيارات السياسية والاجتماعية في المجتمع ، ويشوه انتماءها الوطني ، ويقدم فهماَ سكونياَ ثابتاَ لمفهوم الوطن والوطنية ، على عكس النظام الديمقراطي الذي يسمح في كل لحظة بإعادة اكتشاف الهوية الوطنية ، باعتبارها هوية متجددة ، وكائناَ حياَ ينمو ويتطور ويتفاعل مع الجديد والمتغيرات ، وهذا يعني أنه لا توجد ملامح للوطن دون الديمقراطية.

لا وطن بلا مواطن، ولا تحرير أو استقلال بدون حرية المواطن. أليست التضحية بحقوق الإنسان على قربان " الوطن في خطر " و " الوطنية " المفصلة على مقاس أنظمة الاستبداد ، هي التي قادت إلى هذه الحالة من " الهشاشة الوطنية " وتلك التشوهات في الانتماء الوطني ؟ .

المفهوم الجديد للسيادة الوطنية يتحدد بمدى احترام حقوق الإنسان ، فهي الأساس ليشعر المجتمع برمته بأن الدولة دولته ، وأن الوطن وطنه . يسأل البعض سؤلاَ ساذجاَ هو : في حال تعارض الوطنية مع حقوق الإنسان ، فلمن تكون الأولوية ؟ هذا السؤال ينطلق نظرياَ على الأقل من وجود تعارض مبدئي بين الوطنية وحقوق الإنسان .

السؤال الصحيح باعتقادنا هو: هل يمكن أن يكون هناك وطن، أو هل يمكن فهم الوطنية خارج إطار احترام حقوق الإنسان ؟ ، ماذا يعني الوطن دون وجود دستور ديمقراطي ؟ .  الوطن هو الدستور وليس مجرد أرض نعيش عليها ونحبها.

مرجع الوطنية هو الدولة الوطنية ، وطالما لا يوجد دولة وطنية لا يمكن القول بإمكانية وضع محددات أو توصيفات حقيقية للوطنية ، أما الدولة الوطنية فهي دولة الكل الاجتماعي ، ودولة الدستور الديمقراطي ودولة القانون واستقلال القضاء ، وهي الدولة التي يمكن من خلالها فقط وضع معايير وتعبيرات قانونية واضحة لتوصيف العمالة والخيانة الوطنية .

 

ه- الخطاب المناهض للعولمة و الغزو الثقافي:

لا يمكن فهم هذه المرحلة من تاريخ البشرية إلا على أنها استمرار وتعميق للمرحلة السابقة بما فيها من علاقات هيمنة, فما وصلت إليه البشرية اليوم هو نتيجة لصراعات سياسية واقتصادية على مستوى الدول و الشركات المتنافسة, و هذا يعني أن ثمة إرادات ومصالح مختلفة قادت البشرية بالترافق مع الثورة العلمية التكنولوجية إلى ظاهرة العولمة .

الخطاب السائد في منطقتنا إزاء العولمة هو خطاب الرفض، على اعتبار أنها موازية أو معادلة للأمركة، والاعتقاد بأن هذا الرفض يقود إلى مقاومتها وصد هيمنتها.

في الحقيقة إن احتواء العولمة على مشروع هيمنة أمريكية لا يلغي فوائد الانخراط فيها والفرص الإيجابية التي تحملها, كما أن البقاء بعيداً عن العولمة لا يعني أننا لا نخضع لقوانينها و تأثيراتها, لكنه يعني عمليا تحمل عواقبها ونتائجها السلبية من دون الاستفادة من نتائجها الإيجابية، و هذا يجعلنا نرى أن خطاب الرفض إنما يقود في الواقع إلى التشجيع على الاستقالة السياسية من العالم وتعزيز وتعميق الهيمنة بالضرورة . إن رفض العولمة اعتقادا أن هذا الرفض سيبقي على حظوظ أكبر للاحتفاظ بمواقعنا في المجتمع الدولي هو اعتقاد واهم لأن العكس سيحدث أي الاستبعاد المتزايد من الدورة الاقتصادية الدولية ومن سيرورة التغيير العالمي والإفقار المتزايد والانهيارات الشاملة .

الموقف الرافض للعولمة يطرح إمكانية قيادة "عالمثالثية" (على شاكلة مؤتمر باندونغ) أو تشكيل قطب عالمي اشتراكي لعملية الخروج من نظام العولمة, أي إمكانية تشكيل قطب "عالمثالثي" مضاد ومناقض لعالم العولمة، والانتقال نحو عالم خالٍ من آثار الهيمنة .

في الواقع لسنا اليوم حيال اختيار حر و إرادي بين نظام هيمنة ونظام استقلالي تحرري, فضلا أنه لا توجد في الواقع إمكانيات لتجسيد وتكوين مثل هذا القطب المضاد والمناقض لعالم الهيمنة أيا تكن طبيعته, هذا إذا لم نجزم بفشل المشاريع السابقة التي استندت للمنطق ذاته, إن كان على صعيد تشكيل قطب عالمثالثي أو على صعيد تشكيل قطب اشتراكي من خارج الظاهرة الرأسمالية ومضاد لها, فالتناقضات لا تنمو إلا بالتدريج ومن داخل الظاهرة وليس بالتخارج معها, حيث النقيضان الاجتماعيان الجدليان موجودان في عالم واحد ويرتبطان ببعض القواسم المشتركة .

إن منطق الرفض إزاء ظاهرة العولمة وتوهم إقامة بديل سلبي ومحارب ومجانب ومضاد بشكل مطلق للعولمة هو منطق واهم, فالدخول في العولمة وتقنياتها وحقولها وميادينها هو أمر حتمي ومفروض على كل مجتمع يريد أن يبقى في دائرة المجتمعات التاريخية و لا يريد أن ينسحب من الفعالية العالمية وينعزل ويعيش في عالمه الخاص .  هنا يصبح من الضروري، و هو المتاح واقعيا، أن نتفهم آليات الهيمنة الجديدة وأن نسعى بكل الإمكانيات إلى تعديل وتغيير أثرها علينا وإبراز إمكانية مقاومة الهيمنة وشروطها من داخل العولمة ذاتها لتفكيك آليات الهيمنة والحد منها .

هل المخرج يعني الانخراط في العولمة والتسليم بها بدون مرتكزات ذاتية أو بلورة إستراتيجية إزاءها ؟

ثمة منطقان : منطق الانخراط السلبي في العولمة الذي يستند إلى طابع قدري أو تسليمي و لا يرى أي دور ممكن للذات في تحسين الشروط وتغيير بعض السياسات والحصول على بعض المكاسب الإيجابية وتنحية بعض السلبيات . المنطق الآخر هو منطق التمني والرغبة الذي يأمل أن تؤدي العولمة لإنقاذنا بفعل آلياتها وحسب من الاستبداد والتخلف والفقر .

إن الإشارة إلى خطر الانقطاع عن العولمة لا يعني أن للانخراط فيها بالضرورة نتائج إيجابية مضمونة و مؤكدة, إذ لا بد من توافر دور للذات القادرة على استثمار إيجابيات العولمة . هذا يعني أن الانخراط في العولمة دون بلورة إستراتيجية ذاتية لا قيمة له ، وهو ينسجم تماما مع منطق الرفض و لا يختلف عنه . هنا يأتي المخرج الوحيد: أي الدخول الفاعل في العولمة من منطق الصراع من داخلها في سبيل تحسين وتعديل موازين القوى المتحكمة بها ، وتحسين فرص السيطرة على جزء من آلياتها ، وبالتالي الحد من الهيمنة الأمريكية فيها وليس القفز فوقها أو التسليم لها .

أما بالنسبة للأهداف التي وضعتها البشرية لنفسها، والمتمثلة بالمجتمع الاشتراكي كبديل للمجتمع الرأسمالي، فإنها أهداف مشروعة. الاشتراكية كفكرة، كبعد اجتماعي، كحلم بشري في العدالة، لم تنته، بل ستظل البشرية تبحث عن الطرق الموصلة لهذا الحلم، لكن بالطبع بتصورات جديدة وآليات مختلفة. الاشتراكية اليوم بحاجة لإعادة صياغة و بناء من داخل إطار العولمة وليس بالتخارج معها, وما يمكن تحديده بدقة اليوم هو فقط مطالب محددة في العدالة الاجتماعية ، أما الاشتراكية كنظام عالمي بديل للنظام الرأسمالي، لا يمكن بلورتها دون العمل تحت سقف العولمة ذاتها ودون أن تتحدد معالم هذه العولمة وحدودها ومرتكزاتها على مستوى العالم . العولمة الرأسمالية بآلياتها المعروفة هي التي تفتح المجال لعولمة أخرى بديلة ، لأنها رغم كل أشكال الهيمنة فيها تحتوي داخلها على آليات تجاوزها .

و- ثقافة العولمة والثقافات المحلية :

ثمة مفاهيم أخرى درجت في ثقافتنا السياسية على علاقة وثيقة بمسار العولمة و بالعلاقة مع الآخر, كمسألة الغزو الثقافي و تهديد الهويات الوطنية و القومية، و طرح مفهوم "حوار الحضارات وتفاعلها" كمقابل لمفهوم "صراع الحضارات". بعض هذه المفاهيم لا يمتلك أي فعل سياسي محرك سلبا أو إيجابا، كمفهوم "حوار الحضارات" فكل الكتابات العربية حول هذا الموضوع لم يكن لها أي رصيد واقعي، والأسباب معروفة، فمن جانب لا يوجد قوى تسند هذه الفكرة، ومن جانب آخر بقيت طريقة التعاطي مع الفكرة في حدود الأيديولوجيا و الأخلاق. في حين ما كتبه صموئيل هنتغتون عن صراع الحضارات هو ما حدث على أرض الواقع ولا زال يحدث، لأنه كتب بدلالة السياسة و التاريخ و الواقع.

بداية نقول إن أي تهديد أو إلغاء للهويات الجماعية لا ينجم بالتأكيد عن توسع دائرة التفاعل والتشارك والتثاقف بين الثقافات,إنما ينجم عن غياب استراتيجيات فاعلة للمجتمعات الأقل تطوراً وللثقافات التي تحملها من أجل الاستفادة من حالة التفاعل الثقافي التي ترسيها العولمة بشكل موضوعي . وبالتالي فإن الطرح الذي لا يرى في العولمة إلا محاولة لتعميم النموذج الأمريكي في الحياة إنما يعكس مخاوف الجماعات الضعيفة أو العاجزة من المستقبل أكثر مما يساعد في الكشف عن تغيير الشروط غير المتكافئة التي يحصل فيها هذا التفاعل .

ثانياً: لن يكون لثقافة المجتمعات الضعيفة أي دور أو مستقبل فعلي إلا إذا أدرك حاملوها طبيعة هذا النمط الجديد من السيطرة الثقافية وآلياته وقاموا ببلورة الإستراتيجيات المناسبة التي تسمح لثقافتهم القيام بدور فاعل على مستوى المشاركة الإبداعية العالمية, وليس مجرد الإبقاء على الهوية الثقافية الخاصة بدون أي فعالية أو تأثير عالمي ، و دون إعادة بناء سمة العالمية أو الكونية في الهوية الثقافية المحلية ، وذلك ضد كل خصوصية منغلقة على نفسها .

وثالثاً: إن الثقافات على مر التاريخ قد وجدت في حقل تفاعل وتأثير متبادل ، وقد تحددت بينها على الدوام علاقات هيمنة وخضوع على درجات متباينة ومتفاوتة بحسب عوامل متعددة منها القوة الاقتصادية والعسكرية ، ومنها ما يتعلق بميادين الإبداع والثقافة, وبالتالي قد تكون العلاقة استلابية تجاه الثقافة الأقوى والمسيطرة، و تؤدي إلى سحق ثقافة المجتمعات الضعيفة، وقد تكون الهيمنة جزئية في أحد الحقول فقط كالمجال العلمي والتقني .

ورابعاً: إن السيطرة المادية ( أي الاقتصادية والعسكرية والسياسية ) هي العامل الحاسم في السيطرة الثقافية ، أي أن هذه الثقافة السائدة أو المسيطرة لا تسود بسبب تفوقها القيمي والأخلاقي والإنساني على غيرها من الثقافات ، إنما بسبب حملها من قبل المجموعات البشرية المتفوقة أو المسيطرة مادياً، ثم تأتي العوامل الأخرى لتلعب دوراً إضافيا في السيطرة الثقافية، كقدرة هذه الثقافة أو تلك على التجدد والإبداع المتواصل .

وخامساً : من الممكن بلورة إستراتيجيات فعالة للحد من السيطرة الثقافية أو الالتفاف عليها بطريقة تسمح لثقافة البلدان الأضعف الاستمرار والمشاركة في الإبداعات الحضارية, كما هو الحال بالنسبة للثقافات الأوربية في مواجهة الثقافة الأمريكية, لكن في حال غياب هذه الاستراتجيات الفعالة يصبح خطر الانسحاق والاستلاب و التماهي قائماً . هذا يعني أن السيطرة الثقافية الأمريكية لن تكون كلية وثابتة, فدرجتها تتبع شكل المجتمعات المتعاملة معها من جهة ، وتتبع تغير موازين القوى المادية داخل إطار العولمة من جهة ثانية . وهذا التغير عندما يكون لصالح المجتمعات الضعيفة سوف يتيح لها إعادة بناء ثقافتها وهويتها الخاصة على أسس ومرتكزات جديدة تمكنها من الفعل والتأثير والحد من الهيمنة .
وسادساً : لا يمكن إلا أن نرى أن ثمة خطاً واضحاً لنشوء ثقافة عالمية بحكم المتغيرات الهائلة في السياسة و العلوم و الاقتصاد و التكنولوجيا، و التي تتناول جميع المستويات أي القيم والسلوكيات وأنماط التفكير, و هذا أمر موضوعي لا يمكن لنا إلا التسليم به.

وسابعاً : إن أشكال الصراع بين الثقافات المحلية والثقافة الأقوى تتخذ أشكالاً متعددة، فإما أن تأخذ شكل التماهي بالثقافة القوية والاستلاب تجاهها والتسليم بها من دون شخصية ولا برنامج ولا مشاركة إيجابية, وإما أن تأخذ شكل الانغلاق على الذات وإعادة إنتاج ثقافة ماضوية ذات طابع هيمني رافض ومحتج على ثقافة العولمة وحسب . ويبقى التوجه الثالث الذي يشكل المخرج الحقيقي المأمول ، أي المشاركة الإيجابية في التفاعل الثقافي من خلال رؤية واضحة وبرامج و هويات قابلة للتجدد ومترافقة مع تعزيز المواقع المادية في إطار العولمة .

أسئلة العولمة هي ذات الأسئلة في الجوهر التي طرحت في عصر النهضة العربية لدى تعرفنا بالكائن الجديد آنذاك ، أي " الغرب المتفوق " والتي كوّنا حولها إجابات ترتكز إلى عقد النقص وفقدان الثقة بالذات ، فاستبد بنا تارة هوس الدفاع عن الذات ، فبقينا كما نحن سعداء بجهلنا وتخلفنا, وتارة أخرى دوخنا الغرب بسحره وثقافته وعلمه حتى ذبنا به وفقدنا ملامحنا وهويتنا ولم ندرك عيوبنا ومشاكلنا .

إن الدفاع عن هويتنا لا يتحقق من خلال الحفاظ عليها كما هي, أي عن هوية الماضي, ولكن من خلال إعادة بنائها من أفق المستقبل، وفي إطار العولمة والثورة العلمية التكنولوجية, أي من خلال بناء العالمية فيها , والانتقال من حالتي الرفض والاستلاب المعيقتين لنمو هذه الهوية وتطورها, والتوجه نحو المشاركة الإيجابية في العالمية ، والعمل مع القوى الأخرى ، قوى المجتمع المدني العالمي ، على تفكيك السيطرة الثقافية الأحادية، وإعادة بناء العالمية من أفق التعددية الثقافية الكونية، وفي إطار الاحترام والتعاون والتفاعل المثري .

 

5- إشكالية الداخل و الخارج في الممارسة السياسية :

أ- المنهج و الخطاب السائدان سياسيا:

غني عن القول أن الخطأ السياسي أمر شائع ، ويمكن تجاوزه في الممارسة السياسية ، أما النهج السياسي الخاطئ فهو المصيبة أو المشكلة التي تولد على الدوام الأخطاء السياسية . وللأسف فإن هذا النهج هو السائد في الثقافة السياسية لمختلف التيارات والقوى السياسية ، وهو المسيطر في كل مقاربة أو تناول لإشكالية العلاقة بين الداخل والخارج .

السائد في تناول القضايا السياسية هو " التعميم والمواقف العامة " و " الشلف " و " الأحكام العامة والسهلة والمطلقة " و " الشعارات الأيديولوجية " و " العواطف الوطنية " ، بينما يغيب " التدقيق في المستويات والمواقف " و " معرفة الفوارق الطفيفة بين الأشياء والمواقف والسياسات " و " قراءة الواقع كما هو بمعزل عن الرغبات والأماني والأهداف " . ما هو سائد ينشد راحة الضمير وعدم التعب وتأكيد سلامة الأيديولوجية وبناء مواقف شعبوية قادرة على التجييش والتحشيد .

تتكشف آليات النهج السائد في الممارسة السياسية لدى بناء الموقف إزاء الخارج ، فهذه الآليات ثابتة لا تتغير ، والخارج هو الخارج لا يتغير ولا يتحول . الموقف السياسي إزاءه ثابت في كل اللحظات السياسية، ومشحون بهواجس الخوف والشك والعجز والنقص. الخارج عدو مطلق، وكل تصرف أو سلوك يصدر عنه، لا يهدف منه إلا إلى سحقنا والقضاء علينا، وتحويلنا هباء منثوراَ.

هذه المواقف والآليات تفتقد إلى المرونة السياسية ، ولا تعرف مصطلح التكتيك السياسي ، ولا كيفية خدمة الأهداف الإستراتيجية العريضة سياسياَ ، مما يحول الاستراتيجيا والأهداف عموماَ إلى حالة بليدة غير منتجة أو مثمرة على أرض الواقع . و هذا ليس غريبا فالمنطقة العربية فقيرة بالسياسيين ، أي بالمفكرين السياسيين ، أولئك الذين يحللون ما يجري على أرض الواقع ، ويبدعون في خلق الاستراتيجيات الملائمة ، وصوغ التكتيتات المنتجة التي تحول الاستراتيجيا إلى واقع معاش . المتوافر هم كتاب الأيديولوجيا أو رجال الشعارات .

الشعارات السياسية الدارجة التي تملأ الساحة السياسية صراخاَ وعويلاَ ، تتلخص في طرح أهداف سياسية حارة في ظل واقع بائس ومحاصر ، فالوحدة العربية أمر راهن ، والديمقراطية يمكن أن تكون مؤجلة لصالح التعبئة العامة الضرورية لمقاومة المخططات الإمبريالية والصهيونية ، و "الوطن في خطر" ، وهذا يتطلب تكاتف جهود السلطة والمعارضة من أجل حل التناقض الرئيسي في اللحظة الراهنة مع الإمبريالية العالمية والخطر الخارجي ، وفلسطين هي قضيتنا المركزية ، وما عداها ممكن بعد رحيل إسرائيل أو القضاء عليها ، ولذلك من الضروري دعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، و الدعوة إلى " تعميم ثقافة الاستشهاد "، هذا الشعار الذي يستند إلى مخزون تراثي هائل ، تحول بنتيجته البشر إلى مجرد دعاة للموت من أجل الموت . و من الضروري أيضا جمع التواقيع على "مواثيق شرف" تؤكد عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية ، و لا بد أيضا من وضع اسم " إسرائيل " دائماَ وأبداَ بين قوسين ، لأن هذين القوسين، كما يرى البعض، هما اللذان سيلجمان إسرائيل عن التوسع، أو سيبقيانها على قائمة الدول غير الموجودة أو غير المعترف بها .  بل لا بد أيضا من توسيع آليات محاصرة الخارج وإنهاكه عبر دعم ما يسمى " المقاومة العراقية " بشتى الوسائل الممكنة ، فالأساس هو طرد الاحتلال ، وبعدها لكل حادث حديث .

جميع الأهداف المطروحة فهمت بمعزل عن الديمقراطية . فالوحدة العربية ما هي إلا تجميع لأجزاء متناثرة، نتذكر معها قصة ذلك الرجل الذي أعطى أولاده عيدان ثقاب مفردة فكسروها ، ثم أعطاهم إياها مجتمعة فعجزوا عن كسرها . المفهوم السائد للوحدة هو الفهم الميكانيكي ، والنظرية السائدة في الفعل الوحدوي هي نظرية نديم البيطار في الانتقال من التجزئة إلى الوحدة التي تتطلب ثلاثة عوامل لتحقيقها، أولها الإقليم – القاعدة ، وثانيها الشخصية الكاريزمية التي تستولي على قلوب الجماهير و تبهرهم بسحرها و ذكائها و قدراتها، وثالثها الخطر الخارجي، أما اتجاه التقدم، أي الديمقراطية، فهو غير موجود في الفهم الوحدوي السائد. نحن نريد الوحدة ليس من أجلنا، بل من أجل تشكيل القوة اللازمة لمواجهة الخارج. الديمقراطية و حقوق الإنسان لا وجود أو أثر لهما، و حتى لو ذكرت، كما هو حاصل في جميع برامجنا السياسية، فهي لا تعدو أن تكون شكلا من أشكال إعداد مائدة وفيرة بالمصطلحات الحديثة، و لما تتحول بعد إلى منطلق و أساس، و إلى منهج للرؤية السياسية. عندما ننظر إلى جميع قضايانا و مشاكلنا السياسية ( فلسطين ، لبنان ، العراق ، الوحدة العربية ، النظام الاقتصادي المطلوب ، إسرائيل ، مشكلتنا مع أمريكا ... ) من زاوية أو منظار الديمقراطية وحقوق الإنسان سوف تختلف رؤيتنا.

 في فهمنا للوحدة و قضية فلسطين نستحضر دائما خطر الخارج، و نعيش حالة الأمة/الضحية، الأمة المطعونة، الأمة التي كذب عليها الآخرون و أخلفوا وعودهم معها و غدروا بها، لذلك يكون استنفارنا ضد الخارج غرائزيا، و يكون صراعنا معه صراعا على البقاء، و ليس صراعا سياسيا.

البعض من دعاة الفكر القومي التقليدي فرح عندما اجتاح صدام حسين الكويت ظناَ منه أن سيرورة الوحدة العربية قد بدأت ، وخافت أن توجه انتقاداَ أو استنكاراَ لفعل الاجتياح خوفاَ من أن تحسب في الخندق الآخر ، أي في خندق الولايات المتحدة . الغريب أن القوى السياسية في كل مرة تمر فيه بلحظة سياسية شبيهة تقف في الخندق الخطأ . هذا لا يعني الوقوف في خندق الولايات المتحدة ، بل يعني الوقوف في خندق المواقف والسياسات الصائبة انطلاقاَ من المصلحة الوطنية ( أو القومية ) ، ولا يهم عندها إن كان ثمة تقاطع بين هذا الخندق وخندق الولايات المتحدة .

تلك هي أهم منطلقات ومواقف الحركة السياسية في سوريا ، وفي الساحة السياسية العربية عموماَ ، وهي في معظمها ثابتة منذ نصف قرن تقريباَ ، على الرغم من التغيرات النوعية التي شهدها العالم ، وعلى الرغم من أن الواقع اليوم لا يستجيب لأي منها . أسئلة عديدة تطرح هنا ، أولها هل خدم وضع هذه الشعارات والتوجهات على أجندة عمل الحركة السياسية القضايا التي قامت أو رفعت من أجلها ؟ ، وهل خدمت تجارب جميع حركات التحرر العربية ، وحركات الاستقلال ، قضايانا المصيرية وأهدافنا المرفوعة منذ نصف قرن ، وهل وصلت بنا إلى وطن حر ومواطن حر وسعيد ؟

التوهان السياسي موجود ، وإنتاج الأخطاء مستمر إلى ما لا نهاية : بعض الشعارات المطروحة في السوق السياسية تهدف إلى تحقيق أكبر  حالة من التحشيد ، ولذلك العنصر الدافع الرئيسي لتبني هذه الشعارات من قبل قوى سياسية عديدة هو مزاج الناس . السؤال هنا إذا كان حزب ما يبني سياساته إنطلاقاَ من مزاج الناس فما هي ضرورة وجوده كحزب سياسي ؟ إذا كان الحزب السياسي ينطلق من الحدس والمباشر والظاهر كما هو حال المزاج السائد ، فأي معنى أو دور يبقى لوجوده ؟ إذا لم يكن الحزب السياسي رافعة لوعي الناس ، وسبيلاَ لتطوير مداركهم وتفاعلهم مع الأحداث السياسية ، فما هي الوظائف السياسية والمجتمعية المتبقية لهذا الحزب ؟

بعض قضايانا المحقة ( الوحدة العربية ، تحرير فلسطين ) لا يمكن خدمتها برفع شعارات تطبيقها في لحظة انكسار سياسي معمم ، فهذا لن يزيد الحركة السياسية والبشر عموماَ إلا إحباطاَ و انتكاسا، فالعواطف والرغبات لا مكان لهما في عالم السياسة ، وعلينا ألا نعتقد أن ثمة فائدة يمكن أن تكون في تكرار الحديث عن الوحدة وفلسطين ، وفي التأكيد على التزامنا بهذه القضايا ، فالعبرة ليست في الكلمات ، بل في إمكانيات التحقيق الواقعية .

التقييم العام والأحكام الإجمالية لا يؤثران في الواقع السياسي ، ويؤديان إلى بلادة سياسية وفقدان القدرة على التعامل مع الفوارق الطفيفة في سياسات الدول وبالتالي التأثير فيها . أمريكا قارة مليئة بأنواع و فئات مختلفة من البشر ، وبتيارات سياسية متعددة ، وبقوى مجتمع مدني غاية في التنوع والاهتمامات والتصورات المختلفة ، ودون التعامل مع هذه الحقائق لن يكون بالإمكان تغيير سياسات الآخرين إزاءنا .

 دون تغيير فهمنا السياسي سيبقى الخطاب السياسي ، كما هو شائع ، خطاباَ ذاتياَ ،لا يقتنع به ، ولا يسمع به ، إلا أصحابه . ضعف المعارضة السياسية في سوريا لا يكمن فقط في محاصرة السلطة لها على مدار ثلاثة عقود ، بل أيضاَ في خطابها الذي لا يستطيع أن يجمع حوله حفنة من البشر في الداخل ، ولا يستطيع أن يكسب المؤييدين والمتعاطفين معه في الخارج .

الموقف الأيديولوجي والغرائزي للمعارضة السورية تجاه الخارج يقودها إلى إلغائه من حساباتها ومن خطابها ، الأمر الذي يعني للعالم عموماَ أن هذه المعارضة تريد بناء وطن خارج هذا العالم ، ومتخارج مع العصر ، وليقتصر خطابها على محاورة نفسها أو استجداء النظام ، واللعب على وتر تذكيره بالأخطاء المحدقة بالبلد التي تتطلب تكاتف جهود الجميع . لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا الإلغاء للخارج يقود هذا الأخير أيضاَ في المحصلة إلى إلغاء المعارضة من حساباته ، ولتبقى السياسة الخارجية بالتالي حكراَ على السلطة ، ولتصبح المعادلة السياسية الفاعلة هي بين النظام الحاكم والخارج وحسب ، وليبقى الوطن لعبة  بيد الطرفين في حالة غير مضمونة العواقب .  تعفف المعارضة عن الحوار مع الخارج بمستوياته المتعددة ، يشير إلى خوفها الدائم من اتهامها بالعمالة من قبل السلطة التي تخضع معارضيها على الدوام لابتزاز معنوي يتجسد في إنهاكهم بضرورة إثبات وطنيتهم على الدوام أمام السلطات " الوطنية " . لا أحد يقول مثلاَ لزعيم حزب معارض في فرنسا عندما يزور بلداَ معيناَ كأمريكا أو بريطانيا ليشرح رؤاه وتصوراته، بأنه عميل لهذا البلد أو ذاك. ويعكس هذا التعفف أيضاَ حالة من عدم الثقة بالذات في حال جرى هذا الحوار . لا يعني مجرد الحوار مع الخارج أننا أصبحنا ندور في فلكه ، وأننا سنسير في طريقه ونسلم له مصائرنا وحياتنا ، بل على العكس قد يكون بداية لكف يده عنا . شأن المعارضة في التعامل مع الخارج كتلك المرأة التي تخاف على بكارتها من كلمة غزل أو لمسة يد .

رضيت المعارضة، أو بعض أطيافها، بشكل مباشر أو غير مباشر ، التحول إلى أحد أركان استمرار الاستبداد ، فالسلطة تستثمر خطاب المعارضة وتوجهاتها إلى أبعد حد ، خاصة عندما تقول للخارج أنها أفضل الموجود ، وأن البدائل الممكنة أو المتاحة أكثر راديكالية منها .

الوطن في خطر . هكذا يطرح النظام الحاكم ، وهكذا تطرح المعارضة . النظام الحاكم يقول تبعاَ لذلك بضرورة الصمت وكم الأفواه، لأن صوت المعارضة المرفوع يخدم في تشجيع الخارج على القدوم إلينا وانتهاك سيادتنا الوطنية. المعارضة تقبل أحياناَ وتصمت قانعة بأن التناقض الرئيسي هو مع الإمبريالية والاستعمار، أو تراهن على جواد خاسر عبر مطالبة السلطة بضرورة تكاتف الجهود وعقد مؤتمر للحوار الوطني لدرء الخطر الخارجي.  المؤتمر الوطني بصيغته المطروحة لا يخدم إلا استمرار الاستبداد وإنقاذه من محنته الراهنة ، لأنه ببساطة يجري بين أطراف غير متكافئة ، بحكم كون المعارضة محرومة من ممارسة حقوقها السياسية في الدعاية والإعلام والانتشار منذ زمن بعيد ، وبحكم عدم وجود ضمانات واقعية حقيقية لعدم حدوث انقلاب على التوافقات التي يمكن أن يتوصل إليها مثل هذا المؤتمر، و بحكم ضرورة تحقيق السلطة لمجموعة من المتطلبات الضرورية قبل أي حوار، أي تلك التي تتعلق بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي و السجناء السياسيين، و رفع حالة الطوارئ و الأحكام العرفية، و غيرها.

الضمانات المطلوبة هي في ممارسة المعارضة لدورها في مناخ سياسي صحي ، وتوجهها نحو توحيد جهود أطيافها ، وتشكيل جبهة معارضة واسعة أو قطب معارض حقيقي ، وبعدها يمكن لفكرة المؤتمر الوطني أن تكون بوابة للتغيير الديمقراطي الحقيقي ، ومخرجاَ لتخفيف خطر الخارج.

هذا التعفف يبدو في كثير من الأحيان ، غير صادق في العمق ، فالقوى المعارضة التي تطالب دائماَ بالتأكيد على عدم الاستقواء بالخارج ، تنتعش وتتنفس الصعداء وترفع صوتها في كنف الضغوط الخارجية ، وتقتات من نعمها . هذا لا يخدش وطنية المعارضة ، لكن المعيب هو في الخطاب المعلن الذي تتعامل من خلاله المعارضة مع تلك الضغوط ، عبر التأكيد على رفض كل ما يصدر عن الخارج ، حتى شعاراته حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ، إذ بدل تأكيد المطالب الخاصة بهذه الشعارات ، يجري مواجهتها بمخزون الشعارات المعتادة ، أي تلك المنادية بتحرير فلسطين ودحر الإمبريالية ، ولتصب هذه اللحظة السياسية في المحصلة في طاحونة النظام واستمرار الاستبداد .

ب- النظم الحاكمة و تعاطيها السياسي مع الإشكالية :

أصبحت سياسات النظم العربية معروفة للعامة والخاصة ، فمن الثوابت الواضحة سعيها الدائم إلى تأجيل وصول الأزمات الداخلية إلى حدود انفجارية ، والوسائل متعددة في هذه السياسة ، منها اللعب بأوراق إقليمية خارجية ، الأمر الذي يسمح لها من جهة بالمناورة مع الخارج وإجراء المقايضات اللازمة لكف يده عن التدخل في الشأن الداخلي ، ومن جهة ثانية قطع الطريق على الداخل الذي يطلب منه تقدير وضع النظام و " الظروف الدقيقة " الإقليمية والدولية المحيطة بالبلد ، وتأجيل الاستحقاقات الداخلية .

لكن الجديد هو نهاية السياسات المبنية على المقايضة مع الخارج ، و حتى لو قبل هذا الأخير في لحظة من اللحظات ببعض المقايضة، فهو قبول مؤقت، فالخارج أصبحت مشاريعه أكبر من إدارة الأزمات ، ولترتكز أساساَ اليوم على إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه ، وهذا يعني في التفاصيل نهاية العهد الذي كان يتم فيه استقواء دولة بأخرى أو الإمساك بأوراق إقليمية خارج إطار حدود البلد. هذا الجديد في المحصلة جعل الأنظمة الحاكمة وجها لوجه مع الأزمات الداخلية التي راكمتها وغذتها بفعل سياساتها غير العقلانية على مدار عقود . عندما طرحت الولايات المتحدة مشروعها الإصلاحي للمنطقة كان رد فعل الأنظمة العربية هزيلاَ : " الإصلاح يجب أن يكون من الداخل " ، بمعنى أن هذه الأنظمة التي لم تخرج طوال نصف قرن كلمة منها تشير إلى " الإصلاح " أرغمت عملياَ على طرحه ، أما من حيث طبيعة الرد فإنه مفهوم ، أي ستقوم به الأنظمة بما يتوافق مع ظروفها ومصالحها . 

هذه الأنظمة لم تتغير ، لكنها فضائل القنوات الفضائية والمنظمات الدولية غير الحكومية التي ساهمت في نقل الصورة والحدث للعالم كله ، ولولا ذلك لكانت تكررت اليوم الأحداث المأساوية التي مرت بها منطقتنا في الماضي ، عندما كان يجري التعامل بهمجية مع أي ظاهرة معارضة من أي نوع .

من الثوابت أيضاَ اتهام النظم الحاكمة لمعارضيها بالعمالة للخارج والخيانة الوطنية. " العميل " في عرف هذه النظم ، كما هو معروف ، هو كل من يحاول الخروج على النسق الشمولي وشرعة الاستبداد ، ولذلك هي لا تتورع عن توجيه التهم لمثقفي البلد ولأحزاب سياسة معارضة ، بل ولمجموعات بشرية واسعة كالأقليات القومية أو بعض الطوائف .

على العموم هذه الاتهامات معروفة و مألوفة في تاريخنا، إذ كانت السلطات القائمة تتهم معارضيها على الدوام، و بهدف حرقهم اجتماعيا و سياسيا، بإحدى التهم الثلاث، فإما يتهمون بالعمالة للخارج، أو بالإلحاد، أو يتهمون في أخلاقهم الاجتماعية، و ذلك لأنها تدرك أن هذه التهم قادرة على استنفار الغرائز البدوية و الدينية للبشر ضدهم.

هذه الاتهامات ، خاصة في ظل ضعف المعارضة ، تجعل هذه الأخيرة تسير في طريق رد التهم عنها وإثبات وطنيتها بشتى السبل ، سواء من حيث خطاب كيل الشتائم للخارج ، والتأكيد الدائم لرفضها له جملة وتفصيلاَ ، سياسة وثقافة ، شخوصاَ ودولاَ ومنظمات غير حكومية ، أو من حيث الصمت عن نقد الأنظمة في اللحظات التي يشتد فيها ضغط الخارج عليها . في المنطقة العربية عموماَ تتحمل السلطات السياسية مسؤولية التدخلات الفاضحة للخارج أما تيارات المعارضة على اختلاف تلاوينها فلا علاقة لها بذلك .

بدلاَ من التركيز على قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان ، تنهك المعارضات نفسها وتستنزف طاقتها في إثبات وطنيتها في بلد يفتقد لأي معايير قانونية تحدد معنى الوطنية ومعنى " الخيانة الوطنية " ، وأمام أنظمة حاكمة شهادتها مجروحة في هذا الأمر ، وتحتاج إلى آلاف الشهادات لإثبات وطنيتها . تحتاج الأنظمة الحاكمة إلى شهادة في الحفاظ على المال العام وعدم تورطها في الفساد، و إلى شهادة في حسن إدارة موارد البلد ، و شهادة في احترام القانون الوطني ، أي الدستور ، و شهادة في عدم استغلال المناصب الحكومية ، و شهادة في الحفاظ على حياة كريمة للمواطنين ، وأخرى في صون حرياتهم ، وشهادة في رسم سياسات ناجحة تخدم الحفاظ على المناعة الوطنية ، وغيرها من الشهادات .

بعض الأنظمة لا تفتقد للشهادات السابقة وحسب، بل أيضا لشهادات تخص عدم تحولها إلى قنوات سهلة للمصالح الخارجية، وإلى موظفين صغار عند السيد الأمريكي، وإلى حراس مخلصين للأمن القومي الأمريكي.  

6- الخروج من النفق المسدود:

نحن في الحقيقة أمام حالة عجيبة : خارج يريد أن يغير و يمتلك القدرة على الفعل ، ولكنه سيغير انطلاقاَ من مصالحه و على هواه ، وهذا مفهوم و طبيعي ، وداخل (حكومات وقوى سياسية وشعبية ) رافض لمصدر التغيير . سلطات لا تريد أن تغير أصلاَ ، ولكنها أرغمت على ركوب موجة التغيير ، و هي تمتلك القدرة أيضا ، لكن أقصى ما تريده هو إضفاء تغييرات وتحسينات جزئية وحسب ، وبشكل يتوافق مع استمراريتها ، بل هي تتعامل مع "مسألة التغيير" على أساس أنه بدأ ، أما وتيرته فلا بد أن تتم بما يتناسب مع ظروف كل دولة ، ومع التحديات التي تجابهها ، وبشكل لا يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي ، أي استقرار الأنظمة . أم القوى السياسية ( في الداخل والخارج ) فهي عاجزة ومشتتة .

هذه الصورة تتكرر في بلدان عربية عديدة ، وحصيلتها في عالم السياسة صفر .

السؤال المركزي بعد محاولة استكشافنا لهذه الإشكالية في كافة أبعادها ومستوياتها، و بعد محاولة قراءتنا للوحة السياسية بكافة مفرداتها، هو : كيف يمكن حل هذه الإشكالية وتخفيف درجة حدتها في تشكيل الاصطفافات وفرز القوى السياسية والفئات الاجتماعية لصالح حضور الاعتبارات الداخلية وإعادة التكوين بناء على البرامج الداخلية ورؤية الجميع للأهداف والآليات التي يمكن من خلالها حل الأزمات الداخلية ؟ .

بمعنى آخر كيف يمكن إعادة توحيد الحقل السياسي والمجتمعي والخروج من حالة التشظي والتمزيق الحادث بسبب هذا الحضور المكثف ، الواقعي ، الحقيقي للخارج في مجتمعاتنا ؟ شريطة أن يكون هذا التوحيد صحياَ، لا بالاستناد إلى دوافع مرضية بفعل الشعور بالخطر الذي يمثله الخارج، وأن ينطلق هذا التوحيد من قناعة أساسية هي وحدة التنوع ؟ . هل نحلم ونحن نطرح هذه الأسئلة أو بالأحرى الرغبات ؟ ؟

هذه الرغبات تتطلب جهوداَ وحوارات ضخمة وعميقة حول الفكر العربي والثقافة العربية، وهذه جميعها تحتاج إلى بيئة سياسية صحية ومناخ ديمقراطي من جهة ، وتحتاج إلى وقت طويل من جهة ثانية . لكن ينبغي التأكيد على أن حل هذا الإشكال الفكري السياسي، في هذه اللحظة السياسية، لا بد أن يكون بأدوات السياسة وآلياتها بالدرجة الأولى ، وليس من خلال الأيديولوجية التي لن يكون بإمكانها تقديم أي فائدة واقعية أو منتجة في خلق الحلول المناسبة .

القوى السياسية التي تمارس السياسة ممارسة أيديولوجية لا تتبدل مواقفها تبعا للحظات السياسية المختلفة، و هذا ثبات سلبي قاتل، فقد تجرنا هذه القوى إلى متاهات عديدة أو تسير بنا إلى طرق مسدودة. أما القوى السياسية التي تمارس السياسة بالاستناد إلى المعطيات الواقعية المتغيرة، فإن مواقفها السياسية تكتسي طابعا براغماتيا صحيا و طبيعيا، فعندما نكون في حالة راحة لنقاش علاقة الداخل بالخارج تختلف مواقفنا عن تلك التي نصدرها في وضع أو حالة يصبح فيها الخارج موجودا في الداخل أو على أبوابه . هذا يفترض ضرورة الاتفاق على إطار عام لمعالجة هذه الإشكالية، و بما يهدف إلى التقليل من تباينات المواقف السياسية لدى مختلف القوى و الأحزاب في اللحظات السياسية المختلفة إزاء الخارج و سياساته، الأمر الذي يعفينا، فيما لو حصل، من المزيد من التشظي للحركة السياسية.

يمكن للأفكار السياسية التالية أن تسهم جزئياَ في الخروج من النفق، وإعادة توحيد بعض التيارات والقوى السياسية على أسس ديمقراطية:

1 – يجب على القوى السياسية المتباينة أن تتوافق على برنامج سياسي يستجيب للحظة الراهنة، و بما يحد أو يخفف من أثر الخارج وتأثيره في صياغة مستقبل أوطاننا على هواه، دون التخوف من حدوث تقاطع أو توافق بين هذا البرنامج مع ما يعلن عنه الخارج أو مع ما يريده صراحة . أي لا بد من التوصل إلى برنامج حقيقي للتغيير الديمقراطي تتقاطع عنده أوسع القوى على اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية . هذا البرنامج هدفه تشكيل قطب معارض ديمقراطي واضح المعالم من حيث القوى المنضوية فيه والساعية إليه، ومن حيث تحديد عناصر التغيير الديمقراطي وعناوينه وآلياته ووسائله.

2 – وضع استراتيجيات عملية تفصيلية للسير في التغيير الديمقراطي، أي تحويل البرنامج المتفق عليه إلى خطوات سياسية تدريجية محسوبة و مرتبطة بالزمن .

3 - التعامل مع قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان بوصفها القضية المركزية الناظمة لعمل جميع القوى والتيارات، وتأجيل الشعارات السياسية الأخرى المطروحة على اعتبار أنه من جهة لا يمكن خدمة هذه الشعارات سياسياَ في هذه المرحلة من، وأنها من جهة ثانية تصب بشكل أو بآخر في خدمة استمرار الأنظمة الاستبدادية التي تدعي خدمة هذه الشعارات.

هناك معادلة تطرح في الساحة السياسية، حيث هناك بعض القوى تقول "مقاومة الاستبداد لها الأولوية على ما عداها"، و لذلك تنتقد القوى الأخرى التي يختلط عندها الدفاع عن الوطن بالدفاع عن الاستبداد، و هناك قوى ترى أن "مقاومة الإمبريالية و الخطر الخارجي لها الأولوية"، و لا يريد أن يكون كما يقال كالمستجير من الرمضاء بالنار ، و قوى أخرى تريد مقاومة الاستبداد و الخارج معا. الحل ليس في هذه التحديدات القطعية، و إنما بوضع مبدأ عام بالاستناد لقراءة التاريخ و اللوحة السياسية، ثم البحث عن آليات لخدمة هذا المبدأ سياسيا، دون النظر إلى أي ابتزاز من أي نوع، سياسيا كان أو أخلاقيا.

هذا المبدأ باعتقادي هو "قضية الديمقراطية و حقوق الإنسان" في منطقتنا. أما كيفية خدمة هذه القضية فإنها تتبع اللحظة السياسية، فلكل لحظة حساباتها و مقتضياتها و إمكانياتها الواقعية. المهم و الأساس هو التصرف على أساس خدمة هذه القضية الأساسية.

4 – بناء علاقة صحية مع الآخر ، أي الخارج ، خالية من عقد النقص والإهانة و الانجراح الحضاري ، وإطلاق عملية حوار مستمرة مع الخارج بكافة مستوياته وعناصره ، أي الحوار مع منظماته وجمعياته وحكوماته وهيئاته الدولية وغيرها . هذا الحوار ينطلق من أسس عديدة ، أولها الثقة بالذات ، وثانيها عدم الخضوع للابتزاز الذي تقوم به الأنظمة الاستبدادية في هذا الإطار ، وثالثها وضع أساس للحوار هو المصالح الوطنية لدول المنطقة ، ورابعها قبول مبدأ الضغط الخارجي، على أن توضع له معايير عامة تنطبق على جميع دول العالم ، ويكون تحت إشراف الأمم المتحدة ، ومحصوراَ في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ، و بمعنى آخر قبول مبدأ استخدام الضغوط الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية المنسجمة مع مصالح شعوب المنطقة، أي تلك الضغوط المؤذية للعناصر الفاسدة في الأنظمة الحاكمة، و المتوافقة مع التوجهات الديمقراطية و تحسين أوضاع حقوق الإنسان ، وخامسها رفض مبدأ التدخل العسكري لفرض أي تغيير من أي نوع طالما لم يتم إصلاح هيئة الأمم المتحدة، لتكون هيئة ديمقراطية قادرة على القيام بمهامها دون الخضوع لإرادات الدول الكبرى، و هذا على ما يبدو ما زال بعيدا، وسادسها التأكيد على أن الحوار مع الخارج لا يعني استدعاء الخارج ميكانيكياَ إلى منطقتنا وبلداننا ، إنما يعني التأثير في هذا الخارج من منطلق مصالحنا الوطنية ، وسابعها التخلي عن الشعارات السياسية المنطلقة من العداء المطلق للخارج ، كشعار " عدم الاستقواء بالخارج " ، الذي شعاراَ زائفاَ ومضللاَ من الناحية المعرفية والثقافية ، ويعبر عن الكثير من الغباء السياسي . إن عدم الحوار مع الخارج بكل دوله ومؤسساته ومنظماته وهيئاته الدولية لا يطمئن النظام العالمي إزاء القوى السياسية الموجودة داخل دول المنطقة ، وسيظل ينظر إليها بعين الشك والريبة . وثامنها لا بد لهذا الحوار أن يتسم بإتقانه لمنطق العصر والعالم ، وأن يتوافق مع بديهياته الفكرية والسياسية والاقتصادية. هذا الحوار مع الخارج لا يعني فحسب اللقاء على طاولة للنقاش ، بل يعني بالدرجة الأولى مخاطبته بلغة العصر، والتخلي عن مجمل عناصر الخطاب الذاتي الذي لا يفهمه إلا أصحابه ، ولا يؤثر في الثقافات والسياسات العالمية أي تأثير، وبحيث نصبح جزءاَ من العالم ، ومندمجين معه ، ومساهمين في الثقافة العالمية ، لا خارجين عن نواميسه وقوانينه ومنطقه ، و هذا يعني فيما يعني الرفض الواضح للإرهاب والفعل الإجرامي أيا كان مصدره و مبرراته و أهدافه، فليس عدو عدوي هو صديقي دائماَ ، و ليس كل من يقف ضد الولايات المتحدة يمكن أن يقدم خطوة إيجابية أو منافع لمشروعي الوطني الديمقراطي . وتاسعها التأكيد على الوقوف ضد عناصر الهيمنة بكافة مستوياتها العسكرية ( الاحتلال ) والاقتصادية ، وغيرها ، وعاشرها التأكيد على أهمية توسيع دائرة المجتمع المدني العالمي المندمج أو المرتبط بشبكات تتجاوز الدول والحدود ، وأهمية مساهمة هذا المجتمع بقواه المحلية والعالمية على القيام بمقاومة سلمية ديمقراطية ضد عناصر الهيمنة والاستغلال والاستبداد في العالم أياَ كان مصدرها ومستواها .

هذه الأفكار ، سواء التي تتعلق بالمستوى الداخلي ، أو تلك التي تتعلق بآليات التعامل مع الخارج ، ننظر إليها بوصفها كلاَ واحداَ موحداَ ينسجم مع منطق سياسي حديث ومفيد و قادر على تشكيل خطاب سياسي ناضج و منتج ، ولا يمكن التعامل مع أي من مفرداتها لوحده ومعزولاَ عن العناصر الأخرى دون الوقوع في الخطأ السياسي أو في خانة سوء الفهم المقصود أو غير المقصود.  

حازم نهار

10 / 7 / 2005