تأملات في الحرية

 

ترجمة هيثم صعب

 

كتب عن الحرية الشيء الكثير، إلا أن هذا الموضوع يبقى غير مستنفذ طالما أن كل جيل يفهم الحرية بطريقته الخاصة، فضلاً عن العصور المختلفة، والثقافات، والحضارات.

تصبح الحرية موضوعاً للحوارات والجدل الملتهب في زمن التحولات الكبرى الجامحة.

أما بالنسبة لنا، نحن الذين بالكاد تحررنا من الأسر البابلي المظلم للشمولية، ومن مملكة الإرهاب الجسدي والفكري الكئيبة، ونحاول أن نمسك بالمبادئ الأولى للديمقراطية، فتعتبر المشكلات المرتبطة بالحرية بكل تجلياتها المختلفة موضوعاً ذا شأن خاص.

تظهر تجربة البشرية في القرن العشرين للعين المجردة أن الحرية ليست قيمة عابرة، فهي صفة أساسية وجوهرية للإنسان. نها بحسب تأكيد (فرانك)* "علة أولى أنطولوجية للحياة الإنسانية، فكل رفض للحرية هو انتحار روحي, وكل اعتداء على حرية الآخر هو محاولة لقتل الإنسان فيه"، وسحق مخالف لطبائع الأشياء لما في الإنسان من "نموذج الإله وصورته"، وتحويله إلى حيوان". كل محاولة لإخماد نفحة الإبداع، ومبدأ الحرية، والتشارك المبدع للبشر في الحياة الاجتماعية تقود إلى حالة من الضعف الاجتماعي , وبالآن نفسه، إلى الاحتقان.

كما تقود إلى استحالة حرية الإنسان الطبيعية، والمقموعة بآن، في تحقيق طموحاته.. استحالتها إلى "عنف مدمر لتأكيد الذات، وتمرد أعمى"1.

ومع ذلك، فمن الواضح أنه لا توجد حرية مجردة من أجل الحرية؛ فتحديد طبيعتها، وشروط تحقيقها، يطرح أسئلة أساسية عن جوهر الإنسان، ووجوده، وعن معنى حياته، ودوره ومكانته في المجتمع، وعن تناسب الحرية والمسؤولية، لكن، في زمن التحولات الكونية، التي نعيش، غالباً ما يحجب مطلب الحرية الفورية والشاملة تنوعها، وتعدد وجوهها، واقترانها بعدد كبير من الظواهر الاجتماعية - السياسية الأخرى، وبالمؤسسات والقيم: السلطة، النفوذ العدالة، المسوؤلية…الخ.

إن مطلب الحرية المطلقة، أو إعطاء الحرية أفضلية مطلقة تجاه كل القيم الأخرى، يمكن، بهذا الشكل أو ذاك، أن يقضي بتبرير، واستخدام كل الوسائل الممكنة لتحقيقها، على طريقة الشعار المفضل لدى الثوريين المسنجمين مع ذاتهم: "الغاية تبرر الوسيلة"، إلى ماذا يمكن أن يؤدي ذلك، وإلى ماذا أدى بالفعل؟

نحن نعلم من تجربة معسكرات التأديب العديدة في بلادنا.

لذلك، إن التأملات المعروضة أدناه يمكن لها، على ما أعتقد، أن تلقي بعض الضوء على فهمنا للمصائر التاريخية لفكرة الحرية وخصائصها الجوهرية.

 

1ـ على أمواج التاريخ

 

من البديهي أن فكرة الحرية قطعت طريقاً طويلاً في تطورها. في العصور اليونانية والقرون الوسطى لم تكن الحياة، وتأمل الكون منفصلين عن بعضهما إلى مجالين مستقلين؛ مع أن ذلك لم يشترك بالضرورة انسجامهما. في بحثه في ثقافة القرون الوسطى كتب (غوريفيتش): "مثلما وجدت الكاتدرائية القوطية* في أحد أجزائها التعبير عن التناسب الفني لكل البناء الضخم؛ وكما رأوا حينها في الحدث الفردي للتاريخ الأرضي رمزاً لأحداث التاريخ المقدس، أي أنهم استشعروا الأبدي في الزمني، على غرار ذلك، بدا الإنسان وحدة كل تلك العناصر التي بني منها العالم، وهدفاً نهائياً للبناء الكوني"2

لم تقتصر الثقافة على المقولات الفلسفية والجمالية، وعلى الأدب والفنون التعبيرية، والموسيقا، بل إنها اخترقت مجالات الحق، والاقتصاد، والنشاط العملي للبشر، وأدرك الإنسان محيطه الاجتماعي في كليته. لذلك، من الطبيعي أن فكرة الحرية، كما ظهرت بداية عند أرسطو ,ومن ثم عند القديس أوغسطين وتوما الأكويني انطلقت من أن الحرية  هي حق أعضاء الجماعة في أن يكونوا محكومين بما يتناسب مع مصالحهم الخاصة.

لقد كان (كونستان) محقاً تماماً، حين أثبت في مقالته الشهيرة "عن الحرية عند القدماء ومقارنتها مع الحرية عند المعاصرين"، فكرة أن في العصور القديمة تحققت الحرية بشكل جماعي، بوصفها حرية المشاركة في تحقيق سيادة الجماعة، ولم تفسر على أنها تحرر من تدخلها. ولعل وجود مؤسسة المنفى ** يشهد على خصوصية فهم الحرية في العصور القديمة.

لم يتطلب إخضاع أي إنسان للعقاب إعلان اتهام محدد له، ولم يكن له الحق في الدفاع عن نفسه، أو بالعفو؛ فالمتهمون الخاضعون لهذا الإجراء غالباً ما يحكم عليهم بالنفي، لأن أعضاء الاجتماع الشعبي أرادوا التخلص منهم لا أكثر. كان المنفى رمز السلطة العليا للجماعة على الفرد، وغياب الحق عند هذا الأخير ضد التدخل في حياته الخاصة، من الأمثلة الصارخة، من وجهة النظر هذه، الحكم الذي أنزل على سقراط، الحكم الذي لم يجادل به أحد، وأولهم سقراط نفسه، ويشهد تفضيل سقراط قبول السم على الهرب على مستوى وعيه الاجتماعي والأخلاقي، وخضوعه، بذلك، لقوانين الجماعة. على مدى قرون طويلة لعب موقف الفرد هذا تجاه إرادة الجماعة دور الفكرة الضابطة، والتي تؤكد على مدى "النضج الاجتماعي".

في العصور الحديثة تشكل وضع جديد؛ فقد حدثت تغيرات عميقة في النظر إلى الفرد ومكانته في المجتمع. أدرجت مقومات كثيرة فردية واجتماعية في الحياة، أدت إلى تعاظم إمكانيات الإنسان، ومكنته من القيام بخطوات جبارة في السيطرة على الطبيعة، ومهدت السبيل لتأكيد استقلاليته، وعدم تبعيته، وروح الابتكار عنده، ودهائه وعناده في تحقيق أهدافه، وتكونت لديه النزعة العملية، وحسن التدبير، وروح المغامرة، وازدراء القواعد الأخلاقية. هذه العمليات أيقضت، بالمعنى الحرفي للكمة، شرائح اجتماعية واسعة من الجمود الاجتماعي، من السبات الروحي والفكري، حيث اقتضى استبدال المكانة الاجتماعية إيقاظ المبادرة الفردية، وتطوراً أكثر للحرية الفكرية.

لقد حققت الجماعة والاتحاد القروسطيان وظيفة الحفاظ على النظام الاجتماعي، الذي لم يمارس فيه الفرد دوراً يذكر. وتربعت الملكية على رأس الجماعة، واستخدمتها كأداة لسلطتها، وفي إخضاعها التام للفرد، للنظام القائم.

وبدورهم حاول الفلاسفة السياسيون في العصور الحديثة أن ينزعوا فكرة أسبقية النظام الاجتماعي على الحقوق الفردية للإنسان، وخلصوا إلى استنتاج أن المجتمع آلية مؤلفة من أفراد مستقلين ومحققين لذواتهم، وأن جوهر التاريخ يتلخص في النزوع التقدمي لتحرير الفرد من الأوضاع الاستبدادية واللاعقلانية الموروثة عن الماضي. وبحصول هذا التفسير، لأول مرة، على شكله النهائي، إلى حد ما، في نظريات العقد الاجتماعي لكل من: هوبز ولوك وروسو ومونتسكيو.. التفسير الذي كان ثورياً بالجوهر، قلب التصورات السائدة عن الإنسان، ومهد السبيل لتقويض البناء الطبقي المتدرج للنظام الإقطاعي.

لقد وجدت هذه الموضوعة الثورية أصدق تعبير لها في النظرية القائلة بالحق الطبيعي للإنسان في الحياة، والحرية، والملكية، والتي صيغت بشكلها النهائي إلى حد ما، من قبل مفكري التنوير الأوروبي. الإنسان، وفق هذه النظرية، فرد مستقل بمقدار ما ينجز بمفرد، ودون إعاقة، أو مساعدة من الخارج، تلك الحقوق، عدا ذلك فإن الرب وهب الإنسان عقلاً من شأنه أن يوجه أفعاله تجاه الآخرين، وتجاه المجتمع بوجه عام، لذلك افترض أن كل فرد يعلم، أفضل من أي كان، ما هو حسن له وما هو سيء. إذاً، فالشكل الأمثل لتحقيق ذات الفرد هو أن يعطى مزيداً من الحرية ما أمكن، لتحقيق أفعاله التي يقرها عقله. لقد ظهرت "يد الماضي الميتة"، والتقاليد، و المؤسسات الاجتماعية ـ السياسية المتقادمة، والمدرسية الدينية (Scholastic)، وكل المكونات الممثلة للدولة الإقطاعية، عقبة على طريق الحرية بوصفها الشرط الأساسي للتقدم التاريخي، بكلام آخر، برزت الحرية بوصفها غياب المعيقات الخارجية لتحقيق إمكانيات الإنسان وأفعاله الواعية. هذه المقدمة حفزت "بمسار طبيعي" السعي لحيازة الملكية. العقل والملكية تكاملا في صيغة هي المصلحة، وبدا الإنسان حينها  فرداً معزولاً معنوياً واجتماعياً، أو أنه ذرة اجتماعية يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية.

إن أحد أهم الأهداف لفهم الإنسان على هذا النحو هو إلغاء تضليل الدولة، عن طريق نزع فكرة الحق الإلهي للملوك في السلطة، وإماطة اللثام عن دعم الكنيسة الكاثوليكية بنفوذها للنظام الإقطاعي المطلق. رواد التنوير رأوا في المجتمع تجمعاً بسيطاً للأفراد المختلفين عن بعضهم البعض في المصالح و الأهداف، وفي معايير اختيار السبل والوسائل لتحقيقها: المجتمع ساحة يتعقب عليها الإنسان أهدافه الخاصة، والمؤسسات السياسية قائمة بالاتفاق الطوعي للجميع من أجل ضمان أنسب السبل لتحقيقها.

لا يمكن بمدلول واحد تقييم أثر هذه التغيرات في النظرة إلى دور الإنسان، ومكانته في دنيا المجتمع. هذا التوسع غير المسبوق لحدود الحرية الشخصية، ولحقل تحقيق القدرات الإبداعية، أعطى الفرد إمكانية الشعور بنفسه سيد العالم، وخالق مصيره الشخصي، في الوقت نفسه، وبغض النظر عن النجاحات الهائلة في إخضاع الطبيعة، بدا الإنسان مغترباً عن نتاج عمله، لم يتعلم، كما يجب، إدارة العالم القائم، والأكثر من ذلك، فإن هذا الأخير "تحول إلى سيد ينحني الإنسان أمامه، محاولاً استرحامه بطريقة ما، أو خداعه إن أمكن"3

يظهر التاريخ أن "الإنسان" بذاته تجريد فحسب، بناء عقلي، ونتيجة لزوال صفات العرق والأمة، والثقافة، والإيمان، وصفات الجنس…

لكن، بالنسبة للأشكال التقليدية للاستبداد والحكم المطلق , فقد تميزت بهيمنة العادات الموروثة . و السلطة بخضوعها لهذه العادات تأسست على التقليد .

اعتمد الوحدة في المجتمع التقليدي على تجذر العائلة، والقبيلة، والكنيسة… في البنى الاجتماعية. غير أن الناس الذين يشغلون وضعاً أقرب إلى العبودية تجاه مالكي السلطة، وجدوا، مع ذلك، سنداً لهم في هذه البنى. يبدو أنها مفارقة؛ فالاستبداد التقليدي القائم على حساب الدفء الاجتماعي يظهر أكثر وجودية (Existential) من الحرية اللاجتماعية. بينما تبنى الشمولية على اجتثاث وإبادة كل الجذور الطبيعية التي تربط الإنسان بالكيان الاجتماعي، وكل المرتكزات التي تتميز بكونها جماعات مقررة، كمثل جماعات القرابة والجوار، والكنيسة، والرابطات والاتحادات غير الرسمية…الخ، وعلى التوحيد الأقصى لكل العلاقات، وتعرية أقدس جوانب الحياة الشخصية وكشفها على العموم، ومن مفارقات الأمور أن الفردية (Individualism)، بوصفها المقدمة الكبرى لتأكيد استقلالية الفرد، يسرت السبيل لتحقيق هذا الهدف. لقد بالغ (برديايف) بعض الشيء حين قال: إن الفردية ليست انطولوجية، وهي محرومة من الأساس الوجودي، طالما أنها لا تساعد على تعزيز الشخصية، ونموذج الإنسان. لكن، لا يجب أن ننكر أن النزعة الإنسانية (Humanism) والفردية المتولدة عنها، تضمنتا، بالفعل ,إمكانية تذرير العلاقات الاجتماعية، مبقية الفرد وجهاً لوجه أمام الدولة كلية القوة.

بحصول إنسان العصور الحديثة على حريته من الاتحادات، والرابطات الحرفية، وغيرها من القيود، تحرر بالتوازي من الروابط التي منحته في السابق إحساس الثقة بالنفس، والانتماء إلى جماعة محددة، ونهض أمامه، بقوة جديدة، السؤال الأبدي عن مكانه في هذا العالم، ومعنى الحياة عموماً، ووجوده خصوصاً. بعد أن فقد الإحساس بالسند والثقة بالنفس، يستفيق بداخله قلق جديد، غير مرتبط بالحدود الراسخة لهذا العالم النهائي، المناقضة لنزوعه إلى الاتساع والرحابة. لم يعد لديه، بعد ذلك، مكانة رمزية، أو مهرب آمن قريب. وتتأكد الخبرة يومياً بأن حاجة الإنسان إلى المعنى في الحياة لا تلقى قبولاً مقنعاً في هذا العالم.4 مع أن العصور الوسطى نظرت إلى الإنسان على أنه ذرة غبار، خاضعة بالمطلق للرب، فقد رأت فيه أيضاً حاملاً لصورة الرب ونموذجه. وفي هذه الصفة وتلك استقر الإنسان كما لو أنه في مركز الوجود.

بدلت العصور الحديثة معايير المكان للوجود الإنساني: إذا كان الفكر التأملي القروسطي قد وضع الله في مركز الكون، فالآن، عندما أخذ الإنسان مصيره بيديه كذات مستقلة ذاتية القمية، قد وضع نفسه في المركز، وحوله كما لو أن العالم بأكمله يدور.

لكن مع اكتشاف النظام الكوبرنيكي للكون أصبحت ادعاءات الإنسان لأن يكون مركز الكون عبثية بوضوح متزايد. خصوصاً، أمام الصورة الواضحة لفضاء صامت، غير آبه بتساؤلاته، وأهوائه، وطموحاته: "الصمت الخالد لهذه الفضاءات اللانهائية يخيفني"، عبر باسكال بهذه الكلمات عن إحساسه.

كان لابد من دفع الثمن لأجل الحرية والاستقلالية الذاتية؛ فقد كف الإنسان عن أن يكون ذروة الخلق، وأصبح مجرد جزء من الطبيعة قلما يختلف، من حيث المبدأ، عن ظواهرها الأخرى.

اللوحة كانت حزينة. والنتائج سيئة للغاية.. مجموعة كاملة من تيارات الفكر الاجتماعي لم تتفادَ غواية الوقوع في الذهنية الحتمية ـ المادية، أو البراغماتية ـ النفعية. وفق هذا المدخل فهمت حرية الشخصية الإنسانية، قبل كل شيء، على أنها حرية اختيار مصادر وأساليب تحصيل الأرزاق، حرية البيع والشراء…الخ, بروح مادية مركنتلية.

لا شك أن (فروم ) كان على حق، عندما أكد أن العاقلات في المجتمع الصناعي المعاصر بين العامل ورب العلم اكتسبت طابعاً أداتياً نفعياً مضاعفاً. مالك رأس المال يستخدم العامل الأجير كأي أداة أخرى، أو آلة، أو نول. والعامل، بدوره، يستخدم رب العلم لتحقيق غاياته الاقتصادية، وخارج هذه المنفعة المتبادلة لا مصلحة لأحدهم في الآخر. وتحمل العلاقات بين البائع والمستهلك ذلك الطابع نفسه.

بهذه المصطلحات النفعية ـ الأدائية تفسر، ليس العلاقات الاقتصادية فحسب، وإنما كل مركب الروابط الشخصية بكل أشكالها وتعبيراتها.

إن روح الاغتراب، التي صعقت إنسان العصر الحديث والمعاصر، تجلت بقوة وتأثير ساحق في علاقته من نفسه.

من خلال بيعه لقوة عمله شعر الإنسان أنه بضاعة، فالسوق بالذات هي التي تحدد قيمة هذه أو تلك من الصفات البشرية، وحتى أنها تحدد وجودها، "فإذا كانت الصفات التي يمكن للإنسان أن يعرضها غير قابلة للاستخدام، ولا تتمتع بالطلب عليها، فهذا يعني أن ليس عنده أية صفات إطلاقاً، تماماً كما البضاعة غير القابلة للبيع فهي لا تساوي شيئاً، مع أنها تحوز على قيمة استهلاكية".5 بمعنى آخر، إذا انعدم الطلب على الإنسان فإنه لا شيء بالنسبة للمحيطين به، وبنظر نفسه.

يعتبر مثل هذا التقييم صحيحاً إذا أخذ، على وجه الحصر، في سياق العلاقات الاقتصادية، والمادية، الشيئية المتبادلة. إلا أنه لابد من إبداء تحفظات جوهرية فيما يخص تقييم العلاقة بالعلم بوجه عام، وبنتاج العمل بشكل خاص. إن الأخلاق البروتستانتية ذاتها تتضمن فكرة الدعوة، التي تقتضي الوفاء للمهنة كواجب، وأمر أخلاقي لكل مسيحي، والأكثر من ذلك، إن نجاح الإنسان في الحياة الدنيوية الذي يتحقق عبر العمل، تقيمه البروتستانتية كأحد العلامات الممكنة على الاصطفاء الإلهي. لايجب تجاهل أن الميل للنشاط والعمل يشكل واحدة من الصفات الجوهرية للإنسان، وهذا يعني شرطاً لحريته مهما قبل من أشكال اجتماعية فاسدة.

 

 

2ـ إرادة الوصول

 

جل الأمر لا ينحصر في الفعالية الشخصية لا غير. فمشكلة الحرية بالصميم بمسألة التناسب بين الماهية والوجود الباقية حتى اليوم معضلة، والتي طرحتها الوجودية بحدة وعري فائقتين، وبالتعارض مع عدد كبير من المدارس الفلسفية. فقد أعلنت: أن وجود الإنسان سابق على ماهيته. هذا المدخل، من حيث المبدأ (من زاوية منهجية خالصة) قريب من الماركسية  التي أقرت أن الصفات الجوهرية للإنسان، ككائن اجتماعي، تتحدد بالظروف المادية لوجوده.

كتب سارتر: "الإنسان بالنسبة للوجودية موجود ببساطة، وهو ليس كما يتصور نفسه فحسب، بل وكما يريد أن يكون، وطالما أنه يتصور نفسه بعد أن يباشر وجوده، ويظهر إرادته بعد أن يباشر وجوده، وبعد هذا النزوع إلى الوجود فهو ليس سوى ما يجعل من ذاته"6.

 وبذلك تلقي الوجودية بكامل المسؤولية على عاتق الإنسان ؛ لأنه هو ما هو عليه.

تؤكد الوجودية على أن : "محكوم على الإنسان أن يكون حراً، محكوم عليه لأنه لم يخلق ذاته، ومع ذلك فهو حر، لأنه حين رُمي في هذا العالم فعليه أن يتحمل نتائج أفعاله"7

من حيث المبدأ تمكن الموافقة على أن الإنسان، بمعنى ما، يعتبر خالقاً لمصيره الشخصي، لكن هذا جزء من المشكلة لا أكثر. إذ تجب الموافقة، أيضاً ,مع من يقول بعرضية (مصادفة) الوجود الإنساني، حسب كلمات هايدجر: "أية نفحة طارئة يمكن أن تطفى اللهب المتذبذب للحياة الإنسانية"، وأن تنهي وجود الإنسان "المرمي في العالم"، والسائر بإصرار إلى نهايته، إلى العدم. في حين أنه من غير  المقدر له أن يعرف كل التقلبات والالتواءات والدوائر المحتملة، والمفاصل المؤقتة لهذا المصير. والأكثر من ذلك، هيهات أن يكون ذلك خير، لو عرف الإنسان مسبقاً: متى، وكيف بالتحديد سينتهي وجوده الدنيوي؟ مع أنه على المستوى العقلي يعرف بأنه فان، ويعلم أنه، عاجلاً أو آجلاً، سوف يغادر هذا العالم. لكن على المستوى اللاعقلاني، الحسي ـ الانفعالي، فإن مجرد التفكير بالعالم من دونه يقض مضجعه هول الموت، هول العدم، يقود إلى فكرة الخلود. عدم وضوح النهائية يضفي قوة وطموحاً لمتابعة العيش والعلم والإبداع، بصرف النظر عما يبدو من عبثية، ولا معقولية الحياة الخاضعة لتقلبات الظروف، لذلك فالقول: إن الإنسان مهندس مصيره الشخصي، يمكن قبوله مع تحفظات جوهرية ليس إلا.

يشير مارسيل بالقول: " أن توجد يعني أن توجد على الطريق". نحن حجاج على هذه الأرض. معنى حياتنا: أن نعبر، بوقار، الزمن المتاح. الإنسان مشروع مستقبل، يتحقق في سيرورة عبور الطريق. لكن أن يقفز فوق ما هو كامن في طبيعته من إمكانيات ليس بمقدوره، شأن آخر إن تجلت (الإمكانيات) في الخير أم في الشر. وفي الاختيار بين هذين المبدأين كل يتحمل مسؤوليته شخصية. هنا، وبالتحديد هنا، تتجلى حرية الإرادة. زد على ذلك، إن الإنسان في بنائه لمصيره, يستطيع، في حدود معينة، أن يعدل من صفاته الجوهرية، وأن يتجاوز, ويحول من طبيعته.

 الإنسان، بهذا المعنى، هو كائن متجاوز لذاته.8

مع كل ذلك، يعتبر وجود الإنسان, إلى حد بعيد، سيرورة تحقيق للإرهاصات الكامنة في طبيعته. هل يستطيع أن يتجاوز طبيعته بالكامل، ويذهب أبعد من تخومه وحدوده الأصلية؟

عن ذلك تحدث (شوبنهاور) بشكل مجازي ومقنع عاقداً التشابه بين الإنسان العاقد اعزم على التصرف بحريته كما يحلو له، وبين ما يمكن أن "تقوله" الماء في وضع مشابه: "أستطيع أن أعلو بأمواج عالية عالية، نعم، ولكن في البحر وزمن العاصفة، أستطيع التدفق باندفاع، نعم ولكن في مجرى النهر، أستطيع أن أهوي بزبد وضجيج، نعم، ولكن مع الشلال، أستطيع أن ارتفع بانبجاس حر في الهواء… إلا أنني، في الوقت الحاضر، لا أفعل شيئاً من ذلك كله، وإنني أبقى طيعة هادئة وواضحة في بحيرة رقراقة"9.

من الواضح أن الماء "تتصرف" هنا بالتوافق مع الظروف والمعايير المحددة لا من قبلها، والتي يجب أن تتكيف معها. بالطبع، يستطيع الإنسان أن يغير، أحياناً بشكل جوهري، هذه الظروف والمعايير، لكن، نؤكد من جديد، في حدود قدراته الممكنة، والمحددة بصفاته الأولية. إن أي شيء إذا ما استجاب للمؤثرات الخارجية، فبالتوافق مع ماهيته. هنا كان شوبهاور محقاً تماتماً.

"الفعل يترتب على (= ينتج عن) الوجود، أو بمعنى آخر، الفعل يتحدد بماهية (Essentia) الفاعل: "كل وجود (Existentia) يستلزم ماهية (Essentia)؛ أي إن الوجود برمته يجب أن يكون، بذاته، شيئاً ما، ويمتلك ماهية محددة، فلا يجوز أن توجد وألا تكون شيئاً".10.

مسألة أن ماهية الإنسان تحدد وجوده يستدل عليها، على الأقل، من أن ظهور الكلام واللغة والثقافات، وأدوات وأشكال النشاط العملي، والعادات والتقاليد، والصيغ والمناهج، وأنماط السلوك، كلها، تطورت عند الشعوب باستقلال عن بعضها البعض، لكن في اتجاه واحد. فهي تظهر بصورة عفوية وتلقائية، لكن , بطبيعة الحال، بتعزيز واع، وبالاختيار موجه؛ فالسعي، النزوع لتحقيق الذات، يكمن في أساس الحياة. فالأخيرة هي التجسيد الظاهري لذات النزوع، وهذا ينتسب إلى الإنسان ,الذي- كما أشار شيلر- يحل فيه ويحقق ذاته الموجود الأول: الأساس الكوني عينه. يَمثُل الإنسان بوصفه موضع ظهور الله، وجزءاً لا يتجزأ من هذه السيرورة المفارقة (Transcendent). "الإنسان هو موضع التقاء، يصبح العقل (اللوغوس) فيه، حيث أن العالم مبني "وفقاً له"، وفعلاً (act) يمكن التشارك فيه. هكذا، فظهور الله وظهور الإنسان، منذ البدء، يشترط واحدهم الآخر.

الروح والنزوع صفتان (Attribute) للوجود، لكنهما ليستا نهائيتين بذاتيهما، إنهما تنموان في ذاتيهما عبر ظهورهما في تاريخ الروح الإنساني، وفي تطور حياة العالم. الإنسان, عبر تطوره ووعيه الذاتي النامي، لا أكثر، يصل إلى وعي مؤازرته ومشاركته في ظهور "الألوهية".11

في هذا السياق، ربما، يجب تفسير كلمات السيد المسيح في محاورته الليلية مع نيكوديم بأن لدى الإنسان- عدا عن ولادته من الجسد- ولادة أخرى من الأعلى، من الروح.

هنا يكمن اختلاف الإنسان عن كل المخلوقات.

بداخل الطبيعة الإنسانية يوجد دوماً شيء ما، يستحيل عقبة  كأداء بوجه إعادة بنائها الموجهة وفق مخطط مشرِّع أو مصلح ما: "إرادة الإنسان هي أناه الخاصة، والنواة الحقيقية لماهيته. لذلك فإنها أساس وعيه، كشيء وحيد معطى، وذي حضور، والذي خارج حدوده لا يستطيع أن يخرج. إذ أنه هو نفسه ما يريد أن يكون، ويريد ما هو عليه. وبالتالي فسؤاله: هل يستطيع أن يريد غير ما يريد؟ على حد سواء كسؤاله: هل يمكن أن يكون آخراً، مختلفاً عما هو؟ ذلك ما لا يعرفه".12

لذلك، من الواضح أن الإنسان لا يستطيع أن يكون شيئاً ما، ممكن تجاوزه أو يجب. إنه قادر أن يستنفد ذاته، أو ينهي وجوده ككائن اجتماعي، لكنه لا يستطيع أن يتحول إلى أي حال آخر دون أن يكف عن كونه إنساناً.

ومن الواضح أيضاً أن وضع المسألة بروح القاعدة القائلة: إن "الماهية تسبق الوجود" أو "الوجود يسبق الماهية"، هو طريق مضللة للبحث عن الحقيقة.

الإنسان المدرك لذاته ليس مجرد جزء من الطبيعة، إنه يطمح لتخطي حدودها، والوقوف فوقها، شاعراً بحدس أن الإحاطة بكلية العالم من داخله غير ممكنة، وأنه يمكن إدراكه، فقط، بالتالي عليه، خلافاً لكل أقربائه اللصيقين الذين اتجهوا للتلاؤم مع الطبيعة والتكيف لتحولاتها وأهوائها، يتميز الإنسان بالسعي لتغيير الطبيعة وتحويلها وملاءمتها لحاجاته.

كتب شيلر: "في اللحظة عينها، عندما هدم الإنسان المتكون كل ما هو خاص بحياته الحيوانية السابقة من أساليب التكيف مع الوسط و المحيط، واختار طريقاً مضاداً، طريق ملاءمة "العالم" المكتشف لنفسه، ولحياته المستقرة عضوياً، وفي اللحظة عينها، عندما وضع الإنسان نفسه خارج الطبيعة كي يجعلها موضوعاً لهيمنته، ولمبادئه الجمالية والرمزية الجديدة، حينها توجب على الإنسان، بكيفية ما، أن يرسخ مركزه خارج وما وراء العالم. لم يعد بإمكانه وعي ذاته "عضواً" بسيطاً، أو "جزءاً" بسيطاً من عالم وضع نفسه بشجاعة بالغة فوقه".13

ظهرت تلك اللحظة التي لعبت دوراً أساسياً في عملية انفصالنا عن أسلافنا الحيوانية، وترسيخ أسس الثقافة الإنسانية بحصر المعنى، ظهرت بكيفية مختلفة تماماً.

يجب الأخذ بعين الاعتبار أن ما يميز التقاليد الأنسانوية (Humanism)، والعقلانية المرتبطة بها، هو الإيمان اللا محدود بالإنسان، الإيمان الذي تكون وتطور بمقابل الاتكال الديني المسيحي على الله.

انطلقت عملية هادفة لعلمنة الوعي، والتي أدت في النهاية إلى تعرية الأسس اللاعقلانية في الحياة، وتمجيد الإنسان. وقد وجد هذا الإيمان الإنسانوي نهايته المنطقية في عصر التنوير.

فعند (فولتير)- على سبيل المثال- رُدَّ الاعتبار للإنسان، ووضع على المنصة إنسان اللذة الحسية (Hedonism)، بكل حاجاته الجسدية ورغباته. وجعل (فيورباخ)، برفضه لفكرة الله، الإنسان العنصر المركزي في الكون، أما (شيترنر) ففي كتاب يحمل عنواناً مميزاً: "الوحيد ومُلكه"، وضع الإنسان الفرد، بالمفهوم الذري، في مقابل العالم كله، ورفع "عبادة الإنسان" إلى درجة التآليه.

ولم ينفرد (شتيرنر) بذلك؛ فقد كتب (ألبيركامو) في "أسطورة سيزيف":

"توجد لحظة عندما يشعر أي إنسان بنفسه مساوياً للرب، على الأقل هكذا يقال، لكن المساواة مع الرب تأتي حين، كالتماع البرق، تصبح محسوسة عظمة العقل البشري الفائقة".14

بيد أن المبدأ المغالي القائل: "إن الإنسان مقياس جميع الأشياء"، مضافاً إليه الإيمان اللاديني بالإنسان، استحال, كما يظهر التاريخ، إلى الموضوعة النيتشوية: "إن كان الله موجوداً، فكيف يمكن احتمال فكرة أن لا تكون هو؟". تبرز في سعي إنسان العصور الحديثة لإنزال الله من عليائه دعواه للحلول محله، جاعلاً نفسه إنساناً أعلى، إنساناً ـ إلهاً، قائماً ما وراء الخير والشر.

إذا كان الإنسان مقياس جميع الأشياء، ولا يعلو عليه أي مبدأ أعلى، فسوف تتملكه الرغبة، بإلحاح، لأن يقبل: كأمر مطلق (Categorical imperative)، مبدأ: "ما أريده سوف أفعله". لكنه اتضح أن الإنسان المغتر بنفسه فوق عرش الخالق عاجز عن احتمال امتحان العظمة المفرطة. في ذلك الإرث العقلاني عينه، الذي أعلى من شأن الإنسان، ذللت وهبطت من عليائها فكرة الإنسان عن نفسه. وقد لقي ذلك سنده التاريخي ـ الطبيعي في نظرية التطور لداروين، الذي أعلن إن الإنسان نتاج تطور ارتقائي للعالم العضوي.

على ما يبدو، لا يمكن بعامل المصادفة وحده تفسير الظهور المتزامن في عام واحد (1859) لكتاب داروين، "أصل الأنواع" الذي أعطى فيه تفسيراً مادياً لظهور الإنسان، وكتاب ماركس "نقد الاقتصاد السياسي" الذي أصبح واحداً من أسس "المادية التاريخية", والذي فسر سلوك وأفعال البشر كنتيجة لفعل قوى مادية وتاريخية غير مرئية. لقد انتزع ماركس، في نهاية الأمر، من الإنسان الشخصية والفردية، وأذابه في الجماعة المجردة. ونادى نيتشه بموت الله، وأعلن، في الوقت نفسه، إن الإنسان ليس أكثر من جسر موصل إلى الإنسان الأعلى الملحد: "الإنسان هو ما يجب أن يكون متجاوَزاً". لكن أبعد من الجميع ذهب في هذا الاتجاه فرويد وأتباعه، الذي اتخذ هدفاً لنفسه النفاذ إلى ما يسمى باللاوعي، حيث سُمي، لسوء فهم عصي على الإدراك، مبدءاً إلهياً، صوفياً، شكل أساساً أولياً للماهية البشرية. بدت المهمة أصعب من محاولة حصار السماء من خلال برج بابل. وقد وجد أتباعهم الكثر سلوى لهم في وهم نزع مجد الرب، محققين مقولة: "إن الله قد مات". وفي كل مرة بدت الدعاوى عن موت الله مبالغة مفرطة.

لقد اكتسبت تأملات المعارضين الأشداء، للإيمان شكل الدين المرتدي حلة الإلحاد.

ولم تنته إلى أقل من ذلك مفارقة وعبثاً محاولات تغيير الطبيعة الإنسانية، التي وجدت بصيغتها النهائية، في دعاوى الشموليين "الحمر" و"البنيين" لتكوين "الإنسان الجديد"، الذي اتخذ هيئة الإنسان الشمولي .

 

3 ـ في قارب واحد مع الرب

 

إن الشكل الاجتماعي للحياة، بكل تجلياته، يجسد فكرة موضوعية، فوق بشرية، بصرف النظر عن كيف، وممن هي مستولدة، وبأي الطرق تأكدت كوجود موضوعي. إنها فوق بشرية بمعنى أن المجتمع كتجسيد لها هو أكبر بكثير من مجرد مجموع البشر، بمصالحهم، وأهوائهم، وطموحاتهم.

تكتسب حياة الإنسان معنى، فقط، عندما لا يكون الإنسان كائناً مكتفياً بذاته، وإنما ماهية تقع عند نقطة التقاء (= تقاطع) العالمين الطبيعي والإلهي. وهناك حيث الوجود الاجتماعي غير مجزأ إلى ديني ودنيوي، عقلاني ولا عقلاني، ذاتي وموضوعي.

يمكن بهذا الشأن أن نتذكر (باسكال)، الذي تحدث عن الإيمان بالله غير المدرك (Deus absconditus)*. بالمقابل، من الوارد تماماً، الحديث عن السر الأبدي (= الخالد) لحياتنا، وعن الإنسان غير المدرك (homo absconditus). عن سؤاله: "من يكون الإنسان في الطبيعة؟". أجاب (باسكال): "لا شيء بالمقارنة مع اللانهاية، وكل شيء بالمقارنة مع العدم. إنه الوسط بين العدم والكل [= كل شيء]. فهو بعيد بلا حد عن المواضع القصوى.نهاية وبداية الأشياء بالنسبة له مخفية لا ريب,  في ظلام حالك، فهو عاجز، بالتساوي، عن رؤية ذلك العدم الذي منه هو مستل، وذلك اللانهائي (= السرمدي) الذي هو فيه مستغرق"15، ليس من قبيل المصادفة أن سقراط، في تحليله الدقيق للصفات والفضائل الإنسانية الفردية، لم يعط، مطلقاً تعريفاً للإنسان. وقد علق (كاسيرر) على هذه الواقعة بالقول: "نحن لا نستطيع أن ندرس طبيعة الإنسان بالطريقة نفسها التي نتفحص فيها الأشياء الفيزيائية، يمكن وصف الأشياء الفيزيائية بمصطلحات صفاتها الموضوعية، في حين أن الإنسان يمكن وصفه وتعريفه بمصطلحات وعيه فحسب"16 وهذا يتابع كاسيررـ طرح مشكلة جديدة نوعياً لا يمكن حلها بالمناهج الاعتيادية: الملاحظة الإمبريقية والتحليل المنطقي، المستخدمة في الفلسفة ما قبل السقراطية. إذ أن فهم الإنسان، وإدراك الحقيقة عن طبيعته، لا يمكن بلوغها إلا فالعِشرة المباشرة مع الناس، ولا يمكن إلا عن طريق الفكر الحواري (Dialogos)، والجدلي. "من أدرك الأعماق تنعَّم بالحياة" حسب قول (هيلدرلن).

يعلن المبدأ الديكارتي الذي يقف على عتبات الفلسفة العقلانية المعاصرة: إن العالم الخارجي، في بنائه الحقيقي، غير مرئي لنا، وبهذا المعنى فإنه عصي على الإدراك. لكن، من مفارقات الأمر أن كل جهود الفكر العقلاني، العائد إلى (ديكارت) كانت موجهة من أجل بيان شروط جلاء هذه المادة "العصية على الإدراك". وبالنتيجة: بتحقيقنا لمزيد ومزيد من الاكتشافات، وباندفاعنا أعلى فأعلى، وبتغلغلنا في أعماق العالم الفردي، فإننا نخسر على الدوام في أشياء أخرى. بفقدنا لما ورثناه عن أسلافنا من قيم وأهداف ومثل، هي إرث أجيال متعاقبة، وبصقلنا للعقلانية، نحن نخسر أكثر في الحكمة، بتوسيعنا للعقل نفقد الطبع (Character). فالحكمة والطبع هما، بمعنى ما، مجرد التجسيد الخارجي، الشاحب، لذلك المستور الصوفي، الذي يعتبر أشبه بمنطقة مغلقة محرمة على العقل ، تشكل مبدأ أولياً، جوهرياً. للوجود الإنساني.

وفيما يخص العقلانية الفلسفية، فإن "خطيئتها القاتلة" تكمن في تفتيت الوجود واختزاله بكليته إلى المرئي، والمادي، والمفسر عقلياً. إلا أنه، وفق ملاحظة (برديايف) المحقة: "ولا يمكن لا لطبيعة الواقع، ولا لطبيعة الحرية، ولا لطبيعة الشخصية، أن تكون مدرَكة عقلانياً* الأفكار هذه, والأشياء هذه، مفارقة تماماً لأي وعي عقلاني. وتعتبر، دائماً، أثراً لا عقلانياً. لأن- في الحقيقة- الواقع العقلاني، والحرية العقلانية، والشخصية العقلانية، هي مجرد أطياف للإنسان المجرد المكتفي بذاته"17.

في كل مرة، استحال سعي الإنسان لفض سر وجوده الاجتماعي إلى نتائج غير متوقعة، وأحياناً تراجيدية؛ "وجهت قلبي لمعرفة الحكمة ولمعرفة الحماقة والجهل. فعرفت أن هذا أيضاً قبض الريح. لأن في كثرة الحكمة كثرة الغم والذي يزيد علماً يزيد حزناً"**.

وبالفعل، فالفضول والسعي للمعرفة، والنفاذ في عمق الأشياء أفعمت الإنسان بسرور كبير واعتزاز، وأصبحت أدوات لتوكيد ذاته وتمجيده. الفضول، حب الاطلاع الذي لا ينضب له  معين أخرج الإنسان من القطيع، ومن ثم، من الكهف. ذات يوم برق في رأسه حدس مبهم.وشيئاً فشيئاً تحول إلى فكرة واعية بأنه شيء ما مختلف، نوعياً، بمقارنة مع باقي المخلوقات الحية، في لحظة ما، أبصر الإنسان الإنسان في محيطه القريب (= الحيواني) وعرف فيه صورته: "هذا الإنسان، أنا هو الإنسان".

في الأساطير الشعرية العظيمة عن صعود الإنسان من العدم في البدء، فعلاً، كانت الكلمة، فمنذ تلك اللحظة يمكن الحديث عن (Homo Sapiens) ككائن عاقل، منفصل نهائياً عن المملكة الحيوانية،و قادر بشكل هادف أن ينظم بناء حياته.

فالإنسان باستيقاظه من سباته السحيق، وبإدراكه لذاته،و برؤيته للعالم ومكانه فيه بعيون صاحية، أدرك، في آن واحد، الحقيقة.

المأسوية لفنائه. وأنه "يعيش على حافة عالم غريب عليه، عالم صم الآذان عن موسيقاه، لا مبال بآماله، عالم سواء تجاه معاناته أو جرائمه"18.

إن الإنسان، خلافاً للحيوان الذي لا يفقه شيئاً، لا عن "الماهية" ولا عن "الوجود"، لا عن الماضي ولا عن المستقبل، لا عن الخير ولا عن الشر، والذي لا يدرك معنى وجوده، موهوب بمعرفة نهايته وبذاكرته عن الماضي. هذا كله يذكرنا إلى حد ما، بصحوة العقل لطفل في الخامسة من العمر، رأى لأول مرة جسداً ميتاً لواحد من أهله.

 "في هذه اللحظة الحاسمة من وجوده، عندما أصبح الإنسان إنساناً وأدرك وحدته المرعبة في هذا الكون، انكشف عليه الخوف من العالم.. كخوف من الموت، من النهاية، من الفضاء، هنا تكمن بداية التفكير المجرد الذي يكون في بدايته تأملاً في الموت. فكل دين وكل فلسفة تجد هنا منبعها"19.

وببلوغ البشر لمستوى معين من إدراكهم لذاتهم رغبوا أن يكونوا "كالآلهة، يعلمون الخير والشر"، وأسرار العالم ووجودهم.

إن برج بابل مجرد واحد من أمثلة عديدة على ذلك.

اعتقد القدماء أن الله موجود في السماء بالمعنى الحرفي، ويمكن إدراكه بمجرد التوجه إلى الأعلى. وفي العصور الحديثة حاولوا النفاذ إلى سر الإيمان الديني عن طريق التحليل العقلي للعقائد الدينية، وما يسمى بالنقد العلمي للإنجيل. إلا أنه اتضح: أن تطرد من الحياة، الإيمان الأصيل في سر الحياة العميق والمعنى السامي للوجود الإنساني، في صورتيهما الإلهيتان، فإنهما يمكن أن يعودا مجدداً في صور شيطانية. يتوجب علينا، بمرارة ، أن نقر بصدق قول (تيلليخ) الذي شكى من أننا: "أصبحنا شهوداً على أبشع تجليات هذه الصور الشيطانية، لقد عرجنا على مكامن الشر أعمق مما فعلت ذلك غالبية الأجيال السابقة"20. وبالفعل، وبما يشبه ذلك الساحر الشرقي الذي بدافع الفضول فتح الإبريق وأطلق الجني المارد، مهد إنسان العصور الحديثة السبيل لأن تندفع إلى مقدمة المسرح قوى تشخصنت في أدولف هتلر وجوزيف ستالين وغيرهم، وأظهرت الشيطان في هيئة بشرية.

 

4 ـ إلى الأعلى أم إلى الأسفل؟

 

لقد أظهرت تجربة القرن العشرين أن الإنسان المتروك لشأنه يمكن أن يكون خطراً، وفي الغالب لا يعتبر قيماً على مصيره الشخصي. لذلك فقد حذر (سولوفيوف)، ليس بلا أساس. من أن "الإنسان المتروك لشأنه لا يستطيع الحفاظ على حياته، ولا على كرامته الأخلاقية. وليس في مقدوره أن ينجو بنفسه من الموت الجسدي، أو من الموت الروحي"21.

داخل الإنسان، بالمعيار الأنطولوجي العميق، "متضمن كل جبروت الظلام، ومتضمنة فيه كل قوة النور، بداخله كلا الحدين: عمق الهاوية السحيق، وحد السماء الأعلى"22.

من وجهة النظر هذه، فإن مغزى الحياة، وأسرارها المقدسة تتضمن بذاتها، إلى جانب طموح الإنسان إلى العُلا، إلى فضاء فوق إنساني، إلهي، تتضمن طقوس الخطيئة. الكون، والحياة كجزء مكمل له، مفعمان بتناقضات مهلكة. الحياة الساقطة، مرارة العالم وانحلاله… تلك هي النواميس التي تميز الوجود الإنساني، تماماً كما النعيم الأعلى، وتحليق العقل والروح. ألم يُنَزَّل: إن أول ملاك سقط (في الخطيئة)، كان "أسمى من الآخرين"، وأقرب الجميع إلى الله؟ ليس من المصادفة في شيء، إن إبليس، في "الجنة المفقودة" لـ (ميلتون)، يختار العصيان على الخالق. في حين أن الخالق استخدم الخير من أجل أهدافه الجائرة.

وبذلك أجيزت إمكانية أن حتى مثبت الكون يمكن أن يكون, في شيء ما, غير كامل.

حقاً، إن مفهوم الحرية محايد من حيث المضمون؛ فالحرية، مأخوذة بذاتها، ليست سيئة ولا جيدة. تكتسب الحرية صبغة إيجابية أو سلبية في حال الحديث عن الهدف من استخدامها؛ فحرية الإرادة من وجهة نظر الخير والشر هي على حد سواء، بمعنى أن الإنسان قادر، بالتساوي، على أفعال الخير وأفعال الشر. (شوبنهاور) سمى هذا الأمر: لا مبالاة حرية الإرادة. حالئذ تجب الملاحظة أن القواعد والمعايير التي يمكن أن تقبل أو ترفض، بحرية، تنطبق، بالأحرى، على حالة الأفراد المتمتعين بالوعي الذاتي.

الجريمة والخطيئة، منذ البدء، هي أفعال أعضاء القرابة أو القبيلة الذين خرقوا تابو ومعايير السلوك القائمة التي قبل وضعها ما كان يمكن خرقها، وبالتالي، ما كان ممكن الاتهام بارتكاب الجريمة أو الخطيئة: "فإنه حتى الناموس كانت الخطيئة في العالم. على أن الخطيئة لا تحسب إن لم يكن ناموس" (رسالة بولس إلى أهل روما 50-13) نرى، إذن، أن الخطيئة "لا تحسب" ومع ذلك وجدت. هنا تعبير عن أن موضوع الشر لا يختزل أبداً إلى إشكالية "الجريمة والعقاب"، وأن الشر مسألة أنطولوجية أعمق من ذلك بكثير. وفي هذا يجب الإقرار مع دوستوفسكي الذي كشف عن الجريمة في أعماق النفس البشرية، حيث "الرب يصارع الشيطان" حسب قوله.

إذا أخذنا بالتفسير العلمي الطبيعي للتاريخ، فسوف تبدو صحيحة  أفكار (مويسيف) التالية:

كي يعيش الإنسان العاقل (Homo sapiens) الذي تكون حتى بدايات العصر النيوليتي على هذا الكوكب المأهول بحيوانات عدوانية جبارة، كان لابد له من طبع جبار، وقوة وعدوانية.

بكلام آخر كان عليه أن يحافظ في نفسه على ما ورثه من أسلافه المتوحشين.

وبالتسلسل الوراثي وصلت هذه الصفات إلينا، يستنتج من ذلك أن الإنسان وفق في تطوره عند مرحلة مبكرة جداً. وبالنتيجة فإن تركيبه النفسي الفطري لا يلائم في شيء متطلبات الحياة الإنسانية المعاصرة، ومن أجل حل هذه المشكلة من الضروري التغلب على بقايا "انياندرتالية" فيه، وتعلمه إدراك الطبيعة والبشر بشكل جديد.

هذه النظرة إلى الإنسان المفرطة في استخدامها للمصطلحات المادية للنظرية التطورية هي أيضاً لاهوت. إذا كان الله خالق الإنسان، وكل أعمال الإنسان محددة بعلة نهائية هي الله، فمن الطبيعي أن الحديث عن حرية الإرادة الإنسانية غير ذي معنى. ولوجب الاعتراف بأن الله ذاته علة نهائية للشر الحادث في العالم. هنا، كما أشار كامو" الخيارات واضحة: إما أننا غير أحرار وبالتالي مسؤولية الشر تقع على عاتق الله كلي القدرة، وإما أننا أحرار ومسؤولون، وبالتالي الله ليس كلي القدرة. كل تفاصيل المذاهب المختلفة لم تضف شيئاً إلى حدة هذا التناقض"23. في معرض اقتراحه حل هذه المعضلة يقدم (لوسكي) الأسانيد التالية: لقد خلق الله الإنسان حراً. إذ أن الكائنات الحرة وليس غيرها يمكن أن تكون حاملة للأخلاق والخير والقيم، والصفات الأخرى. الكائن الحر هو لا غيره قادر بذاته أن يشارك في عمل الرب. فالحرية تعتبر شرطاً ضرورياً لأخلاق الإنسان وكرامته. وبالوقت نفسه يجب أن لا ننسى أن الحرية طريق مفتوح إلى الأعلى كما إلى الأسفل: "في الحرية تستتر إمكانية الخير الرفيع والشر الوضيع، فالله وهب مخلوقاته بالإضافة إلى الحرية، كل الوسائل لتحقيق الخير، فإذا غض الكائن النظر عن ذلك واختار طريق الشر، فإن بداية هذا الشر تقبع في نفس هذا الكائن، والمسؤولية عنه تقع على عاتقه كلياً. إن عمل الشر لا يمكن إلا لكائن يتمتع بالحرية من أجل فعل الخير. فإمكانية (وليس واقع) الشر هي شرط إمكانية وواقع الخير"24. وبالفعل، فحرية الإرادة تفقد معناها إذا ترك خيار واحد ووحيد من الخيارات الممكنة. الحقيقة الواحدة والوحيدة، والطريق الواحد والوحيد لإدراكها ينفيان حرية الاختيار؛ فالحرية لأنها حرية تمنح إمكانية الاختيار بين كثرة من البدائل بما فيها: الاختيار بين الخير والشر.

مع أن وعي الواجب الأخلاقي يسمح بتمييز الخير عن الشر، إلا أنه لا يستطيع أن يقضي على الشر ويضمن انتصار الخير. إضافة إلى ذلك، وكما أكد سولوفيوف: "القانون بإدانته للأهواء الطبيعية لا يستبدلها بشيء، ويتركها على قوتها السابقة. فإذا أردت شيئاً ما والقانون ينص: إن هذا سوء. فإنني لا أكف بعد عن رغبتي هذه. القانون يتوجه إلى المظهر الخارجي فحسب لرغبتي، أي إلى فعل الخطيئة. ويعلن: لا تقتل، لا تُغضب..الخ. فجذر الخطيئة أي الهوى الأحمق الذي تترتب عليه أفعال حمقاء، لا يبطله القانون، بل على العكس يثيره ويجعله واعياً"25.

L’amor du mauve il sol e l'altre stelle كتب (دانتي) ذلك قاصداً بالحب قوة كونية تقود الشمس وكل النجوم. لكن ذلك، مع الأسف، مجرد صورة شعرية فالعالم لا يقوده الحب والخير فحسب، بل والبغضاء والشر أيضاً.

حتى الآن تظهر تجارب التاريخ لأم العين أنه لا توجد أي ضمانات لانتصار مبادئ الخير والعقل في هذا الوجود الدنيوي. إن يوحنا الرسول الذي أعلن أن: "النور يضيء في الظلمة"، قد قال عن حق، قاصداً سلطة قوة الظلام على الإنسان: "العالم كله غارق في الظلام". بظهور الشر على هيئة ظواهر عالمية وتأثيره الفعال فإنه غالباً ما يحقق انتصاره. إلا أن حتمية، وعدم إمكان استبعاد الشر في العالم لا يعني مطلقاً القضاء المحتوم، وبطلان الصراع معه. فالحرية الحقة تقتضي إمكانية الاختيار بين الخير والشر لصالح الأول. لقد اعتبر (توكفيل) الاختيار الحر للخير فضيلة مؤكداً أن المجتمع البشري، كما الأفراد أنفسهم، يمكن أن يصبحوا شيئا ًما بمجرد تحقيق الحرية.

مقدر للإنسان في صراعه الأبدي مع الشر، وفي الانتصار الأبدي عليه، أن يحقق صفاته الجوهرية، مؤكداً في كل مرة، من جديد، أحقية العيش وفق مبادئ الخير، ومبرهناً أن الشر ليس أمراً مبرماً، وهو لا يحكم العالم بالمطلق.

لا ريب أن الخلاص وحده، بشكله الفردي، غير ممكن، طالما أن مبدأ الفردية على إطلاقه ينذر بإشعال الخصومات، والنزاعات، وعدم التسامح، ويهدم أُسّ المبادئ الموحدة للمجتمع: "في الخصومة والانعزال لا توجد حقيقة، العالم لا يقوم ويتماسك ويدوم إلا بالاتحاد الإرادي، أو غير الإرادي للجميع.

أين يوجد كائن، وأين يوجد شيء في هذا العالم يمكن أن يصمد في غزلته؟ وإذا لم يستطع أحد أن يصمد في عزلته فهذا يعني أن العزلة باطلة، وأنها ليست حقيقية، والحقيقة في نقيضها: في كلية العالم، وفي كلية مبدأ الوحدة"26. جوهر المسألة هنا ليس في مجرد الإخلاص للحياة، بل في الإخلاص لها مع الإدراك الضروري لمعناها. ليس في السعي إلى الحرية المجردة لذاتها، بل في اقتران الحرية بمعرفة معنى الحياة الذي يستلزم بدوره إجابات واضحة، بشكل أو بآخر، على السؤال: "الحرية من أي شيء؟". و"الحرية لأجل ماذا؟".. تحضر إلى الذهن كلمات بروميثيوس من اسخيلوس المكبل إلى صخرة: "أجل، إن زيوس يكرهني… لأني في حبي للبشر لم أعرف المقدار" لم يندم بروميثيوس لأنه سرق النار من السماء وأهداها للبشر، واستحق بذلك عقاباً صارماً من الآلهة.

كم كان التاريخ الإنساني كئيباً ومملاً من دون أولئك أمثال بروميثيوس. المعروفين وغير المعروفين وهؤلاء كثر، لكان للشر أن يحتفل مراراً كثيرة بانتصاره بلا أدنى ريب.

 

5 ـ نحو أرض الميعاد

في المجتمع الصناعي المعاصر يبقى التناقض قائماً، من وجهة نظر شروط الحرية، بين متطلبات العدالة الاجتماعية وحاجات الفعالة الاقتصادية. يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الحرية السياسية والحرية الاقتصادية حالات خاصة من الحرية الفردية المفهومة بالمعنى الواسع.

وفي الآن ذاته بدون الحرية الاقتصادية لا يمكن أن تكون الحرية السياسية واقعاً؛ فالأولى هي الأداة الضرورية لتحقيق الثانية.

لقد أوضح كبار الاقتصاديين في الغرب وجود روابط متبادلة بين الديمقراطية، والملكية الخاصة، واقتصاد السوق الحرة. ومن الواضح أن اقتصاد السوق الحرة شرط ضروري لكنه غير كاف للحرية السياسية، ففي إيطاليا الفاشية وألمانية النازية وأسبانيا زمن فرانكو وفي روسيا القيصرية بعد الإصلاح هيمن في الاقتصاد العمل الخاص، بهذه الكيفية، أو تلك، مع الإبقاء على حظر الحريات السياسية. عموماً، وكما أوضح ذلك (فريدمان): "لم تحقق كل المجتمعات بالمطلق، القائمة على السوق الحرة، الحريات المدنية، والفردية، والسياسية"، وبالوقت نفسه: "إن وجود الحرية السياسية ليس بعد شرطاً ضرورياً، أو كافياً، للحصول على الحريات الاقتصادية، والمدنية، والفردية"27.

على الرغم من كل ما سبق، فإن الملكية، أو بمفهوم أوسع، حرية الخيار الاقتصادي تضمن استقرار الوجود الاجتماعي، وتصبح ضمانة للإنسان وعائلته في استقلالهم المادي عن الدولة، أو عن أي جهة خارجية أخرى قادرة أن تعتدي على حريته في التعبير عن إرادته. والأكثر من ذلك، الملكية علامة هامة على فلاح الإنسان، وأن حياته قد انعقدت، وأنه ساهم بنصيبه في رفاه المجتمع، حيث مخصص له مكانه المناسب. الملكية ,أو في كل الحالات، حرية الخيار الاقتصادي، حرية اختيار مصدر ووسائل العيش، هي الأساس الذي من دونه تصبح الحرية السياسية شكلاً بلا مضمون، وهم.

حيث لا توجد حرية الخيار الاقتصادي، والدولة هي رب العمل الأعلى الوحيد، لا يمكن أن يكون هناك حديث عن حريات واقعية، سياسية أو فكرية، أو أي شكل آخر من أشكال حرية التعبير للناس. إن الملكية المراقبة بحزم من قبل الدولة تتسيس حكماً، طالما أنها تولد احتكار السلطة المخضعة لنفسها كل عتلات السياسة والاقتصاد، اللذين يندمجان في كل موحد، وفيما يخص الملكية فإنها تصبح غير شخصية، فوق فردية ومغتربة.

إن كل تجارب التاريخ تقدم ما يكفي من الأمثلة على أن التوظيف الأمثل لأي من مجالات النشاط العملي يتطلب هذا أو ذاك من أشكال المنافسة، حسب درجة التطور التاريخي، والتي من دونها تغامر الحياة  بأن تصاب بالجمود.

يمكن للمجتمع أن يسمى مدنياً منذ تلك اللحظة التي يعترف فيها للإنسان كفرد بحقوق لا تنتزع في الحياة، والحرية، وفي سعيه لسعادته، وعندما تصبح هذه الحقوق أساس البناء الاجتماعي برمته. من هنا يتضح أن كل المؤسسات الاجتماعية الهامة التي تشكل بمجموعها المجتمع المدني، والتي تنتج وتعيد إنتاج شروط الحياة الإنسانية، مدعوة لتأمين الضمانات لهذه الحقوق. لقد أشار (كانط) إلى أنه يمكن أن يكون مواطناً أو عضواً في  Societas civilis (المجتمع المدني) الإنسان الذي يتمتع "بخاصية الاستقلالية المدنية، أي أن يكون مديناً بوجوده وإعالته ليس لإرادة أحد من عداد المجتمع، وإنما مدين لحقوقه وقواه الخاصة"28.

الحرية السياسية مأخوذة بذاتها تنبع من الحرية الفردية، كلتاهما تستلزم تبادل الحقوق والواجبات لجميع أعضاء المجتمع.

إن إقرار الأساس المدني، من حيث المبدأ، مرتبط بقوة بإقرار وتوطيد الحرية الفردية. يتوجب على المواطن الذي هو ذات الحرية السياسية، ومن حيث أن الأخيرة هي التعبير الأرقى عن الحرية الفردية، أن يدرك ليس أهدافه ومصالحه الشخصية والفردية فحسب، بل والمصالح والأهداف العامة التي تضم كل أعضاء المجتمع في كل واحد.

إن حداً أعلى (Maximum) من الحريات المدنية يضمن حداً أعلى من الحرات الأخلاقية.

لقد تحدث عن ذلك (ستروفه) بقوله: "في حرية القرار يكمن الشرط الذي لا بد منه لأخلاق الفعل، وفي أخلاق الفعل يكمن الشرط الذي لا بد منه لتنفيذ القرار الأخلاقي أو واقعيته. كل من يجعل حرة فعلي غير ممكنة يعتدي على كل قرار أخلاقي مضمونه هو هذا الفعل، إنه يبطله كفعل"29

إن الحرية الحقيقية، وليست المعلن عنها، ممكنة في حال قامت السلطة على خدمة الحق:" الحرية هي الحق في فعل ما تسمح به القوانين" حسب تعبير (مونتسكيو). وهذا جعله واحداً من الآباء المؤسسين لدولة القانون المعاصرة. هنا تتمتع القوانين بسلطة واحدة على كل فرد دون استثناء، بغض النظر عن وضعه الاجتماعي أو السياسي، أو أي وضع آخر. حماية الفرد من السلطة والتعسف، تطابق حماية الجميع.

لذلك فالحق الشخصي غير ممكن دون ضمانة في الحق السياسي الذي يساوي بين المواطنين بعضهم تجاه بعض. وقد قال في ذلك (ياسبرز): "حتى الخدمات الجليلة تجاه الدولة لا تعد أساساً لحصانة سلطة الفرد، فالإنسان يبقى إنساناً، وحتى أفضل الناس يمكن أن يصبح خطراً إذا لم تضبط سلطته بقيود محددة"30. هنا الحق، من حيث الجوهر، هو الحرية المحددة بالقانون. لم يكن مصادفة بحتة أن الليبرالية الكلاسيكية خصصت للقانون دور تعيين حدود الحرية. يمكن تماماً موافقة (سارتر) على قوله: "نحن نريد الحرية من أجل الحرية في كل حدث فردي، لكن بسعينا للحرية نكتشف أنها كلياً تتوقف على حرية الآخرين، وأن حرية الآخرين تتوقف على حريتنا"31. لذلك فمن الطبيعي أن وعي الحق لا يُختزل بالمطلق إلى مجرد أن "يعي" الإنسان حقوقه، فبإدراكه لحقوقه يتوجب على الإنسان أن يدرك واجباته أيضاً، وأن يدرك ما هو مسموح له وما هو ممنوع، وأن الآخرين يتمتعون بحقوق مماثلة يتوجب عليه الاعتراف بها، واعتبارها واحترامها.

تعتبر منظومة الحق، كما نوه إلى ذلك إيلين: "كما لو أنها منظومة حية لحقوق وواجبات معترف بها بالتبادل", معنية بربط الناس بعضهم إلى بعض على أساس المبادلة. حين يدافع الإنسان عن حقوقه فأنه يرغب في نيلها الاعترافَ والمراعاةَ من قبل الآخرين، إضافة إلى ذلك، فإنه يفرض على نفسه الاعتراف بحقوق الآخرين ومراعاتها. من الواضح أن وعي الحق "هو إرادة الإنسان في مراعاة الحق والقانون, إرادته في الخضوع للقانون"32.

بكلام آخر: الحرية، في حقائق العالم المعاصر، مفهوم إيجابي أولاً، وليست مفهوماً سلبياً. وإلا لكانت "الحرية التامة للذئاب تعني موت جميع الأغنام، والحرة التامة للأقوياء والموهوبين غير متوافقة من حق الضعفاء والأقل موهبة في حياة جديرة بالإنسان"33.

إن التأويل السلبي للحرية من حيث أنها نفي للسلطة والنفوذ تقود حكماً إلى الفوضى، وبالنهاية، إلى هذا الشكل أو ذاك من الاستبداد.

يعتبر الإنسان منذ ولادته عضواً في عائلة، جماعة، طائفة، مجتمع، ودولة. سلوكه ونشاطه ينظمان وفق المعايير العامة السائدة، والظروف الحاضرة في زمن محدد.

لذلك من غير المشروع الحديث عن حرية مجردة، حرية طبيعية، التي لم توجد، وما كان لها أن توجد، لا في ما يسمى بالحالة "الطبيعية"، ولا في حالة اجتماعية أو أي حالة أخرى.

حالة "الواجب" توجد في العلاقات الاجتماعية بصيغتين: صيغة الحق، وصيغة الأخلاق. "إن عالم الحق البارد، والصارم، بما يميزه من تشريع (=إباحة) للأنانية (egoisme)، وقسره الفظ، يناقض بحدة مبادئ الحرية والحب التي تشكل أساس الحياة الأخلاقية. ومع ذلك فإن أي محاولة لإلغاء الحق بالكامل وإخضاع الحياة لما ينسجم ومبادئ الأخلاق، سوف تقود إلى نتائج أسوأ بكثير من الحالة الحقوقية وإلى إطلاق جماح أعتى قوى الكائن البشري جهلاً ودناءة التي تهدد بتحويل الحياة إلى جهنم خالصة" 34

الحق والقانون هما معاً نظام يردع النقص في الحياة الاجتماعية، والخطيئة في الطبيعة الإنسانية، إنهما مقولتان أساسيتان في نظام الدولة تحققان لها وظائف الشرعية. القانون والحق بالمعنى الحقوقي ـ القانوني الضيق مدعوان لإحلال النظام وضمانه، وليس لتحقيق العدالة. إلا أنه لا يمكن, بلا تحفظ، قبول موقف أولئك الذين يعتبرون أن الحق والقانون يضبطان السلوك الخارجي، في الوقت الذي تضبط فيه الأخلاق السلوك الداخلي على وجه الاستثناء. إذ توجد معايير للحق، ومعايير للأخلاق متطابقة من حيث المضمون، على سبيل المثال: "لا تقتل"، "لا تسرق"، "لا تشهد زوراً"…الخ.

تنعكس عفوية وتلقائية الحرية في المجتمع المدني، بينما عفوية وتلقائية النظام والضبط تنعكسان في الدولة، المبدأ الفردي أو التنظيم الخاص للحياة الذي يميز المجتمع المدني يقسم الناس ويفرقهم حسب مصالحهم الخاصة، أما مبدأ التنظيم المتجسد في الدولة فيوحدهم. وهذا يُضمن، بشكل خاص، من خلال سيادة سلطة الدولة الواحدة على الجميع، المشرفة على كل السلطات الأخرى، والملزمة للجميع بالتساوي.

هل يناقض وجودها ( أي الدولة )الحرية؟ إذا لم نرد أن نخلط الأمبريقي مع الميتافيزيقي، وإذا كانت الطبيعة شرط حياتنا فعلاً؛ فإن الدولة كتعبير عن طبيعة الاجتماع الإنساني بذاته، وتعبير عن عمليات الأيض (Metabolism)* الضرورية لتلك الأخيرة, هي ما يجب اعتباره، عقلانياً، دون لعنات و تأوهات  أو تمجيد.


 


* فرانك: سيمون لود فيغتش (1877 –1950) فيلسوف لاهوت روسي، هاجر وأقام في الغرب منذ عام 1922، له أعمال عديدة في مجالات: نظرية المعرفة وعلم النفس، والفلسفة الاجتماعية، المترجم.

1  فرنك، س.ل: المبادئ الروحية للمجتمع: مقدمة في الفلسفة الاجتماعية، باريس 1930، ص 240.

* القوطية أسلوب فني بين القرنين الثاني عشر و السادس عشر الميلادي كان بالغ الدقة في تفاصيله وزخارفه، المترجم.

2  غوريفتش أ، يا: مقولات الثقافة القروسطية، موسكو 1988، ص26.

**  مؤسسة المنفى (Ostrakismos في اليونانية القديمة) وجدت في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في آثينا ومدن أخرى، وتقوم على نفي المواطن بقرار متخذ بالتصويت من قبل الاجتماع الشعبي، ويكون النفي عادة لمدة عشر سنوات، المترجم.

3  أريك فروم: الهروب من الحرية، موسكو 1989، ص 105.

4  غفارديني، ر: نهاية العصور الحديثة، "قضايا الفلسفة" 1990 العدد 4، 137.

5  أريك فروم: مرجع سابق، ص107.

6  فجر الآلهة، موسكو 1989، ص 323.

7   المرجع السابق، ص 327.

8  فرانك، س.ل: مرجع سابق، ص 149.

9  شوبنهاور: حرية الإدارة وأسس الأخلاق، بطرس بورغ 1896، ص62.

10  شوبنهاور: مرجع سابق: ص 97.

11  شيلر، م: وضع الإنسان في الكون ـ في كتاب: مشكلة الإنسان في الفلسفة الغربية، موسكو 1988، ص94.

12  شوبنهاور: مرجع سابق، ص 30.

13   شيلر. م: مرجع سابق، ص 92.

14  ألبيركامو: الإنسان المتمرد. موسكو 1990، ص 92

* باللاتينية وتعني، حرفياً، الرب الخفي، المستتر.

15  باسكال، ب؛ أفكار، موسكو 1909، ص 41.

16  كاسيرر: تجربة الإنسان: مقدمة في فلسفة الثقافة الإنسانية "مشكلة الإنسان في الفلسفة الغربية" مذكور سابقاً ص 7-8.

* عقلاني، Rational، واللفظة اللاتينية: Rationalis، ما هو موافق للعقل، منطقي, مبرهن، أي النسبة هنا إلى العقل وليست إلى العقلانية (Rationalism)كمذهب، المترجم.

17  نيكولاي برديايف: فلسفة الحرية ـ فلسفة الإبداع، موسكو 1989 ص 21.

** لم يوثقه المؤلف، والشاهد من العهد القديم (الجامعة، الإصحاح الأول، 17، 18)، المترجم.

18  Morod J. Chance and necessity. N.Y., 1973. P. 172-173.

19  شبنغلر: غروب أوربا، موسكو 1922، ص 169.

20  Tiuich P. Dynamics of faith. In Religion from Tolstoy to camus. N.Y. 1961. p.383.

21  سولوفيوف، ف،س، الأسس الأخلاقية للحياة، بروكسل 1982،ص 21.

22  شيلنغ: دراسة فلسفية في ماهية الحرية الإنسانية، بطرس بورغ 1908، ص30.

23  ألبيركامو: مرجع سابق، ص 54.

24  نيكولاي لوسكي: حرية الإرادة، باريس 1930، ص132.

25  سولوفيوف، ف.س: مرجع سابق، ص 26.

26المرجع السابق ,ص 15

27  فريدمان، م: أربع خطوات نحو الحرية، "العلوم الاجتماعية والعصر" 1991، العدد 3 ص 16.

28  كانط: المؤلفات، المجلد الرابع الجزء الثاني، موسكو 1968، ص 25.

29  ستروفة، ب.ب: عناوين مختلفة، بطرس بورغ 1902، ص 543.

30  كارل ياسبرز: الحرية هي الهدف، العصر الجديد، 1990، العدد 5، ص 35.

31  فجر الآلهة، مذكور سابقاً، ص 340.

32  " قضايا الفلسفة" 1991، العدد 1، ص 129.

33  إيسايا برلين: واقعية الأوهام، "الصحيفة الأدبية" 1990، العدد 9، ص 15.

34  فرانك، س,ل: مذكور سابقاً، ص 162.

*  Metabolism ـ تبادل المواد في الأجسام الحية (الأيض). جملة عمليات الهضم والإطراح التي تضمن استمرارية الحياة ـ المترجم.