الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

الإرهاب منتَج ثقافي

السيد يسن

من الناحية المنهجية البحتة ينبغي في المقام الأول أن نطبق المنهج المقارن. ذلك أن استخدام هذا المنهج من شأنه أن يقينا من التحيز الغربي المقيت والذي يريد إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين على وجه الخصوص.

وأكثر من ذلك فإن الأبواق الدعائية المتحيزة وخصوصاً الأمريكية منها، تركز على المجتمعات العربية والإسلامية باعتبارها بحكم ظروفها وأوضاعها السياسية والاقتصادية والثقافية بيئة مواتية لنمو جراثيم الإرهاب.

ولو كان هذا صحيحاً فلماذا هناك إرهاب أمريكي تقوم به ميليشيات عسكرية تتبنى عقائد سياسية متطرفة وتريد في ضوئها أن تقضي على الدولة المركزية؟

ولماذا هناك إرهاب أوروبي كما شهدنا في العقود الماضية نشاط منظمة "بادر ماينهوف" الألمانية أو "الألوية الحمراء" الإيطالية؟ وهناك إرهاب آسيوي نشط في اليابان وفي بلاد أخرى.

وهكذا يثار السؤال المهم: قياساً على المجتمعات العربية والإسلامية المنتجة بحكم أوضاعها للإرهاب هل المجتمعات الأمريكية والأوروبية الديموقراطية حيث دول الرفاهية التي أشبعت الحاجات الأساسية لمواطنيها منتجة أيضاً للإرهاب؟

هذه التساؤلات تدفعنا إلى التأكيد على أن الإرهاب ظاهرة بالغة التعقيد، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد فهناك أسباب ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية تتضافر جميعاً لكي تنتج لنا أخيراً الإرهاب بصوره المتعددة.

في البدء كان النظام السياسي

ولا شك في أن النظم السياسية المعاصرة على تباينها والاختلافات الجسيمة بينها لها صلة بظاهرة الإرهاب. ولعل من التفسيرات الشائعة أن النظم السياسية المستبدة شمولية كانت أو سلطوية تُعَدّ بممارساتها القمعية أحد أسباب الإرهاب. ويصدق ذلك على وجه الخصوص في البلاد العربية والإسلامية والتي هي استبدادية في الغالب الأعم.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المجتمعات الغربية والآسيوية التي تسودها نظم ديموقراطية لا يتصور أن يكون بينها وبين الإرهاب صلة. وذلك لأن التحليل النقدي لعديد من هذه المجتمعات وفي مقدمها المجتمع الأمريكي يؤكد أن وراء الواجهات الديموقراطية البراقة نظماً سلطوية مقنعة، لا تتيح تعددية حقيقية.

وقد يكون من بين الأدلة على ذلك شهادة مفكرَيْن أمريكيين أولهما عالم السياسة ريتر غروس الذي أصدر منذ سنوات كتاباً نقدياً مثيراً بعنوان الفاشية الودودة! وهو يقصد بها الممارسة الديموقراطية الأمريكية والتي في رأيه تمارس الفاشية عملاً ولكن بصورة غير فجة، لأنها تراقب المعارضين للنظام، وتضيق بصور شتى حرية التعبير أمامهم، وكذلك حرية التنظيم.

ولعل المحاكمات التي قادها السيناتور مكارثي في الخمسينات ضد المفكرين اليساريين الأمريكيين صورة بارزة لهذه الفاشية الودودة التي أسفرت في ظروف معينة عن وجهها القبيح.

والمفكر الأمريكي الثاني هو الفيلسوف الشهير الألماني الأصل هربرت ماركوز صاحب الكتاب المعروف "الإنسان الوحيد البعد" والذي أشار في مجال تحليله للحريات السياسية في المجتمع الأمريكي إلى أنه يسوده نوع من التسامح القمعي! ويعني على وجه التحديد أنه تسامح محدود في مجال حرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم تحوطه خطوط حمراء متعددة!

ونخلص من ذلك كله إلى أن النظم السياسية المعاصرة مهما كانت أنماطها إن ضيقت من مجال الحركة أمام أجيال الشباب، فإنها ولا شك تدفع بجماعات متعددة منهم إلى اعتناق أفكار مضادة للدولة، أو أفكار دينية متطرفة قد تدفع بهم دفعاً إلى الإرهاب.

الأسباب الاقتصادية

وإذا كنا نضع النظم السياسية المعاصرة في بؤرة الضوء في ما يتعلق بعملية إنتاج الإرهاب، فإن الأسباب الاقتصادية لا يمكن عزلها عن سببية الظاهرة. والأسباب الاقتصادية لا تكمن فقط في الفقر المدقع الذي اتسعت دوائره بشكل سرطاني نتيجة سياسات العولمة التي أطلقت العنان للرأسمالية المتوحشة، ولكن أيضاً لازدياد الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء في عديد من البلاد المتقدمة والنامية على السواء.

وإذا أضفنا إلى ذلك اتساع المناطق العشوائية التي يعيش فيها ملايين البشر الذين يفتقرون إلى الحدود الدنيا من نوعية الحياة الكريمة، لأدركنا أن هذه العشوائيات تربة صالحة لتفريخ الجماعات الناقمة والتي قد تحول في ظروف معينة إلى جماعات إرهابية.

ولا شك في أن استفحال ظاهرة البطالة، والتي ضربت ملايين الشباب، وقضت على آمالهم في ممارسة حياة طبيعية كغيرهم من المواطنين العاملين، يمكن أن تكون لها صلة ما بظاهرة الإرهاب.

ويمكن القول إن بعض الشباب ممن ينضمون إلى الجماعات الإرهابية يكون دافعهم إحساس الفرد منهم بقيمته، وأنه يمكن أن يشغل وضعاً اجتماعياً متميزاً داخل التنظيم الإرهابي الذي عادة ما يقوم على أساس تراتبي تتدرج فيه مكانات أعضاء التنظيم، فهناك في الجماعات الإسلامية الإرهابية أمراء التنظيم الذين يحظون في العادة بمكانة عليا وينالون احتراماً عميقاً بل وتوقيراً من قبل أعضاء التنظيم العاديين. غير أنه بين الأمير والأتباع العاديين هناك مراتب وسطى مهمة مثل المسؤول عن تخطيط العمليات، والخبير العسكري، والقادة الفرعيين. شغل هذه المراكز وتبوؤ المكانات المتنوعة في التنظيم من شأنه أن يشبه لدى العديد من شباب الإرهاب الحاجة إلى الاعتراف بقيمته، وتقدير مواهبه، حتى ولو كانت تصب في الحوادث الإرهابية.

العقول المغلقة!

وهكذا يتضح من العرض السابق تضافر عوامل عدة في إنتاج ظاهرة الإرهاب، حيث تختلط العوامل السياسية بالاقتصادية، غير أنه ينبغي ألا ننسى العوامل الثقافية والنفسية.

ولا شك في أنه في مقدم العوامل الثقافية تبنّي رؤية للعالم تتسم بالانغلاق الفكري والجمود النفسي.

وغالباً ما يتم تكوين هذه الرؤية المنغلقة للعالم في إطار الجماعات الإسلامية الإرهابية كمحصلة لعملية نقد عنيفة للدولة والمجتمع والثقافة.

أما الدولة فقد شاع في أدبيات هذه الجمعيات، نعتها بالكفر لأنها دولة علمانية تطبق القوانين الوضعية ولا تطبق شرع الله. أما المجتمع فهو لديهم انسياقاً وراء طروحات سيد قطب مجتمع جاهلي غارق في الخطيئة ويحتاج إلى استخدام العنف لتقويمه. ويبقى أخيراً نقد الثقافة السائدة والتي هي في عرفهم ثقافة مخترقة بالأفكار الغربية الفاسدة، ولا بد من خلال استخدام فئات الحرام والحلال تعديل مسارها ولو باستخدام القوة المسلحة.

والسمة الأساسية للعقول التي يتم غزوها بهذا الفكر المسموم أنها تصبح عقولاً مغلقة، لا يمكنها أن تقبل الآخر، ولا تسامح مع تنوع الآراء، وترفض الحوار رفضاً مطلقاً، وتسعى إلى تغيير الواقع بالقوة المسلحة، حتى لو أهدرت دماء المسلمين.

أصبح الإرهاب ظاهرة عالمية خطيرة، وهو يستدعي تضافر جهود الدول لمكافحتها، ولكنها قبل ذلك تحتاج إلى إبداع المفكرين والمثقفين والباحثين في مجال صياغة استراتيجيات ثقافية جديدة تقوم على أساس قيم التنوير ومبادئ العقلانية وأخلاقيات الحوار.