الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورمصادر و مراجعإتصل بنا

 

الدرس الأدبي في الجامعات ، الواقع والآفاق

 

الدكتور كريم الوائلي

يهيمن التفكير التقليدي و الاستخدام السيء للمنهج التاريخي على جل مقررات الادب و النقد الادبي من حيث تصنيف هذه المقرارت و توصيفها وآليات تحليلها في الجامعات العربية بعامة والعراقية بخاصة . إذ يعمد التفكير التقليدي الى تثبيت المعرفة او اكتشاف ما هو مكتشف ، ويهدف الى إعادة صياغة الحاضر في ضوء معطيات الماضي , الامر الذي يقود الى تنميط آليات التحليل, وبذا تفقد العملية التعليمية اهميتها و جدواها , اذ هناك طرف فاعل يقدم معرفة جاهزة معروفة و متلقٍ سلبي يحفظ هذا المادة و يعيد مفاهيمها و تصوراتها , و حتى المحاولات الخجولة التي يحاول التفكير التقليدي إدخالها تبدو هزيلة ومقحمة وعشوائية .
ولقد توافق مع هذا المنجز الجاهز استخدام سيء للمنهج التاريخي ,و يتجلى ذلك واضحاً في مقررات الدرس الادبي , وتصنيفها على اساس زماني : جاهلي واسلامي وعباسي ....., دون وعي حقيقي لطبيعة المراحل و تطورها ... ولقد كانت العناية فائقة بدراسة الشعر لانه ديوان العرب , و اغفال يكاد يكون تاماً للنصوص النثرية في مجمل التراث العربي و الحديث منه ايضا , هذا فضلا عن احكام مسبقة تكتنف الدرس باسره.
ويكفي ما سبق ذكره حديث عن الجانب الخارجي من ازمة الدرس الادبي اما الازمة الحقيقية فتكمن في ما يأتي :
1- تعدد ازمنة قراءة النص الادبي .
2- ميكانيكية التفاعل مع التراث والاخر .
3- دراسة النص الادبي بوصفه منسلخاً عن بنيته و منظومته الاجتماعية والتاريخية .

و اعني بتعدد الازمنة قراءة النص في الجامعات كون قارئ النص: استاذا او طالباً انما يعيش جسدياً في هذا العصر ولكن ما يتلقاه من معرفة وما يمارسه من انماط السلوك يؤكد هذه الازمنة , فهو في اغلب حالاته يعيش حضارتة القديمة , يحاكيها و يقلدها , ويحاول استحضارها من الماضي و من ثم يتفاعل معها بكيفيات متعددة، وهو في الوقت نفسه يعايش الحضارة الغربية بمعطياتها المعرفية والمادية، ومن ثم فانه يجاور بين أبعاد زمانية مختلفة، وتتضمن رؤى وتصورات متعارضة ولا تعبر عن نسيج ثقافي موحد.
اما ميكانيكية التعاطي مع التراث والآخر فإن قارئ النص يقع تحت آلية التلقي السلبي للتراث أو للآخر، مؤكداً هنا على التلقي السلبي لأن القراءة الممكنة للتراث والآخر تعني فهمه في إطار سياقاته التاريخية والاجتماعية، بحيث تكون مولدة للمعاني وكاشفة للوعي الذي يتضمنه النص في إطار سياقاته، لأن قراءة النص ليست إحضاراً للنص أو نقلاً له وإذ يضفي القارئ على المقروء رؤيته ومنهجه وذاته وخصوصيته.
ولقد عانى الدرس الأدبي كثيراً من إسقاطات تراثية تجعل الحقيقة كامنة في الماضي بإطلاق، كما عانى كثيراً من اسقاطات معاصرة تجعل المرجعية كائنة في منجز الاخر الادبي و النقدي , ان دارس الادب هنا يتماهى مع احد بعدين بطريقة شكلية , للتراث مرة وللمعاصرة الغربية مرة اخرى .
ان هذة المكونات الثلاثة قد اسهمت بشكل وبآخر في تنميط الدراسة الادبية، و جعلها مجرد تلق سلبي للمعرفة او مجرد عرض بانورامي يهدف الى سرد المعلومات او الاكتفاء بالوصف الخارجي .
إ ن هذه الوريقة التي اعرضها امام حضراتكم لا تهدف الى طرح حلول ناجعة , إذ ليست هناك اجابات نهائيا , وانما هناك وجهات نظر , ورؤى مختلفة , و مناهج متعددة كلها تسهم في تأمل المآزق و المعضلات ... ولعل هذا تثير تساؤلات تساعد في تجاوز الدرس الادبي ازمته .
بقيت ملاحظة اود ان اشير اليها في هذا السياق تلك التي تتصل بمؤثرات خارجية قاهرة و قاتلة عاش فيها الدرس الادبي في الجامعات يتصل بعضها بطالب هزيل المعرفة و الزاد و الرغبة , لا يدرس من اجل المعرفة و إنما من اجل الحصول على شهادة كزينة خارجية .... و عانى الدرس الادبي ايضا من استاذ تخرج على وفق معطيات غير علمية على مدى سنوات الارهاب الفكري والقمع العلمي ولقد تجلت اثار هذا الظاهرة السيئة بشكل واضح في العقد الماضي , وبخاصة بعد ان رحل او توقف كبار الاساتذة .... وتم تهميش اساتذة حقيقيين بالتغييب من الداخل او بالنفي الى الخارج .... وفي زمن تقدمت فية ايديولوجيا السلطة على المعرفة و الكفاءة هذا فضلا عن حصار معرفي عانى منة الكادر العراقي والثقافة العراقية.

واخير اود التأكيد :
1- العناية الخاصة بتاريخية المقروء و سياقاته الاجتماعية , فلقد تحولت كثير من الدراسات و محاولات التعليم الى مجرد استعراض لتقابلات منطقية و خطاطات لاهدف لها سوى افتراضات عجائبية لم يتضمنها النص و لاتوحي به سياقاته و منظوماته اللغوية و الفنية .
ولابد من التأكيد في هذا السياق ايضا على تجاوز المعايير و الاحكام المسبقة القائمة على اسس تقليدية وتتكئ على مرجعيات معرفية نقلية غالباً.
2- دراسة النص بوصفه جزءا من بناء معرفي اشمل و كونه جزءا من منظومته و ينبغي فهمه في اطار منظومته , لان اجتزاءه عن منظومته يعني فهماً مخلاً بطبيعته وو ظيفته على السواء .
3- تجاوز القراءة الانطباعية الى قراءة تتأسس على عقلانية منهجية تؤكد اهمية النظر و تعلي من شأن التحليل و التعليل .