الصفحة الرئيسيةالمؤلفاتالسيرة الذاتيةمقالاتمعرض الصورإتصل بنا

 

جماليات الأنظمة اللغوية عند ابن جني

 

الدكتور كريم الوائلي


للحرف العربي خصائص ذاتية عني بها الدارسون ،فعمدوا الى وصفها وتحديد صفاتها ومخارجها ونوعية صفاتها ، وكانت الدراسة تتجه في الغالب إلى وصف مستقل عن السياقات ، وللك قسم ابن جني الحروف إلى ضربين « ضرب خفيف وضرب ثقيل وتختلف أحوال الخفيف منهما فيكون بعضه أخف من بعض وتختلف أيضا أحوال الثقيل منهما فيكون بعضه أثقل من بعض وفي الجملة فأخف الحروف عندهم وأقلها كلفة عليهم الحروف التي زادوها على أصول كلامهم وتلك الحروف العشرة المسماة حروف الزيادة وهي الألف والياء والواو والهمزة والميم والنون والتاء والهاء والسين واللام ».
ولا تخلو الحروف من علاقات في أثناء انتظامها في كلمة واحدة أو في سياق تركيبي ، إذ تتأثر العلاقات الصوتية والدلالية بحسب طبيعة الانتظام الذي تشكله الحروف المنتظمة في السياقات ، بمعنى أن انتظام الحرف مع الحرف الذي يسبقه أو يعقبه يشكل انساقا إيقاعية متميزة ، كما أن طبيعة حركة الحروف تسهم هي الأخرى في تأدية مؤثرات دلالية وإيقاعية معينة .
ويقسم ابن جني تضام الحروف إلى : ممتنع، وثقيل ، وحسن ،فإذا تقاربت مخارج الحروف امتنع تضام الحروف إلى بعضها ، مثل : سص ، وظث ،وجق ،ويرجع الامتناع إلى بعدين : ذوقي جمالي يكمن في « نفور الحس » واستثقال النطق بها ، بسبب « المشقة على النفس لتكلفه »، اما الانتظام الثقيل فيبدو في ائتلاف حروف الحلق ـ ـ مع بعضها ، ويتأتى ذلك بسبب تقارب مخارجها ، فإن « جمع بين أثنين منها قدم الأقوى على الأضعف نحو أهل وأحد وأخ وعهد ... أنهم إنما يقدمون الأقوى من المتقاربين من قبل أن جمع المتقاربين يثقل على النفس فلما اعتزموا النطق بهما قدموا أقواهما لأمرين أحدهما أن رتبة الأقوى أبدا أسبق وأعلى والآخر أنهم إنما يقدمون الأثقل ويؤخرون الأخف من قبل أن المتكلم في أول نطقة أقوى نفسا وأظهر نشاطا فقدم أثقل الحرفين وهو على أجمل الحالين » .
ويرى ابن جني ان للحروف خصائص ذاتية تتميز بها وتتفاوت في التأثير في دلالاتها ، ولذلك لاحظ أن الألفاظ تتقابل مع ما يتشاكل مع أصواتها من الأحداث ، ويضرب لذلك أمثلة عديدة ، ويقدم تفسيرات صوتية تدعمها مبررات عقلية ، فهو يمايز بين الفعلين « خضم وقضم » فالأول لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء ، والثاني للصلب اليابس ، نحو قضمت الدابة شعيرها ، ويعلل ذلك أن اختيار « الخاء لرخاوتها للرطب والقاف لصلابتها لليابس حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث »ويعزز قوله منقول خبري مفاده ان الخضم قد يدرك بالقضم ، أي « قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف ».
ويمايز بين النضح والنضخ ، لأن « النضح للماء ونحوه والنضخ أقوى من النضح قال الله سبحانه فيهما عينان نضاختان فجعلوا الحاء لرقتها للماء الضعيف والخاء لغلظها لما هو أقوى منه » وكذلك «الوسيلة والوصيلة » لأن « الصاد أقوى صوتا من السين لما فيها من الاستعلاء والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة ...فجعلوا الصاد لقوتها للمعنى الأقوى والسين لضعفها للمعنى الأضعف » ومثله « سعد وصعد » « الصاد لقوتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية » ومثله أيضا « سد وصد » لأن السد « سد وصد فالسد دون الصد لأن السد للباب يسد ... والصد جانب الجبل والوادي والشعب وهذا أقوى من السد ... فجعلوا الصاد لقوتها للأقوى والسين لضعفها للأضعف »
ويرى ابن جني أن « العرب تًقارِب بين الألفاظ والمعاني إذ كانت عليها أدلة ، وبها محيطة » ولذلك فإن بعض الحروف المتقاربة في الصوت أو المخرج تبدو متقاربة في المعنى أيضاً فالفعل : « نَحَتَ يَنْحِتُ » يقترب في دلالته من الفعل : « نَحِطَ يَنْحِطُ » ، لاقتراب صوت التاء من الطاء ، « فكأن ذلك الضغط الذي يصحب الصوت ينال من آلة النفس ، ويحتُّها ويسفِنُها فتكون كالنحت لما يًنحَت لأنه تحيُّفٌ له وأخْذٌ منه»، ولم يقتصر الأمر علىذلك فإن أصوات بعض الحروف تؤثر بشكل فاعل في دلالة الكلمة ، وتهيمن على حروف الكلمة الأخرى ، ومن ذلك حروف الصفير ـ السين والزاي والصاد ـ التي تتضمن دلالة تكاد تكون واحدة حين تكون في مكان واحد من الفعل ، فالأفعال « عصر وعصر وعزر » تكاد تكون دلالتها واحدة ، لأن أحرف الصفير كانت« عين » هذه الأفعال « فالعصر : شدة تلحق المعصور ، والعَسَر شدة الخُلُق ، والتعزير للضرب ، وذلك شدة لا محالة ، فالشدة جامعة للأحرف الثلاثة »، وتجاوز ابن جني إلى حد ، إقامة علاقة بين أصوات الحروف ودلالاتها على الرغم من تغير مواقعها في الكلمة ، مما أطلق عليه الاشتقاق الأكبر ، وهو: « أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية ، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداُ يجمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه » ويضرب مثلا لذلك بالجذر قول ، ويرى أن «إن معنى قول أين وجدت وكيف وقعت من تقدم بعض حروفها على بعض وتأخره عنه إنما هو للخفوف والحركة » ، ويعمد ابن جني إلى تأويل ما ينبو تقليب معناه بلطف الصنعة والتأويل 
ويعقد ابن جني علاقة بين حروف المد ودلالاتها الحسية ، ويتأسس تصوره هذا على العلاقات نفسها التي أشادها في قوة الحرف وضعفه ، والجهد العضلي الذي يبذله المتكلم ، مؤكدا النزعة العقلية التي يصدر عنها ، فالواو أقرب إلى حاسة منه إلى حاسة أخرى ،لقوته التي تناسب شدة اقتراب الفاعل ، ويعقد مقارنة بين الفعلين « حلا يحلو » و« حلى يحلي » فالأول يطلق على حاسة الذوق ، لأنك تقول « حلا الشيئ في فمي يحلو » والثاني أنسب إلى حاسة البصر ، لأن الياء والألف خفيفتان وضعيفتان، و«حصة الناظر أضعف من حس الذوق بالفم »، وما قيل عن أصوات الحروف وعلاقتها بالمعنى يقال أيضاً عن أصوات الحركات ، التي تتسم بالقوة والضعف ، فيما يرى ابن جني ، فالضمة تدل على القوة ، والكسرة تدل على الضعف ، ولذلك أطلق العرب " الذِّل " بكسر الذال على الدابة ، وهو ضد الصعوبة ، كما أطلقوا " الذُّل " بضم الذال على الإنسان وهو ضد العزّ ، ليفصلوا بين المعنيين ، « لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدراً مما يلحق الدابة ، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان ، والكسرة لضعفها للدابة »، وكما تدل الحركات عند ابن جني على المعنى قوة وضعفاً، تدل عليه كثرة وقلة ، ولذلك لاحظ فرقاً واضحاً في الدلالة بين العبارتين :
جُمام المكوك دقيقاً - بضم الجيم 
جِمام القدح مـاءً - بكسر الجيم 
« لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح ، كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكوك ، فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه ، والكسرة لضعفها فيما يقل بل يُعدم ارتفاعه»، وقد ارتبطت أصوات بعض الحروف بالدلالة على القلة والكثرة ، فقد فرّق بين دلالة صوتي الضاد والصاد في كلمتي : « قَبضة ، وقُبصة »، ورأى أن : «قَبضة »تدل على الكثرة ، لتفشي حرف الضاد واستطالة مخرجه ، أما كلمة : « قُبصة »فهي تدل على القلة ، وذلك لصفاء حرف الصاد ، وانحصار مخرجه وضيق محله .
كما أن بينية الكلمة تخضع هي الأخرى لقانون الاستثقال ، ويرى ابن جني أن أعدل الأصول هو الثلاثي ، « حرف يبتدأ به وحرف يحشى به وحروف يوقف عليه » 
ويتجاوز المتكلم الاستثقال ، ولذلك فإن ياء ميزان وميعاد « انقلبت عن واو ساكنة لثقل الواو الساكنة بعد الكسرة وهذا أمر لا لبس في معرفته ولا شك في قوة الكلفة في النطق به وكذلك قلب الياء في موسر وموقن واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ولا توقف في ثقل الياء الساكنة بعد الضمة ».
وتنطبق القاعدة على الوحدات الصوتية في حال انتظامها ، كما ينطبق على الوحدات التركيبية في أثناء انتظامها ، أيضا ، مما له أكبر الأثر في تحديد الفاعلية والمفعولية ، ـ مثلا ـ فالعرب رفعت الفاعل لقلته ، ونصبوا المفعول لكثرته « أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد وقد يكون له مفعولات كثيرة فرفع الفاعل لقلته ونصب المفعول لكثرته وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم »