النمط والمرآة

 

قراءة في أدب صدر الإسلام

 

 

 

 

 

الدكتور

كريم الوائلي

 

 

 

الإهــــداء

 

 إلى

 أبي..

رحمه الله وطيّب ثراه

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمــــة

يشتمل هذا الكتاب على قراءة لأدب صدر الإسلام ، وهي قراءة تعنى بالدرس النوعي ، ولذلك توقفت عند أربعة موضوعات : يتصل اثنان منها بالقرآن الكريم، ويتصل الباقيان بالشعر.

          أما الدراستان اللتان تتصلان بالقرآن الكريم فهما« الإخفاء والإظهار ، تأملات في سورة يوسف » و« الوحدة الفنية في سورة العاديات » وتحاول الدراسة الأولى : الكشف عن الظاهر والباطن ، أو الإخفاء والإظهار ، الذي تشتمل عليه السورة ، ويتجلى ذلك في ملامح متعددة : مثل : الرؤيا ، والكيد ، والمكان ، والقميص ، وحاولت الدراسة أن تحدد الأبعاد الترميزية والدلالية والجمالية لذلك ، وتعنى الدراسة الثانية : بالكشف عن الوحدة الفنية التي تشتمل عليها السورة الكريمة ، والكشف عن جماليات القرآن الكريم من حيث التصوير والإيقاع.

          أما الدراستان الخاصتان بالشعر وهما :« الأنا والآخر والامتلاء والخواء في شعر حسان بن ثابت الإسلامي » و« الشقاء / الانفصام ، السعادة / التواصل ، في قصيدة البردة لكعب بن زهير » فإنهما تحاولان تحليل النصوص الشعرية والكشف عن دلالات وجماليات جديدة ، بمعنى أنهما تتجاوزان الثوابت النقدية المستقرة عن أدب صدر الإسلام  ولذلك اتجه الدرس نحو التحليل الداخلي للنص.

          إنَّ هذه الموضوعات كانت تؤرقني منذ زمن بعيد ، وكنت أتأمل معضلاتها في أثناء تدريسي إياها لطلبتي في الدراسات الأولية والعليا ، كما أنها ثمرة حوار مع أساتذة وزملاء متخصصين.

          آمل أن يقدم هذا الكتاب إضافة للمكتبة العربية، وأن يبعث على الحوار والنقاش.

                  

                                                أ.د. كريم عبيد هليل الوائلي

 

 

 

 

الإخفاء والإظهار

تأملات في سورة يوسف

                                               

 

          يثير التركيب اللغوي الذي يشتمل على الحلم والرؤيا قضايا عديدة ، فهو من ناحية أحد أنماط الترميز البسيط الذي نطلق عليه التمثيل الكنائي« Allegory » ، الذي يعني أنَّ الدال له مدلول واحد ، وهو يختلف عن الرمز الذي يعني أنَّ الدال يشتمل على دلالات متعددة ، وبمعنى آخر أنَّ التمثيل الكنائي مغلق الدلالة أما الرمز فإنه مفتوح الدلالة  ويدل التركيب اللغوي في الوقت نفسه على ظاهر ـ ليس هو المراد ـ وعلى باطن هو المقصود ، ويخرج المتلقي من المعنى الظاهري إلى الباطني ، ومن ثم فإنَّ هناك إخفاءً للدلالة التي تم التعبير عنها بكيفية معينة.

          إنَّ سورة يوسف تبدأ بالحكاية في أنها تقص أحسن القصص ، وتشرع في إثارة المتلقي بهذه الرؤيا التي يعبر عنها بتركيب لغوي متلفع بالترميز أو بتعبير أدق« التمثيل الكنائي » وهو التعبير اللغوي عن الرؤيا التي عايشها يوسف ، فالرؤيا شيء والتعبير اللغوي الدال عليها شيء آخر ، لأنَّ الرؤيا عملية تخيلية حدثت في مخيلة النبي ، وأن وصف العملية التخيلية تجلى من خلال تركيب لغوي ، رافقه حوار بين يوسف وأبيه  يتضمن تأويلاً للرؤيا ، وتحذيراً من نقلها.

          إنَّ الرؤيا صورة تخيلية أودعها الله في روع النبي ، فهي تصوير مرئي ، وليست تعبيراً لغوياً، ولذلك بدأ النبي حديثه ،« يا أبت إني رأيت » فهو يحكي بتعبير لغوي عن عملية تخيلية ، بمعنى أنه يصف لغوياً ما أدركته مخيلته في أثناء النوم. كما أنَّ الصورة المرئية التي شاهدها النبي تعبر عن تجربة شخصية ، ويمثل معادلها اللغوي وصفاً لها ، لتخرج من الخصوصية إلى العموم ، أي تنتقل من كونها تجربة خاصة بالرائي إلى المتلقين الذين يحاولون تخيل التجربة الفريدة من خلال ما توحيه وتؤديه« اللغة / الكلام ». إنَّ الرؤيا منظومة لها أسسها وقواعدها وقوانينها ، وإنَّ« اللغة / الكلام » منظومة أخرى لها أسسها وقواعدها وقوانينها ، وإنَّ المنظومة اللغوية تنقل غموض الرؤيا وألغازها ، فإذا كانت الرؤيا لها دلالة ظاهرة تتمثل عبر الصور المرئية التي تشتمل على دوال رمزية يتم فكها وتفسيرها ، ومن ثم تقديم دلالاتها ، كذلك المنظومة اللغوية تشتمل على ظاهر لغوي لا بدَّ من فكه وتفسير دلالاته.

          إنَّ تأمل بعض الآيات القرآنية في سورة يوسف عليه السلام تدفع إلى تذكر قضية المجاز ، وإنْ كان على نحو آخر ، لأنَّ التركيب المجازي ، وهو تركيب لغوي ، يعني وجود مستويين للدلالة ، مستوى ظاهر ، ليس هو المقصود ، ومستوى باطن ، وهو المقصود بالدلالة ، بمعنى أنَّ التركيب الظاهري يمثل الدال ، ويشتمل على قرينه ، أو قرائن ، تمنع من مقصدية التركيب الظاهري وتحيل إلى دلالات أخرى عديدة ، وهذه الدلالات هي التي يقصد منه التركيب. أما التركيب اللغوي الخاص ببعض آيات سورة يوسف ـ وبخاصة الرؤى ـ فإنه يتماثل مع التركيب المجازي ويختلف عنه ، أما تماثله فإنَّ التركيب الظاهري ، ليس هو المقصود ، ويشتمل على قرينة أو قرائن تمنع من مقصدية التركيب الظاهري ، ويحيل إلى مدلول واحد آخر ، وهو المقصود من التركيب أما اختلافه فإنه في الفرق بين دلالة التركيب المجازي التي يتم انتزاعها من السياق ـ سياق التركيب اللغوي ـ أما في بعض آيات سورة يوسف فإنَّ دلالة التركيب يتم الكشف عنها من خلال طبيعة تأويلية ، قد يكون السياق باعثاً للكشف عنها ، أو قد تكون نقلية تقع خارج التركيب اللغوي ، وكأنَّ التأويل هنا يبتعد نسبياً عن مستوى التأويل المجازي.

          ولو توقفنا عند قوله تعالى« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ » يرى الشريف المرتضى أنَّ الآية الكريمة تشتمل على وجوه معروفة ، استدل بها أهل العدل«لأنهم بينوا أنَّ النظر ليس يفيد الرؤية ، ولا الرؤية في أحد محتملاته ، ودلوا على أنَّ النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة ، منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال المرئي طلبا لرؤيته ، ومنها النظر الذي هو الانتظار ، ومنها النظر الذي هو التعطف والرحمة ، ومنها النظر الذي هو الفكر والتأمل... أو أنَّ يحمل قوله تعالى « إلى ربها ناظرة » على أنه أراد نعمة ربها ». وهذا يعني أنَّ الدال يشتمل على دلالات متعددة ، وأنَّ المستوى الباطني للمجاز متعدد ، أما في الرؤى فإنَّ المعنى الباطني واحد ، يحدده المتأوِل.

          إنَّ بعض الآيات القرآنية الكريمة في سورة يوسف يمكن تأملها في ضوء العلاقة بين الظاهر والباطن أو الإخفاء والإظهار ، على نحو تلتقي فيه بالمجاز ، وتختلف عنه ، ولست في سياق تأمل كل من الآيات القرآنية الكريمة في السورة ، وإنما التوقف عند بعض المواقف والقضايا التي تقدم تفسيراً لهذه العلاقة بين الظاهر والباطن والإخفاء والإظهار.

وتشتمل سورة يوسف عليه السلام على أربع رؤى وهي :

-        الرؤيا الأولى : خاصة بأسرة النبي يعقوب عليه السلام ومكانها البادية.

-      الرؤيا الثانية : خاصة بفرد« عاصر الخمر » ومكانها السجن.

-        الرؤيا الثالثة : خاصة بفرد« حامل الخبز » ومكانها السجن.

-        الرؤيا الرابعة : خاصة بأمة« رؤيا الملك »ومكانها بيت الملك.

          وفي رؤيا يوسف عليه السلام« يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ »  ليس بين أيدينا سوى هذا التركيب اللغوي الذي يدل ظاهره على رؤية كواكب وشمس وقمر تسجد ليوسف ، وهو يشتمل على قرينة تمنع أن تكون الشمس والقمر والكواكب هي المقصودة ، وإنما هي دوال تدل على غير ما يراد به ظاهرها ، غير أنَّ هذه الدوال« أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ » لا تحتمل دلالات متعددة كما هو الحال في التركيب المجازي ، وإنما تدل على دلالة واحدة ، بمعنى أنَّ المدلول له دلالة واحدة ، بخلاف التركيب المجازي الذي يدل المدلول فيه على دلالات متعددة. إذن فنحن إزاء تمثيل كنائي يعني أنَّ الدال يقابله مدلول واحد :

-   الشمس يقابلها يعقوب

-   القمر يقابله أم يوسف

-   أحد عشركوكباً يقابلها أخوة يوسف

          وجلي أنَّ الدال كان من الطبيعة الكونية ، شمس وقمر وكواكب ، و يقابله على مستوى الترميز المدلول البشر ، ومن الجدير بالذكر أنَّ هذا يذكّر بقصة إبراهيم عليه السلام وإنْ كان بصورة غير مباشرة في تأمله العياني للكوكب والشمس والقمر ، وأفولها جميعا في أثناء تأكيده ربوبية الله الذي لا يصدق عليه قول الأفول. قال تعالى :« وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يا قوم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون ».

ا

 

 

الصيغ الأسلوبية للرؤى

الرؤيــا الأولـى :

« يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ »

1-  التوكيد بأداة توكيد : ان والرائي اسمها.

2-  فعل الرؤيا ماض اتصل به الفاعل وهو ضمير يدل على الرائي.

3-  أثر الرؤيا السجود والطاعة.

4-  التأويل : يتحقق فعل التأويل أخر السورة.

5-  الشمس والقمر : الوالدان.

6-  أحد عشر كوكباً : أخوة يوسف.

7-  السجود التحية والخضوع.

8-  الثابت من التأويل : السجود ـ والعدد.

الرؤيا الثانيـة :

«وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ».

1-  التوكيد بأداة التوكيد : ان والرائي اسمها.

2-  فعل الرؤيا مضارع :أراني + أعصر فعل مضارع آخر.

3-  أثر الرؤيا : أعصر خمراً.

4-  التأويل في السجن ـ يسقي ربه خمراً.

5-  الثابت في التأويل الخمر = الخمر.

الرؤيا الثالثة :

« وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ».

1-  التوكيد بأداة التوكيد : ان والرائي اسمها.

2-  فعل الرؤيا مضارع :أراني + أحمل فعل مضارع آخر.

3-  أثر الرؤيا : أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه.

4-  التأويل في السجن : يصلب فتأكل الطير منه.

5-  الثابت في التأويل : الطير والأكل.

الرؤيا الرابعة :

« وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ».

1-  التوكيد بأداة التوكيد : ان والرائي اسمها.

2-  فعل الرؤيا مضارع :أرى.

3-  أثر الرؤيا : سبع بقرات سمان : سبع سنوات خصبة سبع سنبلات خضر.

4-  التأويل :« قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ».

5-  الثابت : الرقم 7.

    سبع بقرات سمان         يأكلهن سبع سمان

                |                                    |

   سبع سنبلات خضر    سبع سنبلات يابسات

                                      

 تقدمت السمنة والخضرة في التركيب.

وتأخرت العجاف واليبوسة في التركيب.

 

 

 

الكيــــــد

         

          يعني الكيد في اللغة« الخبث والمكر... والكيد الاحتيال والاجتهاد »  بمعنى أنَّ الكيد إخفاء ما يضمر الإنسان للأخر من فعل ، وينصرف الكيد أساساً إلى فعل الشر في الغالب ، وأكد هذا المعنى المفسر الطاهر بن عاشور في قوله : إنَّ الكيد« يرادف المكر والحيلة... إنَّ الكيد أخص من الاحتيال وما ذلك إلاّ لأنه غلب استعماله في الاحتيال على تحصيل ما لو اطلع عليه المكيد لاحترز منه فهو احتيال فيه مضرة ما على المفعول به» ومن ثم فإنَّ الكيد« فعل شيء في صورة غير المقصودة للتوصل إلى مقصود » وفي سورة يوسف ثلاثة أنماط من الكيد ، وهي على النحو التالي :

1 ـ الكيد الأول : كيد أخوة يوسف ، وهو كيد شر.

2 ـ الكيد الثاني : كيد امرأة العزيز ، وهو كيد شر.

3 ـ الكيد الثالث : كيد يوسف لاخوته ، وهو كيد خير.

الكيد الأول :

          ولا ريب أنَّ لكل كيد دوافعه ، وتكمن دوافع الكيد لدى أخوة يوسف في الوهم في الإحساس بالتمايز بين الأبناء ، إذ توهم أخوة يوسف أنَّ يعقوب عليه السلام كان يمايز بينهم وبين يوسف وأخيه. قال تعالى : « إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ».

  ولقد مر كيد أخوة يوسف بمراحل متعددة يكتنفها الإخفاء والإظهار على النحو التالي :

1 ـ التخطيـــط :

          وفيه يخطط أخوة يوسف للتخلص من يوسف ، ويظهر أنَّ قضية التخلص من يوسف يعد أمرا مفروغاً منه ، ولكنهم اختلفوا أول الأمر في الكيفية التي يتم فيها التخلص من يوسف ، ثم استقر رأيهم بعد ذلك على قرار واحد.

          إنَّ البدائل المطروحة للتخلص من يوسف تنحصر في :

1ـ قتل يوسف.

2 ـ طرحه أرضا.

3 ـ إلقاؤه في غيابة الجب.

والهدف من ذلك تحقيق الغاية التي تزيل دوافع الكيد ، وهي الانفراد بمحبة الأب. وصلاح حالهم في قوله تعالى« اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ »، ويبدوا أنَّ أثر الدوافع كان قوياً وعنيفاً في نفوس أخوة يوسف ، ومما يدل على ذلك البدائل المطروحة ، القتل ، والطرح في الأرض ، ومن ثم الإلقاء في غياية الجب ، ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أنَّ « القتل » كان البديل الأول المطروح.

          وكان التركيب اللغوي يعبر عن حركية الحدث ، إذ تتكون الآية الكريمة من مجموعة من الجمل الفعلية القصيرة المتلاحقة ،« اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ».

2 ـ التنفيـــذ :

          ويلحق التخطيط التنفيذ ، وهو الاحتيال في استدراج يوسف إلى تنفيذ الكيد ، ويتم ذلك عبر حلقين:

( أ ) ما قبل الإلقاء في الجب :

ويشتمل على إظهار الحرص والمحبة والنصح ليوسف ، وإضمار وإخفاء الحقد عليه  قال تعالى  :« قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ».

( ب ) ما بعد الإلقاء في الجب :

 ويشتمل على إظهار الحزن والبكاء على يوسف ، وإخفاء السرور ، قال تعالى «وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ».

 

3 ـ الاتهــــام :

          ويشتمل كيد اخوة يوسف على اتهام الذئب بقتل يوسف ، قال تعالى :« قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ».

4 ـ الدليــــل :

        وهو القميص ، الذي لطخه اخوة يوسف بدم كذب.« ووَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ».

          إنَّ كيد أخوة يوسف يكتنفه الإخفاء والإظهار ، فالتخطيط والتنفيذ والاتهام والتدليل كلها تمثل ظاهراً لا يمثل الحقيقة ، وتحيل إلى باطن يمثل الحقيقة. التي تمثل الوجه الأخر ، كما أنَّ إلقاء يوسف في الجب يشتمل في الوقت نفسه على إخفاء يوسف ، غير أنَّ إخراج يوسف من الجب يمثل إظهارا ، وكأنَّ حياة يوسف تمر بمراحل متعددة فما ان يخرج من كيد ، حتى يدخل في كيد آخر، إخفاء وإظهار بكيفيات متعددة.

الإظهار = إخراج يوسف من الجب

       وتتجلى مظاهر الإخفاء والإظهار على مستوى التركيب اللغوي على النحو التالي:

  

 

ومن الجدير بالذكر أنَّ الكيد وتنفيذه يقودان يوسف من مرحلة إلى أخرى ، وكأنه ينتقل من كيد إلى كيد آخر.

الكيد الثاني :

          أما الكيد الثاني فإنه يلتقي مع الكيد الأول في كونه كيد شر ، وإذا كان أخوة يوسف قد خططوا للتخلص منه وإبعاده عنهم ، فإنَّ امرأة العزيز قد خططت هي الأخرى من أجل التواصل مع يوسف ، كما أنَّ هذا الكيد تبعث على تحقيقه دوافع امرأة العزيز وهي دوافع الإعجاب والانبهار بشخصية يوسف وكمال جماله.

ويتم تحقيق الكيد وفق المراحل التالية :

1 ـ التخطيـــط :

          بمعنى أنَّ امرأة العزيز قد خططت لتحقيق التواصل مع يوسف ، ويدل على ذلك عملية التنفيذ التي عرض لها القرآن الكريم.

2 ـ التنفيــــذ :

          إن تنفيذ الكيد الأول لا يشترط في تحقيقه رغبة الكائد والذي وقع عليه الكيد ، ولذلك تمكن اخوة يوسف من إلقاء يوسف في الجب. أما مع امرأة العزيز فإنَّ تنفيذ الكيد لا يتحقق تماماً إلا بتوافق رغبة امرأة العزيز ورغبة يوسف عليه السلام. ولذلك كان الطرف الفاعل في هذه القضية المرأة ، والذي يقع عليه الفعل هو يوسف ، الذي يعيق تحقيق هذه الرغبة بالامتناع. قال تعالى :« وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ».

          ويظهر أنَّ المراودة قد شابها قدر من امتلاك الأخر بالقهر ، بدليل تخلص يوسف باستباقها إلى الباب« وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ».

3 ـ الاتهـــام :

          وكما أنَّ كيد اخوة يوسف قد اشتمل على إزاحة التهمة عن الجاني إلى غيره ، أي إزاحة تهمة الإخفاء من اخوة يوسف إلى الذئب ، فإنَّ امرأة العزيز تزيح تهمة المراودة عن نفسها وتسقطها على يوسف نفسه ، «قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ».

4 ـ الدليـــــل :

          لقد كان قميص يوسف عليه السلام دليلاً في كيد أخوة يوسف ، حين لطخوا القميص بدم كذب ، واتهموا الذئب في قتله ، وفي هذا الكيد يتحول قميص يوسف المقدود إلى دليل براءة يوسف ، وعلى الرغم من أنَّ قميص يوسف في الكيد الأول يستخدم دليلاً بالدم دون إشارة إلى تمزيقه ، لأنَّ الآية القرآنية لم تعرض لتمزيق القميص ، فإنَّ القميص في كيد امرأة العزيز يكون مقدوداً ، ويتحدد تمزيقه من الخلف لتأكيد براءة يوسف. « قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ».

       إنَّ كيد امرأة العزيز تكتنفه هو الأخر أبعاد الإخفاء والإظهار،فإنَّ التخطيط والتنفيذ والاتهام كلها تظهر شيئاً ، وتخفي خلافه.

الإظهار : الشهادة ببراءة يوسف :ـ

ولقد تأكدت براءة يوسف من خلال ثلاثة طرق :

1-  الشاهد الذي أرسى قواعد الاتهام والبراءة في الموقع الذي تحدد فيه تمزيق القميص ،«  وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ  »

2-  العزيز نفسه الذي برأ يوسف حين رأى قميص يوسف مقدوداً من دبر. وأكد أنَّ هذا من كيدهن « فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ».

3-  لوحة تأكيد البراءة من خلال نسوة المدينة. واعتراف امرأة العزيز بمراودتها إياه وإصرارها على ذلك ، وتكرارها« وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ».

   وإذا كانت براءة يوسف تحققت من خلال إظهار الحق.. فإنَّ يوسف يقع في إخفاء أخر وهو السجن ، ولكنه يختلف عن إخفاء غيابة الجب ، لأنَّ الإخفاء في غيابة الجب إجباري أُكره يوسف عليه ، أما السجن فإنه إخفاء اختياري ، كان أحب إليه من ارتكاب الكبيرة.

 

الكيد الثالث :

          وتتجلى مظاهر الإخفاء والإظهار في كيد يوسف لاخوته ، فلقد عرف يوسف أخوته وهم له منكرون، وكان لدى يوسف دافع خطط له ونفذه ، وكان يهدف إلى رأب الصدع مع اخوته وان يحقق التواصل مع أسرته كاملة.ومر كيد يوسف بالمراحل التالية :

1 ـ التخطيط :

          وتتجلى ملامح التخطيط من خلال مراحل التنفيذ.

2 ـ التنفيـــذ :

       - المرحلة الأولى : منع الكيل ، ومنع الكيل فيه إخفاء وإظهار ، إذ اشترط يوسف أنَّ الكيل لا يتم إلا بحضور شقيقه ، وقد تضمن ذلك إخفاء بضاعتهم في رحالهم.

       - المرحلة الثانية : الاتهام بالسرقة ، بعد أنْ دبر أمر وضع السقاية في رحل أخيه.

3 ـ الاتهـــام :

          لقد اتهم يوسف اخوته بالسرقة« فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ، قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ، قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ».

4 ـ الدليـــل :

          إخراج السقاية من رحل أخيه« فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ».

 

5 ـ الإخفاء :

           استرقاق أخيه ، وهو ظاهر له باطن. لأنَّ العبودية لم تتحقق ، اصلاً ليقود الإخفاء هنا إلى إظهار.

تأملات في أنماط الكيد :

          إنَّ يعقوب وأسرته يعيشان في البادية« وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ» وتتحدث الآيات القرآنية الكريمة عن مكان عيش هذه الأسرة وتتجلى في ملامح عديدة منها قوله تعالى« يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ » ويرتع له دلالته الرعوية التي تحدد ملامح السكنى في البادية ، إضافة إلى البئر الذي القي فيه يوسف ، ويمكن أنْ نضيف إلى ذلك أنَّ الرؤيا كانت تتنفس في المناخ نفسه ، لأنَّ البادية مكان مفتوح وممتد ، ومن هنا كان للذئب دور في الاتهام ، كما أنَّ مظاهر الكون تتجلى بشكل أكثر وضوحا والتصاقا من المدينة ، ولذلك كانت رؤيا يوسف ذات طبيعة كونية ، كواكب وشمس وقمر. ومن الجدير بالذكر أنَّ مجتمع البادية يتجلى التفاضل على أتساس الكم« ونحن عصبة » كما تتجلى فيه بعض ملامح القوة والقسوة ، لدرجة تذكر بحديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من بدا جفا ، ولذلك كانت بدائل التخلص من يوسف : القتل والطرح في الأرض ، أو الإلقاء في الجب ، وكان البديل الأول هو القتل ، فضلا عن دال تلطيخ قميص يوسف بدم كذب.

          أما الكيد الثاني فإنه يقع في المدينة ، فامرأة العزيز تسكن المدينة ، وللمدينة ملامحها في السكنى ، وفي العلاقات الاجتماعية مع نساء أخريات« نسوة المدينة » وأول ما يبده الذهن أنَّ التفاضل في المدينة بخلاف البادية يتأسس على العقل والفعل ، وأن مجتمع المدينة يتحدد وجوده بمساحات محدودة ، وأبواب تغلق ، وينتقل فيه الكيد من الفعل الإنساني القائم على الحدة والقسوة في الإيثار ـ كما هو الحال مع أخوة يوسف ـ إلى الاحتيال والتخطيط المسبق في تحقيق التواصل العاطفي ـ حال امرأة العزيز ـ وإذا كان الكيد الأول يتنفس في مكان مفتوح على الطبيعة ، تتجلى فيه المفردات الدالة عليها ويتأسس على : القتل والطرح أرضا أو الإلقاء في الجب ، فإنَّ الكيدين الثاني والثالث يتنفسان في مناخ المدينة ، ومن ثم فإنَّ طبيعة الكيدين تقودان إلى السجن حقيقة  والاسترقاق ظاهرا ، أي سجن يوسف ، واسترقاق يوسف لأخيه في ظاهر الأمر.

          إنَّ أنماط الكيد المتعددة تمتد من حيث حدوثها زمنياً امتداداً أفقياً :

كيد أخوة يوسف   ــــــ   كيد امرأة العزيز   ـــــــ   كيد يوسف لأخوته

ويمثل كل كيد مرحلة مهمة من حياة يوسف ، إذ يمثل الموقع المكاني والزماني لكيد أخوة يوسف المرحلة الأولى من حياته وسط أسرته وأهله ، وبالخروج من هذا الكيد يقوده إلى الوقوع في كيد آخر يكتنفه موقع مكاني وزماني آخر في بيت العزيز وكيد امرأته.ولما كان الكيد الأول قد أوقع يوسف في الجب فإنَّ الكيد الثاني قد أوقع يوسف في السجن.

          أما الكيد الثالث فإنه يمثل مرحلة أخرى تمثل امتلاك يوسف سلطة واحتلاله مكانة  ويختلف الكيد هنا ، فبعد أن كان الكيدان الأول والثاني يمثلان الشر ويدفعان إلى التفريق لا التجميع فإنَّ الكيد الثالث إنما هو خير ، ويبعث إلى التجميع.

إنَّ الكيد بأنواعه الثلاثة يشترك في خصائص متكررة ، وهي :

          وتمثل شخصية يوسف محوراً مركزياً ترتكز عليه مقومات الكيد ، منفعلاً في الكيدين الأول والثاني ، وفاعلاً في الكيد الثالث ، ومن الجدير بالذكر أنَّ هناك جماعة تسهم في فعل الكيد أو تتحدث عنه أو تؤثر أو تتأثر به ، ففي الكيدين الأول والثالث يمثل أخوة يوسف طرفاً أساسياً في الكيد فاعلين أو منفعلين ، وهم عصبة ، جماعة ذكور وعلاقتهم بيوسف علاقة قرابة ، أما في الكيد الثاني فإنَّ الجماعة تتمثل في جماعة إناث« نسوة المدينة » ولا تربطهن بيوسف علاقة قرابة.

          ويمثل الدم عنصرا جوهرياً وأساسياً في الكيدين الأول والثاني ، إذ يستخدم الدم ـ في الكيد الأول ـ وسيلة إيهام في تلطيخ قميص يوسف ، ويؤدي هذا الدور أخوة يوسف ، غير أنَّ الدم يتأتى ـ في الكيد الثاني ـ بسبب انبهار نسوة المدينة من جمال يوسف ، فيقطعن أيديهن ، إنَّ الدم الذي لطخ به قميص يوسف كان دماً كذباً ، وكان وسيلة للإيهام ، أما دماء نسوة المدينة فهو دم حقيقي جاء نتيجة فعل انبهاري بسبب جمال يوسف.

     بقي أن أشير إلى أنَّ هناك علاقة إزاحة وإحلال في الكيدين الأول والثاني ، على النحو التالي :    

-   إزاحة يوسف وإحلال الأخوة أنفسهم محله وسبب الإزاحة الحسد والغيرة، ويعمد أخوة يوسف لتحقيق الإزاحة والإحلال بالمحرم «القتل / من الكبائر ».

-   إزاحة امرأة العزيز زوجها وإحلال يوسف محله ، سبب الإزاحة الفتنة بالجمال  وتسعى امرأة العزيز لتحقيق الإزاحة والإحلال بالمحرم« الزنا / من الكبائر ».

 

المكــــــــــان

         

          ويمثل المكان بعداً أساسياً يحس به الإنسان ويؤثر في وجوده وكينونته ، وإنَّ إحساس الإنسان بالمكان أسبق من إحساسه بالزمان ، غير أنَّ إدراكه للمكان يقترن بأبعاد حسية مادية ، في حين يقترن إحساسه بالزمان بأبعاد ذهنية شعورية.

          ويمكن التحدث عن نمطين من المكان : المكان المفتوح كالصحراء ، والمكان المغلق كالبيت ، وفي كلا البعدين يتفاعل الإنسان بكيفيات متفاوتة ، وفي قصة يوسف هناك ثلاثة أمكنة لا بد من التوقف عندها وهي : الجب ، وبيت العزيز ، والسجن.

          والجب مكان مغلق منخفض في الأرض ، وتحيط المخلوق الداخل فيه جدران مرتفعة ، وليس له من اتصال بالعالم الخارجي ، سوى تلك الكوة التي تقع في الأعلى  ويمكن الإشارة ـ هنا ـ إلى الفوقية التي تمثل النور والحياة والتواصل ، والسفلية التي تمثل العتمة والظلمة والإحاطة ، ولا ريب أنَّ يوسف قد القي في الجب مكرها في مرحلة طفولته ، فهل يمكن التحدث عن علاقة رمزية بين المكان« الجب » والنبي في المرحلة الأولى من حياته ، وهي مرحلة تتميز بالبساطة وان النبي لم تكتمل بعد مراحل نضجه ، إذ يتلقى النبي يوسف الرؤيا ـ في هذه المرحلة ـ ولكنه لا يعرف تأويلها ، ومن هنا حذره أبوه ، وطلب منه أن يكتمها عن أخوته ، كما أنَّ الاجتباء والتمكن من تأويل الأحاديث جاء في مراحل لاحقة ، وهي مراحل البلوغ والنضج. ولذا كان الجب وهو مكان سفلي في الأرض يعبر عن ترميز يتناغم مع مرحلة طفولة النبي ، صحيح أنَّ هذه المرحلة لا تخلو من إحاطة جسد النبي بالماء ، وهو مصدر كل حي ، وقد يكون الحديث عن الماء ترميزا يمد النبي بالوعي والمعرفة.

          إذن فالجب مكان مغلق يدل على مرحلة مهمة من مراحل حياة يوسف ، إذ ينتقل فيه من الحرية إلى العبودية في بيت العزيز ، وفي هذه المرحلة يكتمل نضجه ، وتتجلى ملامح رجولته ، وبخاصة الجسدية ، وإذا كان البيت يعبر عن الاستقرار والأمن والاطمئنان فإنَّ تغليق الأبواب محاطا بنوايا سيئة ودعوات لفعل مريب تجعل البيت هنا مكانا خانقا  وأكثر قسوة وعنفا من الجب ، ولعل في تأكيد الآيات القرآنية على الصيغة اللغوية« وغلّقت » الأبواب تأكيد لهذا المعنى ، وإحكام وإحاطة وشمول.

          إنَّ يوسف في مرحلة الجب في حالة استسلام لتأدية الفعل ، استسلام لإخوته الذين ألقوه في الجب ، واستسلام لمن أخرجوه منه ، ولكنه في بيت العزيز ـ وبخاصة في لحظة المراودة ـ يتجاوز الاستسلام ، إذ يهرب من ارتكاب المحرم ، بمعنى أنَّ إرادته الواعية تسهم في اختيار الفعل وتنفيذه ، ومن ثم تقرر اختيار السجن وهو مرحلة تالية من مراحل حياة يوسف.

وإذا كان الجب ينطوي على كوة علوية تصل الكائن بالعالم الخارجي ، فإنَّ بيت العزيز ـ في لحظة المراودة ـ والسجن يمثلان مكانا مغلقا منقطعا عن العالم الخارجي ، إذ تحيط النبي جدران بيت العزيز ، وتتحول من كونها سياجاً للأمن والاستقرار إلى جدران تبعث على الضياع والتلاشي ، ومما يزيد من وطأة الإحساس بهذه المعاني تغليق الأبواب ، في بيت العزيز والسجن.

          إنَّ بيت العزيز يمثل مرحلة مهمة في حياة يوسف ، إذ تدل على الاكتمال والنضج  صحيح أنَّ الآيات تشير إلى اكتمال رجولته ، ولكنها في الوقت نفسه تتضمن معاني الفعل المقترن بالإرادة في اختيار الحق واجتناب الباطل. أما السجن فهو المكان الذي يكتمل فيه وعي النبي ، وكأنه مكان ينعزل فيه عن الدنيا معتكفاً ومتأملاً ، ومما يؤكد أنَّ النبي يوسف قد اكتمل وعيه ونضجه في هذه المرحلة تأويله للرؤى المتعددة فضلاً عن دعوته لتعريف صاحبيه في السجن بالأرباب المتفرقة والرب الواحد الأحد ، ومن الجدير بالذكر أنَّ النبي يشرع في الدعوة إلى ديانته قبل الشروع في تأويل رؤيتي صاحبيه.

          إنَّ المكان هنا ليس محايداً ، بل هو ممتزجٌ بحالة النبي ومعبرٌ عن مراحل تطوره الجسدية والذهنية والروحية.

 

 

القميـــــص

 

          ويحتل قميص يوسف موقعاً خاصاً في سياق القصة ، ويعبر عن دلالات متعددة  إذ يمثل دالاً تتعدد دلالاته ، ويقترن بصفة مرافقة ، تسهم في تحديد دلالته.

1 ـ القميص السليم + الدماء الكاذبة :

وهو الدال الأول ، حين جاء أخوة يوسف بقميصه ملطخاً بدماء كاذبة للبرهنة على أنَّ الذئب قد أكل يوسف ، وهو دال يعبر عن الكيد الذي دبره أخوة يوسف.

2 ـ القميص السليم + رائحة يوسف :

وهذا الدال يكون سبباً للشفاء ، ولذا كان القميص سليماً ورافقته رائحة يوسف التي تسهم في تحديد دلالة الشفاء.

3 ـ القميص + التمزيق :

ودلالة القميص الممزق لها بعدان : اتهام يوسف بالمراودة أو العكس ، غير أن تحديد موقع التمزيق يحدد إن كان يؤسف متهماً أو بريئاً.

الخصائص الأسلوبية للسياق الذي ورد فيه القميص :

وتتـوزع عـلى النحـو التـالي :

أولا : القميص + ضمير الغائب ( الهاء ) ويرد هذا الأسلوب خمس مرات :

1-  « وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ».

2-  « وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ».

3-  « قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ».

4-  «    وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ».

5-    « فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ  ».

ثانيا : القميص + ضمير المتكلم ( الياء )

«   اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ »

وجاء التركيب الأسلوبي متفاوتاً ، فحين يكون القميص سليماً فإنه يأتي مسبوقاً بحرف الجر :

وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ

 اذْهَبُوا بِقَمِيصِي

وحين كان القميص ممزقاً ففيه حالتان :

الأولى : حالة الشك والسعي نحو التثبت :

          الجملة شرطية تعتمد الفعل الناقص كان :

 « إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِين

  وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ  »

إن هاتين الآيتين تتماثلان من حيث البنية العميقة ، ولكنهما تختلفان من حيث الدلالة بسبب التغير في الكلمات :

قبل/ دبر

صدقت/كذبت

الصادقين /الكاذبين

الثانية : التيقن : يكون التركيب على النحو التالي :

فعل تام ماض + الفاعل ( ضمير مستتر ) + المفعول به

وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ

فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ.

 

 

 

الوحدة الفنية

في سورة العاديات

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ،  فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ، فَأَثَرْنَ نَقْعًا ، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا بِهِ ، إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود ٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد ، أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور ِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور ِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ.

                                                                  

          تتكون السورة الكريمة من ثلاثة مقاطع وخاتمة ، على الرغم من وحدتها المتكاملة والمنسجمة التي تعرض جملة من المشاهد في الحياة والنفس والمعاد. وأفردت السورة الكريمة لكل مشهد منها عدداً من الآيات يكوّن المقاطع التي أشرنا إليها ، ويمتاز كل واحد منها بميزاته الفنية الملائمة لطبيعة المشهد المعروض ، وهو يتباين مع بقية المشاهد ويلتقي معها في آن ، ولقاؤه في كونه لبنةً أساسيةً في بناء السورة الكريمة في عرض المشاهد الحياتية والأخروية المتكاملة ، وتباينه في أنَّ كل واحد منها يعرض مشكلة عميقة شغلت العقل البشري ردحاً طويلاً من الزمن وما تزال.

 

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ،  فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ، فَأَثَرْنَ نَقْعًا ، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا بِهِ

 

           هذا هو المقطع الأول من السورة الكريمة الذي يعرض مشهداً من مشاهد الحياة الصاخبة المليئة بالحركة والتنامي ، من أجل العيش مرةً ، ومن أجل السيطرة والاستيلاء مرةً أخرى ، ومن أجل نشر فضيلة أو ردّ ظلم أو جور مرةً ثالثة. وقد دقق في اختيار الزمن بل الوقت ، وهو الصباح ، وعلى وجه التدقيق الزمن الذي بدأت فيه الأشياء والأجسام بوضوح من خلال ظلمة الليل المتبددة ، بعد أنْ انتشرت خيوط الفجر « فالمغيراتِ صُبحاً » هكذا يبتدئ المقطع بمشهد حياتي فيه وقت الصباح بداية لحياة يوم جديد ، أما لماذا اختير وقت الصباح ؟! ألأنه تنفس الحياة بيوم جديد وسعي الناس وتكالبهم من أجل إشباع النهم المادي البخس ؟ أم أنه الغزو ؟ وإنْ كان غزواً فإنه يصدق لتحقيق طموح الإنسان لإشباع هذا النهم المرعب ، إذ اعتادت العرب الغزو مبكرة مع الصباح لتنال من أعدائها النصر..بل لتنال إشباع جوعها المادي والنفسي على صعيد اللقمة والثأر.

          والغزو يتم بحركة سريعة خاطفة من خيول سريعة العدو «والعادياتِ » وقد امتطاها فرسان يغذونها السير وهي جادة فيه حتى أمكنك سماع ضباحها وهو ما تسمعه« من أفواهها صوتاً ليس بصهيل ولا حمحمة »  أو هو« تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء » وحوافر الخيل تصك الأرض الترابية المليئة بالحصى فيحدث فيها أمران: غبار كثيف يلف الجو مما يعيد له شيئاً من ظلمته المبددة تارة، ويؤدي 

من ثم ، إلى اختفاء الخيول فيه تارة أخرى ، والأمر الثاني حدوث شرر من وقع حوافر الخيل على الأرض الترابية التي تناثر فيها الحصى.

          وفي هذا الصخب الهائل من سرعة عدو الخيل وضباح أصواتها ، وظلمة الجو بغبار كثيف ، ووميض الحجر من حوافر الخيل له... تبدأ معركة الحياة التي تتجدد كل يوم لإشباع الجوعين المادي والنفسي حيث تحتدم الخيول مع أخريات لتدور المعركة الطاحنة من أجل أهداف الإنسان التي يصبو لتحقيقها مهما اختلفت وتعددت وتباينت.

          وأود أنْ أشير إلى تكرار الفاء في هذا المقطع بالذات وهو« حرف عطف يكون للترتيب والتعقيب... بلا مهلة » حيث يتمم المشهد الواقعي لاستمرارية الحركة ووجودها على الدوام بالترتيب والتعقيب المنسجم دون مهلة مع تدفق المشهد وإعادته من

جديد ، وكأنه شاهد على استمرارها في كل العصور والأزمان ، حيث يتكرر مشهد الخيول الغازية المتدفقة ، ويتكرر مشهد تعالي الغبار الكثيف وقدح الشرر، ويبدو أنَّ الخيول لم تكن حشداً واحداً ولكنها مجموعات متتابعة ، ما إنْ تصل هذه وتذهب حتى تعود الأخرى ليتجدد المشهد وتتواصل الحركة السابقة ، ثم تبدأ المجموعة التالية من حيث انتهت الأولى وهكذا في حركة مستديمة من أجل الصراع على الحياة وإشباع الجوع.

           هذا على صعيد المشهد الحسي ، أما على صعيد الإيقاع فأمر آخر لا يقل أهمية  بل يتمم المشهد ويزيد من روعته ، والمقطع في السورة الكريمة يتميز بفقراته القصيرات المكونة من كلمتين ، وهي تمتاز بشدة الإيقاع وتوازنه ، حتى إننا نجد الموازنة تكاد تكون تامة بين الألفاظ : العاديات ، والموريات ، والمغيرات ، وضبحاً ، ونقعاً ، وجمعاً.

 كما أنَّ الآية الكريمة مساوية للأخرى في الوزن :

 والعاديا / ت ضبحا

 مستفعلن  فعولن

 فالموريا / ت قدحا

 مستفعلن  فعولن

 

          وهذا الوزن« مستفعلن فعولن » هو مجزوء الرجز ، والرجز اشتداد في الموسيقى وسرعة في ضرباتها وحركتها الصاخبة الوثابة ، ويكثر استعمال الرجز في مثل هذه المواقف لملاءمته لها وانسجامه معها ، وهذا يتلاءم مع طبيعة المشهد ليتم الانسجام. كما أنَّ الآية الكريمة قد استغنت بلفظة « به » في« فأثرن به نقعاً فوسطن به جمعاً » استغنت بهذه اللفظة عن أخرى غيرها أو أخريات فيما لو حاولنا حذفها ، كما أنَّ المأتي به لا يحقق النغم الموسيقي الملائم للمشهد الحسي والصورة المتحركة ، ولو حذفنا لفظة« به » ما استطعنا لاختلاف الوزن والإيقاع الموسيقي في الآية ولأصبحت هكذا« فأثرن نقعاً فوسطن جمعاً » وقد لاحظت الصوت النشاز الذي صدم مشاعرك بمجرد حذف هذه اللفظة ، والأمر كذلك إنْ حاولنا وضع أخرى محلها أو أخريات ، وكأنَّ هذه اللفظة لا يصلح غيرها محلها.

           إنَّ ما تختم به الآيات الكريمات في هذا المقطع أي الفاصلة ، وهي اللفظة الثانية في الآيات الثلاث الأولى ، والثالثة في الآيتين الأخيرتين.. هو الحاء والتنوين ، ضبحاً  وقدحاً ، وصبحاً ، والعين والتنوين ، نقعاً ، وجمعاً ، وهذه الألفاظ تهب الآيات إيقاعا فنياً متفرداً ورنيناً موسيقياً ، وروعته بما فيه من حركة الخيول ، وضباح الأصوات وقدح الأرض.. إنه صوت صاخب متزن ومتساوق مع الإيقاع الكلي للسورة بشكل منتظم بتوالي الحركات والسكنات. وتساوق الإيقاع هذا ينفذ تأثيره إلى الأعماق عبر السمع في صور متعددة يرافقه انفعال نفسي وآثار جسمية خاصة ، وقد اثبت علماء النفس الموسيقي

ما للإيقاع الموسيقى من أثر في الإنسان وعقله الباطن ومن ثم في سلوكه.

          وحين نقرأ« والعادياتِ ضبحاً » يظهر الإيقاع الترنمي ، ويختفي الإيقاع الترنمي الآخر من الآية الكريمة التالية« فالمورياتِ قدحاً » وكأنَّ ضربات الإيقاع موجات ماء القي فيه حجر ، ما انْ تنتهي هذه الموجه حتى تأتي الأخرى بتعاقب وانسجام دقيقين..أو كعامل مطرقة هوى على سندانه بتوازن زمني محدد فتحدث مطرقته رنيناً يمتزج مع الأول الذي ما زال مستمراً ، ومما يدل على تمازج الأصوات في المعركة مجيء التنوين المتبوع بالفاء لتحصل عملية الإخفاء المعروفة في اللغة :

 والعاديات ضبحن ن ن ن فالمور...

 فالموريات قدحن ن ن ن فالمغيـ...

 فالمغيرات صبحن ن ن ن فأثر....

 وكذا الأمر مع الآيتين الأخريين

 فأثرن به نقعن ن ن ن فوسطن....

 فوسطن به جمعا...

       واستمرار الإيقاع النغمي يتلاءم كل التلاؤم مع طبيعة المشهد الحسي بحركته الوثابة المجسمة التي صورها لنا المقطع في سرعة وتكرار للمشاهد.

          والملاحظة العامة في هذا المقطع في السورة الكريمة خشونة وفرقعة وطبل متناسق متزن ، وكأنك تقفز وتركض مع طبل موسيقاها الرتيب العالي ، وعلى الرغم من هذا فليس في هذا النغم أي خلل أو قطع يخدش السمع فضلاً عن أنه منسجم مع طبيعة العرض

الذي يتطلبه مقطع السورة من حث للخيول الراكضة الضابحة وقدحها للأرض بحوافرها وتعالي الغبار الكثيف الذي يلف الجو.

 

إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود ٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد

           يعرض هذا المقطع جملة من الحقائق العامة المسلم بصدقها باعتراف الإنسان نفسه  وفيه عرض لنفسية الإنسان إزاء الخالق الكريم ، وهو عرض يوضح حقيقتها ، وقيمتها ، هذه النفسية المادية الجشعة التي يمكنها أنْ تتسامى من الحضيض المادي إلى أسمى غايات الكمال الإنساني ، والمقطع يعرض صورة هيكلية للإنسان النوع بجحوده وكفره لبارئه الكريم على الرغم من إقراره بذلك ، واعترافه بصفته هذه ، وتكالبه على حب الخير.

           وينتقل المقطع من الحركات الجسدية والحسية إلى الانفعالات العميقة الضاربة في أعماق الإنسان ، وفيه من المصارحة والكشف عن مجاهل النفس البشرية المعقدة التركيب والمعقدة الجوانب وعرضها بفكر عميق وأسلوب سهل لا تعقيد فيه.

           وتختلف الآيات في هذا المقطع عن الذي سبقه في الصورة الأدبية والنغم الموسيقي ، ويلاحظ ذلك بيناً في المفردات المستعملة في الآيات ، ففي حين تكون الآيات في المقطع الأول من السورة الكريمة آيات قصيرة تتكون من كلمتين ، تمتاز بسرعة الإيقاع وضرباته المتتالية نجدها في هذا المقطع تزداد طولاً ونفساً ، وينتقل التعبير من جو حسي تتجسد فيه الصورة الفنية حية يقظة وثابة إلى جوٍ مناجياً النفس وداعياً للتأمل ، وتبرز ظاهرة التجرد بوضوح في هذه المشاهد الوجدانية ، وكأنَّ طول الآية جاء طبيعياً ليدع للإنسان وقتاً أطول للتأمل والتفكير.

          كان هذا المقطع انتقالا« من مشهد واقعي من مشاهد الحياة إلى التأمل في نفسية الإنسان ومن الصورة الحسية النابضة إلى التأمل الباطني والتفكير النفسي ، ومن الصور الحسية إلى الحقائق المجردة النفسية » ، ويمتاز المقطع بأنه« أطول نفساً وأكثر مدوداً وكأنه يشير بمدوده إلى التأمل الطويل والهدوء النفسي ، وتختلف كلمة الفاصلة في هذا القسم اختلافاً كبيراً في جرسـها الموسيقي عن فاصلة القسم الأول «كنود شهيد ، شديد».

           وتنتهي الآيات بهذه الفاصلة الموزونة التي تحمل إيقاعاً خاصاً يكون خاتمة النغم الموسيقي ، وهو تكرار للمشهد الذي وصفناه في المقطع الأول بموجات الماء الذي ألقي فيه حجر ، وسندان العامل الهاوي عليها طرقاً ، إلا إنها موجات وطرق من نوع آخر يتخذ إيقاعا أطول وأبطأ في الوقت نفسه، ويتحول الصوت من الصخب والقرع إلى رنين ودندنة تنسجم كل الانسجام مع طبيعة العرض المطلوب ، من مناجاة للنفس ودعوة للتأمل ، إنه هدوء وانسجام تنفذ ألفاظه بأنغامها وإيقاعها إلى الأعماق وبإمكاننا تلمس هذا الهدوء والانسياب إذا رتلنا الآيات الكريمات بصوت منخفض مهموس نطيل فيه الواو والياء في تلفظنا« كنود ، شهيد ، شديد ».

 

أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور ِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور

          هذا المقطع نقلة مفاجئة للتفكير الإنساني من واقع الحياة والنفس إلى عالم آخر غريب مجهول ، وضعت الإنسان بما فيه من طموح وغرور وتكبر على محك المحاسبة العسيرة ، والغرابة في صخب هذه النقلة المفاجئة التي تشير من بعيد إلى نتائج وثمار البعثرة والتحصيل التي تتفاوت اطراداً مع نسبة التلقي الإلهي والتنفيذ ، إذ إنَّ العلاقة بين الإنسان الفرد والخالق هي علاقة تلق يتبعها تنفيذ ، وفي ضوء ذلك تتفاوت الثمار بعد البعثرة الكونية الشاملة والتحصيل القسري لمكنونات النفس البشرية.

           وبعد أنْ مرت السورة بمرحلة اللهاث والصراع من أجل إشباع الجوع الإنساني  ومرحلة عرض الحقائق الإنسانية العامة بأسلوب نفسي هادئ.. تعود السورة الكريمة إلى الحركة والصخب..وهي حركة مدهشة ومذهلة.. ومشاهد مروعة ، إنها حركة انقلاب دائم وتغير مستمر يشل عقل الإنسان ويتركه فاغراً فاه.

           ويعرض المقطع بصورة إيحائية خاصة للموت ، وهو سر ملغز وحقيقة واقعة وضرورة كلية من ضروريات الكون والوجود والحياة ، ومعرفتنا به محدودة ليس في وجوده ولكن في تحديد ماهيته وكشف مجاهيله ، وهذا عائد لافتقارنا لتجربة حية للموت  إذ يكتنفه الغموض ، ومن عاش تجربة الموت هذه تعذر علينا سماع رأيه فيه ، لأنه قد مات ، ويبدو من خلال آثارها أنها تجربة فيها من النـزع ما يؤذي الإنسان ويسقمه ، ناهيك ما في مجرد التفكير فيها من أثر على الإنسان الفرد. والناس إزاء الموت ثلاثة أصناف :

           منهم من لا يعرف الموت ولا يشعر به ، لكنه سيقع يوما تحت طائلته.. ولعله شمل بقوله تعالى« خَتمَ الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غِشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيم » وصنف لا يرى فيه لغزاً بل حدثا طارئاً لأنه يراه في حدود حياته الحسية المادية
« إنْ هي إلاّ
حياتُنا الدنيا نموتُ ونحيا وما نحن بمبعوثين » وصنف قد يدرك الموت ويشعر به، وربما يحلل بعض ألغازه ، وهم قلة، منهم الاشراقيون والروحانيون والزهاد والمفكرون.

           والمشهد يتصل ببعثرة القبور التي وصف ساكنيها الإمام علي «ذهبوا في الأرض

ضلالاً، وذهبتم في أعقابهم جهالاً ، تطأون في هامهم، وتستثبتون في أجسادهم ، وترتعون

فيما لفظوا » وما أكثر القبور منذ أنْ جاء الله بالخليقة إلى يومنا هذا ، هذه القبور الدارسة والمالئة الرحب بمجرد إشارة تتبعثر ، والبعثرة عملية تفريق وتبديد وقلب الشيء بعضه على بعض  ، إنَّ لفظة «بعثر » تتميز بإيقاعها الخاص وما فيها من حروف ، الباء الانفجاري ، والعين التي تأتي من آخر الحلق ، والثاء الثقيلة ، والراء التي يرتطم اللسان عند النطق بها بالحنك الأعلى عدة مرات ، فاستخدام هذه اللفظة بجرسها الخاص وفي هذا المشهد بالذات أعطى للصورة مشهداً أعنف.. وكأنَّ ارتطام اللسان بالحنك الأعلى عدة مرات يؤدي صورة لتكرار مشهد البعثرة.

          وهذا التحصيل« وحُصّل ما في الصدور » الذي يحدث بصورة فيها قسر وإكراه  والذي يلفت النظر وجود ثلاث صادات ، الصاد المشددة في حُصّل وصاد الصدور.. تعطينا إيقاعا يوحي بعملية التحصيل القسري لدخائل الإنسان ، ثم انَّ الآيتين تنتهيان بصوت طويل بنغمه وإيقاعه« قبور ، صدور » وهذا شيء طبيعي يصور الإنسان فاغراً فاه أمام مشهد من البعثرة الهائلة والتحصيل القسري لخفايا الإنسان التي عمل المستحيل من أجل إخفائها ، والمرء بطبيعته يميل كلامه إلى اللين والمد في حالات الدهشة والاستغراب  ولذا جاءت« قبور ، وصدور » بهذا الشكل من المد.        

          إنَّ السورة الكريمة بمقاطعها الثلاثة مشاهد مروعة ومفزعة من حركة الحياة الصاخبة والصراع فيها من أجل العيش إلى وضع الإنسان أمام حقيقته وقيمته سواء أكان أمام خالقه أم الوجود أم موقفه من عناصر الحياة المتعددة ، ومنها الخير الذي يتكالب عليه الإنسان.. إلى المشاهد المروعة المفزعة ، مشهد بعثرة القبور الحسي والتحصيل القسري لخفايا الإنسان ودخائله ، كل هذه المشاهد سحق لتفكير الإنسان وشد لمشاعره ، حيث تضع الإنسان في دوامة غريبة من التفكير يعيش فيها تائهاً متخبطاً.

إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ.

 

          وتأتي الخاتمة لتأخذ بيده لتنقله من محيطه الجاهلي إلى حياة النور.. إلى شاطئ الأمان« إنَّ ربهم بهم يومئذ لخبير » وتوكيد هذه الحقيقة ظاهر بأن واللام المقترنة بالخبر«لخبير » توكيد من الله سبحانه وتعالى على صعيدي العقل وبناء الآية اللفظي ، وفي هذه الآية حقيقة مهمة مؤداها : إننا حين تمر بنا مشكلة أو تلم بنا مصيبة لا نجد طريقا غير الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى ، ولكننا على الرغم من هذا نتأفف ونـزفر الآهات  ووجود هاءين متقاربتين في الآية توحي لنا بتهدئة النفس بعد الترويح المخيف المتعب للذهن بصورته وصخبه الممزق ، ويبدو أنَّ الهاءين جاءتا لينفث الإنسان قليلاً من زفيره وتأوهاته  يضاف إلى هذا وجود ثلاثة ميمات في الآية الكريمة تساعد على إدخال الدفء إلى الجو النفسي المضطرب بحفيفها وغنتها الهادئة ، وتنقل الإنسان فكرياً ونفسياً إلى حيث تطمئن نفسه.

           ويتجلى في السورة الكريمة عنصر« القوة » بما سخر الله للإنسان من دواب ونبات.. والبيئة التي يعيشها الإنسان تراباً كانت أم حجراً قوة أخرى..والإنسان بحد ذاته قوة خارقة للعادة !! قوة بجسده..وقوة بنفسه.. وقوة بعقله وتفكيره.

           وهذه القوة على تعددها وتباين أنواعها« نعمة » وضعت في خدمة الإنسان لغاية نبيلة أرادها الله له ، تخدمه وتحقق له سعادته وبإمكان الإنسان استغلال هذه القوة في غير ما أريد لها فتتحول من غايتها المبتغاة، وتتحول من ثم وسائل العمل لها فتنقلب إلى «نقمة»..وبتحول النعمة إلى نقمة تتحول الوسيلة إلى خسارة للفرد وخسارة للمجتمع.

           والسورة الكريمة تعرض مظاهر متكافئة من القوة« النعمة » التي غيرها الإنسان إلى« نقمة »  لاختلاف الغايات التي حددت لها وسائل أخرى أرادها الإنسان له... فالصراع المادي من أجل الحياة هو نتيجة طبيعية لمجموعة من القوى« النقمة » والصراع النفسي من أجل إشباع الجوع فحسب نتيجة أخرى لمجموعة ثانية من القوى « النقمة».

           وهذان الصراعان المادي والنفسي برغم عظمهما وكبرهما بما يستندان عليه من القوى الضخمة ذرة تائهة في تقدير الله.. لأنَّ النتيجة الطبيعية لهذه القوى« النعمة النقمة» نهاية لها ، نهاية للوجود والكون والحياة.. بالبعث.. والبعث نعمة ونقمة في الوقت نفسه.

           هذا على صعيد القوة« النعمة » و« النقمة » أما على صعيد الوحدة فالوحدة في القرآن شكل من أشكال الوحدة في الكون والوجود والحياة ، والسورة الكاملة وحدة متكاملة تضافرت فيها عوامل عدة منها

 عناصر مادية وحسية..

 عناصر نفسية..

مشاهد غيبية..

 إحاطة وشمول لكل هذه العناصر وبضمنها الإنسان القوة الخارقة للعادة !!

          والفصل بين العناصر المتضافرة ليس مستحيلاً ولكنه يفضي إلى ضرب من التيه الفكري فهي أما أنْ تؤخذ جملة أو تترك جملة.. لأنَّ الاستعاضة بإحداها دون الأخريات يحولها من« نعمة » إلى « نقمة » ويمزق وحدتها ويفقدها قيمتها.

           إنَّ فكرة « السلب » متوافرة في السورة الكريمة ، سلب على الصعيد المادي في الغزو ، وسلب على صعيد النفس بكنود الإنسان وحبه للخير.. وسلب في النتيجة التي يصل اليها الإنسان بعد البعث ماديا ونفسيا.

           وعناصر« القوة » و« النعمة » و« النقمة » و« الوحدة » و«السلب » مهما تفاوتت فإنها تلتقي في حقيقة واحدة لأنها تستقي من منبع واحد ، ومهما قيل فيها فإنها تدور حول حقيقة واحدة هي الله.

 

 

 

الأنــا والآخــر

والامتــلاء والخــواء

في شعـر حسان بن ثابت الإسلامي

  

لا ريب أن الإنسان يصدر عن موقف ما، سواء أكان بسيطاً أم عميقاً وإن الأدباء يتميزون بحساسية مرهفة وقدرة على ضبط الانفعال وإمكان السيطرة على اللغة، الأمر الذي يجعلهم أكثر وعياً مما يؤهلهم أن يكون موقفهم أكثر نضجاً وفاعلية.

وكان الشعر في الجاهلية يصدر عن أحد موقفين؛ انحياز لقبيلة يتبنى مفاهيمها ومواقفها، ويدافع عنها ظالمة أو مظلومة، أو انحياز لذاته ليعبر من ثم عن قلقه وتمرده ومعاناته الفردية، وقد يجمع الشاعر الواحد هذين البعدين فينحاز إلى قبيلته من ناحية وينحاز لذاته ومعاناته من ناحية ثانية، وإن كان الغالب انفصال هذين البعدين، فلقد عبر امرؤ القيس وطرفة بن العبد عن نزعات فردية عابثة وقلق وجودي خاص ونزعات إباحية متمردة، ما يضعها في إطار التجارب الشعرية الذاتية التي تعلى من (الأنا) وتقلل كثيراً من التعبير عن الجماعة الـ(نحن).

وينسرب ذلك إلى لغة الشعر، فإن شاعراً مثل عمرو بن كلثوم، وهو زعيم قبيلة، ومنحاز إليها كلياً، يطغى على لغته الشعرية ضمير الجماعة بحيث تحولت معلقته إلى نشيد لمآثر القبيلة وأمجادها، حيث يقول:

أبـا هـند فلا تعجل علينا                    وأنـظـرنا نـخـبرك الـيـقينا

بأنا نورد الرايات بيضاً                               ونصدرهن حمراً قد روينا

أما طرفة بن العبد فلقد كان منفرداً عن قبيلته، ويرفضه وينأى عنه أبناء القبيلة، بسبب نزعته الذاتية الموغلة في التمرد وتجاوز المألوف، ولتعبيره عن تجربة عابثة، الأمر الذي جعله منصرفاً إلى قضاياه الذاتية الخاصة وتأملاته المعرفية في الحياة والموت، ويظهر أن قلق الشاعر إزاء الموت وتأمله إياه قد دفعاه إلى موقفه العابث، فلقد ولد طرفة يتيماً، أي انه عانى من فاجعة الموت وهو حدث فساء ظنه بحكمة الحياة والموت، ولاحظ أن قبور الناس تتماثل بعد الموت فلا فرق بين قبري الكريم والبخيل ما دام الموت نهاية المرحلة فيقول:

أرى قـبـر نـحـام بـخـيل بـمـاله            كـقبر غوي في البطالة مفسد

ترى جثوتين من تراب عليهما                                صفائح صم من صفيح منضد

إن هناك علاقة بين الحياة والزمن والموت، فالحياة لدى طرفة تمثل كنزاً تعتريه حوادث الزمان بالنقصان، أي ان حركة الزمن تعبث بالحياة، وهذا الإحساس يدفع إلى استغلال الكنز قبل فنائه.

وحين جاء الإسلام قدم ايديولوجية شاملة تفسر للإنسان الكون والمجتمع، وتقدم حلولاً جذرية شاملة للقضايا والمعضلات التي تؤرق الإنسان ووجدانه، فلقد نقلت العقيدة الإسلامية المجتمع من التعدد إلى التوحد، والإنتقال من تعدد الرؤى والأرباب إلى توحد في رؤية ورب واحد، والانتقال من التعدد العرقي والقبلي إلى التوحد في أمة، وتجاوزت العقيدة الإسلامية الاطروحات التي تمايز الناس على أساس العرق واللون إلى التمايز على أساس العمل (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وأسست الايديولوجية الإسلامية معالم التفكير الجمالي والأدبي على أسس ومعايير مغايرة ويمكن تأمل ذلك كله من خلال الآيات القرآنية الكريمة التي تعرضت لإرساء مفهوم للأدب والفن، والآيات هي مجموعتان:

المجموعة الأولى: آيات قرآنية تدافع عن الرسول والرسالة وتنفي عنهما صفة الشعر:

1.     (وما علـّـمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) يس 69.

2.     (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) الأنبياء 5.

3.     (ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) الصافات 36.

4.     (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) الطور 30.

5.     (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) الحاقة 41.

المجموعة الثانية: آيات قرآنية تؤسس مفهوماً جديداً للشعر:

(والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء 224، 225، 226، 227.

فالآيات الكريمة في المجموعة الأولى كانت في موضوع دفاع، فهي تنفي عن الرسول (ص) صفة الشعر، وتنفي عن القرآن الكريم أن يكون شعراً، ومن الجدير بالذكر أن بعض الآيات جاورت بين الشعر من ناحية، والافتراء وأضغاث الأحلام والجنون من ناحية ثانية، والأخيرات لا يقدمن معرفة يقينية وليس هناك من تطابق لها مع الواقع.

وتمايز الآيات الكريمة في المجموعة الثانية بين الشاعر الصالح والشاعر الطالح، فالأول: ملتزم بتعاليم الإسلام، وقادر على التعبير عنها فنياً من غير ازدواج بين التصورات الفكرية والأداء الفني، والثاني: لا يؤدي هذا الدور، وقد قلل القرآن الكريم من شأنه وأهميته وكونه مصدر غواية انه يقول ما لا يفعل، وهذا من شأنه أن يدل على رفض لنمط من التعبير، وتبن لنمط آخر. ويؤكد من ناحية أخرى ان القرآن الكريم له موقف خاص من الشعر واضح الملامح والأبعاد بخلاف التصور الذي يتبناه الدكتور عبد القادر القط الذي يرى فيه: ان القرآن الكريم لم يصدر حكماً بعينه على الشعر ولم يتخذ منه موقفاً خاصاً.

ويحدد الرسول الأعظم (ص) الخصائص الشكلية للشعر ويحدد له في الوقت نفسه القيمة الفنية والمعرفية فالشعر: كلام، فمن الكلام خبيث وطيب، والشعر كلام مؤلف، فما وافق الحق فهو حسن، وما لم يوافق الحق فلا خير فيه. وهذا يعني أن الأديب لا يعيش بمعزل عن عصره وواقعه الاجتماعي، إذ يعيش صراعاً محتدماً بين قوى متعارضة أقل ما يقال عنها أنها قوى الشر والخير، ويشارك الأديب في شؤونه وواقعه ومجتمعه، و لابد أن تكون المشاركة فاعلة ونابعة عن وعي تام، بمعنى أنه يحمل رؤية لعصره وان له رسالة، ولسنا نسعى إلى إسقاط مفهوم معاصر على التصور الإسلامي فإن مصطلح الالتزام قد وفد إلينا من الآخر وظهر كما يقول ماكس اديريث: نتيجة لتأثير الايديولوجيات الحديثة على الأدب. أقول إن هذا المصطلح الوافد يشتمل على مفهوم في جوهره انحياز الأديب إلى فكرة أو ايديولوجية بحيث يعيد على حد تعبير ماكس اديريث فحص موقفه نقدياً من العالم ومسؤوليته نحو الآخرين، وعلى الرغم من إنني لا أحبذ استيراد المصطلحات لمجرد حداثتها، أو لمجرد التباهي باستخدامها، تماماً كما إنني لا أحبذ استيراد المناهج وتطبيقها آلياً، لإيماني بأن المصطلح الذي نستورده والمنهج الذي نطبقه لا يخلو في جوهره من مضمون فكري وايديولوجي معين، لأنه ليس كياناً معلقاً في فراغ، إنما هو جزء من بناء أشمل وتصور أعم، وحين يتم استخدامه في مناخ آخر وبيئة ثقافية أخرى يبقى محافظاً على بعض خصائصه الايديولوجية، ولكن هذا لا يعني أن نظل مغلقين على أنفسنا فنعيش عقدة رفض الآخر، تماماً كما يعيش الآخرون عقدة الارتماء في أحضانه وإنما نحاول الاستفادة من روح المنهج وجوهر المصطلح، بحيث تكون لنا مصطلحاتنا ومناهجنا، أو نحاول السير في هذا الطريق.

وفي ضوء هذا الفهم أعتقد أن هناك نمطاً من الانحياز يتجلى واضحاً في التصور الإسلامي، يدعو إلى تبني مفاهيم ومضامين وتشكيلات لغوية معينة تخدم مفهوماً ما، ربما يقترب قليلاً أو كثيراً من المفهوم الذي نتداوله اليوم كالالتزام، وإني حين أترك أمر حسم مصطلح محدود لهذا الانحياز آمل أن يكون فاتحة لنقاش وجدل يؤسس لمفاهيم مماثلة في تراثنا الإسلامي.

بقي أن نشير إلى بعض المعضلات المصاحبة وهي:

أولا: واجه انحياز الأديب خاصة في صدر الإسلام معضلة العلاقة بين الفني والايديولوجي فأدرك بعض الشعراء والمنظرون للأدب أن الأدب من منظور إسلامي إنما يعلي من جمالية المضمون على جمالية الشكل، الأمر الذي يقود إلى الفصل بينهما بشكل حاد، مما يشوه ماهية النص وطبيعته ووظائفه وجماليته.

ثانياً: إن الفصل بين الايديولوجي والفني يعني أن الأديب لا يقدم نصاً أدبياً وإنما يقدم مضموناً فكرياً يزينه ببعض القوالب الفنية، وهذا يعني ان الايديولوجية تكون متحكمة بالفني، ويتحول النص إلى مجرد تقرير مما يقود إلى إصدار أحكام بالغة القسوة على التجربة في بعديها النظري والتطبيقي على السواء، على الرغم من إيماني أن التجربة التطبيقية كانت فاشلة إلى حد كبير، وكان الشعراء كحسان بن ثابت وغيره من الشعراء قد فهموا التصور فهماً آلياً ميكانيكياً، وجاوروا بين المضمون الإسلامي وشكلية الأداء الجاهلي.

ثالثاً: إصدار أحكام خاطئة عن الدرس الأدبي فلقد وقع في الخلط كثير من الدارسين أخص هنا أدونيس الذي نظر إلى التجربة الشعرية بوصفها تجريباً قام به شعراء، بمعنى انه زواج بين الإسلام وتاريخ المسلمين وزواج بين التصور النظري للفن والأدب وقصائد الشعراء كحسان وكعب، ولا ريب ان هناك فرقاً شاسعاً وبوناً كبيراً بين الإسلام وتاريخ المسلمين، والتصور النظري للأدب وتجارب الشعراء.

رابعاً: التأكيد على التصور النظري لمفهوم الأدب من منظور إسلامي لم يطوره المسلمون وبخاصة في المراحل الأولى من تاريخ الإسلام، إذ عاد الإبداع الجاهلي وتأسيساته النظرية طاغية، ونسي المسلمون في جملة ما نسوه - وهو كثير – الأصول النظرية للأدب وضرورة تطويرها وشرعوا في العودة إلى ما قبل الإسلام فيما يخص الإبداع الشعري، وأصبح النص الشعري الجاهلي الغاية والمعيار، ولعل العودة لم تقتصر على الشعر بل تجاوزته إلى مفاهيم وتصورات وأنماط سلوكية عديدة لا مجال لذكرها هنا.

خامساً: لم تتمكن التجربة الشعرية في صدر الإسلام من كسر حدة الغنائية على الرغم من ان القصيدة تحولت نسبياً نحو الانحياز المذهبي والسياسي وتضمنت مفاهيم فكرية معينة.

 

      وقد أدرك حسان بن ثابت أنَّ هناك تغيراً فكرياً وحضارياً أحدثه الإسلام ، وأن هناك تغيراً في الواقع الاجتماعي تأسس عليه ، وكان لا بدَّ أن يتخذ موقفاً من هذين التغيرين المتلازمين ، فانحاز لهما على حساب ثوابت الرؤى الجاهلية ، إذن فهو صاحب موقف على مستوى الاعتقاد ، وهو منحاز إلى رؤية محددة المعالم والملامح.

      وقد أثار شعر حسان من البداية معضلة العلاقة بين الأيديولوجي والفني ، ولذا فنحن إزاء مفهومين : الإلزام ، والالتزام ، أما الإلزام فإنه يفصل بين الفني والأيديولوجي  ويجعل الأيديولوجية متحكمة في الفني ، أي أنَّ الأيديولوجية تتحكم في العمل الفني من الخارج ، وأما الالتزام فإنَّ الأيديولوجية « يجب أن تنبع من ذات الفنان وأن تكون جزء اً لا يتجزأ من شخصيته » بمعنى أنَّ هناك جدلاً وتفاعلاً بين الأيديولوجي والفني ، بحيث يكون الأيديولوجي والفني وجهين لعملة واحدة ، ولا يوجد أحدهما إلاّ بحضور الآخر.

ويثير ديوان حسان بن ثابت اشكالات عديدة ، منها ما يتصل بتاريخية النص الشعري ، من حيث نسبته إليه ، ووضعه عليه ، ومنها ما يتصل بخصائص القدسية التي أضفيت على الشاعر الذي قدمه الرسول مدافعاً عن العقيدة بقصائده الشعرية التي تضارع

السهام في القتال ، إن لم تكن أكثر فتكاً منها ، حتى إنَّ الرسول قال مخاطباً إياه بأن روح القدس تشاركه الفعل أو معه في هجاء أعداء الدين. ومن الاشكالات التي تعترض الدارس أيضاً ما إذا كان النص الشعري الذي أبدعه حسان بن ثابت نصاً شعرياً جديداً تنسرب في ثناياه روح الإسلام شكلاً ومضموناً ، أو أنه عانى ازدواجية في الإبداع الأدبي ، بمعنى أنه قدم مضامينه الإسلامية في ثياب جاهلية.

       إنَّ ديوان حسان بن ثابت كثر فيه الوضع ، ويدل على ذلك موقف ابن سلام الجمحي ، الذي أدرك أثر العوامل السياسية والقبلية في وضع الشعر ، ويعي أنَّ قريشاً قد وضعت على حسان بن ثابت قصائد عديدة لم يقلها ، لدرجة يصف ذلك بأنه « قد حمل عليه ما لم يحمل على أحد ، لما تعاضهت واستتب، وضعوا عليه أشعاراً كثيرة لاتنقى»   كما أن دارسين معاصرين ينحون المنحى نفسه ، ولعل مما يؤكد ذلك التفاوت الواضح في الأداء الفني لقصائد حسان بن ثابت التي وردت في ديوانه ، مما تبعث على الاعتقاد بأن شعره قد وقع فيه وضع كثير ، ولذا ينبغي على دارس ديوانه أن يتحرز كثيرا في درسه كي لا يجاور بين الأصيل والموضوع ، ومما لاشك فيه أنَّ هناك قصائد صحت نسبتها إليه  ومنها قصيدتان ومطلع الأولى   :

 

تَبَلَتْ فؤادكَ في المنامِ خَريدةٌ

 

تسقي الضجيعَ بباردٍ بسامِ

 

ومطلع   الثانية  :

 

 عفت ذات الأصابع فالجواء

 

إلي عذراء منـزلها خلاء  

 

ويمكن لهاتين القصيدتين أن تضيئا جانباً من الإبداع الشعري لحسان بن ثابت ، وبخاصة أنَّ إحداهما قيلت بعد معركة بدر ، والأخرى قيلت بعد فتح مكة ، فهما تواكبان تطور نمو الرسالة في الفكر والواقع ، وتؤرخان للحدث وللفن على السواء.

 

 

 

القصيـــدة الأولــى

 

 

تَبَلَتْ فؤادكَ في المنامِ خَريدةٌ

 

تسقي الضجيعَ بباردٍ بسامِ

 

ويمكن تأمل هذه القصيدة في ضوء ثلاث دوائر متلاحقة ، وتحكمها جميعا العلاقة المتغيرة بين «الأنا والآخر » ففي الأبيات من 1 ـ 7 يمثل الأنا الشاعر ويقابله الآخر المحبوبة ، والأبيات من 8 ـ 10 يمثل الشاعر الأنا ويقابله الآخر العاذلة ، والمقطع الأخير من 11 إلى آخر القصيدة يمثله الأنا الشاعر ويقابله الشاعر الآخر والـ « نحن » المسلمة والـ « هم » المشركة.

المقطع الأول :

 

 

1- تَبَلَتْ فؤادكَ في المنامِ خَريدةٌ

 

تسقي الضجيعَ بباردٍ بسامِ

 

2- كالمسكِ تخِلطُهُ بماءِ سحابةٍ

 

أو عاتقٍ كدمِ الذبيحِ مُدامِ

 

3- نُفُجُ الحقيبةِ بَوصها متنضَّدُ

 

بلهاءُ غيرُ وشيكةِ الأقسامِ

 

4- بُنيتْ على قَطَنٍ أجمَّ كأنه

 

فُضُلا إذا قعدتْ مَداك رُخام

 

5- وتكاد تكسل أن تجيءَ فراشَها

 

في لِين خَرعبةٍ وحُسن قَوامِ

 

6- أما النهارُ فلا أفتِّرُ ذكرَها

 

والليل تُوزعني بها أحلامي

 

7- أقسمتُ أنساها وأترك ذكرها

 

حتى تُغيَّب في الضريح عظامي

 

      ويتجلى في المقطع الأول حسان بن ثابت بوصفه : مذكراً عاشقاً شاعراً منهزماً  فجمال المحبوبة أسقم الشاعر قلباً وجسداً ، لأنها تبلته ، أو أنها ذهبت بلبه وعقله، وتقابله المحبوبة المؤنثة الجميلة المنتصرة فهي تمثل الطرف الفاعل في حين يمثل الشاعر الطرف المنفعل ومن الجدير بالذكر أنَّ الشاعر يقابل بين سقم فؤاده وبهاء محبوبته ، وانَّ فعل السقم أوقعته هذه الفتنة ، بمعنى أنَّ جمال المحبوبة علة سقم الشاعر، وتؤدي المحبوبة دوراً مزدوجاً : سلبياً وإيجابيا ، ويتوزع هذان الدوران في زمني الماضي والحاضر ، « في شطري البيت الأول» إذ يقع السقم في الزمن الماضي ، الذي لا تزال آثاره مستمرة ، وإذا كان الشاعر يواجه المتلقي بأحد شقي دوره المزدوج ـ أقصد التعارض القائم بين خصائص الجمال الذي تتميز به المحبوبة وأثرها السلبي على فؤاد الشاعر بإحداث السقم فيه ـ فإنَّ الجانب الإيجابي يختفي فيه التعارض إلى تلاحم جسدي ، إذ يوحي الفعل المضارع «تسقي» والمفعول « الضجيع » بفعل يمكن وصفه بخاصية شبقية ، بما يشتمل عليه السقي من إشباع وآراء الظامئ ، صحيح أنَّ نسبة الارواء تتم عبر الفم ورضابه الذي يوصف هو الآخر بالفتنة والبهاء ، وكناية عن فعل جنسي تام.

      ومن الجدير بالإشارة أنَّ التركيب النحوي يتمايز في ضوء الدور المزدوج الذي أشرت إليه ، فعلى الرغم من أنَّ كلا البعدين يبدأ بفعل هو الماضي « تبلت » في الأول  والمضارع « يسقي » في الثاني ، غير أنَّ الفاعل ـ في الصدر ـ يتأخر عن الفعل والمفعول ويفصل بين المفعول والفاعل فاصل هو شبه الجملة « في المنام » وإذا كان الفعل والمفعول حاضرين فإنَّ الفاعل لا يدل عليه إلاّ وصفها «خريدة » وهي الفتاة الحسناء الجميلة  ونؤكد هنا دلالة البكر التي لم تفترع بعد ، ويتكون التركيب النحوي على النحو التالي:

فعل + مفعول به + جار ومجرور + فاعل.

إن تقديم الفعل وكون الجملة فعلية يعني تكرار الحدث وإمكانية زواله ، غير أنَّ التباعد بين الفاعل والمفعول به يدل على مستوى التركيب عدم تلاحمهما ، وحين ننتقل إلى العجز نلاحظ تمايزاً جديراً بالتنويه ، إذ يتم ترتيب التركيب النحوي بحيث تكون الجملة مكونة من :

فعل + فاعل مستتر + مفعول به + جار ومجرور + صفة.

      إنَّ الفاعل هنا مستتر ، وهو متجاور على مستوى التركيب مع المفعول به ، فكأنَّ التركيب النحوي يدل بالتجاور على مشاطرة الفعل ، لأنَّ الشطر لا يدل على التفاعل  في حين يشتمل العجز على ذلك.

      ومن الملاحظ أنَّ الشاعر في كلا الموقفين كان معرفة إما بإضافة الضمير إلى كاف الخطاب ، وهو يقصد نفسه على نحو التجريد ، وفي الثانية معرف بأل « الضجيع » غير أنَّ المحبوبة في كلا الموقفين نكرة كما في قوله «خريدة » أو فتاة خريدة ، وكونها ضميراً  وعلى الرغم من كون الضمير أحد المعارف ، فإنه هنا مستتر.

ويمكن استكمال التصور بمتابعة عروضية ، إذ يتميز الشطر بتفعيلاته التامة :

تبلت فؤادك في المنام خريدة

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

في حين اشتمل العجز على تفعيلتن مضمرتين ، أي تحول الثاني المتحرك إلي ساكن :

تسقي الضجيع ببارد بسام

مستفعلن متفاعلن مستفعل

وكأنَّ الجانب العروضي يسهم هو الآخر في الإشارة إلى هذا التمايز لتدل التفعيلة التامة على تناغم مع طبيعة الموقف الذي أسقم فؤاد الشاعر ، في حين تسهم التفعيلة المضمرة على تحقيق رضا الشاعر في الموقف ، أعني التفعيلة التي كثر فيها الساكن بسبب الإضمار.

      أما البيت الثاني فيعمد فيه الشاعر إلى التفصيل في تشبيه هذا البارد البسام، ويتكئ على أداة التشبيه «الكاف » مرتين ، كالمسك ، وكدم ، ومن الجدير بالذكر أنَّ الشاعر يعتمد هنا المقومات الحسية الشمية في المسك ، والذوقية في عذوبة ماء السحابة ، والبصرية في لون الخمرة ، التي تشبه دم الذبيح ، ولعل في هذه الحمرة ودم الذبيح ما يوحي بالعلاقة الجسدية بين الشاعر ومحبوبته البكر التي لم تفترع من قبل.

      إنَّ الشاعر يجمع بين الفتاة الشابة والخمر القديمة المعتقة ، وليس في هذا تعارض  لأنَّ الشاعر يجمع بين نضارة الفتاة ونضارة الخمرة ، فإنَّ نضارة الأولى بحداثتها، ونضارة الثانية بقدمها،. وقد تدل الخمرة على خاصية البكورة والعذرية ، فلقد ألح الشاعر العربي على تشبيه الخمر بالعذراء ، وإذا كان الوجدان العربي يميل إلى البكر فلعل لون الخمرة التي شبهها بدم الذبيح توحي بافتراع الخمرة ، وكناية عن افتراع العذراء أيضا.وعلى الرغم من أنَّ هذا الجمع بين هذه الألوان يوحي في مذاقنا المعاصر نشازاً فإنه يحقق قدراً من انتصار المزهو الذي ترافقه إراقة الدماء ، أو الإيحاء بإراقتها.

      ولم يقتصر الشاعر على ذلك بل انتقل إلى وصف أردافها « نفج الحقيبة» ، وإذا كانت الحقيبة ما يردفه الراكب وراءه ، والنفج هي المرتفعة فإنه يشير إلى أردافها المتنضدة التي يعلو بعضها بعضاً ، إنَّ مثال الجمال عند العرب يميل إلى المرأة المكتنـزة ، وهذا ما يؤكده حسان أيضا ً، وهو يواصل وصفه لهذه الملامح الحسية للجمال، إذ ينتقل من الأعلى متمثلا بالثغر إلى الأسفل نحو الأرداف ، ويتحدث عن اكتناز هذه المنطقة من الجسد ونعومتها ، بحيث تغيب العظام وسط امتلاء اللحم « بنيت على قطن ».

      وإذا كان للشاعر حضور في البيت الأول ، منفعلاً وفاعلاً ، وتشاطره المحبوبة في ذلك ، فاعلة ومنفعلة ، فإنها تستأثر بالحضور في الأبيات 2 ـ 5 ، ويغيب فيها الشاعر  ليظهرا معا في البيتين :

 

 

6- أما النهارُ فلا أفتِّرُ ذكرَها

 

والليل تُوزعني بها أحلامي

 

7- أقسمتُ أنساها وأترك ذكرها

 

حتى تُغيَّب في الضريح عظامي

 

      وفي هذا الجزء يستدعي حسان بن ثابت الأنا التي تكاد تختفي في الأبيات السابقة  وقد كان حضورها هنا مكثفاً عبر اقترانها بأفعال مضارعة ، منها فعلان مضعفان« أفتَّر » « تغيّب » وهما يفيدان المبالغة والتكثير ، وعقد الشاعر جملة من المقابلات مستعملا أسلوب التعارض : الليل / النهار ، أفتر / توزع ، ذكر / أحلام ، فيحض الشاعر « أناه » للدخول في مواجهة تداعيات تمثلت في الزمن ، وهو زمن مقترن بمعاناة على المستويين المادي والمعنوي ، ويتمثل المادي في المعاناة الجسدية في الإرهاق الذي أصاب الشاعر بسبب الذكرى ، وتمثل الثاني في معاناة داخلية شعورية تتحد فيها صورة المحبوبة بالطيف أو بالحلم ، وهو زمن كما يبدو زمنا مغلقا ، يبدأ بالنهار لينتهي بالليل ، وقد دل هنا على نـزعة تدميرية ، وقد أسقط الشاعر حرف النفي في قوله « أقسمتُ أنساها وأترك ذكرها » فاكتسب البيت معنى الحركة والصيرورة ، فكأنَّ المحبوبة أسطورة ملكت عليه الزمن والحس والوجدان.

أما المقطع الثاني :

 

8- يا من لعاذلةٍ تلومُ سفاهةً

 

ولقد عصيتُ إلي الهوى لُوَّامي

 

9- بكرتْ اليَّ بسُحرةٍ بعد الكرى

 

وتقاربٍ من حادث الأيام

 

10- زعمت بأن المرءَ يُكربُ عمره

 

عُدْمٌ لمعتكرٍ من الاصرام

 

11- إنْ كنتِ كاذبةَ الذي حدثتني

 

فنجوتِ منجى الحارث بن هشام

 

 

      فهو على الرغم من كونه امتداداً للوحدة السابقة فإنَّ مجرى الحديث يتغير ، وتحل صورة المرأة العاذلة محل الحبيبة ، وقد استهل هذا المقطع بأسلوب إنشائي ندائي ولكنه لم يستعمل للنداء فحسب ، وإنما في قالب تعجبي استنكاري ، فكأنَّ الشاعر يتعجب من فعل هذه العاذلة ، التي عذلته في حب برحه.

      وتتبدى في هذا المقطع ثنائية الأنا والآخر ، وهي لا تختلف عن سابقتها إلا في موقف أحد طرفيها من الآخر ، : مذكر في مواجهة المؤنث ، غير أنَّ الأنا تبدو هنا متمردة في وجه الآخر « العاذلة » ، ولكنه تمرد سلبي ، ومهما يكن فهو انتقال من الهزيمة إلى حالة الرفض والمواجهة.ويتبدى ذلك في الأقل على مستوى المفردات : وصف الآخر بالسفاهة  وعصيت إلى الهوى لوامي.

      ويحاول حسان بعد مقدمته الغزلية طرق موضوعه ، إذ يعقد مقارنة بين تفكيره  وهو محب عاشق ، وتفكير العاذلة ، ولعلها الزوجة ، فبينما يرى الشاعر أنَّ الحياة مأساة تتجلى في الحزن ووفاء العاشق ترى العاذلة أنَّ الحياة جهد ومعاناة وفقر.

أما المقطع الأخير :

 

12- ترك الأحبةَ أنْ يقاتل دونهم

 

ونجا برأس طِمِرَّةٍ ولجام

 

13- جرواءَ تمزعُ في الغبار كأنها

 

سرحانُ غابٍ في ظلال غَمامِ

 

14- تذرُ العناجيج الجياد بقفرةٍ

 

مرَّ الدَّموك بمحصدٍ ورجامِ

 

15- ملأت به الفرجين فارمدَّت به

 

وثوى أحبته بشرِّ مُقام

 

16- وبنو أبيه ورهطُهُ في معركٍ

 

نصرَ الإله به ذوو الإسلام

 

17- لولا الإله وجريُها لتركنه

 

جَزَرَ السباع ودسنه بحوامي

 

18- طَحنتْهُمُ والله ينفذُ أمرُه

 

حربٌ يُشبُّ سعيرُها بضرام

 

19- من كل ماسورٍ يُشدُّ صفادُهُ

 

صقرٍ إذا لاقى الكتيبة حامي

 

20- وَمُجَدَّلٍ لا يستجيبُ لدعوةٍ

 

حتى تزول شوامخ الأعلام

 

21- بالعار والذل المهين إذا رأوا

 

بيضَ السيوف ِتسوق كل همام

 

22- بيدي أغرّ إذا انتمى لم يخزهِ

 

نسبُ القصارِ سَميدعٍ مقدام

 

23- بيضٌ إذا لاقت حديداً صممتْ

 

كالبرق تحت ظلال كل غمام

 

24- ليسوا كيعمرَ حين يشتجر القنا

 

والخيل تضبُرُ تحت كل قَتام

 

25- فسلحت أنك من معاشر خانةٍ

 

سُلْحٍ إذا حضر القتال لئام

 

26- فدعْ المكارمَ إنَّ قومك أسرةٌ

 

من ولد شَجْعِ غير جدِّ كرام

 

27- من صُلب خِندِفَ ماجدٍ أعراقُهُ

 

تجلتْ به بيضاء ذاتُ تمام

 

28- وَمَرنَّحٍ فيه الأسنة شُرَّعاً

 

كالجفر غيرِ مقابلِ الأعمام

 

فيحافظ الشاعر على الثنائية لكنها تتحول من مذكر في مقابل المؤنث إلى مذكر يقابله مذكر ، وشاعر يقابله شاعر ، ومدني يقابله مكي ، ومؤمن يقابله مشرك ، وتتحول الأنا من الأنا المنهزمة أو المتمردة تمرداً سلبياً إلى الأنا المنتصرة أمام المنهزم الآخر ، كما تتحول الأنا الفردية لدى الشاعر إلى الأنا الجمعية من ضمير المفرد إلى ضمير الجمع المتكلم ، وهذا له دلالته أي الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام ، كما أنَّ الانتقال من ضمير المفرد إلى ضمير الجمع المتكلم تحتمه طبيعة سياق القصيدة حيث يهجو الشاعر الحارث بن هشام وجماعته  بحيث تصبح اللوحة مشتملة على الأنا / النحن في مواجهة الآخر / الجماعة ، أي جماعة في مقابلة جماعة أخرى.

 

مخطط بناء القصيدة :

1-   المقطع الأول : من البيت 1 إلى البيت 7 : وصف إيجابي للحبيبة يطغى فيه حضورها.

2-   المقطع الثاني : من البيت 8 إلى البيت 11 : تنازع الخطاب بين الأنا »الشاعر « والأنت » العاذلة «.

3-   المقطع الثالث : من البيت 12 إلى البيت 28 :

-    تعيير الحارث بن هشام.

-    وصف الخيل.

     -   سيطرة خطاب الجماعة.

مقطع هجائي تطغى فيه الحركة » حركة الخيل والحرب « وتتنازعه الأفعال والصفات بكثافة ، وتتخلله بعض المفردات الدينية الإسلامية النادرة ، وعددها خمس مفردات في أربعة أبيات ، وهي : الإله والإسلام في البيت 16 ، والإله في البيت 17 ، والله في البيت 18 ، ودعوة في البيت 20.

 

القصيــدة الثانيــة

 

      ويمكننا تأمل قصيدة حسان الثانية من خلال ثنائية الخواء والامتلاء ، إذ تتبدى تجربة الشاعر الفردية إزاء مثير خارجي » الطلل « ، إنَّ علاقة الشاعر بالطلل علاقة حسية تكتنفها التجربة الفردية ، وتتجلى ملامح الخواء في الزمان الحاضر المقفر ، ويعارضه الزمن الماضي المفعم باللقاء والحياة.

      إنَّ الشاعر يتأمل الزمن في الطلل ، وكأننا أمام نـزعة وجودية تنتاب الإنسان فهو وحيد منفرد يعزي نفسه إزاء الزمن الذي غير كل شيء. ويبدو الشاعر وقد ضاق ذرعا بذلك وأحس تأثير ذلك في الإنسان والحياة معا ، ومما يؤدي هذا الفعل » عفا « الذي يستهل به الشاعر قصيدته ، وكأنَّ البيت ينتهي بحركة دائرية تشبه الزمن المطلق ، تبدأ من حيث تنتهي ، بمعنى أنَّ الزمن يبدأ بالفناء » عفت « وتنتهي بفناء آخر«خلاء».

 

 

1ـ عَفَتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ

 

إلي عذراءَ منـزلُها خَلاءُ

 

 

          وينتقل الشاعر من ثم لجملة من المتقابلات تتبدى من خلالها مأساة الشاعر المتمثلة في الخواء ،إذ يستمر تأمل أثر الزمن وفعله التدميري الذي يطال كل شيء : ديار الحبيبة التي كانت رمزا للحياة والخصب والنماء ، فحولتها قدرية الزمن وعشوائيته إلى مجرد ربوع دارسة :

ذات الأصابع والجواء           =          عفت

ديار بني الحسحاس             =            قفر

منـزل الحبـيـب                   =          خلاء

      وتتجلى حدة المأساة في تفجع الشاعر من فعل الزمن ، وتصل المأساة ذروتها حين يتعارض زمانان متنتاقضان ، حاضرٌ مقترن بالخواء والإعفاء والدرس ،وماضٍ مقترن بالامتلاء والحركة والحياة ، غير أنَّ مأساة الشاعر تتجاوز كل شيء حين يلاحظ أنَّ الزمن يدمر كل شيء ، بما في ذلك الأشياء الحسنة، ولعله كان مستغرباً كيف يأتي الزمن على ديار بني الحسحاس الذين اشتهروا بالجود والكرم ، ليحول الزمن ديارهم إلى أطلال دارسة  ومن الجدير بالذكر بروز حرف السين بشكل جلي في هذا البيت :

 

2 ـ ديارٌ من بني الحسحاسِ قَفْرٌُ

 

تُعفِّيها الروامسُ والسماءُ

 

وكأنَّ هذا الحرف بخصائصه الصفيرية يعبر عن حركة الرياح وعصفها وآثار المطر عليها.

      وينتقل الشاعر من حالة الخواء إلى امتلاء تخيلي أول الأمر ، تمليه تداعيات وذكريات عديدة ، صحيح أنَّ الشاعر مهد لذلك بمؤثرات نفسية تنبيء عن مظاهر الخصب والنماء في البيت :

 

3 ـ وكانتْ لا يزالُ بها أنيسٌ

 

خلالَ مُروجها نَعَمٌ وشاءُ

 

التي تتبدى فيها دار الحبيبة في الحاضر تفيض بالخضرة وتشتمل على وجود الأنيس فضلا عن إبله وأنعامه التي ترعى المروج.

      أما البيت الشعري :

 

4 ـ فدع هذا ولكن من لِطيفٍ

 

يُؤرقني إذا ذهب العِشاءُ

 

فإنَّ الشاعر يحاول التخلص من الاستهلال الطللي عبر فعل أمر فيه نوع من الجبر والقسر فكأنه أراد العزوف عن تلك الأطلال ، للتوجه إلى الحبيبة ، وكأنَّ صورة الحبيبة حاضرة تدعوه إلى ذكرها ، فينـزع نحو وصفها، وقد اقترن ذلك بذكر ريقها ، مشبها إياه بالخمر ، وكلاهما وسيلة إنعاش وانتشاء ، إذ تمثل المرأة هذا البعد على المستوى الجسدي  والخمر تحققه على المستوى الروحي ، ويعمد الشاعر إلى التخلص عبر عنصر الخمرة إلى غرضه الأصلي ، فيقرن نشوة الخمرة بالبطولة متوسلا في ذلك بمعنيين للبطولة : سياسية وتوضحه لفظة » ملوك « وحربية وتحدده لفظة »أسْد«.

      ومن الجدير بالذكر أنَّ الشاعر قد انتقل من الخواء في الطلل إلى امتلاء تخيلي في استدعاء طيف الحبيبة ، وفي شرب الخمرة ، إنَّ استعادة طيف الحبيبة إنما هي عملية تخيلية لا تعبر عن حالة واقعية متيقنة ، فهي إذن محاولة امتلاء تخيلية تؤدي وظيفة تعويضية ، كما أنَّ الخمرة ، على الرغم من كونها تؤثر في وجدان الشاعر فإنها توهمه في مدى تأثيرها  فهي من هذه الناحية تحقق امتلاء تخيليا.

إنَّ الأبيات الشعرية من البيت الأول إلى العاشر وما تلاها في قوله:

 

 

1ـ عَفَتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ

 

إلي عذراءَ منـزلُها خَلاءُ

 

2 ـ ديارٌ من بني الحسحاسِ قَفْرٌُ

 

تُعفِّيها الروامسُ والسماءُ

 

3 ـ وكانتْ لا يزالُ بها أنيسٌ

 

خلالَ مُروجها نَعَمٌ وشاءُ

 

4 ـ فدع هذا ولكن من لِطيفٍ

 

يُؤرقني إذا ذهب العِشاءُ

 

5 ـ لشعثاءَ التي قد تيمته

 

فليس لقلبه منها شفاءُ

 

6 ـ كأنَّ سبيئةً من بيتِ رأسٍ

 

يكون مِزاجُها عسلٌ وماءُ

 

7 ـ على أنيابها أو طعمَ غَضٍّ

 

من التفاحِ هَصَّرَهُ الجَناءُ

 

8 ـ إذا ما الأشرباتُ ذُكرنَ يوماً

 

فهنَّ لِطَيِّبِ الراحِ الفداءُ

 

9 ـ نُولِّيها الملامةَ إن أَلَمنا

 

إذا ما كانَ مغثٌ أو لِحاءُ

 

10 ـ ونشربُها فتتركُنا ملوكاً

 

وأُسْداً ما ينهنهُنا اللقاءُ

 

11 ـ عدمنا خيلنا إن لم تروها

 

تثيرُ النقعَ موعدُها كَداءُ

 

12 ـ يبارين الأعنة مصعِداتٍ

 

على أكتافها الأسلُ الظماءُ

 

13 ـ تظل جيادنا مُتمطراتٍ

 

تُلَطَّمُهُنَّ بالخُمُرِ النساءُ

 

14 ـ فإما تُعرضوا عنا اعتمرنا

 

وكانَ الفتحُ وانكشفَ الغطاءُ

 

15 ـ وإلا فاصبروا لِجِلادِ يومٍ

 

يَعزُّ اللّه فيه من يشاءُ

 

16 ـ وجبريلٌ رسولُ اللّه فينا

 

وروحُ القُدُسِ ليسلهُ كفاءُ

 

17 ـ وقالَ اللّه قد أرسلتُ عبداً

 

يقولُ الحقَّ إن نفعَ البلاءُ

 

18 ـ شهدتُ بهِ فقوموا صدقوهُ

 

فقلتم لا نقومُ ولا نشاءُ

 

19 ـ وقالَ اللّه قد يسرتُ جُنداً

 

هُمُ الأنصارُ عرُضتُها اللقاءُ

 

20 ـ لَنا في كُل يومٍ من مَعَدٍّ

 

 سبابٌ أو قتالٌ أو هجاءُ

 

21 ـ فَنحكمُ بالقوافي من هَجانا

 

ونضربُ حينَ تختلطُ الدماءُ

 

22 ـ ألا أبلغ أبا سفيانَ عني

 

فأنتَ مُجوَّفٌ نخبٌ هواءُ

 

23 ـ بِأنَّ سيوفنا تركتَك عبداً

 

وعبدَ الدارِ سادتُها الإماءُ

 

24 ـ هجوتَ محمداً فأجبتُ عنهُ

 

وعندَ اللّه في ذاكَ الجزاءُ

 

25 ـ أتهجوهُ ولست لهُ بكفءٍ

 

فشركُما لخيركُما الفداءُ

 

26 ـ هجوتَ مباركاً براً حنيفاً

 

أمينَ اللّه شيمتهُ الوفاءُ

 

27 ـ فمن يهجو رسولَ اللّه منكم

 

ويمدحهُ وينصرهُ سواءُ

 

28 ـ فإن أبي ووالده وعرضي

 

لعرضِ مُحمدٍ منكم وقاءُ

 

29 ـ فإما تَثقفنَّ بنو لؤيٍ

 

جُذيمةَ إنَّ قَتلهُمُ شفاءُ

 

30 ـ أولئك معشرٌ نصروا علينا

 

ففي أظفارنا منهم دماءُ

 

31 ـ وحلفُ الحرث بن أبي ضرارٍ

 

وحلفُ قُريظةٍ منا براءُ

 

32 ـ لساني صارم لا عيبَ فيه

 

                                 وبجري لا تكدرهُ الدلاءُ

 

تؤكد تجربة الشاعر الفردية حيث الانتقال من الخواء إلى الامتلاء التخيلي ، ومن ثم تكون العلائق على النحو التالي :

الزمن الماضي : زمن التواصل

الزمن الحاضر : زمن الانفصام

 

الطلل                   =           خواء

الطيف                  =          امتلاء تخيلي

الخمرة                 =          امتلاء تخيلي

     

وتسير القصيدة في نسق تصاعدي تبعا للحالة النفسية للشاعر فمن الامتلاء التخيلي إلى حالة الامتلاء الحقيقي المتحقق في القسم الثاني ، إذ ينتقل للحديث عن جيش المسلمين الذي خاض معركة ظافرة ، إذن هناك انتقال من لوحة أولى تتوزعها مجموعة من اللوحات تمثل تجربة فردية حيث التعبير بضمير المفرد المتكلم ، إلى لوحة أخرى تمثل التجربة الجماعية حيث الحديث بضمير الجماعة ، فضلاً عن الانتقال من الحديث عن جوانب حسية في القسم الأول إلى حديث عن جوانب معنوية في القسم الثاني ، وعبر كل هذه الخطوات لم يتخل الشاعر عن استعمال المفردات الجاهلية إلا في المقطع الأخير حيث عمد إلى الابتعاد عن التشبيهات والاستعارات مما أدى إلى ضعف فني واضح تحولت في ضوئه القصيدة إلى نوع من النص الخطابي.

مخطط بناء القصيدة :

القسم الأول :

-   من البيت 1 إلى البيت 3 : وقوف على الطلل ـ ديار بني الحسحاس وحديث عن قفرها وخلائها.

-   من البيت 4 إلى البيت 5 : مقطع غزلي وصفي يتغير فيه مستوى الخطاب ويحيل إلى ضمير الأنا.

-   من البيت 6 إلى البيت 10 : حديث عن الخمرة ، صفاتها ومؤثراتها.

القسم الثاني :

-   من البيت 11 إلى البيت 13 : تعرض للخيل ووصف لها ، معجم حربي يسيطر على المقطع.

-   من البيت 14 إلى البيت 15 : مفاخرة ووعيد يتلون فيه الخطاب ليبرز الفتح الإسلامي.

-   من البيت 16 إلى البيت 21 : مقطع خطابي :

-    الثناء على جبريل.

-    مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

-    الاستشهاد بالمقدس.

-    من البيت 22 إلى البيت 32 : مقطع هجائي

-    دفاع عن الرسول ودعوته ودينه الجديد.

-    رد الهجاء ومفاخرة يغيب فيها البعد القبلي.

-    خطاب النحن الأمة بدلا عن القبيلة.

 

مخطط المعجم الشعري :

-    من البيت 1 إلى البيت 13: سيطرة المعجم الجاهلي والتقاليد الفنية الجاهلية.

-    من البيت 14 إلى بيٍت 32 :سيطرة الخطابية » لا شعر فيه« سيطرة المعجم الإسلامي.

وعدد المفردات 18 مفردة في 10 أبيات ، وهي : اعتمرنا والفتح في البيت 14 ، ويعز الله من يشاء في البيت 15 ، وجبريل رسول الله ، وروح القدس ، في البيت 16 ، و الله  وأرسلت عبدا ، ويقول الحق ، في البيت 17 ، وشهدت به ، وصدقوه ، في البيت 18  والله ، ويسرت جندا ،في البيت 19 ، و محمد ، والله ، والجزاء ، في البيت 24 ، وأمين الله ، في البيت 26 ، ورسول الله في البيت 27 ، ومحمد في البيت 28.

 

الشقاء/ الانفصام

 والسعادة / التواصل

في قصيدة البردة لكعب بن زهير

 

ينتمي كعب بن زهير إلى مدرسة الشعر الحولي المحكك ، وهي مدرسة أدبية ترجع في جذورها إلى أبيه زهير بن أبي سُلمى ، والى أوس بن حجر ، وهي تعنى بصياغة القصيدة وإعادة النظر فيها ، إذ ينظم الشاعر قصيدته في حول كامل ينقحها ويحككها ويثقفها
ولا ريب أنَّ
قصيدة كعب تتسم بخصائص التأنق في صناعتها ، وتقترن بزمن جاهلية الشاعر قبل إسلامه ، إلا أن هذا مفهوم سطحي ساذج ، لأنه يجعل الزمن متحكماً في تحديد ماهية الفني ، بمعنى أن قصيدة كعب بن زهير نظمت في زمن جاهلية الشاعر  والإسلام قائم في المدينة المنورة ، وقد نظمها الشاعر معتذراً من الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد أنْ أُهدر دمه.

وتتكون قصيدة كعب من ثلاث وحدات : الغزل ، ووصف الراحلة ، ومدح الرسول.

القسم الأول :

 

 

1 ـ بَانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ مَتبولُ

 

متيمٌ إثرها لم يُفْدَ مكبولُ

 

2 ـ وما سعادُ غداةَ البينِ إذ رحلوا

 

إلا أغنُ غضيضُ الطرفِ مكحولُ

 

3 ـ هيفاءُ مُقبلةً عجزاءُ مدبرةً

 

لا يشتكى قصرٌ منها ولا طولُ

 

4 ـ تجلو عوارضَ ذي ظَلمٍ إذا ابتسمتْ

 

كأنه مُنهلٌ بالراحِ معلولُ

 

5 ـ شُجت بذى شَبَمٍ من ماءِ محنيةٍ

 

صافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمولُ

 

6 ـ تنفى الرياحُ القذى عنه وأفرطَه

 

من صوبِ ساريةٍ بيضٌ يعاليلُ

 

7 ـ أكرمْ بها خُلةً لو أنها صدقتْ

 

موعودَها أو لوان النصحَ مقبولُ

 

 8 ـ لكنها خلةٌ قد سِيطَ من دمِها

 

فَجْعٌ ووِلْعٌ وإخلافٌ وتبديلُ

 

9 ـ فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها

 

كما تلوّنُ في أثوابِها الغولُ

 

 10 ـ ولا تَمَسَّكُ بالعهدِ الذي زعمتْ

 

إلا كما يُمسكُ الماءَ الغرابيلُ

 

11 ـ فلا يَغرَّنْكَ ما مَنّتْ وما وعدتْ

 

إنَّ الأمانيَّ والأحلامَ تضليلُ

 

12 ـ كانتْ مواعيدُ عُرقوبٍ لها مثلا

 

وما مواعيدُها إلا الأباطيل

 

13 ـ أرجو وآمل أن تدنو مودتُها

 

وما إخالُ لدينا منكِ تنويلُ

 

 

 

14 ـ أمستْ سُعادُ بأرضٍ لا يبلّغُها

 

إلا العتاقُ النجيباتُ المراسيلُ

 

      ويستهل كعب بن زهير قصيدته بالفعل الماضي بانت ، المسند إلى فاعل مؤنث «سعاد» ، وهو فعل يدل على البينونة والفراق ، ويمثل هذا سبباً يؤثر في الشاعر ، وعلى وجه التحديد في موطن الانفعال «القلب» وإذا كان الفعل « بانت » يدل على وقوع الفعل في الماضي فإنَّ النص يوحي باستمرارية حدث البينونة إلى الآن في الزمن الحاضر
« اليوم » ، ويبدو أنَّ
لشدة الفعل أثراً لأنَّ الشاعر أكثر من وصف ما وقع على القلب.

 ومن الملاحظ أنَّ هذه الصفات كلها تشتمل على حرف الميم الذي يوحي بخاصية الحزن ، فضلا عن حروف المد التي تعضد هذه الخاصية. وإذا كانت هذه الصفات « متبول ، ومتيم ، ولم يفد ، ومكبول » تمثل أمرا سلبياً يعاني منه الشاعر وكلها تقع في عالمه الداخلي ، فإنَّ مقابله وصف إيجابي للمحبوبة ، وكل أوصافها خارجية ، ولكنها تتميز بالديمومة والثبات والاستمرار ، يدل على ذلك أسلوب القصر « وماسعاد... إلاّ».

 وإذا كانت كلمة « اليوم » في البيت الأول تدل على معنى عام للزمن بمعنى الآنية غير مقترنة بوصف ، فإنَّ البيت الثاني يقرن الزمن بفترة معينة من اليوم ، ومحددة بإضافته إلى وصف « غداة البين».

      وتتميز قصيدة كعب بشكوى الشاعر الطاغية على القسمين الأول والثاني  شكوى من الحبيبة الفاتنة التي لا تحقق التواصل ، بل تتسم بالغدر والخيانة ، والشكوى أيضاً من رحلة محفوفة بالمخاطر ، ولعل الناقة هنا تعبر عن حركة الزمن ، أو حركة من زمن جاهلي إلى زمن آخر ، ومن معلوم إلى مجهول ، ومن ثم طلب العفو ورد التهمة عنه يمثل أساساً في القسم الثالث ، الذي يدخل فيه مدح الرسول والمهاجرين ، وذلك سعياً للوصل في حياة جديدة يتحقق من خلالها الامتلاء الحقيقي بوصفه معارضاً للخواء الذي عاشه الشاعر في القسم الأول.

      إنَّ الشكوى الطاغية في القسم الأول تكتنفها دلالات التعارض في المحبوبة بين ظاهرها وباطنها من ناحية ، ومن تعارض بين المحبوبة والشاعر من ناحية أخرى ، فالمحبوبة على الرغم من بهائها الظاهري الخارجي فإنها تتميز بصفات داخلية سيئة ، بل لعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت إنَّ اسم المحبوبة « سعاد » يوحي بهذه التعارض أيضاً ، فهي لم تسعد الشاعر بل قد أسقمته وأدخلت الحزن إلى قلبه.

ولو توقفنا عند المظاهر الحسية لجمال المحبوبة لألفنياها متعددة إذ منها ما يتصل بالصوت « أغن » والطرف « غضيض الطرف مكحول » في حركته ولونه ، ورشاقة الجسم في اعتداله ، هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ، والثغر ورضابه ، « تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ».

      إنَّ الشاعر يؤكد على الحواس المختلفة ، في تأكيد الخصائص الجمالية للمرأة  ويسهم الإيقاع في تحديد التلوين الجسدي وحركيته ، إذ يعمد الشاعر إلى التقطيع الصوتي

القائم على التقسيم والتناظر ، ومن ثم يتطابق البعدان البصري والإيقاعي في استكمال الصورة : «هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة » إذ يبدو التركيب متطابقا نحويا وإيقاعيا ، فضلا عن التناظر الصوتي في الكلمات :

      هيفاء / عجزاء           مقبلة / مدبرة

      إنَّ هذا التركيب يوحي بتطابق الصورتين البصرية الحسية والإيقاعية لتماوج حركة الجسد في الخارج ، والتموج الإيقاعي الذي يوحي بحركة الجسد واعتداله ورشاقته في النص.

      وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هذا الجمال الخارجي تعارضه صفات سلبية داخلية عند المحبوبة ، فهي تخلف الوعد ، وإنها متقلبة متلونة المزاج ، وإنها تضلل الشاعر وتخدعه:

 

 

 

7 ـ أكرمْ بها خُلةً لو أنها صدقتْ

 

موعودَها أو لوانَّ النصحَ مقبولُ

 

 8 ـ لكنها خلةٌ قد سِيطَ من دمِها

 

فَجْعٌ ووِلْعٌ وإخلافٌ وتبديلُ

 

 

ولا يزال الشاعر يوظف الملامح الإيقاعية في الإيحاء بخصائص الصورة الحسية ، ومن مظاهر ذلك:

1 ـ التكرار ، أي أنْ يذكر الشاعر كلمة ثم يكررها أو ما يشتق منها في البيت نفسه مثل قوله :

 

 ـ ولا تَمَسَّكُ بالعهدِ الذي زعمتْ

 

إلا كما يُمسكُ الماءَ الغرابيلُ

 

11 ـ فلا يَغرَّنْكَ ما مَنّتْ وما وعدتْ

 

إنَّ الأمانيَّ والأحلامَ تضليلُ

 

12 ـ كانتْ مواعيدُ عُرقوبٍ لها مثلا

 

وما مواعيدُها إلا الأباطيل

 

 

كما يتكئ الشاعر على التقطيع المتكرر لتأكيد أوصاف المحبوبة :

 

7 ـ أكرمْ بها خُلةً لو أنها صدقتْ

 

موعودَها أو لوان النصحَ مقبولُ

 

 8 ـ لكنها خلةٌ قد سِيطَ من دمِها

 

فَجْعٌ ووِلْعٌ وإخلافٌ وتبديلُ

 

      ويتجلى التقطيع المتكرر في « فجع ، وولع » و« إخلاف ، وتبديل» ومن الجدير بالذكر أنَّ هذا التقطيع المتكرر يتميز بالتلوين والتماثل ، إذ إنَّ كلمتي « فجع ، وولع » تتماثلان في بنائهما الصرفي / الإيقاعي ، وتتكون كل واحدة منهما من ثلاثة حروف  ويتكرر حرف العين في فجع وولع ، وأن هاتين الكلمتين تتصلان بالعالم الداخلي للشاعر  وكذلك الأمر مع كلمتي « اخلاف وتبديل » فإنهما تتماثلان في بنائهما الإيقاعي  وتتكون كل واحدة منهما من خمسة أحرف ، وتتصلان بموقف المحبوبة من الشاعر.

      وإذا جاز لنا أنْ نتحدث عن نمطين من الأفعال : أفعال لها طبيعة سلبية في ذاتها أوفي سياق النص ، وأفعال لها طبيعة إيجابية في ذاتها أوفي سياق النص ، فإنَّ عدد الأفعال السلبية في هذا المقطع يفوق الأفعال الإيجابية ، إذ يبلغ عدد الأفعال السلبية في مقطع المحبوبة 16 ستة عشر فعلاً ، وهي : « بانت ، لم يفد ، رحلوا ، تنفي ، أفرط ، أكرم  صدقت ، سيط ، فما تدوم ، تلون ، لاتمسك ، زعمت ، يغرنك ، ما منت ، وما وعدت  أمست » ويبلغ عدد الأفعال الإيجابية 8 ثمانية ، وهي : « لا يشتكي ، تجلو ، ابتسمت شجت ، أضحى ، أرجو ، آمل ، تدنو » ، ويمكن التحدث عن صفات سلبية تشيع وتتفشى في المقطع نفسه ، مثل « متبول ، متيم ، مكبول ، فجع ، ولع ، إخلاف ، تبديل 

تضليل ».

      إنَّ سعاد قد أوقعت سقماً في قلب الشاعر من ناحيتين ، من حيث بهاؤها وجمالها

ـ الملامح الخارجية ـ وغدرها وإخلافها الوعد ـ الملامح الداخلية ـ ترى هل كان كعب بن زهير يتحدث عن فتاة بعينها ، أم أنها تمثل ترميزاً إلى أمر آخر يمكن أن يكشف عنه سياق القصيدة التاريخي والاجتماعي، فإذا كانت «سعاد » تبعث كل هذا «الشقاء » في الشاعر ، فإنَّ نوالها والإمساك بها أضحى مستحيلاً ، ويأمل الشاعر أن تدنو مودتها  ترى هل يمكن القول إنَّ سعاد تمثل رمزاً إلى «الجاهلية » فهي« السعادة / الشقاء » للشاعر ، وهي تتميز ببهاء مظهرها وسوء مخبرها ، وإنَّ الشاعر على الرغم من كونه عازماً على القدوم إلى الرسول ، فإنه لا يزال ينظر إلى الجاهلية التي لا يمكن بلوغها أو الوصول لها تعبيراً عن التغير الذي يحدث في الواقع.وكان لا بد إذن من رحلة ينأى بها الشاعر عن هذه « الجاهلية» الباهرة الجمال الرديئة الأخلاق.

إنَّ حالة الانفصام لها ملامح سلبية لأنَّ المحبوبة تمثل الطرف الفاعل ويمثل الشاعر الطرف المنفعل ، فهي التي اختارت الانفصام تاركة الشاعر يعاني الخواء ، ومن ثم هناك تعارض تمثل : سعاد «المرأة المحبوبة المنتصرة الفاعلة المختارة الرحيل » الطرف الفاعل  ويمثل : الشاعر « الرجل العاشق المهزوم » الطرف المنفعل.

      إنَّ الأبيات : 3 ، 4 ، 5، 6 ، التي يعمد فيها الشاعر إلى وصف الخصائص الحسية للمحبوبة تقدم تبريراً أو عزاءً يعبر فيه الشاعر عن هزيمته وانكساره ، لأنَّ سعاد « المرأة / الرمز » ما دامت تحمل هذه الصفات من البهاء والجمال ، وانها هي الطرف الفاعل فإنه من الجدير أنْ يعاني السقم من أجلها ، ومما يؤكد ذلك قوله:

 

 

7 ـ أكرمْ بها خُلةً لو أنها صدقتْ

 

موعودَها أو لوانَّ النصحَ مقبولُ

 

وإذا كانت الأبيات السابقة تعبر عن بهاء المحبوبة فإنَّ الشاعر يشرع من البيت الثامن في تقديم الوجه الآخر للمحبوبة ،إذ يتحدث عن تلونها وغدرها ، وخيانتها ، فهي امرأة كذوب ، لا تفي بعهودها ومواعيدها ، بل إنَّ الإخلاف كالطبع فيها ويجري كالدم في عروقها. إذن فنحن إزاء قسمين متقابلين ، يصور الأول محاسن المحبوبة « سعاد/ الجاهلية » ويصور الثاني عيوبها ، ومن الجدير بالملاحظة أنَّ محاسن المحبوبة حسية جسدية ، وأن عيوبها معنوية ، ولا يقتصر الأمر على تعارض بين ظاهر المحبوبة وباطنها ، وإنما يتجاوز ذلك إلى تعارض آخر بين المحبوبة وعاشقها ، ، وإذا كان ظاهر الحبيبة حسن وجمال وروعة وبهاء  فإنَّ ظاهر العاشق انكسار وسقم ، وإذا كان باطن المحبوبة غدر واخلاف ومماطلة ، فإنَّ باطن الشاعر وفاء ورغبة في التواصل ، بل إنه يأمل ويتمنى أنْ يعود التواصل على الرغم من هجر المحب ورحيله.

ويصل الشاعر بعد هذا كله إلى نتيجة مفادها أنه لا فائدة ترجى من تحقق التواصل والمودة والصفاء ، فلقد انتهى كل شيء الآن « زماناً ومكاناً » مع المحبوبة « سعاد / الجاهلية » :

 

13 ـ أرجو وآمل أن تدنو مودتُها

 

وما إخالُ لدينا منكِ تنويلُ

 

ويمثل هذا البيت ذروة التأزم في الانفعال والقطيعة على السواء ، ويدل البيت :

 

14 ـ أمستْ سُعادُ بأرضٍ لا يبلّغُها

 

إلا العتاقُ النجيباتُ المراسيلُ

 

 

على القطيعة النهائية لصعوبة التواصل المكاني فهي بعيدة المنال » في أرض بعيدة « لا يمكن أن يصل إليها إلاّ كرام الإبل.

القسم الثاني :

 

15 ـ ولن يبلّغَها إلا عُذافِرةٌ

 

فيها على الأينِ إرقالٌ و تبغيلُ

 

16 ـ من كلِ نضَّاخةِ الذفرى إذا عَرِقتْ

 

عُرضتُها طامِسُ الأعلام مجهولُ

 

17 ـ ترمي الغيوبَ بعيني مفردٍ لهقٍ

 

اذا تَوَقَّدتْ الحِزَّانُ والميلُ

 

18 ـ ضَخْمٌ مُقَلَّدُها ، عَبْلٌ مُقَيَّدُها

 

في خَلقِها عن بنات الفحلِ تَفضيلُ

 

19 ـ غَلباءُ وَجناءُ علكومٌ مذكرةٌ

 

في دفّها سَعةٌ قُدَّامها مِيلُ

 

20 ـ وجلدُها من أطومٍ ما يُؤيِّسهُ

 

طِلْحٌ بضاحية المتنينِ مهزولُ

 

21 ـ حرفٌ أخوها أبوها من مهجنةٍ

 

وعمُها خالُها قوداءُ شمليلُ

 

22 ـ يمشي القُرادُ عليها ثم يُزلقُهُ

 

منها لَبانٌ وأقرابٌ زهاليلُ

 

23 ـ عيرانةٌ قُذفتْ بالنحضِ عن عُرُض

 

مِرفقُها عن بنات الزورِ مفتولُ

 

24 ـ كأنَّ مافاتَ عينيها ومذبَحَها

 

من خَطمِها ومن اللحيينِ بِرطيلُ

 

25 ـ تُمِرُّ مثلَ عَسيبِ النخلِ ذا خُصَلٍ

 

في غارزٍ لم تَخَوَّنْه الأحاليلُ

 

26 ـ قنواءُ في حُرتيها للبصيرِ بها

 

عِتْقٌ مبينٌ وفي الخدينِ تسهيلُ

 

27 ـ تَخدى على يَسَراتِ وهي لاحقة

 

ذوابل مَسُّهنَّ الأرضَ تحليلُ

 

28 ـ سُمرُ العجاياتِ يتركنَ الحصا زِيماً

 

لم يَقِهِنَّ رؤسَ الأكمِ تنعيلُ

 

29 ـ كأنَّ أوْبَ ذراعيها إذا عَرِقتْ

 

وقد تلفعَ بالقُورِ العَساقيلُ

 

30 ـ يوماً يظل به الحرباءُ مُصطخداً

 

كأنَّ ضاحية بالشمسِ مملولُ

 

31 ـ وقال للقومِ حاديهم وقد جعلت

 

وُرْقُ الجَنادبِ يَركضنَ الحصا قِيلُوا

 

32 ـ شَدَّ النهار ذراعا عَيطلٍ نَصَفٍ

 

قامت فَجاوبها نُكدٌ مَثاكيلُ

 

33 ـ نَواحةٍ رخوةِ الضبعينِ ليس لها

 

لَما نَعى بكُرها الناعونَ مَعقولُ

 

34 ـ تَفري اللّبان بكفّيها ومدرعُها

 

مُشقّقٌ عن تراقيها رَعَابيلُ

 

      ويبدأ القسم الثاني بالبيت الخامس عشر ، ويمتد حتى البيت الرابع والثلاثين ، ولا يمثل هذا القسم قطيعة مع بناء القصيدة المكونة من ثلاث وحدات ، وإنما يمثل تلاحماً فنياً ودلالياً ، إنَّ مقطع المحبوبة أوصل الشاعر إلى مرحلة اليأس ، ولكن الشاعر ليس عاجزاً تماما عن اتخاذ موقف إزاء ما يعيش فيه، ولكنه غالب يأسه ، وتحرك نحو التواصل ،ولكنه هذه المرة ليس باتجاه المرأة ، ولكنه باتجاه محبوب من نوع آخر.

      إنَّ الرحلة تمثل فاصلاً بين طورين ، طور سابق زماناً ومكاناً ، وطور لاحق زماناً ومكاناً، ولعل امتطاء الناقة تعبير عن حركة الزمن ، وإذا كان الطور السابق مبهرج في ظاهره ومعتم في باطنه ، وقد أسقم الشاعر ، وكاد أن يودي به إلى الهلاك ، فإنَّ هذا يعني أنَّ الشاعر يعيش قدراً كبيراً من التأزم وانعدام التوافق مع الآخر أو الآخرين ، إذن فالرحلة تقوده إلى أمر آخر يتجاوز به حالتي التأزم واللاتوافق ، وبتعبير آخر أنَّ الشاعر يريد الانتقال من حالة اليأس الكامل والخواء الحقيقي إلى مرحلة جديدة هي التواصل الايجابي  وإذا كان الشاعر في المقطع الأول خاضعاً لإرادة الآخر فإنه مع « الرحلة » يقرر بإرادته اختيار الرحيل ، ومن ثم فإنَّ القصيدة تتحرك نحو الجديد ، وتتجاوز المألوف المعهود بالغدر والخيانة والإخلاف.

      إنَّ قرار الرحلة يعني أنَّ الشاعر ينتصر للتواصل على الانفصام ، وللحياة على الموت ، وللحركة على الجمود والثبات ، ويتخذ الناقة »بوصفها معبراً عن الزمن « وسيلة لتحقيق هذه الغايات المتعددة ، وفي ضوء هذا يمكننا القول إنَّ القصيدة تبدأ من البسيط إلى المركب ، لأنَّ المقطع الأول « مقطع المحبوبة » يعبر عن الخواء ، أما مقطع « الرحلة » فإنه يمثل امتلاء نسبياً ، ولكنه مثقل بالتأزم والقلق ، لأنَّ الشاعر ينتقل فيه من الاستسلام إلى الحركة ، ومن ثم ينتقل الشاعر إلى المقطع الثالث الذي يمثل الامتلاء الكلي ، وذلك من خلال التوحد مع الجماعة ، ومن ثم كسر التأزم إلى التوافق.

      ويخلع الشاعر في مقطع الرحلة صفات على الناقة يجعل منها كائناً أسطورياً  وذلك من خلال التشبيهات العديدة التي تتوالى وتتعاقب بطريقة فريدة ، وكأنَّ الحديث عن الناقة وقوتها إنما هو حديث عن صاحبها وراكبها ، ويوحي في الوقت نفسه أنَّ الناقة تمثل وسيلة وحيدة للانتقال بصاحبها من حالة إلى أخرى ، بمعنى أنَّ الشاعر يجسد خصائص « القوة والسرعة والقدرة على التحمل » في الناقة وصاحبها ، كما يؤكد دورها في الانتقال من موقف وطور إلى آخر.

      ويعبر الشاعر عن خصائص الناقة الجسدية والذاتية من ناحية والمناخ الذي تتحرك فيه من ناحية ثانية ، ففي الأبيات : 15 إلى 20 تحدث عن صفات الناقة الجسدية ، ثم ينتقل في البيت 27 إلى تقديم صورة عن قساوة الحر في الصحراء ، فكأنَّ الناقة تمثل نقيضاً

للطبيعة فهي كائن أسطوري جبار منتصر ، إذ تحقق قرار إرادة الانتقال من حالة الانفصام

إلى حالة التواصل ، وهي قاهرة للطبيعة بصبرها وصلابتها وإصرارها ، بينما تقف الطبيعة عائقاً تماماً كما كان المجتمع ممثلا في « سعاد / الجاهلية » مؤشرا على القهر.

      ومن الجدير بالذكر أنَّ العلاقة بين الأنا « الشاعر » والآخر « المؤنث / سعاد » في مقطع المحبوبة علاقة تنافر وتعارض ، ولذلك كان حضور الأنا والآخر معاً ، وإن كان بدرجات متفاوتة ، كانت الغلبة فيه للآخر ، أما المقطع الثاني فإنَّ الأنا « الشاعر » يكاد يختفي إزاء الآخر «المؤنث / الناقة » ولكن النص الشعري يوحي بتوحدهما معا ، ولكنه توحد وهمي ، لأنَّ لغة الشكوى ظلت طاغية في هذا المقطع ، لأنَّ الشاعر لا يزال يعيش حالة القلق والتأزم بسبب طبيعة صحراوية قاسية ، وهي دال على الحدث والهشاشة ، وبسبب مجتمع يتخلى عن الشاعر بسبب الخوف من مسئولية الحفاظ على شخص قد أهدر دمه.

      إنَّ الشكوى طاغية في المقطعين الأول والثاني لأنَّ المحبوبة « سعاد / الجاهلية » تخلت عن الشاعر تماماً ، كما أنَّ قبيلته و خلانه قد تخلو عنه كذلك لأنَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه ، فضلاً عن قساوة الحياة وصعوبتها ، وقساوة الصحراء ومتاهاتها.

 

35 ـ تَسعَى الوُشاةُ جَنابيها وَقولهمُ

 

إنكَ يا ابنَ أبي سُلمى لَمقتولُ

 

36 ـ وقَال كُلُ خَليلٍ كُنت آملهُ

 

لا ألهينكَ إني عَنكَ مشغول

 

37 ـ فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكموا

 

فكل ما قدر الرحمن مفعولُ

 

38 ـ كلُ ابن أنثى وإن طالتْ سلامتُهُ

 

يَوماً عَلى آلةٍ حَدباءَ مَحمولُ

 

39 ـ أنبئت أنَّ رسولَ اللهِ أوعدني

 

والعفو عند رسول الله مأمولُ

 

40 ـ مهلاً هداكَ الذي أعطاك نافلةَ الـ

 

قرانِ فيها مَواعيظٌ وتفصيلُ

 

41 ـ لا تَأخُذَنَّي بأقوالِ الوُشاةِ ولم

 

أُذنبْ ولو كَثُرتْ فيّ الأقاويلُ

 

42 ـ لقد أقومُ مقاماً لو يقومُ بهِ

 

أرى وأسمعُ ما لو يسمعُ الفيلُ

 

43 ـ لظلَّ يُرعَدُ إلا أن يكون لهُ

 

من الرسولِ بإذنِ اللّه تنويلُ

 

44 ـ مازلتُ أقتطعُ البيداءَ مدرعاً

 

جُنحَ الظلامِ وثوبُ الليلِ مسدولُ

 

45 ـ حتى وضعتُ يميني ما أنازعُها

 

 في كفِ ذي نَقِماتٍ قيلهُ القيلُ

 

46 ـ لَذَاكَ أهيبُ عندي إذ أكلمُه

 

وقيلَ إنك منسوبٌ ومسؤولُ

 

47 ـ من ضَيغَمٍ بِضِراءِ الأرضِ مُخدرُهُ

 

في بطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونه غيلُ

 

48 ـ يغدو فيلحَمُ ضرغامين عيشُهما

 

لحمٌ من القوم مَعفورٌ خراديلُ

 

49 ـ إذا يُساورُ قرناً لا يَحِلُّ لهُ

 

أن يتركَ القرنَ إلا وهو مفلولُ

 

50 ـ منه تظلُّ سِباعُ الجوِّ ضَامِزةً

 

ولا تمشي بواديه الأراجيلُ

 

51 ـ ولا يزال بواديه أخو ثقةٍ

 

مُضَرَّجُ البَزِّ والدرسانِ مأكولُ

 

52 ـ إنَّ الرسولَ لَسيفٌ يُستضاءُ به

 

مهندٌ من سيوفِ الله مسلولُ

 

53 ـ في عُصبةٍ من قُريشٍ قال قائلُهم

 

ببطنِ مكةَ لما أسلموا زولوا

 

54 ـ زالوا فما زالَ أنكاسٌ ولا كُشفٌ

 

عندَ اللقاءِ ولا ميلٌ مَعازيلُ

 

55 ـ شُمُّ العرانينِ أبطالٌ لبوسهمُ

 

من نسجِ داود في الهيجا سرابيلُ

 

56 ـ بيضٌ سوابغُ قد شُكّتْ لها حَلَقٌ

 

كأنها حَلَقُ القفعاءِ مجدولُ

 

57 ـ لا يفرحون إذا نالت رماحُهُمُ

 

قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا

 

58 ـ يمشون مشيَ الجِمالِ الزُّهرِ يَعصمُهُم

 

ضربٌ إذا عرَّدَ السود التنابيلُ

 

59 ـ لا يقعُ الطعنُ الا في نحورهم

 

وما لهم عن حياضِ الموتِ تهليلُ

 

      ويفتتح الشاعر المقطع الثالث بالبيت الخامس والثلاثين الذي يتوسط بين لغة الشكوى السائدة في المقطعين الأول والثاني ، والمقطع الأخير الذي تسود فيه لغة الاعتذار والمديح ، ويتميز المقطع الانتقالي المكون من الأبيات 36 ـ 38 بحوارية بين الشاعر والوشاة من ناحية ، وخلانه من ناحية أخرى ، أما الوشاة فإنهم يحيطون راحلة الشاعر ويسعون إلى تثبيطه عن عزيمته ، ويتجلى ذلك في تأكيدهم المتيقن بأنَّ الشاعر مقتول  ويتبدى ذلك اليقين بالتعبير الأسلوبي ، الذي جاء في سياق جملة على لسان الوشاة بالتوكيد بـ « ان + اللام الداخلية على الخبر » انك.... لمقتول :

35 ـ تَسعَى الوُشاةُ جَنابيها وَقولهمُ

 

إنكَ يا ابنَ أبي سُلمى لَمقتولُ

 

      وإذا كان الوشاة يقعون في دائرة الأعداء فإنَّ الشاعر لم يعبأ بهم كثيراً ، على الرغم من تأكيد أهميتهم ودورهم ، بدليل العودة إلى الحديث عنهم ، ومحاول تبرئة نفسه في حضرة الرسول في قوله :

 

41 ـ لا تَأخُذَنَّي بأقوالِ الوُشاةِ ولم

 

أُذنبْ ولو كَثُرتْ فيّ الأقاويلُ

 

وعلى الرغم من ذلك فإنه يتجه إلى الخلان الذين اعتذروا إليه وقابلوه بالصدود، يقول:

 

 

36 ـ وقَال كُلُ خَليلٍ كُنت آملهُ

 

لا ألهينكَ إني عَنكَ مشغولُ

 

      إذن أدرك الشاعر بعد هذا الحصار من الطبيعة القاسية مرة ، ومن الوشاة مرة ثانية ، ومن الخلان مرة ثالثة ، أنَّ نهايته اقتربت ، وعندها لا بد من التوجه إلى قوة تتجاوز هذه القوى جميعا ، وهي قدرية خاضعة للإرادة الإلهية في قوله :

 

37 ـ فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكموا

 

فكل ما قدر الرحمن مفعولُ

 

      ويقترن بالتقدير الإلهي الحديث عن مصير الإنسان « الموت » ، إذن فنحن إزاء حكمة تبدو في ظاهرها تعليمية ، ولكنها في الحقيقة منسجمة تماماً مع السياق الفني للقصيدة ، وهي تعبر عن أحد أمرين : إما اليأس المطلق الذي يحيط بالشاعر ويحيق به، واما التسليم للذات الإلهية وقدريتها ، ويبدو لي أنَّ الثانية أكثر رجحاناً ، لأنها تنسجم مع الفكرة الدينية ، ولأنها تمهد للاعتذار والمديح الموجه لزعيم الدعوة الدينية الذي توجه الشاعر إليه.

      وفي ضوء هذا فإنَّ ما كان مصدراً للموت يصبح مصدراً للحياة ، أي أنَّ الرسول حين أهدر دم الشاعر أصبح سبباً لموت الشاعر ، وهو نفسه يصبح سبباً لإنقاذه ، ولا يتم ذلك إلا من خلال الاعتذار للرسول والإيمان به وبرسالته ، فالشاعر في هذا ينتقل إلى مرحلة الامتلاء الحقيقي التي تمثل التواصل مع الرسول والرسالة وجماعة المسلمين والتوحد بهم ومعهم ، ومن ثم ينتصر الشاعر على ذاته التي فقدت التوافق الاجتماعي وينتصر من ثم

على المعاناة التي ولدتها حالة الانفصام ، عبر « سعاد / الجاهلية » فضلاً عن تجاوزه حالة التأزم والقلق التي تتجلى في رحلته نحو المجهول.

القسم الثالث :

 

وهو مقطع الاعتذار والمدح ، و يبدأ بالبيت 39 :

 

39 ـ أنبئت أنَّ رسولَ اللهِ أوعدني

 

والعفو عند رسول الله مأمولُ

 

ويصبح الأمل حقيقة إذ يمثل الانتقال من حالة الانفصام إلى التواصل ، وبهذا يعيش الشاعر حالة الامتلاء الحقيقي بوصفها نقيضاً أو معارضاً للخواء الحقيقي في القسم الأول والامتلاء الوهمي في القسم الثاني. ويشرع الشاعر في مدح الرسول أولاً ، ثم ينتقل إلى مدح المهاجرين ، وفي أثناء مدحه للمهاجرين يتعرض للأنصار بالغمز والهجاء.

      ويحتل مدح الرسول مساحة كبيرة في هذا المقطع يبلغ 14 بيتاً ، وهو ضعف المساحة التي احتلتها الأبيات الخاصة بالمهاجرين ، وهذا له دلالته لأنَّ الرسول زعيم وقائد  ولذا وضعه مقابلاً للجماعة ومتقدماً عليها.

      إنَّ كعب بن زهير يمدح الرسول وكأنه زعيم قبلي وتتبدى من خلال الأبيات الشعرية ملامح المدح التكسبي الذي يركز في الغالب على صور ممتدة ومركبة تتفرع واصفه الممدوح ، ومن هذه الصور انَّ الشاعر جعل الرسول أكثر قوة وشجاعة من الأسد  ويتضاءل الشاعر أمام الرسول في خوف وفزع، وهكذا يمثل الجزء الأخير الامتلاء الحقيقي وهو حالة الوصل التي بلغت أشدها بالالتحام بالجماعة المسلمة ، ففي الاعتذار طلب للوصل وفي المدح تجسيد له ، ويجسد الشاعر الوصل مع الآخر المفرد «الرسول » فالتحم معه لأنَّ المدح يمثل هنا التحاما بهذا الآخر الذي تجشم الشاعر عناء السفر من أجل الوصول إليه ، ثم يجسده مع الآخر ـ الجماعة » المهاجرين « فالتحم معهم وبذا يكون الوصل قد أخذ شكله النهائي بما يجعل الشاعر أحدهم ، وفي ضوء هذا ينتظم النص في إطار حركة الانفصام والتواصل ، وكان الشاعر منحازاً لإحداها على الأخرى، فحقق الامتلاء بعد الخواء ، بمعنى أنَّ النص يرسم رحلة الشاعر من الكفر إلى الإيمان ومن الغدر إلى الوفاء ومن الموت إلى الحياة ، وفي أثناء ذلك يدفع الشاعر ثمن الانتصار لأحدهم على الآخر إذ ترسم القصيدة حالة القلق والذعر من ناحية والانشراح والتوافق من ناحية أخرى.

      إنَّ الإيقاع العروضي لقصيدة كعب بن زهير يتكون من وحدتين إيقاعيتين تتكرران بكيفية معينة في إطار بحر البسيط ، وعرفت تفعيلات هذه القصيدة زحافين : وهما الخبن ـ حذف الثاني الساكن ـ في كلتا تفعيلتيه فأصبحت :

     

مُسْتَفْعِلُنْ        

مُتَفْعِلُنْ

 / 0 /0//0

//0//0

فَاْعِلُنْ         

فَعِلُنْ

  /0//0  

///0

إضافة إلى زحاف الطي ـ حذف الرابع الساكن ـ في التفعيلة الأولى :

مُسْتَفْعِلُنْ        

مُتَفْعِلُنْ

 / 0 /0//0

//0//0

      أما عروض القصيدة فإنه مخبون « فَعِلُنْ ///0 » وضربها مقطوع ـ حذف آخر الوتد المجموع وتسكين ما قبل ـ« فَاْعِلْ /0/0 أو فَعْلُنْ ».

      وإذا كان العروض والضرب ثابتين باستثناء حالة التصريع في أول بيت فإنَّ التغيرات الطارئة على التفعيلات في الحشو لها دلالتها ، إذ يبلغ عدد الزحافات في أقسام القصيدة على القدر التالي :

      وإذا كانت الزحافات في الأمثلة السابقة تعني حذف ساكن ، بمعنى أنَّ الزحاف ينبئ عن توتر أكثر مادام المتحرك يكثر في مقطع قياسا بمقطع آخر ، ويبدو أنَّ القسم الأول يشتمل على عدد من الزحافات ينبئ عن حالة التوتر إذ يبدو بسيطاً لأنه أقل في عدده وتلويناته إذا قورن بالقسم الثاني ، إذ يشتمل هذا المقطع على 25 زحافاً موزعاً بين نوعين : متفعلن وعدده : 10 زحافات وفعلن وعدده : 15 زحافاً ، فهو يعبر عن أوليات التأزم والانفعال ، ويعبر في الوقت نفسه عن ثبات حالة الشاعر النفسية التي تعود إلى أحد أمرين، أولهما: أنه يعاني من الانفصام مع التسليم به والانقياد لحدوثه، وثانيهما: أنَّ الشاعر لم يشرع في المشكلة التي سيقف من أجلها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

      ويبدو أنَّ تأزم الحالة النفسية للشاعر يمر بمراحل تتصاعد نحو الذروة ثم تنحدر إلى الحل ، فإذا كان المقطع الأول يشتمل على عدد من الزحافات فإنَّ الزحافات تكثر وتتنوع في القسم الثاني ، تعبيراً عن حالة الترقب والتأزم التي يعيشها الشاعر ، فقد بلغ عدد الزحافات في القسم الثاني : 43 زحافاً ، وهي تتكون من متفعلن 15 زحافاً ، ومستعلن 4 زحافات ، وفعلن 24 زحافاً ، ومن الجدير بالذكر أنَّ مستعلن تكثر فيه المتحركات المتتالية /0///0 مما يزيد في تنويع الزحافات فضلاً عن كثرتها ، غير أنَّ هذا يختلف في المقطع الأخير إذ تقل عدداً وتنوعاً ، ويصبح عددها أربعون زحافاً ، ويقل أيضا زحاف مستعلن الذي يرد مرة واحدة في هذا المقطع.

      إذن فالزحافات تنمو وتتطور مع التطور النفسي لمراحل القصيدة ، وتنبئ عن حالة التوتر والتأزم التي يعانيها الشاعر ، إذ تبدو بسيطة في القسم الأول ، وتعلو قيمتها وتتنوع في القسم الثاني ، ولكنها تقل وتميل إلى الانحدار في القسم الثالث الخاص بمدح الرسول ، ومما يؤكد ذلك أنَّ الأبيات في آخر القصيدة تقل فيها الزحافات وبخاصة أنَّ الأبيات الثلاثة الأخيرة لا تشتمل إلاّ على ثلاثة زحافات ، في حين أنَّ مقابلها أي الأبيات الثلاثة الأخيرة من المقطع الثاني تشتمل على ثمان زحافات ، في حين تشتمل الأبيات الثلاثة الأخيرة من المقطع الأول على خمس زحافات.

      وقد تبين تفاوت المقاطع القصيرة والمقاطع الطويلة في القصيدة من خلال إجراء إحصائي لعدد المقاطع ، إذ تتدرج في عددها بحسب أقسام القصيدة ، إذ يبلغ متوسط عدد المقاطع في البيت في كل قسم على النحو التالي :

 

ولهذا دلالته التي تنسجم تماما مع النمو النفسي ، لأنَّ غلبة المقاطع القصيرة في القسم يؤكد الحركة السريعة وينبئ عن التوتر والانفعال ، ولذلك كان متوسط عدد المقاطع القصيرة في القسم الثاني أكثر من القسم الأول ، وتقل في القسم الثالث ، أي أنَّ التوتر يزداد مع زمن الرحلة ، كما أن متوسط المقطع الطويل في القسم الأول أكبر من القسمين الثاني والثالث ، اللذين يتساويان مما يؤكد أنَّ توتر الشاعر كان بسيطاً في القسم الأول ولكنه يتأزم في القسم الثاني ـ ويميل إلى الانحدار في القسم الثالث.

      ولسنا في سياق التعرض للقافية كما يعرّفها الخليل ، ولكننا نود التوقف عند أخر كلمة في كل بيت وما تتركه من آثار جمالية وفنية ، فالقصيدة لامية مضمومة كما هو معروف ، والقافية مردفة أي أنَّ حر ف الروي يسبقه حرف مد ، وهو الواو والياء  اللذين يجوز أن يتعاقبا في القافية دون خلل إيقاعي، ومن الجدير بالذكر أن حرف الواو والضمة يسهمان في الإيحاء بالامتلاء والعلو بخلاف الياء والكسرة ، وانَّ اجتماع اللام المضمومة مع ردف واوي يسهم في الإعلاء من أهمية الامتلاء والعلو ، أما حين يكون الردف يائيا فإنه يقلل من ذلك ويميل بالإيحاء إلى الكسر واللين ، ومن الملاحظ أنَّ القسم الأول تساوى فيه حرفا الردف ، ولكن الردف الواوي كان متركزاً في القسم الخاص بصفات المحبوبة الحسية ، في حين كان الردف اليائي متركزاً في القسم الخاص بصفات المحبوبة الداخلية  »السيئة « وكأنَّ حرف الامتلاء يعبر عن الجمال والبهاء ، وحرف الانكسار يعبر عن الغدر والخيانة.