الخطاب النقدي عند المعتزلة

 

  الأستاذ الدكتور

كريم الوائلي

 

 

المقدمة

ليست القراءة فعلا فيزيولوجيا يتأتى بإحداث الوحدات الصوتية عبر النطق بحسب ما تقتضيه الأنظمة اللغوية لأي لغة، وإنما القراءة، سواء أكانت قراءة للعالم بوصفه وجودا يقع خارج الذات الإنسانية، أو نصا بوصفه تشكيلا لغويا، تعني : الفهم، ومن ثم فإنها تمثل نشاطا معرفيا ذهنيا يختلف ويتفاوت بحسب رؤية القارئ وبحسب طبيعة نظرته إلى العالم أو النص، والزاوية التي يتم الصدور عنها.

إن القراءة في ضوء هذا الفهم مولدة للمعاني وكاشفة للصور التي يتضمنها العالم والنص، ومن ثم فإنها تعيد إنتاج المقروء ،فكأن المقروء ـ عالما أو نصا ـ موجودا، ويصبح بعد القراءة موجودا آخر، لأن القراءة ليست نقلا للمقروء، أو إحضارا له، وإنما يضفي القارئ على المقروء رؤيته، وذاته، وخصوصيته، ويتولد من العلاقة بينهما مركب جديد، ليس هو المقروء تماما، وليس هو القارئ بما هو عليه، وإنما هو مركب منهما معا بكيفية خاصة، ولذلك تتفاوت القراءات لاختلاف القراء، وكأن المقروء ثابت قبل القراءة، وتتغير صورته ومعانيه ودلالاته بفعل عملية القراءة التي ترتبط بخصوصية القارئ ورؤيته .

ويمكن القول تجاوزا أن النص قبل القراءة يعرف استقرارا نسبيا في دلالته ومعانيه، ولكنه ـ في الحقيقة ـ استقرار متوهم، إذ لا وجود حقيقي للنص إلا في أثناء قراءته، نعم هناك وجود موضوعي فيزيفي للنص خارج الذات الإنسانية ـ متمثلا في الكتب ـ التي أنتجته، أو تقرأه ،ولكنه وجود هامد، ولكن وجودها الفعلي يتحقق عبر قراءته .

وليست هناك قراءة صحيحة وقراءة خاطئة وإنما هناك قراءة ممكنة يحتمل النص دلالاتها ويعكس القارئ رؤيته ومواقفه من خلالها، وهناك قراءة غير ممكنة، لعدم احتمال النص دلالتها، وبخاصة القراءة الاسقاطية .

 

إن قراءة النص بمعنى فهمه تتضمن الأبعاد التالية :

1 ـ الفهم المباشر دون حاجة إلى تفسير أو تأويل .

2 ـ التفسير، إذ حين يستعصي الفهم المباشر نشأت الحاجة إلى الانتقال إلى فهم آخر يقتضيه السياق وقرائن اللغة، فإن كلمة الوحي حين ترد دون سياق أو قرينة لغوية لها دلالة تعني الوحي الذي يتنزل من السماء على الأنبياء، متمثلا في جبريل، عليه السلام، ومن ثم تختلف عن معناها في قوله تعالى : « وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ».

3 ـ التأويل : وهو مرحلة متقدمة في فهم النص، تعني إخراج اللفظ من معناه الحقيقي الذي يدل عليه الفهم المباشر، او سياقاته، إلى معناه المجازي . ولذلك فإن التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق والتأويل إظهار باطن اللفظ ... فالتأويل خاص والتفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلا.

وتتركب عملية القراءة من ثلاثة مكونات : القارئ، والمقروء، وناتج القراءة، وقد يوحي ترتيب هذه الأبعاد أوالية القارئ، بمعنى فاعليته، وانفعالية النص، ,بحيث تكون القراءة مجرد نتيجة لعملية ميكانيكية ـ تتماثل فيها النتائج والمقدمات، وليس هذا صحيحا في الواقع، لأن هناك جدلا بين القارئ والمقروء، يتولد من تفاعلهما المحتدم وتصارعهما بفعل العلاقات المتشابكة والمعقدة والمتداخلة، ناتج القراءة، ويشتمل كل من عنصري عملية القراءة « القارئ / المقروء » على خصائص تميزه، وإن إغفال هذه الخصوصية وأدراك أهميتها يقود بالضرورة الى فهم سلبي لعملية القراءة والنتائج المتولدة منها , بمعنى أن إغفال هذه الخصوصية أو التهوين من قيمتها وأهميتها، يعني هيمنة أحد طرفي عملية القراءة، فإما أن تكون الذات فاعلة إزاء موضوعها، بحيث تلغي المقروء، أو تقرأه خارج دلالاته وسياقاته، أو أن يهيمن المقروء على القارئ، فيتحول الى مجرد ناقل، وكلا الأمرين يعني ناتجا سلبيا، يلغي أحد طرفي المعادلة، ويقدم قراءة أقل ما يقال عنها أنها قراءة سلبية .

وقد تكون القراءة السلبية ذاتية تتخذ من التراث وسيلة دفاعية يؤكد فيها القارئ ذاته، بحيث يستعيد المعايير التراثية ويضخم من جوانبها الإيجابية، ويحاول إسقاطها على الحاضر والمستقبل، والهدف من ذلك الاحتماء بالتراث في مواجهة تيارات معاصرة، وعلى الرغم من سلبية هذه القراءة فإنها في الوقت نفسه يمكن أن تسهم في بداية لقراءة نقدية واعية، لأنها تستبعد الجوانب السلبية في عصور الانحطاط، والأهم من هذا أنها تحذر من الانسياق وراء القراءة الشكلية والسقوط في الإنجازات المستوردة، غير أن التوقف عند هذه الغاية لن يحقق جديدا، لأن التراث يمارس سلطته على الحاضر والمستقبل ،وهذا ما حصل فعلا في القراءة الإحيائية التي هيمنت فيها الأصول القديمة بشكليتها وحرفيتها، وأصبحت غاية مقصودة لذاتها .

إن القراءة الفاعلة التي يتبناها هذا الكتاب تعني :

1 ـ تأكيد أهمية تاريخية المقروء ، بمعنى أنها تنفي المعايير والأحكام المسبقة القائمة على أساس ديني ، أو مذهبي ، ومحاولة تأمل أي ظاهرة في إطار سياقها التاريخي والاجتماعي ، أي قراءة النص بوصفه موجودا هناك في الماضي ، وأن وجوده محكوم بسياقات معرفية وتاريخية واجتماعية ، وان اجتزاءه عن سياقه تعني قراءة ناقصة ومشوهة له .

إن التراث جزء من بناء معرفي أشمل ، وجزء من منظومة ، وينبغي فهمه في إطار منظومته ، وإن إخراجه عن منظومته يعني فهما مخلا لطبيعته وماهيته .

2 ـ إن فهم التراث بوصفه موجودا هناك في إطار سياقه التاريخي لا يعني بالضرورة أنه منفصل عن القارئ إذ يمكن تأمله وفهمه وإدراك دلالاته .

3 ـ نفي القراءة الانطباعية الانفعالية التي تصدر أحكاما مسبقة على الأشياء وتقيم قراءة تتأسس على عقلانية منهجية تؤكد أهمية النظر ، وتعلي من شأن التحليل والتعليل .

           إنّ هذا النمط من الدراسة يوازن في الوعي بين إنجازات التراث النقدي وإمكاناته الفكرية والفنية وبين الوعي بالحاضر الذي يرفدنا برؤى وأدوات وتقنيات إجرائية، وتولّد من تلاحم الوعيين ـ الماضي والحاضر ـ تجادل متفاعل يجعل الدارس متبصراً بمعضلات الحاضر النقدية ونظائرها في التراث، وهذا من شأنه أن يدفع إلى تحسس هويتنا التي أخذت تترنح بين التغريب والتجهيل، كما أنه يبعث على إقامة حوار مستمر مثمر لا قطيعة فيه بين ماضينا وحاضرنا، ومن هنا تكتسب العلاقة الجدلية الفاعلة بالتراث أهميتها وحيويتها، وتتأكد جدواها وفائدتها .

           إنّ تركيز البحث على دراسة المعتزلة يعني الكشف عن تصورات هذه المدرسة الفكرية المتميزة في أثناء معالجتها للقضية النقدية من زواياها المختلفة، كما أنه يساعد على الإحاطة الشاملة لوحدة تصور متكامل للمعضلات النقدية دون التشتت بين الآراء المختلفة والتيارات المتباينة، كما أنه يكشف من زاوية أخرى عن مقدار انسجام أتباع هذه المدرسة أو افتراقهم عن الأصول الفكرية والعقائدية التي يصدرون عنها، ومقدار التزامهم بالتحليل العقلي لاعتبارهم العقل أداتهم الجوهرية المتميزة.

           واتجه البحث إلى دراسة المقياس النقدي الذي يستخدمه الناقد في تفسير النص الأدبي وتحليله وتقويمه، ويسعى البحث ـ من هذه الناحية ـ إلى الكشف عن آثار الفكر الاعتزالي في تحديد مكونات المقياس، وتحديد دوره في التفاعل مع النص الشعري، والكيفية التي يسهم فيها المقياس في تمكين الناقد من درس النص الأدبي متجاوباً مع تفكيره من ناحية، ومستغلاً أدواته النقدية من ناحية ثانية .

           إنّ المقياس النقدي لا ينفصل عن الفكر الذي يصدر عنه، ولا يبتعد عن طبيعة المشكلات التي أفرزها الواقع بل هو خاضع لهما بدرجات متفاوتة، بحسب نوعية المقياس ودوره في معالجة النص الأدبي، وبحسب إجابته عن المعضلات التي يشتمل عليها الواقع، كما أنّ المقياس النقدي ليس منفصلاً عن العناصر الجوهرية المكونة للتصور النظري النقدي إن لم يمثل الجوهر الذي يرتكز عليه هذا التصور، ولذا فإنّ دراسة المقياس النقدي تمثل تحاوراً وتفاعلاً بين الفكر وأدوات التحليل من ناحية، وبين الفكر والتصورات النقدية من ناحية ثانية، كما أنه يمثل تأسيساً لـ »نظرية للشعر« في التراث النقدي من ناحية ثالثة .

           ويتأسس هذا البحث على تمهيد وأربعة فصول، وخصصت التمهيد للعناية بمحورين : يعنى أولهما : بوصف مصادر البحث وتقويم مراجعه، وتتركز فيه العناية، بوصف مصادر البحث من جهتي المضمون والبيبلوغرافيا من ناحية، وتقويم الدراسات التي تعرضت إلى موضوع بحثنا على نحو من الأنحاء من ناحية ثانية، ويعنى المحور الثاني : بالأصول الفكرية للمعتزلة التي يتجلى من خلالها موقفهم من الله والعالم والإنسان .

           ويتخصص الفصل الأول بـ» المقياس اللغوي « وهو يهدف إلى الكشف عن جماليات الأنظمة اللغوية ـ صوتية، وصرفية، ونحوية ـ ويركز على التمايز بين معيارية هذه الأنظمة ومدى توظيفها لتأدية دلالات جمالية، ويحاول الكشف عن القوانين التي تتحكم في هذه الأنظمة ومدى كشفها عن جماليات يسعى الناقد إلى تأصيلها .

           أما الفصل الثاني فيعنى بـ »المقياس البلاغي « الذي يعنى أساساً بالتمايز بين الأداء النمطي ـ العادي ـ والأداء الفني ـ الأدبي ـ من حيث التشكيل، ومن حيث التغير الوظيفي، ويعنى أيضاً بالأنماط البلاغية التي يعتمدها هذان المستويان من الأداء، مما اقتضى تتبعاً لموضوعات عديدة : كالمحكم والمتشابه، والمجاز، والتشبيه، والاستعارة، ونحوها .

           ويتخصص الفصل الثالث بـ» المقياس النقدي « الذي يعنى بأربعة مقومات جوهرية في النظرية النقدية، أولها : لغة الشعر من حيث تشكيل هذه اللغة وتمايزها عن الأنماط اللغوية الأخرى، وثانيها : الإيقاع، ومقدار ما يؤديه من وظيفة من جهتي التشكيل من ناحية،  والتأثير بالمتلقي من ناحية ثانية،  وثالثها : الصورة الشعرية، من حيث وظيفتها وأنماطها وكيفية تشكيلها، ورابعها : بنية القصيدة في ضوء تركيب أبياتها، وتتالي وحداتها المختلفة .

           ويعنى الفصل الرابع بـ» المقياس الجمالي « إذ يدرس » قيمة « الشعر من حيث علاقتها بالحسن والقبح العقليين، ومن حيث مكوناتها الخارجية والتشكيلية ، كما يدرس »المثل الأعلى « بوصفه معياراً جمالياً وعلاقته بالصورة الذهنية من جهة، وبالواقع من جهة ثانية، وكيفية تأدية دوره في تشكيل القصيدة،كما يعنى هذا الفصل بماهية الشعر من حيث المكونات الشكلية والخصائص النوعية، وتوقف أخيراً عند مهمة الشعر، إن كانت توصيلية أو تزيينية أو نحوهما .

           إنّ هذا البحث قد تتبع مقاييس نقد الشعر من أبسط مستوياتها إلى أكثرها شمولاً، بمعنى أنه تتبع المقاييس ابتداء من عنايتها الجزئية بالوحدات الصوتية منفصلة أو ممزوجة بغيرها، ومروراً بالعناية بالأشكال البلاغية المتعددة، فضلاً عن تتبعه لغة الشعر والإيقاع والصورة وبنية القصيدة، وانتهاء بتتبع الأبعاد القيمية للنص الشعري، وماهية الشعر وتأديته للوظائف المختلفة، وهذا يعني أنّ البحث قد أحاط في الوقت نفسه بمقومات »نظرية الشعر « من زوايا مختلفة .

           وينبغي أن أؤكد قضية مفادها أنّ توزيع مقاييس نقد الشعر بأنماطها المختلفة ـ لغوية، وبلاغية، ونقدية، وجمالية ـ إنما هو تقسيم فرضته طبيعة البحث، لأن هذه المقاييس ليست مستقلة ـ في الحقيقة ـ عن بعضها، فهي تتفاعل وتتقاطع، وتشترك في بعض المكونات والخصائص، فالمقياس اللغوي ـ مثلا ـ ليس مستقلا عن أداء أبعاد جمالية، كما أنّ المقياس البلاغي ليس منفصلاً عن الأنظمة اللغوية، فالفصل ـ في هذا السياق ـ متعمد فرضته طبيعة البحث .

 

                                أ . د . كريم عبيد هليل الوائلي

 

 

 

التمهيد

                            

                                      - وصف مصادر البحث وتقويم مراجعه

                                      - الأصول الفكرية للمعتزلة

 

 

 

 

 

 

القسم الأول

وصف مصادر البحث ومراجعه

 

 

(1)

 

           إنّ إسهامات المعتزلة الفكرية في القرن الرابع الهجري متعددة ومتنوعة، ولسنا بصدد عرض تفصيلي لكل مؤلفاتهم إلا بمقدار ما يتصل بموضوعنا، وهو مدى كشفها عن تصورات نقدية، ولذلك فإنّ هذا القسم من التمهيد لا يشير إلى المؤلفات التي لا تنطوي على تصور نقدي ما، على الرغم من أنّ البحث قد يكون أفاد منها إفادة معينة في مجال آخر، واقتضى هذا ذكرها في فهرس مصادر البحث ومراجعه، وستتركز العناية ـ هنا ـ بالمصادر التي اشتملت على تصورات نقدية، وقد راعيت في تتبع هذه المصادر الترتيب الزمني بحسب وفيات مؤلفيها .

           ونلتقي هنا في مطلع هذا القرن بأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي المتوفى سنة 322 هـ في كتابه » الزينة في الكلمات الإسلامية العربية « وهو بتحقيق : حسين بن فيض الله الهمداني، وقد طبع الجزء الأول من هذا الكتاب طبعتين : الأولى سنة 1956 م والثانية : سنة 1957 م، وهي التي اعتمدها البحث، وكلتا الطبعتين عنيت بنشرهما دار الكتاب العربي بمصر، أما الجزء الثاني فقد نشرته مطبعة الرسالة في القاهرة سنة 1958 م

           ويُعنى كتاب » الزينة في الكلمات الإسلامية العربية « بجمع الألفاظ العربية التي تغيرت دلالتها عما كانت عليه في الجاهلية، فهو من هذه الناحية يُعنى بالتطور اللغوي لدلالة الكلمة ويحتويها بلون من التحديد والتعريف، وهو لا يتوقف عند ذكر مستوى دلالتها وتطوره، بل يستشهد بالقرآن الكريم والحديث النبوي وأشعار العرب، ويُعنى الكتاب عناية بالغة بمعيارية بعض العلوم كالنحو والعروض، وتحدّث بشكل عام عن العروض والدوائر العروضية والأوزان الشعرية، وتتجلى القيمة الحقيقية للكتاب ـ إضافة إلى عنايته بالتطور الدلالي للألفاظ العربية ـ في تحديده لماهية الشعر، ولعل أهم ما في هذا التحديد اقتران الشعر بلون من المعرفة تَرقى في الجاهلية إلى منـزلة الأنبياء، إضافة إلى عناية الكتاب بمهمة الشعر ودوره في التأثير في المتلقي والاحتجاج بالشعر في تفسير القرآن الكريم ، ويتركز حديثه هذا في الجزء الأول، أما الجزء الثاني فقد شغل فيه المؤلف بأسماء الله سبحانه وتعالى، وبتحديد كلمات إسلامية أخرى : كالكرسي، والصراط، والثواب، والقيامة، ونحوها .

           أما أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري المتوفى سنة 382 هـ فله رسالة عنوانها » في التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم « والرسالة غير محققة، وقد نشرت ضمن مجموعة من الرسائل تحت عنوان» التحفة البهية والطرفة الشهية « وقد نشرتها مطبعة الجو ائب في القسطنطينية سنة1302 هـ، ورسالتنا هذه هي الرسالة السادسة عشرة، وتقع في الصفحات من ثلاث عشرة ومائتين إلى إحدى وعشرين ومائتين، وقد أخطأ الناشر إذ نسبها في الفهارس إلى أبي هلال العسكري، ولكنه نسبها إلى صاحبها بعد أنْ ذكر عنوانها، والثابت أنّها لأبي أحمد العسكري، وعلى الرغم من قصر الرسالة فإنّ لها قيمة نقدية لما تتميز به من تحديد لماهية الشعر يتجاوز التحديد الشكلي لانتظام الكلمات الخارجي إلى خصائص تتصل بالدلالات والإيقاع والصياغة، كما أنها تنطوي على تمايز بين الأداء النمطي ـ العادي ـ والأداء الفني ـ الشعري ـ في أثناء تعرض أبي أحمد العسكري للغة الشعر، والرسالة في جوهرها تحاول التمييز بين بلاغة العرب وبلاغة العجم من خلال عرض آراء علماء البلاغة، إضافة إلى تحدثها عن فنون البلاغة كالتشبيه والاستعارة ونحوهما، ولم يكتفِ المؤلف بهذا بل أسهب في تناول الروايات التي تتحدث عن آراء علماء البلاغة عرباً وأعاجم.

           ولأبي أحمد العسكري كتاب معروف هو » المصون في الأدب « وقد نشرته دائرة المطبوعات والنشر في الكويت سنة 1960 م بتحقيق : عبد السلام هارون، وتتجلى عناية المؤلف بهذا الكتاب في موضوعات عديدة يمكن تصنيفها على النحو الآتي : التشبيه، وتاريخ العربية، ومختارات من الشعر والنثر، والكتاب كله مبني على أساس ذكر أخبار تعتمد على الرواية، وهي أخبار يستقل بعضها، ويجمعها باب يحتويها، ولا يهمنا كثيراً تاريخ العربية الذي عُني فيه المؤلف بنشأة النحو وأضرابه من الموضوعات، كما لا يهمنا كثيراً التوقف أمام مختاراته من الشعر والنثر، قدر عنايتنا بنقد الشعر الذي يعتمد فيه على الرواية، وينقل فيه آراء نقدية لمن سبقه من النقاد، وتتجلى قيمة الكتاب بعناية المؤلف البالغة بالتشبيه من حيث : أنواعه، وأمثلته، وجيده، لدى القدامى والمحدثين .

           ولقد ترك علي بن عيسى الرماني المتوفى سنة 384 هـ ـ وقيل سنة 386 هـ ـ بصمات واضحة على التراث النقدي والبلاغي، وتعد رسالته »النكت في إعجاز القرآن « ذات قيمة نقدية وتاريخية مهمة ، وقيل إنّ هذه الرسالة نشرها الدكتور عبد العليم في الهند عام 1934 م تحت عنوان »كتاب النكت في مجاز القرآن «  وقد نشرتها دار المعارف بمصر دون تاريخ ضمن » ثلاث رسائل في إعجاز القرآن« بتحقيق : محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، وتقع رسالة » النكت في إعجاز القرآن « في الصفحات من تسع وستين إلى أربع ومائة، وقد اعتمد البحث هذه الطبعة ، وتعد هذه الرسالة الصغيرة ذات تأثير على التراث النقدي والبلاغي لما تركته من بصمات واضحة على اللاحقين سواء أكان في الحدود البلاغية والنقدية أم في الأمثلة التي استشهد بها ، وتتميز هذه الرسالة بقيمتها النقدية التي تتعدد فيها عناية الرماني ابتداء من المستويات الصوتية والإيقاعية في تلاؤم الحروف في التأليف، والفرق بين القافية في الشعر والفاصلة في القرآن، إلى عنايته بالجناس في مستوياته المختلفة ، وتُعنى هذه الرسالة أيضا بتمايز مستويات الأداء النمطي والفني : من جهة الإطناب، والإيجاز ببعديه : الحذف والقصر، ووظائفها وتحديد ماهياتها، وكذلك التشبيه والاستعارة وتحديد ماهياتهما ووظائفهما، إضافة إلى عناية المؤلف بالمبالغة والبيان، ويضرب الرماني لهذا كله أمثلة من الآيات القرآنية الكريمة، إضافة إلى عنايته بأمثلة شعرية، وهو أمر نادر ، والرسالة على قصرها وقلة صفحاتها ذات قيمة نقدية وبلاغية.

           ولأبي عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني المتوفى سنة 384 هـ عدة كتب أولها : » معجم الشعراء « وقد طبع هذا الكتاب مرتين، الأولى بتحقيق : فريتس كرنكو، ومعه كتاب » المؤتلف والمختلف « للآمدي، ونشرته مكتبة القدسي في القاهرة سنة 1354 هـ، وقد اطلعت على هذه الطبعة، غير أنّ بحثنا اعتمد طبعة أخرى، وهي الطبعة الثانية التي قام بتحقيقها : عبد الستار أحمد فراج، وقد عُنيت بنشرها دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، في القاهرة سنة 1960 م، قد أشار عبد الستار أحمد فراج لنواقص عديدة في طبعة كرنكو ، وقد ألحق فراج بطبعته فهارس نافعة ، والكتاب مخصص لتراجم الشعراء، وتتركز عنايته البالغة بالشاعر، واستشهاده بنصوص شعرية ولكن عنايته بالتحليل وإصدار الأحكام النقدية نادرة، وحتى في حالة إصداره أحكاما نقدية ـ على ندرتها ـ فيمكن تصنيفها في إطار الاستجابات الانطباعية العامة، كأن يصف شاعراً بأنه » بارد الشعر ضعيف القول « ، وما وصل إلينا من الكتاب ناقص من أوله، وقد رتبه المرزباني ترتيباً هجائياً، فابتدأ ما وصلنا منه بمن اسمه «عمرو» من الشعراء، وانتهى بحرف الياء ، ويمكن إجمال القول بأنّ القيمة النقدية للكتاب ضئيلة.

           أما كتابه المعروف بـ » الموشح « فقد تولت جمعية نشر الكتب العربية بالقاهرة نشره في مصر سنة 1343 هـ ، وقد تولت نشره المطبعة السلفية تحت عنوان «المـوشـح في مآخـذ العلماء على الشعراء » وقد ألحقت بالكتاب فهارس نافعة، وقد اطلعت على هذه الطبعة، غير أن بحثنا اعتمد على طبعة دار نهضة مصر التي نشرت الكتاب سنة 1965 م في القاهرة بتحقيق : علي محمد البجاوي تحت عنوان » الموشح، مآخـذ العلماء على الشعراء في عـدة أنـواع من صناعة الشعر «، وقد ألحق به محققه فهارس نافعة ، وكتاب »الموشح« يدل عليه عنوانه، فهو يعنى بمآخذ العلماء على الشعراء، وتغلب على الكتاب النـزعة التعليمية، ويمكن تقسيم الكتاب إلى تراجم للشعراء، والى خصائص الشعر وعيوبه، ففي القسم الأول يؤرخ المؤلف للشعراء بحسب أزمانهم، ويبدأ بشعراء الجاهلية ويتلوهم بشعراء الإسلام، ومن ثم الشعراء المحدثين، وتغلب على ترجمته للشعراء كثرة الروايات التي ينقلها، وتتخللها أيضاً نقولٌ عن كتب نقدية ذات أثر في الحركة النقدية، مستدلاً بها على عيوب الشعر ، ويُعنى المرزباني في القسم الثاني بفنون الشعر وعيوبه، إذ يتناول عيوب القافية : كالإقواء، والإكفاء، والإيطاء، وتغلب عليه ـ هنا ـ الرواية أيضاً، كما يعنى بألوان أخرى من عيوب الشعر، وهي نقل حرفي من كتب نقدية معروفة، يشير إليها المرزباني، ومن هذه الكتب : » عيار الشعر « لابن طباطبا العلوي و» نقد الشعر « لقدامة بن جعفر، وهذا ما يقلل من أهمية الكتاب وقيمته في آن، إذ إنّ الغاية التي يهدف إليها المؤلف تعليمية، ويقل فيها التأصيل إلى حد كبير، ويتجلى ذلك في كثرة الرواية وكثرة النقل من الكتب التي أشرنا إليها .

           أما كتاب » نور القبس المختصر من المقتبس في أخبار النحاة والأدباء والشعراء والعلماء « للمرزباني، فقد حققه رودلف زلهايم، ونشرته دار فرانتس شتاينر في فيسبادن سنة 1384 هـ ـ 1964 م ـ، ويُعنى هذا الكتاب بالتراجم ويختص بها ، وقد رتبه مؤلفه على أساس الحواضر الإسلامية : البصرة، والكوفة، وبغداد، وتحدث عن أخبار علماء البصرة ونحاتها ورواتها، وفعل مثل ذلك مع الكوفة وبغـداد، وما في الكتاب من آراء أدبيـة نادرة جـداً، لا ترقـى في قيمتها لما في كتـاب »الموشح « من آراء ، لأن عناية المؤلف متركزة في ذكر الأخبار والروايات .

 ولـ » إسماعيل بن عبّاد « المعروف بالصاحب بن عبّاد، المتوفى سنة 385 هـ إسهامات متعددة يُعنينا منها اثنان : أولهما :« الإقنـاع في الـعروض وتخريج القوافي » والكتاب بتحقيق : الشيخ محمد حسن آل ياسين، وقد نشرته مطبعة المعارف في بغداد سنة 1379 هـ ـ 1960 م، ويعنى كتاب » الإقناع « بالعروض العربي من حيث حدوده، وأوزانه، وإرجاع الأوزان إلى أصولها في الدوائر العروضية، إضافة إلى تتبع الأوزان الشعرية باختلاف أضربها، وأعاريضها، وزحافاتها، موزعاً إياها على دوائرها العروضية المعروفة، ويستشهد المؤلف لذلك بأمثلة شعرية ، أما في تخريج القوافي فيُعنى المؤلف بأنواع القافية، وعيوبها، وأحرفها، وحركاتها .

           أما إسهام الصاحب بن عبّاد الثاني فهو رسالته » الكشف عن مساوئ شعر المتنبي «، وقيل إنّ هذه الرسالة نشرت في القاهرة سنة 1342 هـ ، وقيل نشرتها مكتبة القدسي في القاهرة أيضاً سنة 1346 هـ ، وقيل إنها طبعت بمطبعة المعاهد في مصر سنة 1349 هـ ، وطبعت الرسالة مع كتاب » الإبانة عن سرقات المتنبي « لأبي سعيد محمد بن أحمد العميدي، بتحقيق : إبراهيم الدسوقي البساطي، وقد نشرت الكتاب دار المعـارف بمـصر سنة 1961 م، وعنـوان رسـالة الصاحب بن عبـّاد » الكشف عن مساوئ المتنبي «، وهي تقع في الصفحات من إحدى وعشرين ومائتين إلى خمسين ومائتين، وقد اعتمد البحث هذه الطبعة، ويقال إن »الكشف عن مساوئ شعر المتنبي « نشرتها مكتبة النهضة في بغداد سنة 1965 م بتحقيق : الشيخ محمد حسن آل ياسين

           وإذا كان المؤلف متحاملاً على المتنبي فإنّ هذه الرسالة تنطوي على قضايا نقدية مهمة، منها ما يتصل بالنظام الصوتي وأثره في جماليات الأداء اللغوي، كثقل الأصوات اللغوية وتكرارها، إضافة إلى أهمية الإيقاع وعلاقته بالبناء الصوتي، وبخاصة في سناد القافية، ونحو ذلك، ومنها ما يتصل بصفات الناقد والخصائص الواجب توافرها فيه، ومنها ما يتصل ببنية القصيدة، وقد عرّج الصاحب بن عبّاد على ذكر تفاوت مستويات الأداء الشعري عند المتنبي في اللفظ وتركيبه، والاستعارة وغلوها، وأمثال ذلك ، وتغلب على نقد الصاحب بن عبّاد الملاحظات الجزئية التي تفتقر غالباً إلى التعليل ، ومما يثير الانتباه تحامل الصاحب بن عبّاد على المتنبي إلى حد السخرية، ولعل هذا يرجّح أن يكون عنوان هذه الرسالة » الكشف عن مساوئ المتنبي  « .

           وقد طبع كتاب » الوساطة بين المتنبي وخصومه « للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة 392 هـ عدة مرات ، فقد نشرت الكتاب مطبعة العرفان في صيدا سنة 1331 هـ ـ 1912 م بتحقيق : أحمد عارف الزين، وقد اطلعت على هذه الطبعة التي ألحق بها المحقق فهارس نافعة، وهي لا تخلو من الأخطاء ، وقيل إن الكتاب طبع مرة أخرى بتحقيق : عبد المتعال الصعيدي وأحمد عارف الزين، بمطبعة صبيح في القاهرة سنة 1984 م ، وقد أعاد محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي تحقيق الكتاب، وإعادة نشره أربع مرات، وقد نشرتها كلها دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه في القاهرة، وقد نشرت الطبعة الثانية سنة 1951 م، أما الأولى والثالثة فهما بدون تاريخ، وأما الرابعة التي اعتمدها بحثنا فقد نشرت سنة 1386 هـ ـ 1966 م، وقد ألحق المحققان بهذه الطبعات فهارس نافعة .

           وغير خافٍ أنّ كتاب » الوساطة « من الكتب النقدية المتميزة، وقد حاول فيه القاضي الجرجاني أن يتوسط في الحكم بين أنصار المتنبي وخصومه، وعلى الرغم من أنّ شعر المتنبي يحتل مركزاً تدور حوله الآراء النقدية فإنّ المؤلف لم يقتصر على ذلك، بل طوّف في نقد شعراء آخرين، قدامى ومحدثين، كامريء القيس وزهير بن أبي سُلمى وجرير والفرزدق وأبي تمام وأبي نواس، والحديث عن تفاوت أشعارهم، وتمييز جيدها عن رديئها ، وإذا كان الكتاب مليئاً بالشواهد للشعراء ، وبخاصة لشعر المتنبي ، فإنه يفيض في الوقت نفسه بالآراء النقدية المتعددة في ماهية الشعر ومهمته وبنائه ولغته، إضافة إلى التفصيل في الأشكال البلاغية المختلفة كالجناس والطباق والتشبيه والاستعارة، فضلا عن موضوع السرقات من حيث المعاني المشتركة والمتداولة، وكيفية التفاضل في الشعر المتداول ، وقد أخذ درس السرقات مساحة ليست قليلة، إضافة إلى هذا كله الموازنات التي أقامها الجرجاني بين المتنبي وغيره من الشعراء كالبحتري وابن الرومي وابن المعذّل، من أجل أن ينتصف للمتنبي، ويتوسط بينه وبين خصومه .

           أما أبو الفتح عثمان بن جنّي المتوفى سنة 392 هـ فقد تعددت آثاره بين الشروح الشعرية والتأصيلات اللغوية التي تتداخل معها وبها آراؤه النقدية، فمن شروحه الشعرية » تفسير أرجوزة أبي نواس في تقريض الفضل بن الربيع وزير الرشيد والأمين « والكتاب من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، وقد نُشرت الطبعة الثانية التي اعتمدها بحثنا سنة 1400 هـ ـ 1979م، وهي بتحقيق : محمد بهجة الأثري ، ويُعنى ابن جني في هذا الكتاب بشرح أرجوزة أبي نواس التي أولها :

 

وَبَلـْــدةٍ فـيهـا زَوَرْ

صـعـراء تـخطى في صـَعَرْ


غير أنّ هذه الأرجوزة لا تمثل سوى محور يرتكز عليه ابن جني، إذ إنّ شرحه يمثل موسوعة لغوية يُطوّف فيها ابن جني بين علوم العربية ويستطرد، ويحدد هدفه في مقدمة كتابه حيث يقول :» سألت ـ أعزك الله ـ أن أعرب لك أرجوزة أبي نواس التي أولها » وبلدة فيها زور « وأن أشبع الكلام، وأن أفسّر ما فيها من معنى ولغة وإعراب وأورد في ذلك النظائر»  ، وقد شغلت ابن جني أمور منها أنه يشرح معاني بعض المفردات ويتوقف عندها، وكأن غموض البيت الشعري مقترن بهذه المفردات، فإنْ أميط اللثام عن معانيها اتضحت دلالة البيت الشعري كله، غير أن قصد ابن جني لم يقتصر على شرح هذه المعاني فحسب، بل كان يتناول الأبيات الشعرية في بعض مفرداتها إعراباً، ويستطرد في ألوان هذا الإعراب وتقديراته المختلفة واحتمالاته المتعددة، ويستشهد لهذا كله بآيات قرآنية كريمة أو أبيات من الشعر العربي، وأكثر من هذا إنّ ابن جني يغلب عليه ـ هنا ـ تناول بعض المفردات تناولاً معجمياً، بحيث لا يكشف عن دلالة الكلمة عبر سياقها، وكان يشغله في أحايين كثيرة الكشف عن مشكلة لغوية، فجعل من أرجوزة أبي نواس محوراً تدور حولها قضايا ومعضلات لغوية عديدة ، ويُعنى ابن جني أحياناً بالكشف عن دلالة الكلمة من خلال سياقها اللغوي، ولكنه لا يتوقف طويلاً عندها، بل يذهب ـ في الغالب ـ ليعدد دلالات هذه الكلمة في سياقات مختلفة، ويستشهد لذلك بنصوص من القرآن الكريم والشعر العربي، ويُرجع الكلمة إلى أصل دلالتها في الوضع، وما تفرعت عنه من دلالات أخرى، ويعرّج في الوقت نفسه على موضوعه الأثير وهو الدرس العميق للقضايا اللغوية والنحوية والصرفية والعروضية .

          ويؤكد ابن جني بهذا الشرح عنايته بالشعر المحدث، على غرار ما فعل مع المتنبي ـ مما سيأتي ذكره ـ وهو يؤكد أنّ تفسيره لأرجوزة أبي نواس ـ هنا ـ قد اشتمل على » لغة، وإعراب، وشعر، ومعنى، ونظير، وعروض، وتصريف، واشتقاق، وشيء من علم القوافي «  .

           أما كتاب » التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري « فقد نشرته مطبعة العاني ببغداد سنة 1381 هـ ـ 1962 م، بتحقيق : أحمد ناجي القيسي، وخديجة عبد الرزاق الحديثي، وأحمد مطلوب، وراجعه مصطفى جواد ، والكتاب شأنه شأن شروح الشعر لدى ابن جني موسوعة لغوية تتجاذبها عناية ابن جني اللغوية من جهة تأصيل الأصول اللغوية وإرجاع فروعها إليها، إضافة إلى عنايته البالغة بالنظام الصرفي، من حيث أوزان الصيغ الصرفية وإرجاعها إلى أصولها، ولم تقتصر عناية ابن جني على ذلك بل تتجاوزها إلى جوانب إيقاعية تتصل بالأوزان والقوافي، إضافة إلى عنايته بالدلالات والكشف عنها من خلال سياقاتها، فضلا عن إشاراته المقتضبة الموجزة إلى بعض القضايا البلاغية .

           إنّ ابن جني في » التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري « يركز عنايته بالشعر، ويتوقف عند الأبيات الشعرية ذاكراً معانيها، ولكنه ـ في الحقيقة ـ لا يتوقف عند إجمال معنى البيت، بل يذكر معنى كلمة أو أكثر، فيرى أنّ تفسيرها يعد ضرورياً لفهم البيت الشعري كله، وكأن تفسير البيت الشعري وفهم دلالته مقترنٌ بفهم بعض مفرداته من ناحية، وكأننا في الوقت ذاته أمام عالم لغوي يُعنى بغريب اللغة من ناحية أخرى ، إذن، فشرح البيت الشعري مقترنٌ بشرح بعض مفرداته، وقد قاد هذا ابن جني إلى التركيز على إعطاء معاني هذه المفردات المعجمية المختلفة، كما كان يُعنى في الوقت نفسه بإيضاح القضايا النحوية وتحديد مواطنها في البيت الشعري، ولا يغفل أنْ يعزز ذلك بالأدلة والشواهد الشعرية والقرآنية ونحوها، كما كان يُعنى بإيضاح بعض صور المجاز المختلفة التي تنطوي عليها الأبيات الشعرية .

           أما كتاب ابن جني المعروف » الخصائص « فقد نشر عدة مرات، إذ يقال إنه طبع سنة 1914 م فيما ينقل ذلك كارل بروكلمان  ، وقد نشرته مطبعة الهلال بالفجالة في مصر سنة 1931 م وقد اطلعت على الجزء الأول من هذه الطبعة، وهي غير محققة ، ثم نشرته دار الكتب المصرية في القاهرة سنة 1952 م ـ 1956 م بتحقيق : محمد علي النجار بثلاثة أجزاء، وقد اعتمد البحث هذه الطبعة، كما قد نشرت الكتاب دار الهدى للطباعة والنشر في بيروت، من غير تاريخ، مصوراً عن طبعة دار الكتب المصرية.

           إن كتاب » الخصائص « يشتمل على علوم عديدة في العربية، ولا أحسب أنّ تصنيفه تحت أحدها يصدق تماماً إلا على نحو الإجمال، إذ تتداخل فيه دراسة الأصول بالقضايا النحوية والبلاغية، وتتداخل فيه أيضا حدود اللغة واشتقاقاتها وتقليباتها بقضايا عروضية وإعرابية وصرفية .

           وقد رتب ابن جني كتاب » الخصائص « في اثنين وستين ومائة باب، ولم يكن ترتيب هذه الأبواب يحكمه منطق معين، فيما يبدو، إذ تتتابع الموضوعات وتتداخل وتتشعب بشكل فريد ، ولا نريد أن نصنف موضوعات الكتاب تصنيفاً تقليدياً، نشير فيه إلى موضوعات اللغة والنحو والصرف والبلاغة والعروض، سواء من جهة تأسيس الأصول وضرورة إلزام الفروع بها، أو من جهة الحديث عن البناء والإعراب والعلل النحوية وعلاقة النحو بالسياق، أو الحديث عن القيم الصرفية وعلاقتها بالدلالة، ودور الاشتقاق في ذلك، أو الحديث عن المجاز والتشبيه والاستعارة، وإنما يمكن تصنيف ذلك في إطار فاعلية الأنظمة اللغوية وعلاقتها المتفاعلة بالسياق من جهة النظام الصرفي والنحوي، وبخاصة في مجال الصيغ الصرفية والاشتقاق في النظام الصرفي، ومستويات الحذف والتقديم والتأخير ونحوها ـ فيما أطلق عليها ابن جني ـ شجاعة العربية ـ في النظام النحوي . أما من جهة لغة الشعر وتغاير مستويات الأداء النمطي ـ العادي ـ والأداء الفني ـ الشعري ـ فيتجلى في التمايز بين الحقيقة والمجاز، إضافة إلى نظرة ابن جني في تحديد المجاز الذي يتسع ليشمل اللغة بأسرها، ووعيه لوظيفة المجاز في اتساع اللغة، فضلاً عن عناية ابن جني البالغة بالدلالات من حيث ثباتها وتفاوتها .

           إنّ هذه الموضوعات المتعددة متداخلة ومتناثرة في ثنايا كتاب »الخصائص« وبخاصة أنّ الأنظمة اللغوية والجمالية تتداخل مع بعضها إلى حد بعيد، ويحاول ابن جني أنْ يكشف عنها ويؤسس أصولها، وفي ضوء هذا نستطيع القول ـ في الأقل فيما يتصل بموضوع بحثنا ـ إنّ كتاب»الخصائص« يغلب عليه في أحد جوانبه ما نطلق عليه فاعلية النظام الصرفي من ناحية، وفاعلية النظام النحوي من ناحية أخرى، وفي ضوء تغاير الدلالات عبر الكيفيات المختلفة لتراكيب الجملة، والسبب في ذلك أنّ » الخصائص « لا يقتصر على هذا، بل يعنى بجوانب معيارية فيما يتصل بالصواب والخطأ من زاوية، ويعنى من زاوية أخرى باللغة بوصفها تشكيلاً تتمايز فيه مستويات الأداء، إضافة إلى اشتماله على موضوعات تتصل بالإيقاع والصورة الشعرية وماهية الشعر ومهمته، ونحوها من الموضوعات النقدية المتميزة .

           أما » سر صناعة الإعراب « لابن جني فقد طبع الجزء الأول منه بتحقيق : مصطفى السقا ومحمد الزفزاف وإبراهيم مصطفى وعبد الله أمين، وقد نشرت هذا الجزء دار إحياء التراث القديم، مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1374هـ ـ1954م، ولم أعرف أنّ هناك طبعة سبقتها، وهذه الطبعة هي التي اعتمدها بحثنا ، ورجعت فيما تبقى من الكتاب إلى نسخة خطية، وهي مخطوطة دار الكتب المصرية تحت رقم : 120 لغة، واستعنت بنسخة أخرى مصورة بالمايكرو فيلم في معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية تحت رقم : 51 نحو ، وعرفت فيما بعد أن حسن هنداوي قد حقق كتاب » سر صناعة الإعراب « كاملاً، ونشره في جزأين، وقد تولت دار القلم نشره في دمشق سنة 1985 م .

           إنّ كتاب » سر صناعة الإعراب « وإن كان يعنى بالكلام على حروف المعجم التي تأتلف فيها الأبنية الكلامية، فهو يشتمل على دراسة الأصوات من حيث : همسها، وجهارتها، وشدتها، ورخاوتها، ونحو ذلك، كما أنه يتناول حروف المعجم كلها من حيث : وصفها، وصفاتها، وما يعرض لها من تغير يؤدي إلى إعلال، أو إبدال، أو إدغام، أو حذف، أو نحو ذلك كله بكلام العرب وأشعارهم .

          و » سر صناعة الإعراب « من هذه الناحية دراسة علمية رفيعة المستوى تخصصت في دراسة النظام الصوتي، وما يعنينا في دراستنا أنّ ابن جني تجاوز الوصف التفصيلي الدقيق للأصوات إلى الكشف عن جماليات الأبنية الصوتية من حيث إفرادها ومزجها، ومن هنا تتأتى القيمة الجمالية للبناء الصوتي، إضافةً إلى تجاوز ذلك في تحديد أهمية النظام الصوتي في الكشف عن جماليات شعرية، وبخاصة في تأليف الأصوات، كما أنه عني بخصائص البناء الصوتي في أثناء تركيب الجمل، كما قد أفرد ابن جني فصلا في القسم المخطوط من الكتاب يذكر فيه مذهب العرب في مزج الحروف بعضها ببعض، وما يجوز في ذلك وما يمتنع وما يحسن وما يقبح.

           إن كتاب » سر صناعة الإعراب « يُرسي في مدخله التمايز بين الصوت والحرف والحركة ومعنى حروف المعجم، ثم يعرض لتقسيم الحروف من حيث مخارجها وصفاتها، ويبدأ ابن جني في ترتيب الكتاب بحرف الهمزة، ويتوقف الجزء المطبوع عند نهاية حرف الكاف، ولا يختلف بناء القسم المخطوط من حيث تتبع حروف المعجم .

           ومن الجدير بالإشارة أنّ هذا الكتاب لا يخلو هو الآخر من تتبع بعض القضايا النحوية والصرفية والعروضية، وإنْ كان يمر عليها مروراً سريعاً، ولا يتوقف عندها كما كان يفعل ذلك في كتبه الأخرى .

           ولابن جني كتاب » العروض «، الذي قيل إنه طبع في بيروت سنة 1972 م بتحقيق حسن شاذلي فرهود ، ولم يتيسر لي الحصول عليه، فرجعت إلى نسخة خطية مصورة بالميكروفيلم في معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية تحت رقم 17 عروض وقوافٍ .

           وكتاب » العروض « يقع في ست وعشرين ورقة، يُعنى فيه ابن جني بالعروض وتأسيس أصوله وتحديد قضاياه من حيث الأوزان وإعادتها إلى دوائرها العروضية المعروفة، وكان يتتبع الأوزان الشعرية مشيراً إلى أضربها وأعاريضها المختلفة، إضافة إلى تحديد زحافاتها وعللها، ويضرب ابن جني لذلك كله أمثلة من الشواهد الشعرية .

           وقد عني ابن جني بالمتنبي وأفرد له شروحاً عديدة، منها كتاب » الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي «، وهو بتحقيق : محسن غياض، وقد نشرته دار الحرية للطباعة في بغداد سنة 1973 م، ويعمد ابن جني في الفتح الوهبي » إلى استخلاص أبيات المعاني، وما يتصل بها مما هو جار في احتمال السؤال عنه من جملة ديوان أحمد بن الحسين المتنبي وتجريدها ووضع اليد عليها وتحديدها ليقرب تناولها ومشارفتها« ويؤكد ابن جني أيضاً أنه يجتنب » الإطالة بشواهد لغتها وبسط القول على ما يعرض من ملتبس إعرابها « ويُعنى ابن جني بشرح معنى البيت كله، فهو لا يتوقف ـ هنا ـ كثيرا عند بعض المفردات كما فعل في شروح أخرى إلا بمقدار ما يكشف غموضا يقود إلى شرح المعنى، وتوقفه، في هذا المجال، مقترن بإيجاز شديد يذكر فيه قضايا نحوية عابرة أو لغوية عارضة ونحوها .

           ويلتزم ابن جني في شرحه هذا بإيراد معاني الأبيات كما تمثلها هو، أو كما كان يراها المتنبي، والتزم بهذا وحافظ عليه، وأكده في مقدمة كتابه  ، ورتب ابن جني كتابه هذا على حروف المعجم، وكان لا يتوقف عند كل أبيات القصيدة، كما قد أهمل بعض القصائد التي تناولها في شرحيه الآخرين لشعر المتنبي، ويعد هذا الكتاب شرحاً ميسراً لديوان المتنبي، إذ لا يتوقف فيه ابن جني عند القضايا النحوية واللغوية طويلاً كما فعل في غيره، كما أنه يشير إلى القضايا التي يريد معالجتها إشارات سريعة مقتضبة في أثناء تعرضه لقضايا المجاز والاستعارة ونحوهما، أو لبعض القضايا النحوية والعروضية، وتتجلى قيمة الكتاب في الكشف عن الجوانب الدلالية التي تنبئ عنها فاعلية السياق .

 وإذا كان ابن جني قد عني بكتابه السالف » الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي» بأبيات معاني شعر المتنبي، وأحال في بعض قضاياه إلى شرحه الموسع عنه، فإنّ « الفَسْر » يعد شرحاً موسعاً ومفصلاً لديوان المتنبي، والفسر ليس كتاباً واحداً، وإنما هو كتابان، أحدهما: الفسر الصغير، والآخر الفسر الكبير ، ولم يطبع الفسر الصغير ـ في حدود علمي ـ ولذلك رجعت إلى نسخة خطية تحت رقم 23 أدب، في دار الكتب المصرية ، أما الفسر الكبير فقد رجعت إليه بتحقيق : صفاء خلوصي، وقد نشره تحت عنوان «ديوان أبي الطيب المتنبي، بشرح أبي الفتح عثمان بن جني المسمى بالفسر« وقد نشرته دار الجمهورية في بغداد سنة 1389 هـ ـ 1969م، والمطبوع قسم من الكتاب، ولذا استعنت بنسخة خطية موجزة مصورة على الميكروفيلم في معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية تحت رقم 526 أدب .

ووجد صفاء خلوصي حواشي في بعض نسخ مخطوطات الفسر، وهذه الحواشي ليست لابن جني، ولكنه ـ أي المحقق ـ قد أدرجها في متن الكتاب، ـ وليس هذا مكانها ـ وقد يوحي ظاهرها أنها لابن جني على الرغم من أنّ المحقق قد أشار إليها ، ومن الملاحظ أنّ بعض هذه الحواشي لا تخلو من تحامل على المتنبي وعلى ابن جني أيضاً، يضارع دفاع ابن جني عن المتنبي واعتذاره عنه .

           ولما كان الفسر الصغير شرحاً موجزاً والفسر الكبير شرحاً مفصلاً لشعر المتنبي فإنّ الحديث عن الأخير يدل عليهما دلالة واضحة من جهة المنهج، ومن جهة ما ينطويان عليه من آراء، ويمثل الفسر الكبير أوسع شروح ابن جني الشعرية، ويعد من المصنفات التي يمكنها أن تكشف عن العملية النقدية على نحو من الأنحاء، وبخاصة في مجال مستويات التطور الدلالي للألفاظ إذا علمنا أنّ ابن جني يتتبع فيه معاني بعض المفردات ويتوقف عندها، كأن يذكر جذورها ومصادرها، ويتحدث عن صيغها واشتقاقها، ويتناول إفرادها وجمعها، ويتحدث عن الاختلاف في لغاتها، ويتعرض لبعض الظواهر اللغوية كظاهرة الإبدال في حروف الكلمة، ويستشهد على كل ظاهرة بأبيات من الشعر تدعم رأيه، كما يستدل على دلالة الألفاظ بورودها في سياقات شعرية متعددة، كأن يستشهد لدلالة الكلمات التي يستخدمها المتنبي بالدلالة الثابتة نفسها في سياقات شعرية سابقة للمتنبي، عند شعراء الجاهلية والإسلام، وهذا كثير، فمن الشعراء الذين استشهد بأشعارهم، على سبيل المثال لا الحصر : امرؤ القيس، وزهير بن أبي سُلمى، وطرفة بن العبد، ولبيد بن ربيعة، والأعشى، والفرزدق، وقيس بن الملوح، ومن المحدثين : أبو تمام،وأبو نواس ، والعباس بن الأحنف، وغيرهم .

 إنّ ابن جني قد يعمد في شرحه هذا إلى التمييز بين دلالة الألفاظ في السياق والمعجم، وقد لا يفعل ذلك، حين تشغله الدلالة المعجمية لذاتها، ولا يتوقف عند تفسير دلالة الكلمة، وإنما يميل إلى شرح معنى البيت الشعري على نحو إجمالي، ويشير أحياناً إلى قرب دلالته من شاعر سبقه، وهو في كلتا الحالتين يستطرد استطرادات عديدة سنأتي إلى التحدث عنها .

           ومما يثير الانتباه أنّ ابن جني في شرحه هذا، كما هو الحال في أغلب شروحه الشعرية، يمر في بعض الأحيان مروراً عابراً ببعض الأبيات الشعرية، ليشرح مفردة أو أكثر، أو يتوقف عند هذه المفردات طويلاً، وكأن إماطة اللثام عن غموض هذه الأبيات يتم بشرح هذه المفردة أو تلك.

           ويثير شعر المتنبي قضايا نحوية ولغوية عديدة، فيتوقف عندها ابن جني، ويحللها، ويستشهد لها بنماذج قرآنية أو شعرية، وقد شغل ابن جني كثيراً بتوثيق شعر المتنبي من حيث استخدام مفرداته، وأداؤه من حيث الدلالة والتركيبين النحوي والصرفي ونحو ذلك، إذ تمثل ألفاظ شعر المتنبي محاور يتوقف عندها ابن جني، ليطلع المتلقي على ثرائها اللغوي، بل إنه يفرط في ذلك إلى حد بعيد، وكأن القضية اللغوية أو النحوية أو الصرفية هي أحد أبرز غاياته من هذا الشرح .

           أما استطرادات ابن جني فإنها متنوعة، فقد يتوقف عند قضية نحوية، ويعرض فيها الآراء المختلفة، ويعمد إلى تقديرات إعرابية يرى أنها صحيحة ، كما قد يتوقف عند قضية لغوية أو صرفية، كاشفاً عن أصولها واشتقاقها، ويدلل على صحة ما يذهب بشواهد من القرآن الكريم أومن الشعر العربي ، ويمكن إجمال القول إنّ كتاب الفسر، وكذا شروحه الشعرية الأخرى، تُعنى عناية بالغة بالقضايا اللغوية والنحوية، وتعرض أحياناً لأوجه الخلاف بين الكوفيين والبصريين، وتكاد لا تخلو صفحة من شروحه الشعرية من تعرض لهذه القضايا، ولا يقتصر الأمر على ذلك، وإنْ كان غالباً فيه، ولكنه يُعنى من زاوية أخرى ببعض المواطن البلاغية كالتشبيه والاستعارة، أو يعنى ببعض القضايا الإيقاعية في العروض والقافية ، إذن، فالفَسْر، من هذه الناحية، موسوعة لغوية تشتمل على آراء ابن جني اللغوية والنحوية والصرفية والبلاغية والعروضية، وهو يتابع فيها هذه الموضوعات الخلافية مستشهداً بكثير من الأمثلة الشعرية، وعارضاً لآراء من سبقه أو عاصره من العلماء، ومن هؤلاء : سيبويه، والأصمعي، وأبو علي الفارسي، والفراء، وثعلب، وغيرهم.

           إنّ ابن جني حتى في تعامله مع القضايا النحوية واللغوية لم يكن يهدف إلى أنْ يكشف عن قضايا جمالية، غاية ما في الأمر، أنّ بعض المفردات في البيت الشعري تمثل محوراً تدور حوله القضية اللغوية أو النحوية، ولم يكن ابن جني يُعنى كثيراً بالكشف عن تغاير الدلالات في السياق إلا بمقدار ما ينطوي عليه الشرح من التوقف عند المجاز، أو بمقدار ما ينطوي عليه من تقديم وتأخير وحذف ونحو ذلك، مما يدفعنا إلى القول : إنّ ابن جني كان يروم الكشف عن الدلالات الغامضة ويطيل التوقف عند غريبها .

           ومن مصنفات ابن جني الكبرى كتابه » المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها « ويقع هذا الكتاب في جزأين ، ويبدأ الجزء الأول ـ بعد تقديم ابن جني ـ بسورة الفاتحة وينتهي بسورة إبراهيم، ويبدأ الجزء الثاني بسورة الحجر وينتهي بسورة الناس ، وقد نَشَرَ الكتاب بجزأيه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعُني بتحقيق الجزء الأول : علي النجدي ناصف، وعبد الحليم النجار، وعبد الفتاح إسماعيل شلبي، ونشر هذا الجزء في القاهرة سنة 1386 هـ ـ 1966 م، أما الجزء الثاني فقد عنيت بتحقيقه لجنة التحقيق نفسها ماعدا عبد الحليم النجار الذي وافته المنية بعد الانتهاء من تحقيق الجزء الأول، وقد نشر الجزء الثاني في القاهرة أيضا سنة 1389 هـ ـ 1969م .

           وكتاب » المحتسب « شأنه شأن كتب ابن جني الأخرى موسوعة لغوية ذات قيمة فائقة تشتمل على آرائه في اللغة والنحو والصرف ونحو ذلك، ومن الجدير بالإشارة أنّ هذا الكتاب قد ألفه ابن جني في أخريات حياته ، مما يدل على أنه ينطوي على أهم آرائه اللغوية والنقدية، وعلى الرغم من أن الكتاب مخصصٌ للقراءات الشاذة التي احتج لها ابن جني، واعتقد أن لها قوة في اللغة وآخذة في سمت العربية فإنه لا يقتصر على ذلك، فهو يعرض للقراءة القرآنية ومن قرأ بها، ويذكر آراء العلماء فيها، ثم يذهب يتلمس لها «شاهداً فيرويه أو نظيراً فيقيسه عليه، أو لهجةً فيردها إليها ويؤنسها بها، أو تأويلاً أو توجيهاً فيعرضه في قصد واجمال «.

           إنّ القيمة النقدية للكتاب تتجلى ـ في الحقيقة ـ في الكشف عن قيمة الأنظمة اللغوية والكشف عن جمالياتها، في مجال التعريف والتنكير، وفي التأخير والتقديم، وفي الحذف، وبخاصة في النظام النحوي ، وابن جني لا يكشف عن النظام النحوي بوصفه درساً معيارياً يَزِنُ به الصواب والخطأ، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الكشف عن الأبعاد الجمالية، بحيث يفسرها ويعلل معطياتها في ضوء الأنظمة اللغوية ، ومن الجدير بالذكر التأكيد أنّ شواهد ابن جني وآراءه تتكرر أحياناً، ويحيل القارئ إليها في بعض كتبه، غير أنه يتميز ـ في كتابه هذا ـ بشمول رؤيته وتكاملها من ناحية، ونضج آرائـه وعمقها من ناحية أخرى .

           وبقي لابن جني ـ أخيراً ـ رسالة في القوافي عنوانها » مختصر القوافي «، وهي بتحقيق حسن شاذلي فرهود، وقد نشرتها دار التراث في القاهرة سنة 1395هـ 1975م و » مختصر القوافي « رسالة صغيرة تدرس القوافي من حيث حدها، وأنواعها : كالمتكاوس، والمتراكب، والمتدارك، والمتواتر، والمترادف، وحدود هذه الأنواع، كما يعرض ابن جني لحروف القافية وحركاتها، ويختم رسالته هذه في الحديث عن عيوب القافية : كالإقواء، والإكفاء، والإيطاء، والإسناد، ويستشهد لهذا كله بأمثلة شعرية، وتتجلى في هذه الرسالة القيمة الصوتية الإيقاعية التي تكشف عن أبعاد جمالية في أثناء تعرض ابن جني لبعض عيوب القافية، وفي أثناء تعرضه لحركات القافية .

           أما القاضي عبد الجبار بن أحمد المتوفى سنة 415 هـ فله كتاب » تنـزيه القرآن عن المطاعن « وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات، إذ يقال إنه طبع سنة 1326 هـ في القاهرة ، كما قد طبعته المطبعة الجمالية في مصر سنة 1329 هـ، وقد اطلعت عليها، وهي طبعة غير محققة، وقد ضمت هذه الطبعة في آخرها مقدمة تفسير الراغب الأصفهاني، وقد اعتمد بحثنا الطبعة التي نشرتها الشركة الشرقية للنشر والتوزيع ودار النهضة الحديثة في بيروت، بدون تاريخ، وهي من غير تحقيق.

           ويردُّ القاضي عبد الجبار بن أحمد في كتابه هذا على من يطعن في الآيات القرآنية الكريمة، سواء في الإعراب أو في المعاني أو في اللغة، ويحدد القاضي عبد الجبار غاية كتابه بمعرفة معاني القرآن الكريم ليقي الناس من الضلال، الذي وقعوا فيه بتمسكهم في المتشابه، ولذلك فإن الانتفاع بالقرآن الكريم لا يتم ـ كما يرى ـ إلا »بعد الوقوف على معاني ما فيه وبعد الفصل بين محكمه ومتشابهه «  .

           وكتابه » تنـزيه القرآن عن المطاعن « تفسير موجز للقرآن الكريم، عرض فيه المؤلف لسور القرآن الكريم على ترتيبها المعروف، وبيّن فيه معاني ما تشابه، وقد ابتدأه بفاتحة الكتاب وأنهاه بسورة الناس، وهو يتوقف عند الآيات القرآنية التي أثارت جدلاً وخلافاً، محاولاً تفسيرها وتأويلها لتؤيد وجهة نظره الاعتزالية .

           ويبدو أنّ المؤلف قد أملى كتابه هذا، ثم جُمع بعد ذلك، إذ هو مبني على أساس المساءلة، والإجابة عنها، وقد كرس المؤلف هذا الكتاب لعرض أفكاره الاعتزالية، سواء الأصول منها كالتوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنـزلة بين المنـزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ما يتفرع عنها من مسائل ، وتتجلى قيمة الكتاب في أنه يحاول إظهار معاني الآيات القرآنية الكريمة في ضوء رؤيته الاعتزالية، معتمداً الدليل العقلي، ومتكئاً على البعد الباطني للآية القرآنية الكريمة، وهذا يعني أنّ تفسيره يعتمد أساسا على التفسير المجازي للقرآن الكريم .

           وتتداخل في تضاعيف كتاب » تنـزيه القرآن عن المطاعن « القضايا النحوية ـ نادراً ـ بالقضايا الكلامية، وتتداخل معها قضايا المجاز والأصول والفلسفة ونحوها، ويشملها كلها إطار عقلي يحكم الآية القرآنية، وتتفرع عنها مسائل وإجابات منطقية وكلامية عديدة .

           وللقاضي عبد الجبار بن أحمد كتاب » شرح الأصول الخمسة« وقد علّق على الكتاب : الإمام : أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، ونشرت الكتاب مكتبة وهبة في القاهرة سنة 1965 م بتحقيق عبد الكريم عثمان، والكتاب يدل عليه عنوانه، فهو شرح للأصول الخمسة للفكر الاعتزالي، يبدأ فيها الشارح الإمام أحمد بن الحسين بذكر نص أقوال القاضي عبد الجبار بن أحمد، ومن ثم يعرّج على شرحها وتفسيرها، ويبدو أنّ القاضي عبد الجبار قد أملى الكتاب إملاء، ويدل على ذلك سهولة عبارته ووضوحها، وهذا ما فطن إليه محقق الكتاب، ورجّح أنْ يكون المؤلف كان يُلقيه في دروس تحضرها العامة والخاصة، فأراد أن يبسط أصول المعتزلة وفروعها وييسر تناولها  .

           وقد تناول القاضي عبد الجبار بن أحمد في هذا الكتاب أصول الفكر الاعتزالي غير أنَّ قيمة هذا الكتاب تتجلى بالنسبة لبحثنا في إطارين : أولهما : الكشف عن الأصول الاعتزالية، وثانيهما : تناوله قضايا جوهرية تكشف عن التصورات النقدية، أو يكشف عن تصورات تتأسس في ضوئها الأصول النقدية، ولقد غلب على الكتاب عناية المؤلف بأصوله الفكرية والعقائدية وما تفرع عنها ، ويفيد الكشف عن هذه الأصول جانبا من مستويات التأويل العقلي والمجازي في أثناء تعرض المؤلف للقضايا العقائدية، ولذلك عمد المؤلف إلى الاستشهاد بالآيات القرآنية الكريمة في مواطن عديدة، ليستدل بها على قضية عقائدية كالرؤية مثلا، إنْ كانت بصرية أوْ لا، وتعزيز هذه التصورات بشواهد من العربية، وينطوي الكتاب على تحديد دقيق لمفهومي الحسن والقبح العقليين، وكيفية الكشف عنهما في الواقع وعلاقة ذلك بالفعل الإنساني، سواء أكان فعلاً أم حركةً أم كلاماً .

           ويشتمل الكتاب على تصورات يفيد منها الدرس النقدي فيما يتصل بقضية خلق القرآن، وكون كلام الله جنساً من كلام العرب، وقد دفع هذا الحديث إلى العناية بالكلام وماهيته وخصائصه، وتتجلى أهمية الكتاب بوضوح أكثر في الحديث عن إعجاز القرآن الكريم، وحديث المؤلف عن المجاز في ثنايا متناثرة من الكتاب، أو حصره لقضية المحكم والمتشابه، والحكمة التي تكتنف هذه القضية .

           ويمثل الكتاب إحاطة شاملة موجزة لأصول المعتزلة الفكرية وما تفرع عنها من مسائل وقضايا، ويشتمل الكتاب ـ في تناوله للقضايا العقائدية ـ على عرض آراء الخصوم وحججهم ورد القاضي على هذه الحجج والآراء، فالكتاب يحيط بالمسائل الاعتقادية التي كان يدور الحديث حولها بين الفرق الكلامية : معتزلة، وأشعرية، ومجبرة، وكرامية، وغيرها.

           وللقاضي عبد الجبار بن أحمد كتاب آخر هو » متشابه القرآن « وقد نشرت هذا الكتاب دار التراث في القاهرة سنة 1966 م بتحقيق عدنان محمد زرزور، ويُعد من كتب تفسير القرآن الكريم من وجهة نظر المعتزلة، وهو يسلط الأضواء على دراسة الآيات المتشابهة فيعمد إلى تأويلها في ضوء الأدلة العقلية، ولا يغفل الآيات المحكمة بل يعمد إلى تفسيرها والاستدلال بها ، وقد رتب المؤلف الكتاب على السور والآيات القرآنية، فابتدأ بسورة الفاتحة، وانتهى بسورة الناس، وتتجلى قيمة الكتاب في المقدمة التي يحدد فيها القاضي عبد الجبار بن أحمد التمايز بين الآيات القرآنية المحكمة والمتشابهة، معتمداً بذلك على الأدلة العقلية من ناحية، والاستشهاد بشواهد لغوية ونحوها، وهذا يتصل ـ دون شك ـ بالدرس النقدي في مجال التمايز بين الأداءين النمطي والفني في الكلام، وبخاصة أنّ القاضي عبد الجبار يستعين في تأويله للآيات المتشابهة باللغة سواء في مفرداتها، أو في قواعدها النحوية والإعرابية ونحوها ، وتخضع مستويات التأويل شأنها شأن تأويلات المعتزلة بعامة للدليل العقلي، ومحاولة تعضيد آراء المعتزلة من خلال تأويلات الآيات المتشابهة كي لا تتعارض مع الأصول الفكرية التي يصدرون عنها .

           أما موسوعة القاضي عبد الجبار بن أحمد الكلامية الكبرى وهي كتابه »المغني في أبواب التوحيد والعدل « فقد كانت مفقودة وعثر عليها في اليمن : خليل نامي وفؤاد السيد، غير أنّ الأجزاء التي عثرا عليها كانت ناقصة، إذ تم العثور على أربعة عشر جزءاً من هذا الكتاب القيم، وما زلنا نفتقد سائر الأجزاء وهي : الأول والثالث والعاشر والثامن عشر والتاسع عشر، ولقد نشرت كتاب » المغني في أبواب التوحيد والعدل « وزارة الثقافة والإرشاد القومي في مصر بين سنة 1960 م ـ و 1965 م بإشراف لجنة مكونة من : طه حسين وإبراهيم مدكور، وبما أنّ هذا الكتاب موسوعة كلامية عقائدية فلن نتوقف ـ هنا ـ إلا عند الأجزاء التي اشتملت على آراء وتصورات أفاد منها الدرس النقدي .

           ففي الجزء الرابع المخصص لـ » رؤية الباري « ـ وهو بتحقيق : محمد مصطفى حلمي وأبو الوفاء الغنيمي ـ تمثل الرؤية قضية اعتقادية يسعى القاضي عبد الجبار إلى تأكيد دلالتها الاعتزالية معتمداً الأدلة العقلية، ومحاولاً تأويل ظاهر الآيات القرآنية التي تدل على الرؤية الحسية، ويعمد إلى التأويل العقلي في ضوء تساؤلات عديدة متلاحقة على الطريقة الجدلية التي عرف بها المتكلمون، ويستشهد القاضي عبد الجبار بآراء أساتذته في المسائل، أو ينفرد بها ، وتمثل الآية القرآنية محوراً تدور حوله الأبحاث العقلية والكلامية واللغوية ومستويات التأويل » المجازي « وإنْ كان يغلب على ذلك البحث العقلي .

           وفي الجزء الخامس المخصص لـ » الفرق غير الإسلامية « ـ وهو بتحقيق : محمود محمد الخضيري ـ فقد عني بدراسة غير المسلمين، وقيمة هذا الجزء بالنسبة إلى بحثنا لا تنحصر بالحديث عن الفرق غير الإسلامية من الديانات والمذاهب، وإنما تتأتى من الحديث عن اللغة من حيث التوقيف والتواضع، وثبات المعاني مهما تغايرت المستويات إضافة إلى حديثه عن المجاز .

           أما الجزء السابع المخصص لـ » خلق القرآن « ـ وهو بتحقيق : إبراهيم الإبياري ـ فتتركز عناية القاضي عبد الجبار بقضية المعتزلة الشهيرة » خلق القرآن « من حيث كونها قضية عقائدية كلامية، و من حيث ما تركته من آثار بوصفها محنة لحرية الفكر، وتتجلى قيمة هذا الجزء في الحديث عن الكلام إن كان نفسياً أو محدثاً، وصلة الكلام بالخالق، وقد شغل القاضي عبد الجبار بكلام الله بوصفه من جنس الكلام العربي، وعلاقة ذلك بمواضعة اللغة، بحسب قصد المتكلم ودواعيه، كما قد شغلته قضية قِدَم الكلام أو حداثته، وتأتتْ هذه العناية بسبب تعارض الأدلة العقلية والأدوات المنطقية بين المعتزلة والأشاعرة، وهي التي دفعت إلى هذا البحث المسهب .

           وفي الجزء السادس عشر المخصص لـ » إعجاز القرآن « ـ وهو بتحقيق : أمين الخولي ـ يمهد القاضي عبد الجبار لإعجاز القرآن الكريم بمباحث عديدة تكاد تستوعب قسماً كبيراً من هذا الجزء، مثل تقرير صحة القرآن وتواتر نقله، أو ما يعقده من مساحة كبيرة لقضية النسخ في القرآن الكريم، وللمواطن التي يصح فيها النسخ والتي لا يصح أن يقع فيها نسخ، ثم يعرض للنبوة وثبوتها والحجج التي تدل عليها.

           وحين يعرض لإعجاز القرآن الكريم يُعنى بترك العرب معارضة القرآن، ثم يعرض لمفهوم الفصاحة الذي تتجلى فيه القيمة الحقيقية لهذا الجزء ، ومن أجل هذا يحدد القاضي عبد الجبار مفهوم الفصاحة ويحيط بأبعاده، ويعرض للكيفية التي يتفاضل فيها الكلام بعضه على بعض، وما هي العلوم التي ينبغي توافرها ليتم بها معرفة فصاحة الأداء اللغوي وإمكانية تأديته، من حيث القدرة على إحداث الكلام الفصيح بوصفه من جملة الأفعال المحكمة، ومن حيث الكيفية التي يتم بها التفاضل بين كلام فصيح وآخر فصيح أيضاً، ومن حيث العلوم الواجب توافرها لكي يتم التفاضل بين مستويات الأداء، إضافة إلى عرضه المفصل في : أنّ الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، وعلاقة ذلك بالمعنى واللفظ .

           وتشغل قضية الفصاحة تفكير القاضي عبد الجبار بوصفها جزئية في إطار عام من أوجه الإعجاز القرآني، ويتناولها بالطريقة ذاتها التي يتناول فيها أي مسألة كلامية أخرى، من حيث الجدل والحوار وإثارة الإشكالات والتساؤلات وطرح الحلول، فالفصاحة تمثل لديه قضية عقلية بحتة يتناولها في ضوء الأسس العقلية التي يصدر عنها، وحتى في تناوله العابر للمحكم والمتشابه في هذا الجزء من الكتاب فإنه يتناولهما بالطريقة ذاتها من النقاش والتأويل والجدل .

           إذن فالقيمة النقدية تتجلى في الناحية النظرية القيمة التي تحدث فيها القاضي عبد الجبار عن كيفية تضام الكلمات، وكيفية التشكيل اللغوي، وتغاير الدلالة في مستويات الأداء المختلفة، وإنّ التضام أو الضم أو النظم إنما هي أوجه متعددة تكشف عن هذه الزاوية النقدية .

           ونتوقف أخيراً عند آثار الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، المتوفى سنة 436 هـ، ونتوقف أولاً عند كتابه الشهير » أمالي المرتضى « » غرر الفوائد ودور القلائد « ، ويقال إنّ هذا الكتاب طبع في طهران سنة 1273 هـ، وطبع في مصر بمطبعة السعادة سنة 1325 هـ ـ 1907 هـ، وعليه شروح وتعليقات السيد محمد بدر الدين النعساني، ثم السيد أحمد أمين الشنقيطي  ، وقد نشرت دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي كتاب » أمالي المرتضى « سنة 1954 م بجزئين، بتحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، وهي الطبعة التي اعتمدها البحث .

           وكتاب » أمالي المرتضى « يدل عليه عنوانه، فهو أحاديث أملاها الشريف المرتضى، وكان محورها الأساس ـ غالباً ـ آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، يدل ظاهرها على غموض يحاول الشريف المرتضى إماطة اللثام عنه، فيعمد إلى تأويلها وتوجيهها على طريقة أهل العدل التي تركن إلى الأدلة العقلية في تأويل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وليست عملية التأويل عملاً عقلياً صرفاً فحسب، بل تسعفه في التفسير والتأويل شواهد شعرية وفيرة، وتدور حولها جميعا تصوراته الفكرية والأدبية ، ولذلك كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية محوراً جوهرياً يلم شتات الموضوعات الكلامية أمثال : رؤية الله، وخلق الأفعال، ونحوهما، إضافة إلى الموضوعات النقدية والبلاغية فيما يتصل بالمجاز، والمتشابه، ولغة الشعر، والحداثة والقدم، وقضية السرقات الشعرية، وماهية التشبيه، والاستعارة وأنواعهما، ونحو ذلك من القضايا والمعضلات، فضلاً عن آرائه النقدية في الرد على معاصريه أو سابقيه من النقاد مثل ابن قتيبة، والجاحظ، والآمدي، والمرزباني، وغيرهم.

           وللشريف المرتضى كتاب آخر هو » الشهاب في الشيب والشباب « وقد طبع الكتاب مرتين، الأولى : في مطبعة الجوائب في القسطنطينية سنة 1302 هـ، ومعه كتاب » سلوة الحريف بمناظرة الربيع والخريف « للجاحظ، وقد اطلعت على هذه الطبعة ، والثانية نشرتها دار الرائد العربي في بيروت سنة 1982 م، التي اعتمدها بحثنا، وكلتا الطبعتين من غير تحقيق، ويعرض الكتاب لأقوال الشعراء في الشيب والشباب، وانحصرت اختياراته فيه من شعر : أبي تمام، والبحتري، وشعر أخيه الشريف الرضي، ومن شعره هو، ويمكن تصنيف هذا الكتاب ضمن كتب الاختيارات الشعرية، ولكن الشريف المرتضى كانت له فيه آراء نقدية متميزة في : الحداثة والقِدَم، والتقليد والابتكار، والمحاكاة، والمثل الأعلى، والطبع، والتكلف، ولغة الشعر، والتشبيه، والاستعارة ونحوها ، كما أنّ له ردوداً على بعض النقاد، وبخاصة الآمدي .

           أما كتاب » طيف الخيال « للشريف المرتضى فقد اعتمد بحثنا على الطبعة التي نشرتها دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، في القاهرة سنة 1381هـ ـ 1962 م بتحقيق : حسن كامل الصيرفي، ومراجعة إبراهيم الإبياري، وقد أشار المحقق إلى أنّ كتاب » طيف الخيال « قد نشرته مكتبة مصطفى البابي الحلبي في القاهرة سنة 1955م ، وقام بتصحيح هذه الطبعة سيد كيلاني، كما قد أشار إلى أن الكتاب قد نشرته مرة أخرى دار المعرفة في بغداد سنة 1957 م بتحقيق صلاح خالص ، ويبدو أنّ كتاب «طيف الخيال « قد ألفه الشـريف المرتضى في أخريات حياته، إذ يشيـر فيه إلى كتابه » الشهاب في الشيب والشباب « ويشير إلى أنه كان يؤلف فيه سنة نيف وعشرين وأربعمائة ، وهو على غرار كتابه »الشهاب« بعد أن رأى إعجاب الناس بكتابه السالف، فقام باختيار ما في الشعر من طيف الخيال في شعر الطائيين : أبي تمام والبحتري، وشعر أخيه الشريف الرضي، وأضاف اليه نماذج عديدة من شعراء قدامى ومحدثين يعنون بطيف الخيال.

           وعلى الرغم من أنّ الكتاب يماثل صنوه » الشهاب « في كونه من الاختيارات الشعرية فإنه ينطوي في الوقت ذاته على تصورات نقدية، ويرد فيها على بعض النقاد، وبخاصة الآمدي ومن هذه التصورات : اللفظ والمعنى، والتخيل، والمحاكاة، والابتكار، والتقليد، والسرقات الشعرية، ونحوها من الموضوعات .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ( 2 )

 

 

           يَحدُ التراثَ الذي ندرسه بعدان : أولهما : التحديد الزماني في القرن الرابع الهجري، وثانيهما : انحصاره في نقاد المعتزلة، ولسنا أول من تناول هذا التراث بالدرس، ويمكن تصنيف الدراسات السابقة إلى ثلاث طوائف :

الطائـفة الأولى :

الدراسات العامة ذات الاستقصاء التاريخي التي عرّجت على دراسة التراث النقدي في القرن الرابع الهجري في أثناء تعرضها لتاريخ النقد الأدبي عند العرب .

الطائفة الثانية :

الدراسات المتخصصة في القرن الرابع الهجري، سواء أكانت معنية بالرصد التاريخي لنقد هذا القرن، أم تناولت التيارات النقدية، أم قضية نقدية فيه .

الطائفة الثالثة :

الدراسات التي تعرضت للنقد الاعتزالي في أثناء دراستها لقضية من قضايا الموروث النقدي والبلاغي، أو الدراسات التي تخصصت في النقد الاعتزالي أو في قضية من قضاياه، أو ناقد من نقاده .

 أما الدراسات العامة ذات الاستقصاء التاريخي فقد شغلتها العناية بعرض المصنفات النقدية ووصفها وتلخيص مضامينها، وتعرضها لعدد من الآراء النقدية ذات التأثير البالغ في الحركة النقدية، ولم تتوقف هذه الدراسات كثيراً عند القضايا النقدية الأساسية من حيث تحليل موقف النقاد من مفهوم الشعر ومهمته وتحديد لغته، ومقدار التغاير الذي تنطوي عليه تصورات النقاد بتغاير الرؤى التي يصدرون عنها .

           ومما يثير الانتباه أنّ هذه الدراسات قد امتدت امتداداً زمنياً متفاوتاً، مما جعلها تميل إلى التعميم، وتتوقف عند أعلام النقاد، وتعرض لآرائهم وتصوراتهم، مما دفع، من ثم، إلى الإطالة وتكرار الموضوعات المتداولة، إضافة إلى مرورها السريع بالقضايا النقدية لانشغالها بقضية تتبع النقد الأدبي بحسب أزمانه، وتصنيفها إياه بحسب أعلامه ومصنفاتهم أولاً، ولوقوعها تحت تأثير الامتداد الزمني الواسع مما دفع إلى تناول عام وسريع ثانياً .

           وتعد محاولة طه أحمد إبراهيم » تاريخ النقد الأدبي عند العرب من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري « من المحاولات الأولية المتقدمة التي كان لها الفضل في التنبيه إلى أهمية تاريخ النقد الأدبي عند العرب وقيمته، وقد تتبع المؤلف تطور النقد الأدبي عند العرب ابتداء من العصر الجاهلي ومروراً بصدر الإسلام، ثم عرّج على أثر متقدمي النحويين في النقد الأدبي، وتوقف عند ابن سلام الجمحي وكتابه » طبقات فحول الشعراء « إضافة إلى توقفه عند الخصومة بين القدامى والمحدثين، وأفرد فصلاً لكل من القرنين الثالث والرابع الهجريين ، ومما يلاحظ امتداد الفترة الزمنية وضيق المساحة التي أفردها لكل قرن، مما جعله يميل إلى التعميم، ويقتفي ما يراه ضرورياً، فهو لا يتوقف في القرن الرابع الهجري إلا عند الآمدي والجرجاني، ويعرض لآرائهما عرضاً عاماً، ويتوقف عند بعض القضايا، مقارناً بين الناقدين ، وقد أفاد الدارسون اللاحقون من منهجه هذا، بل لقد ترك آثاراً واضحة عليهم نتلمسها بوضوح في كتابات محمد مندور، وإحسان عباس، ومحمد زغلول سلام .

           أما محمد مندور فبمجرد أنْ شرع بدراسة » تيارات النقد العربي في القرن الرابع الهجري « أحس بأن هذا القرن له أصول نقدية سابقة، كما قد امتدت له فروع فاضطر لتوسيع مجاله مع تأكيده أنه سيحصر عنايته بالمتخصصين من النقاد ومؤرخي الأدب، ولذلك فقد امتد البحث لديه من ابن سلام الجمحي إلى ابن الأثير ، كما أنه قد عُني بموضوعات النقد ومقاييسه، وقد ضم هذا كله كتابه المعروف » النقد المنهجي عند العرب« ويتحدد مفهوم » النقد المنهجي « لديه بأنه » النقد الذي يقوم على منهج تدعمه أسس نظرية وتطبيقية عامة، ويتناول بالدرس مدارس أدبية أو شعراء وخصومات يفصل القول فيها، ويبسط عناصرها ويبصّر بمواضع الجمال والقبح فيها« غير أنه يؤكد أنّ مركز بحثه ليس ما أشار إليه من مدارس أدبية قدر عنايته بناقدين هما : الآمدي والجرجاني ـ صاحب الوساطة ـ ولكنه على الرغم من هذا كله اضطر ليمتد بالبحث من ابن سلام حتى ابن الأثير، كما أشرنا .

           ويقع محمد مندور فيما وقع فيه دارسو تاريخ النقد الأدبي من وصف لمصنفات أعلام النقاد، ففي دراسته لرسالة الصاحب بن عبّاد »الكشف عن مساوئ المتنبي « ـ مثلا ـ ينحو فيها منحى وصفياً، ويقف عند تعصب الصاحب بن عبّاد على المتنبي، ويفطن إلى تأكيد الصاحب بن عبّاد استقلال النقد عن غيره من العلوم، والتفاتته إلى منهج الصاحب في نقده المعتمد على الذوق والمعالجة الجزئية للقضايا النقدية  ، ومثل هذا ما فعله مع شروح ابن جني الشعرية وكونها لا تخلو من نقد، ولكنه لم يتوقف عندها طويلا لضيق المساحة التي خصصها لها، ولأنه معني بالوصف ومقارنة ابن جني بغيره من الشراح والنقاد ، وعلى الرغم من أنه توقف عند القاضي الجرجاني فقد بدأ يتحدث عن حياة المؤلف وكتبه والمؤثرات التي كونت شخصيته العلمية، ثم اتجه إلى منهجه النقدي، وتغلب على مندور نـزعته في الوصف والمقارنة من جهة حديثه عن الأشباه والنظائر وتطور لغة الشعر ومقارنة ذلك بالآمدي ، ويُعنى بعدد من القضايا النقدية كالذوق والسرقات إضافة إلى حديثه عن منهج كتاب الوساطة .

           وإذا كان طه أحمد إبراهيم ومحمد مندور قد جنحا نحو الرصد التاريخي فإنّ إحسان عباس في كتابه » تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني الهجري حتى القرن الثامن الهجري « يحذو حذوهما، ويتأثر بمنهجهما، وبخاصة منهج محمد مندور في أثناء تعرضه لنقاد القرن الرابع الهجري، ويتوقف إحسان عباس في كتابه ـ تاريخ النقد الأدبي عند العرب ـ فيما يخص القرن الرابع الهجري، عند الصاحب بن عبّاد، والقاضي الجرجاني، والرماني، وابن جني، ويُعنى عناية بالغة كما يظهر بأعلام النقاد، ويتوقف عند مصنفاتهم، وتقترن عنايته التاريخية بوصف مصنفات النقاد وعرض لآرائهم واختصار لها، إذ يشغل إحسان عباس بوصف عام لما تنطوي عليه رسالة الصاحب بن عبّاد من آراء في أثناء تعرضه للكشف عن مساوئ شعر المتنبي، وكذا الأمر في أثناء تعرضه لشروح ديوان المتنبي، ويعني بمقارنة شرح ابن جني بغيره من الشراح ، ويبدو أنّ المساحة التاريخية الممتدة التي ألزم الباحث نفسه بدراستها ـ وهي تمتد من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري ـ هي التي دفعت به إلى العرض الوصفي .

           ويحدد محمد زغلول سلام لكتابه » تاريخ النقد العربي إلى القرن الرابع الهجري« بعداً زمنياً يتوقف فيه عند نهاية القرن الرابع الهجري، وهو مهتم، فيما يقرر، بعرض «الاتجاهات الفنية والمذاهب الأدبية وأثرها في الذوق العام « ، ويحاول الكشف عن مدى تطور الذوق الأدبي من عصر إلى آخر، إضافة إلى إطلاع القارئ على الخصائص الفنية والأسلوبية المتعلقة بالنصوص الأدبية ، وعلى الرغم من هذا فإنّ المؤلف يتابع موضوعات متعددة لا يحتويها نسيج موحد، فهو يتناول من زاوية قضايا نقدية : كالطبقات، واللفظ والمعنى، والسرقات، في حين يعنى من زاوية أخرى بمصنفات أعلام النقاد، مثل : »الشعر والشعراء« لابن قتيبة، و »البـديع « و » طبقات الشعراء « لابن المعتز، و « عيار الشعر» لابن طباطبا العلوي، و»الموازنة « للآمدي ، كما يُعنى بالكتب التي ألفت في القرن الرابع الهجري حول شعر المتنبي، وهذا يعني أنّ الكتاب لا يحتويه منهج محدد يكشف عن الاتجاهات الفنية والمذاهب الأدبية، كما أكد المؤلف ذلك في مقدمته ، ومن الجدير بالذكر أنّ كتابه لم يقتصر على نقد الشعر، بل تجاوزه إلى نقد النثر .

           إنّ محمد زغلول سلام ـ والحالة هذه ـ يعنى بأعلام النقاد ويصف مؤلفاتهم النقدية، ويكثر من نقل النصوص، سواء أكان في رسالة الصاحب بن عبّاد في » الكشف عن مساوئ المتنبي « أم من كتاب »الوساطة بين المتنبي وخصومه « للجرجاني، أم من كتاب » الموشح « للمرزباني، إذ يشغله وصف الكتاب وتلخيص مضامينه وتتبع بعض مفرداته والاستشهاد بنماذج منه، فهو لم يتوقف عند القضايا النقدية الكبرى، ولم يتناولها بوصفها موضوعات تستحق الدرس والتأمل ، ولقد دفعه تتبع مصنفات النقاد إلى التكرار، وبخاصة أنّ عدداً كبيراً من القضايا النقدية التي عُني النقاد بدراستها تتكرر في كتبهم، سواء اتفقوا أو اختلفوا في تحديد مفاهيمها ومدلولاتها .

           إن الامتداد الزمني الذي ألزم به الباحثون دراساتهم وتتبعهم لأعلام النقاد في مراحل التطور النقدي، إضافة إلى تعاملهم الخاص مع المنهج التاريخي الذي يعمد فيه هؤلاء الدارسون إلى وصف الكتب النقدية وعرضها وتلخيص مضامينها، كل هذا يقلل من قيمة النتائج التي توصلوا إليها، إضافة إلى هذا كله فإنّ هذه الدراسات قد تناولت النقاد دون تمايز لرؤاهم الفكرية ومواقفهم الفلسفية، وما تتركه هذه التصورات من آثار على النشاط النقدي بأسره .

           أما الطائفة الثانية من الدراسات المتخصصة في القرن الرابع الهجري فنلتقي معها في دراسة : قاسم مومني » نقد الشعر في القرن الرابع الهجري « وتعد هذه الدراسة شاملة للنشاط النقدي، وعنيت برصد جوانبه التاريخية، إضافة إلى رصد قضاياه الأساسية، ويقسم الباحث دراسته إلى قسمين : يعنى القسم الأول : بالمهاد التاريخي الذي يتتبع فيه مصادر النقد واتجاهاته، ويعنى القسم الثاني : بالقضايا النقدية الأساسية : ماهية الشعر، ومهمته، وأداته .

           ولم يقتصر الباحث على الرصد التاريخي فحسب بل تجاوزه إلى تحليل نقدي للقضايا الأساسية النقدية، غير أنّ الباحث قد تناول القرن الرابع الهجري بكل بيئاته واتجاهاته، فهو، من هذه الناحية أمام كم هائل من الآثار والمصنفات النقدية مما جعله يمر ببعضها مرورا سريعا، أو يعمد إلى الانتقاء منها، إضافة إلى اختلاط البيئات النقدية لديه، ففي ماهية الشعر ـ مثلا ـ تتجاور لديه آراء الآمدي والجرجاني وابن فارس وأبي حاتم الرازي دون الكشف عن المؤثرات العقائدية، وبخاصة حين يتجاور لديه ابن جني المعتزلي مع ابن فارس الأشعري، دون أن يكون لآرائهم وفلسفاتهم التي يصدرون عنها أدنى تأثير في الكشف عن التصورات النقدية .

           إنّ تقسيم النقد إلى بيئات لغوية وكلامية وفلسفية وأدبية له مخاطر عديدة، وقد فطن الباحث إلى أنّ الحدود الفاصلة بين هذه البيئات النقدية »لم تكن حدودا قاطعة فهناك دائما نقاط التداخل والتلاقي «  ولكنه عمد إلى الفصل بينهما » لسهولة التصنيف والتوضيح اللازمين «  ، إضافة إلى هذا كان الباحث متأثرا بدراسة جابر عصفور «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي « في مواطن عديدة، إلى حد تتطابق لغتهما في التعبير عن الموضوع المطروق وتتماثل هوامشهما إلى حد كبير، لدرجة تبعث على الشك، وعلى الرغم من ذلك فإنّ هذا البحث يقدم صورة عامة لما عليه النقد في القرن الرابع الهجري ، لأن المؤلف قد طوّف في موضوعات عديدة : كالصورة، والمحاكاة، واللفظ والمعنى، ونحوها .

           أما دراسة أحمد مطلوب » اتجاهات النقد الأدبي في القرن الرابع الهجري « فهي مخصصة ـ فيما يقرر المؤلف ـ لاتجاهات النقد في هذا القرن، وتتحدد، لديه بأربعة اتجاهات، وهي : النقد والبديع، والنقد والإعجاز، والنقد وأبوتمام، والنقد والمتنبي  ، ومن الجلي أن هذه العناصر لا تمثل اتجاهات قدر ما تعني محاور جذبت إليها الدارسين بمختلف اتجاهاتهم وآرائهم، إذ عُني بأبي تمام والمتنبي ـ مثلا ـ نقاد تتفاوت آراؤهم وتصوراتهم، وهذا يعني أنّ هذه الدراسة بتناولها النقد الذي أثير حول شاعرين أو توقفها عند قضيتين لا يحتويها نسيج موحد، سواء في تصنيف الاتجاهات أو في معالجة نشوء النقد وتطوره، مما ألزم به الباحث دراسته، والأخطر من هذا أنّ المؤلف ما يزال خاضعا لمؤثرات الدراسات العامة ذات الاستقصاء التاريخي من جهتي المنهج والمعالجة، إذ يتوقف عند أعلام النقاد، وكان حريصا أن تكون دراسته » عرضا مفصلا لجهودهم وأن لا يكون لغير كلامهم سبيل إلا ما تقتضي توضيحاً أو موازنة أو تفسيراً « ، ودفعه هذا إلى متابعة مصنفات النقاد الذين انتقاهم بالعرض والوصف والإكثار من الاستشهاد بالنصوص وقلة عنايته بالتحليل .

           ونلتقي ضمن هذه الطائفة المتخصصة بالقرن الرابع الهجري بدراسة فايز الداية «الجوانب الدلالية في نقد الشعر في القرن الرابع الهجري »، وتُعنى هذه الدراسة بالقضايا النقدية في ضوء علم الدلالة، ويتتبع فيها الباحث الظواهر النقدية من خلال الوعي اللغوي المعاصر، ولكنه فطن إلى مواطن الالتقاء والتنافر بين المناهج الحديثة لعلم الدلالة من ناحية، والتراث النقدي من ناحية أخرى .

 إن موضوعات علم الدلالة متشعبة ومتعددة الجوانب والأبعاد، ولذلك دفع هذا الأمر الباحث إلى تتبع مجالاته المختلفة لتأصيل مقومات علمية لهذا العلم في ثراثنا النقدي، وقد دفعه ـ أيضا ـ إلى تتبع القضايا اللغوية ـ سواء اتصلت بالعملية النقدية أو لم تتصل ـ لتكشف عن تأصيل هذا العلم، ولذلك تتبع الباحث الجوانب المعيارية في العلوم اللغوية المختلفة من حيث الصحة والخطأ في الأداء، ووقف عند الألفاظ المحللة دلالياً وفق هذا المعيار في المصنفات النقدية واللغوية سواء بسواء ، وقد دار جانب من بحثه حول التطور الدلالي ليكشف عن تميز الشاعر باستخدام لغوي خاص، وتابع الألفاظ والعبارات بحسب سياقاتها، وهو يؤكد ـ في هذا ـ أنّ دراسة التطور الدلالي إنما تقدم بعداً يهتدي به الناقد في أثناء تحليله للشعر، ولم يتوقف الباحث عند هذا، بل يتابع في ضوء المنطق الدلالي قضية اللفظ والمعنى، وتمايز الدلالة وتغايرها، سواء في المعجم أو في السياق اللغوي، وينهي بحثه بدراسة الأبحاث الدلالية المتعلقة بالمجاز من مجال إلى آخر .

           إنّ الباحث في تتبعه لهذه القضايا المتعددة يجمع بينها ليكشف عن علم للدلالة، وحفّزه هذا في النهاية إلى نشر هذه الدراسة مع بعض التقديم والتأخير ليصدق عليها عنوان »علم الدلالة العربي، النظرية والتطبيق، دراسة تاريخية تأصيلية نقدية « .

           وتطالعنا في الطائفة الثالثة من الدراسات التي تعرضت لآراء اعتزالية دراسة جابر عصفور »الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي «، ويُعنى هذا الكتاب عناية خاصة بقضية » الصورة « من حيث تأصيل مفهوم الخيال والكشف عن طبيعة الصورة في مفهومها القديم، ويتوقف عندها المؤلف بوصفها أنواعا بلاغية ، وقد دفع ذلك إلى دراسة البيئات العلمية التي أسهمت في النشاط النقدي، كاللغويين والمتكلمين، والفلاسفة، وقاد هذا كله إلى دراسة المجاز والتشبيه والاستعارة، وكيفية تأدية التصوير وأدائه، ومن ثم معالجة الصورة ووظائفها، وعلى الرغم من أنّ الكتاب يعنى بالصورة بوصفها محورا مركزيا تدور حوله الدراسة فلقد أفادت منه دراستنا فيما يتصل بمعالجته لتأثير المعتزلة بخاصة، ودورهم في مبحث المجاز وتأصيل موضوعاته وتحديد طبيعته ومهمته بعامة ، وهذا الكتاب ليس مخصصاً للنقد الاعتزالي، وإنما هو مخصص بالصورة في مساحة زمنية ممتدة، ولذا فإنه كان يمر بالقضايا الاعتزالية لتأصيل قضيته المركزية .

           ولا يفوتني ـ هنا ـ أن أشير إلى بعض الدراسات التي لفتت الأنظار إلى أثر المعتزلة في النقد العربي، ومهدت لها السبيل، ومن هذه دراسة طه حسين »البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر « وهي مقدمة لكتاب » نقد النثر « المنسوب خطأ لقدامة بن جعفر، ومن هذه الدراسات أيضا دراسة أمين الخولي » مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب « في أثناء تعرضه للتمايز بين المدرسة الأدبية والكلامية ، ولابد من الإشارة إلى كتاب مصطفى ناصف » الصورة الأدبية « الذي تعرض فيه لبعض آراء المعتزلة وأثرها في النقد  .

           وتعد دراسة نصر حامد أبو زيد » الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة « من الدراسات التي تخصصت بدراسة قضية أسهمت المعتزلة في إنضاجها وتعميق الدرس حولها، وتتسم هذه الدراسة بتتبع مبحث المجاز وتقصي «ظروف نشأته، وأثر القرآن في تحديد ماهيته ووظيفته في التعبير البليغ «  ليكشف، من ثم، عن مدى العلاقة الوثيقة بين الفكر الاعتزالي والمجاز ، ومن أجل أن يحقق الباحث هدفه هذا في تقصي المجاز وفي الكشف عن مدى علاقته بالأصول الفكرية للمعتزلة راح يتقصى مصادر التفكير الاعتزالي، وقد قاده ثراء الكتب الاعتزالية وتنوعها في هذا المجال إلى الكشف عن العلاقة الفاعلة بين الأبحاث اللغوية والدلالية ودورها في الكشف عن وظيفة المجاز وتحديد ماهيته، لأنه كان يدرك أنّ المجاز وسيلة من وسائل الأداء اللغوي، ولذلك فإنّ فهم طبيعة المجاز ووظيفته يتصل بفهم أشمل لطبيعة اللغة ، وقاده هذا إلى متابعة أصول تاريخية وفكرية ولغوية أخذت مساحة ليست قليلة من جهد الباحث، فضلا عن مقارنته أفكار المعتزلة بالأشـاعرة، إيمانا منه بأن هذه المقارنة »تهدف إلى الكشف بعمق عن خصوصية الفكر الاعتزالي« .

           وعلى الرغم من أن الباحث قد قصر جهده على واحدة من قضايا البحث البلاغي، وهي قضية المجاز، فإنّ دراسته توزعت على تمهيد تاريخي يعد طويلا، وفصل عُني كثيرا بمدى العلاقة بين المعرفة والدلالة اللغوية، لتتأتى دراسته المتخصصة في فصلين : أحدهما : يعنى بمفهوم المجاز من حيث نشأته وتطوره، والآخر : يعنى : بعلاقة المجاز بالتأويل.

           إن هذا البحث يتتبع تطور مفهوم المجاز في ضوء المنهج التاريخي المقارن، منذ بداياته الأولى، ويتوقف عند القرن الرابع الهجري، وهي مساحة زمنية ليست قليلة، مما دفعه إلى تخصيص هذا البحث بعدد من كبار علماء المعتزلة، وينحصر بحثه فيما يمكن تسميته بالمتكلمين من المعتزلة غالبا، على أن قضية في غاية الأهمية مفادها : أن الباحث كان يدرس كبار مؤلفي المعتزلة وهو متأثر بمناهج الاستقصاء التاريخي في أثناء تتبعه لمصنفات هؤلاء الكتاب تتبعا تاريخيا، ثم يعمد إلى عرضها ووصفها، مما قاد إلى ألوان من التكرار دون تتبع الظاهرة ضمن قضايا كلية تحكمها وتثري جوانبها .

           وهناك بحث آخر تخصص بالمعتزلة وهو » أثر المعتزلة في التراث النقدي والبلاغي حتى نهاية القرن السادس الهجري « وهو رسالة دكتوراه أعدها : وليد إبراهيم قصاب، وتقدم بها إلى جامعة القاهرة سنة 1976 م، وتتناول هذه الدراسة جهود المعتزلة منذ نشأتهم في القرن الثاني الهجري على أيدي : واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وتتوقف عند نهاية القرن السادس الهجري عند الزمخشري ، وقد اتبع الباحث في دراسته المنهج التاريخي في تتبع الشخصيات الاعتزالية في القسم الأول من دراسته، فأفرد فصلا لنشأة البحث البلاغي والنقدي عند المعتزلة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وخصص فصلا آخر لتطور البحث البلاغي والنقدي في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وجعل فصلا ثالثا للزمخشري بوصفه مستوعبا لما كتبه المعتزلة من تصورات وآراء في تفسيره للقرآن الكريم المعروف بـ »الكشاف « كما قد تناول الباحث في القسم الثاني من دراسته بعض القضايا كإعجاز القرآن، والمجاز، واللفظ والمعنى .

           إنّ هذه الدراسة الممتدة في مساحتها الزمانية قد ركزت على أثر المعتزلة في تأصيل التراث البلاغي والنقدي، وقد خضعت للمنهج التاريخي الذي يُعنى بعرض مصنفات المؤلفين ووصفها، ففي تتبعه لرسـالة الرماني »النكت في إعجاز القرآن « ـ مثلا ـ إنما يتتبعها في قضاياها عارضا لها وواصفا موضوعاتها بحسب الترتيب والتسلسل اللذين أرساهما المؤلف نفسه، مستعينا بشروح وإيضاحات من أفاد من هذه الرسالة في القرون اللاحقة، وفعل مثل هذا بغيرها من مصنفات المعتزلة .

           وإذا كان هذا العرض التاريخي الوصفي لمؤلفات المعتزلة قد استنـزف من الباحث جهدا واحتل مساحة من الدراسة فإنّ تناوله للقضايا التي عُني بها ل ايقل عنها من حيث استنـزاف الجهد مقروناً برؤية تقليدية تتابع القضايا وتعالجها .

           إنّ امتداد هذا البحث في فترة زمنية طويلة، والاستخدام الخاص للمنهج التاريخي الوصفي الذي تتبع فيه الباحث مصنفات المؤلفين تتبعا وصفيا، إضافة إلى تأكيده » أنّ المعتزلة مدرسة كلامية دينية أكثر منها مدرسة أدبية نقدية «  و » أنّ اثر الاعتزال لا يظهر إلا عندما يعالج الناقد مسألة كلامية تتصل ببعض أمور العقيدة «، كما أن هذه الدراسة قد عنيت بمقدار أثر المعتزلة في التراث النقدي، وليست هادفة إلى الكشف عن مقدار التأصيل، كل هذه تقلل من قيمة النتائج التي توصل إليها الباحث، وتدفع إلى دراسات تتجاور الامتداد التاريخي الواسع، وتعنى بقضايا محددة في إطار الفكر الاعتزالي مستعينة بمناهج تتجاوز الوصف إلى التأصيل والتحليل .

           أما كتاب » بلاغة القرآن في آثار القاضي عبد الجبار وأثره في الدراسات البلاغية« لعبد الفتاح لاشين فإننا لا نريد التوقف عنده طويلا، لانشغال الباحث بالدرس التاريخي المقارن أولا، ولطبيعة المنهج الذي ألزم به بحثه ثانيا، فعلى صعيد التتبع التاريخي عني الباحث بالبلاغة ودراستها قبل الإسلام وبعده، ومرورا بالجاحظ وابن قتيبة وابن المعتز وابن طباطبا العلوي وأبي هلال العسكري، وغيرهم، ثم تتبع حياة القاضي عبد الجبار بن أحمد وآثاره، وتتبع أفكار المعتزلة، كما أفرد فصولا لمن تأثر بالقاضي عبد الجبار بن أحمد على كثرتهم .

           أما من جهة المنهج فعلى الرغم من أنه يعي تماماً أنّ القاضي عبد الجبار لم يكن يعرف بدقة تقسيم البلاغة إلى ثلاثة علوم فإنه قد ألزم بحثه بهذا التصنيف التقليدي لعلوم البلاغة، وأخذ ينقب ويفتش في كتب القاضي عبد الجبار بن أحمد لإرجاع أية إشارة إلى قضية في إطار علوم البيان والبديع والمعاني، والأخطر من هذا كله أنه كان يؤسس أصولا لمجرد إشارة قالها القاضي عبد الجبار، أو لأنه أستشهد بآية قرآنية كريمة رأى فيها المتأخرون قضية بلاغية، وهذا كثير في الكتاب ، وهذا من شأنه أن يقلل من أهمية البحث والنتائج التي توصل إليها الباحث، لأنها ـ في الحقيقة ـ لا تقدم جديداً، ولا تكشف عن قضية جديدة في مجال الدرس النقدي والبلاغي.

           وأخيراً هناك بحث تخصص بالقاضي الجرجاني أعده عبد العزيز قلقيلة، وعنوانه : » النقد الأدبي عند القاضي الجرجاني « ونشر مرتين، نشرته مكتبة الانجلو المصرية في القاهرة سنة 1976 م، وسبق أن نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1973م في القاهرة أيضـا تحت عنـوان » القاضي الجرجاني والنقد الأدبي « ، ويعنى هذا الكتاب بالتأصيل التاريخي للنقد الأدبي عند القاضي الجرجاني من حيث التوثيق والمقارنة، فهو يتتبع الآراء النقدية قبل القرن الرابع الهجري ابتداء من العصر الجاهلي ومرورا بابن سلام الجمحي والجاحظ وابن قتيبة والمبرد وابن المعتز وقدامة بن جعفر وابن العميد والآمدي، كما يتتبع ترجمة المؤلف ونسبة كتاب »الوساطة « اليه، ولم يكتف بهذا، بل راح يتابع من تأثر به من النقاد في القرون التالية كالثعالبي، وعبد القاهر الجرجاني، والباقلاني، والمرزوقي، وابن بسام، وابن خلدون، وغيرهم، وأكثر من هذا أنه عالج مواطن التقاء آراء القاضي الجرجاني بآراء فلاسفة ونقاد، إغريق وغربيين، كآرسطو وهوراس وهيجو وسانت بيف وكروتشة وستانلي هايمن، وغيرهم كثير ، وقد خصص فصلا واحدا للنقد الأدبي في » الوساطة « وهوا لفصل الثالث الذي عالج فيه آراء القاضي الجرجاني النقدية، وقسمه إلى مبحثين : أولهما : يعنى بالقضايا النقدية كلغة الشعر والذوق الأدبي والسرقات الشعرية وعمود الشعر ونحوها، والثاني : يعنى بالقضايا البلاغية في كتاب »الوساطة « ويهتم بالبديع، والاستعارة، والتشبيه، والجناس، والمطابقة، ونحوها .

           وعلى الرغم من تطواف المؤلف في التراث النقدي ابتداء من العصر الجاهلي حتى ابن خلدون، وفضلا عن مقارناته العديدة بين القاضي الجرجاني وغيره من النقاد، عربا وأجانب، قدامى ومحدثين، فأنه لم يستطع أنْ يتجاوز الدراسات السابقة كدراسة «النقد المنهجي عند العرب « لمحمد مندور، ودراسة إبراهيم سلامة » بلاغة ارسطو بين العرب واليونان « فقد وقع تحت تأثيرهما، وبخاصة الدراسة الثانية، حتى لتكاد تكون دراسته توسيعا للبحث الذي عقده إبراهيم سلامة للقاضي الجرجاني في كتابه سالف الذكر ، وهذا يدفعنا إلى الإشارة إلى هذا الكتاب الذي يحاول الكشف عن الوشائج التي تربط النقد الأدبي عند العرب بأرسطو، ومقدار تأثير البلاغة الأرسطية بالنقد العربي، اذ تناول المؤلف عدداً من النقاد منهم : قدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، والآمدي، والقاضي الجرجاني ، ويعنى إبراهيم سلامة بكتاب »الوساطة « من حيث التأثر، والتأثير، ولذا عقد المقارنة بين آراء القاضي الجرجاني ومدام دي ستايل، وسانت بيف، مثلا، ويعقد المقارنة بينه و بين عبد القاهر الجرجاني ، إنّ انشغال المؤلف بالمقارنة والكشف عن آثار البلاغة الآرسطية في النقد العربي قد نأى بالبحث بعيدا عن التأصيل، وحذا حذوه من تأثر به .

           وأود الإشارة ـ هنا ـ إلى دراسة مست موضوعنا مسا عارضا، وهي دراسة محمد زغلول سلام » أثر القرآن في تطور النقد العربي إلى آخر القرن الرابع الهجري « وقد توقف المؤلف فيما يخص بحثنا عند الرماني والقاضي الجرجاني، وعرض لرسالة الرماني «النكت في إعجاز القرآن« عرضا سريعا، وتناول بعض آرائه البلاغية بحسب ورودها وتسلسلها في الرسالة، وفعل مثلها في » وساطة « الجرجاني .

           ولا أريد الإشارة إلى كل دراسة تعرضت ولو على نحو يسير لناقد من نقاد بحثنا لأن هذا سيكون من الكثرة بحيث لا يمكن لهذا التمهيد أن يحيط به، كما أننا قد أشرنا في هوامش البحث وفهرس المصادر والمراجع، إلى هذه المراجع التي أفدنا منها حقيقة .

 

 

 

القسم الثاني

الأصول الفكرية للمعتزلة

 

 ( 1 )

 

           إذا استثنينا المعرفة الضرورية التي أودعها الله فطرياً في الإنسان فإنَّ للمعرفة لدى المعتزلة بعدين جوهريين : أحدهما عقلي، والآخر نقلي، غير أنّ هذا التصنيف لبعدي المعرفة ليس دقيقاً تماماً، إذ إنّ أحدهما يسبق الآخر ويتأسس عليه، ففي حين يحتل العقل مكان الصدارة، ويعوّل عليه كغاية ومعيار في آن، يتراجع النقل ـ الكتاب والسنة ـ إلى أداة نصية تخضع لأبعاد العقل، وحدوده، ولذا حصل التفاوت بين هذين البعدين ليكون العقل سابقاً، ويستخدمه الإنسان ليكشف به عن الحقيقة وعن الحكم الشرعي على نحو إجمالي، ويكون النقل لاحقاً للعقل وخاضعاً له، وقابلاً للتفسير في ضوء معطياته .

           ولقد عني المعتزلة كثيراً بالعقل واعتبروه أداتهم المعرفية الأساسية، واستخدموه في الجدل والنقاش، وأخضعوا له الظواهر الفلسفية الكبرى، وأقاموا على أساسه تصورهم عن الله والعالم والإنسان، ومن هنا جاء الحديث عن سبق العقل للسمع، وتحكّمه فيه، بل إنّ معرفة السمع لا تصح إلا بالعقل ، بمعنى أنّ معرفة القرآن ومعرفة الرسول لا تتم إلا بوجود العقل لأنهما ـ أي الرسول والقرآن ـ عرفا به، ولم يعرف بهما  .

          وتتخلق المعرفة لدى الإنسان أساساً، فهو الذي يصنعها مستعيناً بقدرته وبفعله النابع من هذه القدرة من ناحية، ومعتمداً على حرية الإرادة الإنسانية من ناحية ثانية، ولذلك فإنّ المعرفة التي يتلقاها الإنسان عن طريق الوحي ليست متقدمة على المعرفة الإنسانية، غاية ما في الأمر أنّ الأولى ـ أي الوحي ـ تزيد الثانية تخصيصاً، ليخلص المعتزلة من هذا إلى أنّ بعدي المعرفة متطابقان، وأنْ لا تناقض بين المعقول والمنقول، لأنّ الإنسان قادر بعقله على أنْ يميز بين الحسن والقبح، والشر والخير، وأنّ النص يؤكد ما توصل اليه العقل، ويزيـده تخصيصاً، أو أنه يعـرّفنا «بتفصيل الجملة المستقرة في العقل» ولذلك أكد المعتزلة أنّ الإنسان مكلف نـزل الوحي أو لم ينـزل، ما دام الإنسان كائناً عاقلاً قادراً بعقله على الكشف والتمييز بين الحسن والقبح.

           وحين يتعارض العقل والسمع، أو الدليل العقلي والدليل السمعي، فإنّ الدليل السمعي يخضع للدليل العقلي تأويلاً وتفسيراً، وهذا يعني أنّ رؤية الإنسان تُلقى ظلالها على النص السمعي فتصبغه بطابعها الخاص، على الرغم من أنّ المعتزلة تؤكد تطابق الدليلين، وتطابق نمطي المعرفتين العقلية والنقلية ، ويبقى التمايز بين المعرفتين قائماً، فالمعرفة البشرية تمثل تصوراً متخلقاً في داخل الإنسان، ونابعاً من إرادته وفعله، ومقترناً بعقله، أما المعرفة الإلهية فإنها تمثل تصوراً يفسر للإنسان : الله، والعالم، والإنسان، غير أنّ الإنسان يتحول إزاءها من مبدع إلى متلقٍ، فهو ليس صانعاً للمعرفة، وليس مسهماً في إيجادها، وإنما هو متلقٍ سيكون على أحسن الأحوال واعياً لمعطياتها .

           ونخلص من هذا إلى أنّ المعتزلة أصحاب نـزعة عقلية متميزة، فقد جعلوا العقل أداتهم في معالجة القضايا والظواهر، لأنه يمثل القوة القادرة على إرساء البناء الفكري، وبدونه لا يمكن إدراك الحقائق، كما أنه لا يمكنه أن يكشف عن القضايا إلا إذا بلغ درجة من النضج، وليس شرطاً تحقيق هذا بالوحي، لأنه ـ أي العقل ـ قادر بذاته، والقدرة تعني اشتماله على مجموعة من المعارف والعلوم الخاصة التي متى » صحت في المكلف صح منه النظر والاستـدلال والقيام بأداء ما كلف «  .

 

 (2)

 

          يرتكز الاعتزال على أصول خمسة هي بحسب أهميتها في الترتيب : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنـزلة بين المنـزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فبـ«التوحيد« : يتحدد موقف المعتزلة من الله والعالم، وبـ » العدل « : يتحدد موقفهم من الإنسان وحريته، ويمثل التوحيد والعدل الركنين الأساسين اللذين تتفرع عنهما بقية الأصول، إذ ينطوي » الوعد والوعيد « : على موقف المعتزلة من مصير الإنسان، ويتحدد في » المنـزلة بين المنـزلتين « : موقف المعتزلة من النظرية الأخلاقية، في حين يحدد «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » : موقفهم من القضية السياسية .

           ويعني » التوحيد « لدى المعتزلة تنـزيه الله سبحانه عن المماثلة والمشابهة لما سواه، فهو القديم الذي » لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه«، والتوحيد متعلق بالذات الإلهية وتنـزيهها، وقد قاد هذا إلى الحديث عن صفات الله، وقسمها المعتزلة إلى : صفات ذات، وصفات أفعال، أما الأولى : فإنّ الله لا يوصف بأضدادها، ولا بالقدرة على أضدادها، كالقدرة، والعلم، والحياة، والوجود ، ويجوز في الثانية : أن يوصف الله بأضدادها، وبالقدرة على أضدادها، ومنها الكلام، أي كلام الله، الذي تفرعت عنه قضية خلق القرآن الشهيرة.

 ويتصل التوحيد من زاوية أخرى بالإنسان وكيفية توحيده لله، إذ لا يصح أن يكون الإنسان موحدا إلا إذا علم بوحدانية الله، وما يستحق من صفات، ولابدّ له من الاعتقاد مع العلم والإقرار بذلك، لأن الإنسان « لو علم ولم يقرّ، أو أقر ّولم يعلم لم يكن موحداً » .

           وإذا كان التوحيد تنـزيه الله عن المماثلة والمشابهة لما سواه، فإنّ العدل تنـزيه الله عن الظلم، والظلم ـ كما يعرّفه القاضي عبد الجبار بن أحمد ـ » وضع الشي في غير موضعه « ، وفي ضوء مفهوم المخالفة فإنّ العدل يعني وضع الشيء في موضعه ، ويقود مفهوم العدل إلى أنّ أفعال الله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، أو أنّ العدل تنـزيهه ـ سبحانه ـ عن أمور ثلاثة :

-    أولـهـا : القبائح أجمع .

-    وثانيها : تنـزيهه عن أنْ لا يفعل ما يجب من ثواب وغيره .

-    وثالثها : تنـزيهه عن التعبد بالقبيح وخلاف المصلحة وإثبات جميع أفعاله حكمة وعدلاً وصواباً  .

           ويتصل مفهوم العدل من ناحية أخرى بالإنسان وحريته، لأن عدالة الله تقتضي أنّ الله لا يكلف الإنسان ما لا يطيقه، كما أنّ الإنسان حر في إرادته واختياره، وحر في قدرته على خلق أفعاله خيرها وشرها ، وإذا كان الإنسان يصنع أفعاله بإرادته جاز أنْ نصفها بالحسن والقبح، ويرى المعتزلة أنه يمكن بالعقل إدراك قبح الأشياء والظواهر والأعمال وحسنها، وأنّ الحسن والقبح يمثلان قيماً ذاتية كائنة في الأشياء والأفعال، ولهذا فهما بُعدان عقليان ثابتان، وليسا نسبيين يتغيران بتغير الأزمان والأذواق .

           أما الوعد والوعيد فعلى الرغم من أنهما محكمان بمنطق العقل ومرتبطان بالفعل الإنساني فإنهما ينبئان عن مصير الإنسان في العالم الآخر، لأنّ الإنسان مكلف في هذه الحياة، فلابدّ له من حساب على أعماله هذه، وهذا يعني ارتباط أفعال الإنسان بالعدالة الإلهية من ناحية، وبالحرية الإنسانية من ناحية أخرى، ولذا فإنّ الوعد والوعيد مقترنان بوعي الإنسان بأنّ الله » وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب« .

           ولقد عُرفت المعتزلة بمقولتها الشهيرة » المنـزلة بين المنـزلتين « في حق مرتكب الكبيرة، وقد اختلفت الفرق الإسلامية في موقفها من مرتكب الكبيرة، فذهب بعضها إلى إيمانه، وذهب بعضها إلى كفره، غير أنّ المعتزلة توسطت في ذلك، وجعلت مرتكب الكبيرة فاسقاً، فهو في منـزلة بين منـزلتي الكفر والإيمان، أي أنه ليس مؤمناً، لأن المؤمن لا يرتكب الكبيرة، وإن ارتكبها تاب عنها، وهو ليس كافراً، لأنه موحدٌ مؤمن بالله، فهو فاسق، وأن أحكام المؤمن لا تجري عليه، وكـذلك أحـكام الكـافر، فله «اسـم بين الاسمين وحـكم بين الحكمين« .

           ويمثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداة تغييرية يسعى المعتزلة إلى تمكينها في الواقع الاجتماعي لتقود إلى بعدين : أخلاقي وسياسي في آن واحد، ويستدل المعتزلة بالعقل لتحقيق هذا البعد، لأنه من الحسن العقلي أن يمنع المعتزلي فعل القبيح، كما يستعينون بالنقل من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية لتعضيد وجهة نظرهم، وقد قسّم المعتزلة المعروف إلى واجب ومندوب، أما المناكير فكلها من باب واحدة، ويجب النهي عنها، لأنّ »النهي إنما يجب لقبحها، والقبح ثابت في الجميع «  .

 

 

 ( 3 )

 

 

           وقد عني المعتزلة بحرية الإنسان لكونها تؤكد أهمية العقل ودوره في اختيار الإنسان لأفعاله من ناحية، ولكونها تؤكد العدل الإلهي أحد أبرز أركان الأيديولوجية الاعتزالية من ناحية ثانية، وترتبط المسئولية بالحرية ارتباط المعلول بعلته، فإنْ انتفت الحرية انتفت المسئولية، إذ كيف يكلف الله سبحانه الإنسان وهو مجبر على أفعاله، وكيف يثيبه أو يعاقبه على فعل لم يرتكبه ؟ .

           وقد حد المعتزلة الفعل بأنه » ما يحصل من قادر من الحوادث «  وتتأتى أهمية القدرة لتعني الإحداث والإيجاد، لأنّ كل ما يحدث من القادر يقال له فعله، ويقاس الغائب على الشاهد، فكما انّ الكتابة تحدث من الكاتب، ونقول إنها فعله، كذلك يقال عن الأجسام التي أحدثها الله إنها فعله .

           والفعل بهذا المعنى لا يصح صدوره عن الإنسان كما لا يتم تحقيقه إلا بقدرة سابقة لوجود الفعل، والقدرة ـ كما يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد ـ » معنى موجود في الجسم، يصح من العبد الفعل، والتصرف بها، ويمكن لأجله أن يتحرك بدلاً من أن يسكن، وأن يقوم بدلاً من أن يقعد، والله عز وجل ركبها في جسم العبد كي يطيع ولا يعصي «  فالقدرة في ضوء هذا كله تتسم بالخصائص الآتية :

-    أنها من أفعال الله وقد ركبها في جسم الإنسان .

-    تتميز القدرة بأنها أداة، شأنها شأن السيف، إذ يصلح السيف لقتل المؤمن، ويصلح للجهاد في سبيل الله، وتكمن وظيفة القدرة في إحداث الفعل، وإخراجه من العدم إلى الوجود ـ على حد تعبير القاضي عبد الجبار بن أحمد  ـ أو أنها صفة يتمكن بها الإنسان من الفعل أو الترك.

-    لا يتم الفعل إلا بها، إذ يصح من الإنسان الفعل والتصرف بها، بحيث يمكن أن يتحرك وإن يسكن، وأن يقوم وأن يقعد .

-    إنَّ القدرة تسبق الفعل، فهي متقدمة عليه، ولا تقع القدرة بوقوع الفعل، فالقدرة »متقدمة على مقدورها غير مقارنة له «  .

           ونخلص من هذا إلى أنّ الله سبحانه أقدر البشر على خلق الأفعال، وهذه الأفعال على ضربين : ضرب يصدر عن الإنسان وتكون القدرة هي التي أحدثته، ولكنه خالٍ من قصد الإنسان وإرادته، لأنّ القادر قد يحدث الفعل لمجرد كونه قادراً، وهو ما يصدر عن الساهي والنائم، وهو ما أطلق عليه القاضي عبد الجبار بن أحمد بأنه » ما له صفة زائدة على حدوثه وصفة من جنسه «  أما الآخر فيقترن بقصد الإنسان وإرادته، أو هو » ما ليس له صفة زائدة على ذلك «  إو » أنه فعل العالم بما يفعله«  ، فالضرب الأول : يفتقر إلى القصد والإرادة، والثاني : يقترن بهما، إذن فهناك أفعال مقترنة بالإرادة، وأخرى مفتقرة إليها، وهي الأفعال اللاإرادية، والإنسان ليس مسئولاً عنها، لأنها لم تقع بحسب قصده ودواعيه، ولا تنتفي بحسب كراهته، وهي بخلاف الأفعال الإرادية التي تقع بحسب قصد الإنسان ودواعيه، أي أنها مقترنة بإرادته، وحين يؤكد القاضي عبد الجبار بن أحمد اتفاق أهل العدل على أنّ أفعال العباد من تصرفهم، فإنه يقصد أفعالهم الإرادية، وما يتولد عنها، وهي التي يصدق عليها أنه لا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأنّ الله أقدرهم عليها، أي أوجد القدرة فيهم لتمكينهم من خلق هذه الأفعال  .

           إذن فالفعل الإرادي ـ في ضوء ما سلف ـ هو ما توافر فيه عنصران : أولهما : القدرة بكل خصائصها السالفة، وثانيهما : الإرادة التي تقتضي حدوث الفعل على هذا الوجه دون سواه ، كما أنها تمثل مَيلاً بالنفس باعتقاد النفع ، ومن هنا تتأتى الرغبة في إحداث الفعل أو العزم على تحقيقه، وينطوي هذا المعنى للإرادة على تفكير ومعرفة، لأنّ النفس الإنسانية لا تميل إلا بعد أنْ تعرف وتختار، بل إنّ الاختيار ـ عند القاضي عبـد الجبـار بن أحمد ـ إنما هـو إرادة بالنتيجة ، ولذلك جاء الحديث عن القصود والدواعي والكواره والصوارف لأنه بموجبها يقع الفعل أو يمتنع .

           ويُحدث الإنسان الأفعال لأنها واقعة من جهته بحسب قصده ودواعيه وعلمه وقدرته، وأنه قد يُمدح عليها وقد يُذم، وأنّ هذه الأفعال لا يتحقق وجودها في الواقع إلا بأدوات وآلات، ولا يصح عقلاً أن توصف هذه الأفعال بأنها أفعال الله، لأنه يعيب عليه أنْ يكون ظالماً بمحاسبة الإنسان على فعل لم يفعله، كما أنّ أفعال الله لا تذم لأنها كلها حسنة لا قبح فيها، وأنّ الله لا يحتاج إلى واسطة لتحقيق أفعاله .

           ويكمن الفرق بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني في أنّ الإنسان يقصد إلى الفعل بإرادته وعلمه، ويتحقق وجود الفعل عبر قدرة الإنسان، فقيامه، وقعوده، وكلامه، وكتابته، كلها أفعال قصد الإنسان وقوعها وحدوثها، فهي مقترنة بإرادته هو ; أما الفعل الإلهي فهو ما يتعذر على الإنسان وقوعه بحسب قصد الإنسان ودواعيه، وليس الإنسان مسئولاً عن هذا الفعل، لأنه فعل الله، وإنما يكون الإنسان مسئولاً عن الفعل الإنساني الإرادي، وما يتولد عنه ، لأنه يكون قد أحدثه عن وعي ومعرفة وقصد، كما أن الإنسان ليس مسئولاً عن فعل لم يقصد اليه وإنْ نسب اليه، كفعل النائم والساهي .

           وتمثل الكتابة والصياغة فعلين إنسانيين لأنهما مرتبطان بقدرة الإنسان وإرادته وعلمه، ويخضعان، شأنهما شأن الأفعال الإرادية الأخرى، لأحكام الحسن والقبح » لأن الفعل المقصود يجب كونه قبيحاً أو حسناً« أما الفعل الذي يصدر عن القادر دون قصد ووعي منه، فهو ليس مسئولاً عنه، ومن ثم، فإنّ أحكام الحسن والقبح ليست منطبقة عليه

           ان الفعل الإنساني لا يتحقق إذن إلا إذا كان الإنسان قادراً ومريداً، وتقترن بالإرادة المعرفة والعلم، غير أنّ بُعدي القدرة والإرادة ليسا منفصلين عن العقل، لأن الإرادة في أثناء ترددها بين الأفكار المتغايرة إنما تميل نحو أحدها مسترشدة بالعقل، ومن هنا يتدخل العقل في أخطر عمليات إحداث الفعل، وهو تأثيره في إرادة الإنسان، هذا من جهة إحداث الفعل، أما من جهة الحكم عليه فإنّ الفعل يخضع بالنتيجة لحكم أخلاقي عقلي، وهو كونه حسناً أو قبيحاً، والحكم يرتكز على مقومات عقلية، ولذا فإنّ الحسن ليس قيمة مفروضة على الفعل بوحي أو تشريع، وكذلك القبح، وإنما الحسن ـ على خلاف الأشاعرة ـ كائن في الفعل ذاته، بمعنى أن الحسن والقبح يمثلان قيمتين موجودتين في الأفعال ذاتها .

 

 

 ( 4 )

 

 

           وقد اختلفت الفرق الإسلامية في أصل نشأة اللغة بين الوقف والاصطلاح، وذهب المعتزلة إلى الاصطلاح، ليرتبط هذا ببعدين : أحدهما : يتصل بالتوحيد، لأنّ المعتزلة تسعى إلى تنـزيه الله سبحانه عن المماثلة، فاعتبرت الكلام واحداً من صفات الأفعال عند الله، وهذا يقود إلى أنّ كلام الله محدث، كي يقرروا أنّ القرآن الكريم مخلوق وليس قديماً، وثانيهما : يتصل بتكليف الإنسان، لأنّ الخطاب والتكليف لا يصحان من الله ـ سبحانه ـ إلا بعد أنْ يتواضع البشر على اللغات، ولذا أكد القاضي عبد الجبار بن أحمد ضرورة أنْ يتواضع أهل العقول على لغة حتى يفهموا عن الله ما يخاطبهم به، أي أن أبرز غاية وأظهرها للتواضع على اللغات هي القدرة على تلقي الشرائع .

           وقد جاء الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول الآية القرآنية الكريمة » وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلّها« فذهب الأشاعرة إلى الوحي والإلهام، أي إلى توقيفية اللغة، وذهب المعتزلة إلى الوضع والاصطلاح، لأنهم يرون أن المراد من الآية الكريمة أن الله سبحانه » علمه ـ أي علم آدم ـ ما تقدمت المواضعة عليه « ، بمعنى أن آدم قد عرف لغة تواضع عليها، سواء بينه وبين حواء، أو بينه وبين الملائكة، ويجزم القاضي عبد الجبار بأن ظاهر الآية يدل على أنّ تعليم آدم الأسماء على ما تقدمت المواضعة عليه لأنّ »الاسم إنما يُسمى اسما للمسمى بالقصد « ، وهذا يعني أن الاسم يتعلق بمسماه، وهذا التعلق بمنـزلة الإخبار عن الشيء والعلم به والدلالة عليه لأنّ » معاني الأسماء ثابتة لا تتغير باختلاف الأسماء واللغات» ولذلك فإنّ معاني المسميات ثابتة لا ينتابها التغير، بينما تخضع المسميات للتطور اللغوي، في سياق اللغة الواحدة، وفي سياق اللغات المختلفة، ومن هنا يصح القول إنّ اللغات يصح لها التغير بحسب الأغراض والدواعي، ولما كانت المقاصد والأغراض والدواعي تتفاوت وتتغاير فإنها قد دفعت إلى تسمية المسمى بالاسم بحسبها وبحسب ما تواضع عليها الإنسان، ومن هنا جاء اختلاف المقاصد في الأسماء وتبعه اختلاف مسمياتها بحسب اللغات  .

           إنّ المعتزلة عمدوا في جانب من دراستهم اللغة إلى التأويل في تحليل النصوص وتفسيرها، فهم يرون أنّ المواضعة تقتضي الإشارة إلى الأشياء، لأنه بالإشارة نعلم أنه «قصد الاسم المسمى المخصوص« ليعني هذا إرجاع المواضعة للإنسان، وأنّ تبليغ الرسالة السماوية إنما يتم في اللغة نفسها التي تواضع عليها الناس، لأنّ الله لا يجوز عليه أنْ يواضع أحداً من عباده، ولأنّ طبيعة المواضعة بما فيها من إشارة للأشياء، وإيماء لها بالجارحة، لا يصح إطلاقها عليه سبحانه، ولذلك يبطل أن تتم المواضعة بين الله وعباده، من أجل تنـزيه الله سبحانه عن التجسيم والتشبيه  .

           أما كيفية المواضعة فهي لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد أنْ يواضع رجل آخر على جعل كلمة مخصوصة اسماً لمسمى، ومتى ما أطلقت هذه الكلمة فإنها تدل على المسمى، ولا يمتنع معرفة هذا الوضع لغيرها، ليصير لغة للجماعة، ولذلك يقال : » في اللغة العربية إنها لغة لسائر من تحدث إذا اتبع من تقدم في المواضعة «  .

           وإذا كان القاضي عبد الجبار بن أحمد يقلل من أهمية البعد الاجتماعي في نشأة اللغة فإنّ ابن جني يعطيه أهمية خاصة إذ يرى أنّ الحاجة الاجتماعية وضرورة الإبانة عن الأشياء هما اللذان يدفعان إلى التواضع، ولذلك فإنّ نشأة اللغة تتم بأن » يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعداً، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظاً إذا ذكر عرف به ما سماه «  .

           وبقي ابن جني رغم اعتزاليته متردداً بين الوقف والاصطلاح، على الرغم من أنه يؤكد أنّ أكثر أهل النظر تذهب إلى الاصطلاح ، وحين ينقل عن أستاذه أبي علي الفارسي قوله بالتوقيف ينقل عنه في الوقت نفسه أنه قال في الآية القرآنية الكريمة »وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلّها « على أنّ آدم قد واضع عليها ـ أي اللغة ـ كما أنّ لابن جني رأياً آخر في أصل اللغة وهو محاكاتها لأصوات المسموعات كدوي الريح وخرير الماء، ويرى أنّ هذا هو الأصل ومنه تولدت اللغات، ويصف المحاكاة بأنها » وجه صالح ومذهب متقبل« .

           ولقد شغلت المعتزلة قضية المواضعة في اللغة لاتصالها بجذر عقائدي يحاول إرساء مفهوم »خلق القرآن «، وكون كلام الله محدثاً وليس قديماً، غير أنّ هذا لم يشغلهم ـ تماماً ـ عن تحديد طبيعة اللغة، فهي لدى ابن جني » أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم «  حيث أرسى ابن جني ـ هنا ـ طبيعة اللغة الرمزية المعتمدة على الأصوات اللغوية، ويمثل هذا الجانب المادي من اللغة، ويشتمل على الدلالات والمعاني، لتكون وظيفة اللغة توصيل الأفكار بين الإنسان والآخرين، وبهذا يُلمح ابن جني إلى الطبيعة الاجتماعية للغة .

           وقد تمكن المعتزلة من التلميح إلى الطبيعة الرمزية للغة، والى إشاريتها، وهم بهذا يقتربون من أظهر التصورات الحديثة التي تجعل من اللغة نظاما من الرموز والإشارات، وتتم دراسة اللغة تحت علم يطلق عليه السيمولوجيا Semeiology « علم الرموز » وهو أحد العلوم التي استخدمت لتدل على اللغة وغيرها من الأنظمة الرمزية والإشارية  .

           وإذا كان المعتزلة قد ألمحوا إلى الجانب الإشاري من اللغة فإنهم لم يستطيعوا أن يميزوا بين اللغة Langue والكلام Parole على النحو الذي نراه لدى دي سوسير الذي يرى أنّ اللغة تمثل نظاماً اجتماعياً يرتكز على رموز صوتية تشتمل على دلالات ومعان اتفق عليها المجتمع، أما الكلام فانه يمثل الاستخدام الفردي لهذا النظام ، فالكلام لدى ابن جني يدل على اللفظ المستقل بنفسه، ويتميز بكونه مفيداً لمعناه، ولكن ابن جني يذهب إلى المقارنة بين الكلام والقول ويلتقي فيه الأخير مرة مع الكلام، ويفترق عنه مرة أخرى، لأنّ القول كل لفظ نطق به اللسان، فيلتقي بالكلام إذا كان القول تاماً، ويفترق عنه إنْ كان ناقصاً ، وعلى الرغم من عناية ابن جني بالحدود النحوية لمفهومي » الكلام « و» القول« فإنه يحاول ربطهما بتجليات واضحة من المفاهيم الاعتزالية، ليشير إلى فروق دلالية بينهما، لأنّ الكلام له دلالة أشمل وأدق وأعمق من القول، ولذلك قلنا » كلام الله « ولم نقل » قول الله « .

           ويتحدد الكلام لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد بأنه » ما حصل فيه نظـام مخـصـوص من هـذه الحـروف المعقولة، حصـل في حرفين أو حروف « ، وبهذا يتداخل في هذا التحديد مفهوما الكلام واللغة على النحو الذي أرساه دي سوسير، إذ يؤكد هذا الحد في أحد جوانبه الطبيعة الرمزية للغة، ويشتمل على الاستخدام الفردي لها ضمناً ، فالكلام لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد لابد أنْ يتوافر فيه عنصران :

أولهما : الحروف المعقولة، وهو يعني بها الأصوات المشتملة على الدلالات إذا تركبت مع غيرها، لأنّ الحرف وحده لايعدو كونه صوتاً لا دلالة له، شأنه شأن الأصوات الأخرى كصرير الباب مثلا .

ثانيهما : النظام الخاص لهذه الحروف، لأنه بهذا النظام تتألف الكلمة، ويتداخل ـ هنا ـ النظام بطبيعة الأصوات، لأنّ الحروف لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد إنما هي « أصوات مقطعة » ولأن الكلام « لا يكون حروفا منظومة دون ذكر الأصوات».

           وإذا كان التحديد السالف يشير في بعض جوانبه إلى اللغة فإنّ القاضي عبد الجبار بن أحمد قد أكد في مكان آخر أنْ الكلام » هو الصـوت الواقع على بعض الوجوه « ، ليدل هذا على اللغة والكلام في آن واحد، ودلالته على اللغة تكمن في الإشارة إلى النظام الرمزي، كما أنه يشتمل على الاستخدام الفردي لهذا النظام، لأنّ وقوع الصوت على وجه، أو بعض الوجوه، معناه تدخل الإرادة الإنسانية في إحداث الكلام، ومن هنا يتأتى الجانب الفردي للكلام.

           ويمثل الكلام من ناحية أخرى بعداً إشارياً صوتياً يغاير الكتابة بوصفها » أمارة للكلام «، وهي ـ الكتابة ـ نظام إشاري حسي مرئي، يمكننا القول إنها تنطوي على أبعاد مكانية، في حين يمثل الكلام أبعاداً زمانية تتتابع فيها الأصوات وتتضام إلى بعض لتقود إلى الدلالات التي يقصدها المتكلم، أما الكتابة فإنها تمثل بعداً مكانياً تكون حاسة البصر أداة الإنسان في إدراكه ، وهذا يعني أنّ اللغة أمر آخر غير الكتابة، لأن اللغة نظام يعبر عنه بالرموز الصوتية، في حين تمثل الكتابة الصورة الإشارية لهذا النظام الرمزي،

           ويرفض المعتزلة أن يكون الكلام معنى في النفس، رافضين بهذا مفهوم الكلام النفسي عند الأشاعرة، لأن الكلام يمثل ظاهرة مادية محدثة لا يصح وجودها إلا بعد حدوثها، أما ما يوجد في النفس فليس كلاماً، وإنما هو العلم بكيفية الكلام، إذ تنطوي النفس على فكر فيه القصد على إيجاد الكلام وإحداثه.

           إن مادة الكلام هي الألفاظ التي تواضع الناس عليها في اللغة، ولذلك كان القرآن الكريم من »جنس الكلام المعقول من الشاهد، وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة «  وهذا يعني أن القرآن الكريم قد صيغ من المفردات التي تواضع الناس عليها، والتي يستخدمونها في تعاملهم اليومي وفي نقل أفكارهم، ويدل هذا من ناحية ثانية على أنّ القرآن الكريم مخلوق محدث، » لم يكن ثم كان، وأنه غير الله عز وجل، وأنه أحدثه بحسب مصالح العباد، وهو قادر على أمثاله «  ، ويلتقي ـ من هذه الناحية ـ النص القرآني مع النصوص الأدبية الأخرى، في أنّ كليهما من المادة اللغوية ذاتها، وصيغا بطرائق مخصوصة من هذه المادة، وأن كلاً منهما مخلوق محدث، كان بعد أن لم يكن، ويفترق النص القرآني عن غيره من النصوص بأنه معجز في إبداعه، وليس النص الأدبي كذلك .

           ونخلص من هذا كله إلى أنّ كلام الله صفة من صفات الفعل، وصفات الفعل هي التي يجوز أن يوصف الله بأضدادها وبالقدرة على أضدادها، ليتوصل المعتزلة من هذا إلى خلق القرآن الكريم، أما الكلام الإنساني فهو فعل من الأفعال الإرادية المحكمة التي يشترط المعتزلة فيها القدرة والإرادة والعلم بكيفية حدوثها، ويوصف الإنسان بأنه متكلم اذا أحدث الكلام بحسب قصده وإرادته ودواعيه .

           ويوصف الكلام الإنساني ـ في ضوء ما سلف ـ بالحسن والقبح، ويفتش الإنسان عن حسنه وقبحه في الفعل الإنساني ذاته ـ أي الكلام ـ ومن الطبيعي أن يشتمل الكلام ـ حديثاً أو نصاً أدبياً ـ على جوانب الحسن والقبح شأن الأفعال الإرادية الأخرى، في حين لا يوصف الفعل الإلهي إلا بالحسن، ولذلك فالقرآن الكريم كله حسن، لأنه كلام الله وفعله، شأنه شأن كل أفعال الله لا قبح فيه البتة .

 

 

 

الفصل الأول

المقياس اللغوي

 

 

جماليات النظام الصوتي :

 

 

 (1)

 

           إنّ الحديث عن الكلام لدى نقاد المعتزلة في القرن الرابع الهجري يقترب من حديث دي سوسير عن اللغة  ولذلك فاللغة ـ في ضوء هذا التمايز ـ تتحدد أساسا بأنها أصوات، وهذا يؤكد بعدها الرمزي المنطوق، وهو ينطوي بطبيعته على دلالة ما ، ولذلك ألفينا القاضي الجرجاني في الوساطة  يؤكد بعدها السمعي لا البصري، وعلى أنّ محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار، ليخلص من هذا إلى خصائص إيقاعية كائنة في الكلمات، فمنها ـ أي الكلمات ـ المحكم الوثيق، والجزل القوي، والمنمق الموشح .

           ونلحظ تمايزاً جديراً بالتنويه لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد الذي يميز بين الكلام والصوت، لأن الصوت ـ لديه ـ قد يدل على ترميز له دلالة لغوية أو لا يدل أصلاً، لكون الإنسان قادراً على إحداث العديد من الأصوات، وليست لها أدنى علاقة باللغة لافتقارها إلى دلالات متواضع عليها، ولأن » الصوت ـ الرمز « يقتضي وعيا لطبيعة تأديته، وطبيعة وظيفته، ويقتضي، أيضاً، وعياً لكيفية استخدام جهاز النطق، أو على حد تعبير القاضي عبد الجبار بن أحمد » بأن الكلام يحتاج إلى العلم بتصريف الآلة التي هي اللسان وغيرها على بعض الوجوه «  .

           ويتجاوز القاضي عبد الجبار بن أحمد ذلك إلى ضرورة التمايز بين الأصوات اللغوية ذاتها، وتعقّل هذا التمايز، ليتمكن الإنسان من المفارقة بين المتصل منها ببعض أو الممتنع، ومن هنا استخدم القاضي عبد الجبار بن أحمد مصطلح » الحروف المنظومة على وجه مخصوص « بدلا من مصطلح » التأليف « الذي يؤثره ابن جنّي والرماني، ولذلك فإن الحروف ـ لدى القاضي عبد الجبار ـ تترتب في الحدوث على وجه وتتصل لتدل على معنى معين ، وهذا يتضمن بذاته حدوث الحروف زمانياً كي تتماثل مع الموسيقى بوصفها فناً زمانياً، غير أنّ القاضي عبد الجبار بن أحمد يُميز بين الرموز اللغوية المنظومة والرموز المكتوبة، لأن المنظومة لديه هي  »الصوت الواقع على وجه « معين من الدلالة، أي أنّ إرادة القصد ـ هنا ـ هي التي تحدد وجهته إلى هذه الناحية أو تلك، أما الكتابة فلا تعدو أن تكون » أمارة للكلام «، وهذا يعني أنّ الأصوات إنما هي رموز للدلالات الكائنة في الذهن، أو رموز للأشياء الكائنة في الواقع الخارجي، فهي رموز للتصورات والأشياء، في حين تكون الكتابة رمزاً للرمز، لأنها » أمارة « للرمز أو للصوت المنطوق، ويقترب هذا التصور إلى حد ما من تصور بلومفيلد الذي يرى أنّ الكتابة ليست اللغة، وإنما هي الشكل الإشاري للأصوات .

           ويتداخل لدى ابن جنّي مفهوم الصوت بالحرف، فالصوت لديه » عرض يخرج مع النفس مستطيلا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداداته واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا «  فالحرف هو الصوت الذي يحدث من جراء المقاطع التي تعترض الصوت الصادر من الإنسان، فيوجهها هذه الناحية لا تلك ويكتسب صفة بحسب » المقاطع « ـ أي مخارج الحروف ـ ولذلك فإنّ أجراس الحروف تختلف باختلاف مقاطعها .

           ويُحدث جهاز النطق الأصوات، وهو يشبه إلى حد ما آلتين موسيقيتين هما : الناي والعود، فالصوت يخرج من الناي مستطيلاً أملس ساذجاً ليشبه هذا الألف إنْ لم يعترضها مقطع، ولكن إذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات، وكذا العود، فإذا ضرب وتره وهو مرسل سيكون له صوت يختلف فيما لو حصرت آخر الوتر، والصوت الذي يؤديه الوتر من غير حصر يكون أملس مهتزاً، ويختلف باختلاف الوتر وصلابته، وضعفه ورخاوته، فهو ـ والحالة هذه ـ يشبه جهاز النطق الإنساني، فجريان الصوت غفلاً يشبه صوت الألف الساكنة وما يعترضه من الضغط والحصر يشبه ما يعرض للصوت في مخارج الحروف، وأخيراً فإن هذه المماثلة لدى ابن جنّي مقصودة لأنه يرى أنّ » علم الأصوات له تعلق ومشاركة لما فيه من صفة الأصوات والنغم «  .

           إنّ الحرف ـ لدى ابن جنّي ـ يمثل أصغر وحدة صوتية تتكون الكلمة من تأليفها جنب بعضها، ومن الجدير بالإشارة أنْ أنبّه إلى أنّ ابن جنّي حين حدد مخارج الحروف وحدد صفاتها كان معتمداً على سيبويه اعتماداً كلياً، واعتمد عليه أيضا في الحديث عن وحدات صوتية أخرى، وهي لديهما على نمطين : الأول : الحروف الفرعية المستحسنة، والثاني : الحروف الفرعية المستقبحة، ولا يهمنا كثيراً طبيعة هذه الحروف قدرَ عنايتنا بتحديد هذه الحروف في إطارين، الأول : كون هذه الحروف فرعية، بمعنى أنّ وجودها متصل بوجود الأصول، أو كما قال سيبويه » أصلها من التسعة والعشرين«  حرفاً ولذلك فإن وصفها يتأتى بالقياس إلى الحروف الأصلية، فالشين التي كالجيم، وهي من الحروف المستحسنة تتحدد بأنها شين تشبه الجيم، وهذا يعني أنه وصفها بالقياس إلى ما هو كائن من الأصول، أما الثاني : فإن ابن جنّي ـ وقبله سيبويه ـ يريان أنّ الحروف المستحسنة على الرغم من أنها فروع فإنها « حسنة يؤخذ بها في القرآن » وهي تختلف عن الحروف المستقبحة التي لا يؤخذ بها في القرآن والشعر، وهذا يدل على أنّ هذه الوحدات الصوتية ليست جديدة بحيث تُغيّر من دلالة الكلمة، ولكنها وحدات صوتية تنطق بطرائق متعددة لا تغير كثيراً من أصل تأليفها .

           إنّ الوحدات الصوتية الفرعية بعضها مرذول لا يصح استخدامه في القرآن الكريم وفي الشعر، ويرجع السبب في ذلك إلى أمرين : أحدهما : يتصل بقضية الأصل والفرع وطبيعته القياسية، وكلما ابتعد الفرع عن الأصل فقد جانبا من أهميته وقيمته، وقد شغلت الطبيعة القياسية التفكير الاعتزالي كثيراً، وثانيهما : تأثري يعتمد فيه ابن جنّي على الحس والذوق في قبول هذه الوحدات الصوتية أو رفـضها .

           إنّ الوصف السالف للحروف إنما هو وصف تجريدي ينتزعها من سياقاتها، وكأنّ كل حرف وحدة مستقلة غير متأثرة بما يجاورها، والحق إنّ هذه الوحدات الصوتية لا تتسم بهذه الصفة والاستقلالية المجردة في اللغة، لأنها متألفة في سياقات صوتية أخرى، وتتركب الكلمات من السياقات الصوتية للوحدات الصوتية، وبخاصة أنّ الصوت لدى ابن جنّي يمثل أصغر وحدة يتم من تأليفها جنب بعضها تكوين الكلمة، ولذا فإنَّ الصفات التي تتميز بها الأصوات وهي مستقلة تختلف ـ ولو جزئيا ـ عن صفاتها وهي في سياقات الكلمة والجملة، لأنها تقع تحت تأثير المجاورة وتحدث بسببها ظواهر عديدة، وقد تنبه إلى هذه الظاهرة ابن جنّي  لأنه يرى فرقاً يتمايز فيه الحرف في حالة كونه ساكناً عن حالة إدراجه، ولذا فإن الحرف الساكن ليست حاله إذا أدرجته إلى ما بعده كحاله لو وقفت عليه، بل يرى ابن جنّي أنّ هناك صويتاً يلحق بعض الحروف إذا وقفت عليها، ويختفي هذا الصويت أو يضعف إذا أدرجت الحديث دون الوقوف، ويضرب لذلك مثلا بـ » أحْ « و » يحرد« .

وللحرف العربي خصائص ذاتية عني بها الدارسون، فعمدوا إلى وصفها وتحديد صفاتها ومخارجها ونوعية صفاتها، وكانت الدراسة تتجه في الغالب إلى وصف مستقل عن السياقات، ولذلك قسم ابن جني الحروف إلى ضربين « ضرب خفيف وضرب ثقيل وتختلف أحوال الخفيف منهما فيكون بعضه أخف من بعض وتختلف أيضا أحوال الثقيل منهما فيكون بعضه أثقل من بعض وفي الجملة فأخف الحروف عندهم وأقلها كلفة عليهم الحروف التي زادوها على أصول كلامهم وتلك الحروف العشرة المسماة حروف الزيادة وهي الألف والياء والواو والهمزة والميم والنون والتاء والهاء والسين واللام ».

          ولا تخلو الحروف من علاقات في أثناء انتظامها في كلمة واحدة أو في سياق تركيبي، إذ تتأثر العلاقات الصوتية والدلالية بحسب طبيعة الانتظام الذي تشكله الحروف المنتظمة في السياقات، بمعنى أنَّ انتظام الحرف مع الحرف الذي يسبقه أو يعقبه يشكل انساقا إيقاعية متميزة، كما أن طبيعة حركة الحروف تسهم هي الأخرى في تأدية مؤثرات دلالية وإيقاعية معينة .

ويقسم ابن جني تضام الحروف إلى : ممتنع، وثقيل، وحسن، فإذا تقاربت مخارج الحروف امتنع تضام الحروف إلى بعضها، مثل : سص، وظث، وجق، ويرجع الامتناع إلى بعدين : ذوقي جمالي يكمن في « نفور الحس » واستثقال النطق بها، بسبب « المشقة على النفس لتكلفه » ، أما الانتظام الثقيل فيبدو في ائتلاف حروف الحلق مع بعضها، ويتأتى ذلك بسبب تقارب مخارجها، فإن « جمع بين أثنين منها قدم الأقوى على الأضعف نحو أهل وأحد وأخ وعهد ... أنهم إنما يقدمون الأقوى من المتقاربين من قبل أن جمع المتقاربين يثقل على النفس فلما اعتزموا النطق بهما قدموا أقواهما لأمرين أحدهما أن رتبة الأقوى أبدا أسبق وأعلى والآخر أنهم إنما يقدمون الأثقل ويؤخرون الأخف من قبل أن المتكلم في أول نطقه أقوى نفسا وأظهر نشاطا فقدم أثقل الحرفين وهو على أجمل الحالين»  .

ويرى ابن جني ان للحروف خصائص ذاتية تتميز بها وتتفاوت في التأثير في دلالاتها، ولذلك لاحظ أن الألفاظ تتقابل مع ما يتشاكل مع أصواتها من الأحداث، ويضرب لذلك أمثلة عديدة، ويقدم تفسيرات صوتية تدعمها مبررات عقلية، فهو يمايز بين الفعلين « خضم وقضم » فالأول لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء، والثاني للصلب اليابس، نحو قضمت الدابة شعيرها، ويعلل ذلك أن اختيار « الخاء لرخاوتها للرطب والقاف لصلابتها لليابس حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث » ويعزز قوله بأثر مفاده ان الخضم قد يدرك بالقضم، أي « قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف».

ويمايز بين النضح والنضخ، لأن « النضح للماء ونحوه والنضخ أقوى من النضح قال الله سبحانه فيهما عينان نضاختان فجعلوا الحاء لرقتها للماء الضعيف والخاء لغلظها لما هو أقوى منه » وكذلك «الوسيلة والوصيلة » لأن « الصاد أقوى صوتا من السين لما فيها من الاستعلاء والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة...فجعلوا الصاد لقوتها للمعنى الأقوى والسين لضعفها للمعنى الأضعف » ومثله « سعد وصعد » « الصاد لقوتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية » ومثله أيضا « سد وصد » لأن السد «سد وصد فالسد دون الصد لأن السد للباب يسد ... والصد جانب الجبل والوادي والشعب وهذا أقوى من السد ... فجعلوا الصاد لقوتها للأقوى والسين لضعفها للأضعف ».

ويرى ابن جني أن « العرب تًقارِب بين الألفاظ والمعاني إذا كانت عليها أدلة، وبها محيطة » ولذلك فإن بعض الحروف المتقاربة في الصوت أو المخرج تبدو متقاربة في المعنى أيضاً فالفعل : «نَحَتَ يَنْحِتُ » يقترب في دلالته من الفعل : «نَحِطَ يَنْحِطُ »، لاقتراب صوت التاء من الطاء، « فكأن ذلك الضغط الذي يصحب الصوت ينال من آلة النفس، ويحتُّها ويسفِنُها فتكون كالنحت لما يًنحَت لأنه تحيُّفٌ له وأخْذٌ منه»، ولم يقتصر الأمر على ذلك فإن أصوات بعض الحروف تؤثر بشكل فاعل في دلالة الكلمة، وتهيمن على حروف الكلمة الأخرى، ومن ذلك حروف الصفير ـ السين والزاي والصاد ـ التي تتضمن دلالة تكاد تكون واحدة حين تكون في مكان واحد من الفعل، فالأفعال « عسر وعصر وعزر» تكاد تكون دلالتها واحدة، لأن أحرف الصفير كانت « عين » هذه الأفعال  « فالعصر : شدة تلحق المعصور، والعَسَر شدة الخُلُق، والتعزير للضرب، وذلك شدة لا محالة، فالشدة جامعة للأحرف الثلاثة » ، وتجاوز ابن جني إلى حد، إقامة علاقة بين أصوات الحروف ودلالاتها على الرغم من تغير مواقعها في الكلمة، مما أطلق عليه الاشتقاق الأكبر، وهو: « أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداُ تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه » ويضرب مثلا لذلك بالجذر قول، ويرى أن « إن معنى قول أين وجدت وكيف وقعت من تقدم بعض حروفها على بعض وتأخره عنه إنما هو للخفوف والحركة » ، ويعمد ابن جني إلى تأويل ما ينبو تقليب معناه بلطف الصنعة والتأويل.

ويعقد ابن جني علاقة بين حروف المد ودلالاتها الحسية، ويتأسس تصوره هذا على العلاقات نفسها التي أشادها في قوة الحرف وضعفه، والجهد العضلي الذي يبذله المتكلم، مؤكداً النـزعة العقلية التي يصدر عنها، فالواو أقرب إلى حاسة منه إلى حاسة أخرى،لقوته التي تناسب شدة اقتراب الفاعل، ويعقد مقارنة بين الفعلين  « حلا يحلو » و« حلى يحلي » فالأول يطلق على حاسة الذوق، لأنك تقول « حلا الشيء في فمي يحلو» والثاني أنسب إلى حاسة البصر، لأن الياء والألف خفيفتان وضعيفتان، و«حصة الناظر أضعف من حس الذوق بالفم » ، وما قيل عن أصوات الحروف وعلاقتها بالمعنى يقال أيضاً عن أصوات الحركات، التي تتسم بالقوة والضعف، فيما يرى ابن جني، فالضمة تدل على القوة، والكسرة تدل على الضعف، ولذلك أطلق العرب « الذِّل » بكسر الذال على الدابة، وهو ضد الصعوبة، كما أطلقوا « الذُّل » بضم الذال على الإنسان وهو ضد العزّ، ليفصلوا بين المعنيين، « لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدراً مما يلحق الدابة، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة »، وكما تدل الحركات عند ابن جني على المعنى قوة وضعفاً، تدل عليه كثرة وقلة، ولذلك لاحظ فرقاً واضحاً في الدلالة بين العبارتين :

 

                   جُمام المكوك دقيقاً - بضم الجيم

                   جِمام القدح مـاءً - بكسر الجيم

 

 « لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح، كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكوك، فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقل بل يُعدم ارتفاعه »، وقد ارتبطت أصوات بعض الحروف بالدلالة على القلة والكثرة، فقد فرّق بين دلالة صوتي الضاد والصاد في كلمتي : « قَبضة، وقُبصة  »، ورأى أن : «قَبضة » تدل على الكثرة، لتفشي حرف الضاد واستطالة مخرجه، أما كلمة : « قُبصة » فهي تدل على القلة، وذلك لصفاء حرف الصاد، وانحصار مخرجه وضيق محله .

          كما أن بنية الكلمة تخضع هي الأخرى لقانون الاستثقال، ويرى ابن جني أن أعدل الأصول هو الثلاثي، « حرف يبتدأ به وحرف يحشى به وحروف يوقف عليه »  ويتجاوز المتكلم الاستثقال، ولذلك فإن ياء ميزان وميعاد « انقلبت عن واو ساكنة لثقل الواو الساكنة بعد الكسرة وهذا أمر لا لبس في معرفته ولا شك في قوة الكلفة في النطق به وكذلك قلب الياء في موسر وموقن واواً لسكونها وانضمام ما قبلها ولا توقف في ثقل الياء الساكنة بعد الضمة ».

وتنطبق القاعدة على الوحدات الصوتية في حال انتظامها، كما ينطبق على الوحدات التركيبية في أثناء انتظامها، أيضا، مما له أكبر الأثر في تحديد الفاعلية والمفعولية، ـ مثلا ـ فالعرب رفعت الفاعل لقلته، ونصبوا المفعول لكثرته « أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد وقد يكون له مفعولات كثيرة فرفع الفاعل لقلته ونصب المفعول لكثرته وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم ».

 

 

 (2)

 

 

           وعلى الرغم من أنّ هناك قوانين تفسر الظواهر اللغوية المتعددة فإننا لسنا في سياق العناية ببعض القوانين الصوتية التي فصلها علماء الأصوات قدر عنايتنا بما له من تأثير في الكشف عن جماليات النص الشعري ، وفي هذا الصدد نلمح لابن جنّي تأكيده ظواهر معينة يمكنها أن تتحول إلى قاعدة أو قانون، بحيث يمكنه الإسهام في تفسير التغيرات الصوتية والكشف عن جمالياتها أيضاً، ومن هذه الظواهر ظاهرة » الاستثقال « أي ثقل الوحدة الصوتية في نطقها بذاتها ومستقلة عن سياقها، أومقترنة بالسياق، ومن الطبيعي أن تكون هذه الوحدة الصوتية ثقيلة أيضاً في أثناء تركيبها في سياق، ولم يكن ابن جنّي مقتصراً على الحروف وحدها، بل تجاوزها إلى الحركات التي تمثل مستويات متعددة من الخفة والثقل، لتكون الضمة أكثر هذه الوحدات الصوتية ثقلاً .

           ويُعني ابن جنّي بما للاستثقال من أثر في تأليف الوحدات الصوتية أساساً في اللغة فضلاً عن تأليفها في الشعر، ويُفسر أسباب إهمال بعض الأصوات في اللغة العربية لأن«أكثره متروك للاستثقال « وهو يرجع إلى قرب مخارج الوحدات الصوتية التي منها هذه الأصوات، ويعزو ابن جنّي ذلك إلى نفور الحس عنه والمشقة على النفس لتكلفه ، ليخضع حكمه إلى بعدين تأثري وعقلي في آن واحد .

           ويرتكز تفكير ابن جنّي في أحد جوانبه على ربط القضايا في ضوء أصولها وفروعها وأعدل الأصوات وأخفها، ليتجاوب مع مزيد من الإحكام العقلي مع تصورات المعتزلة التي تسعى إلى مزيد من التدقيق العقلي، واعتماد ألوان من القياس في إحكام الظاهرة مهما كانت، ولذلك لاحظنا أنّ ابن جنّي يتحدث عما كان الأصل فيه خمسة أحرف، إذ يرى أنّ العرب اجتنبت تبليغه بالزيادة إلى سبعة، ويذهب في تعليل ذلك إلى استثقال النطق بالأصول الخمسة، ولكنه من ناحية أخرى تسيطر عليه النـزعة القياسية فيتحدث عن » أعدل الأصول وأخفها « وهو الثلاثي، ولهذا فإنّ ما كان الأصل فيه خمسة، على الرغم من كونها أصولاً، فهي بعيدة عن » أعدل الأصول « ـ أي الثلاثي ـ ولذلك ثقلت الكلمة ومن ثم تقل كميتها في اللغة، ولهذا السبب يقل استخدامها أيضاً، والزيادة على هذه الأصول يزيدها ـ دون شك ـ ثقلاً، ولذلك فإنّ العرب ـ فيما يرى ابن جنّي ـ لم يجمعوا على هذه الكلمة ثقلين : ثقل الأصل الخماسي وثقل الزيادة بحرفين ليصير سباعيا .

           إنّ ظاهرة الاستثقال لدى ابن جنّي تشبه إلى حد كبير قانون الجهد الأقل، الذي يحاول فيه المتكلمون في نطق الأصوات تجنب التحركات النطقية التي يمكن الاستغناء عنها والتي تكلف جهداً يثقل على المتلقي أداؤه ، وعلى الرغم من أنّ هذا العامل ليس بوسعه أن يفسر كل التغيرات الصوتية فإنه يسهم في تفسير بعض التغيرات التي تكشف عن جوانب جمالية للوحدات الصوتية، سواء في حالة إفرادها، أو في حالة تراكبها، وتضامها مع غيرها من الوحدات  .

           ويُميز ابن جنّي بين طبيعة الحروف في الفصل الذي ذكر فيه مذهب العرب في مزج الحروف بعضها ببعض ، وما يجوز في ذلك وما يمتنع وما يحسن وما يقبح، ويقسم الحروف إلى قسمين : خفيف وثقيل، وتختلف أحوال الخفيف، فيكون بعضه أثقل من بعض ، ولم يحدد ابن جنّي الصفات والخصائص التي تجعل هذا الحرف خفيفاً والآخر ثقيلاً، ولكنه أكد أنّ أحرف الزيادة كلها خفيفة، وهي : الألف، والواو، والياء، والهمزة، والميم، والنون، والتاء، والهاء، والسين، واللام ، وما تبقى من الحروف فهي الحروف الثقيلة .

           ولو تتبعنا أحرف الزيادة، وهي أحرف خفيفة في تصور ابن جنّي، لوجدناها تختلط بين المجهور والمهموس، فالمجهور : الألف، والواو، والياء، والهمزة، والميم، والنون، والهاء، واللام، والمهموس اثنان وهما : التاء، والسين . ومن جهة الشدة والرخاوة فمنها الشديد : كالهمزة، والتاء، ومنها التي بين الشدة والرخاوة وهي : الألف، والياء، واللام، والنون، والواو، ومنها الرخو، وهي :السين، والميم، والهاء، وليس فيها حرفٌ مستعلٍ إذ كلها من الأحرف المنخفضة، وليس فيها حرف مطبق، فكلها أحرف منفتحة .

           وتتفاوت الحروف في نوع الجهد العضلي في نطقها، فالتي تتطلب جهداً عضلياً أكثر تعد ثقيلة في تصور الدرس الصوتي الحديث، بل تعد حروفا رديئة الموسيقى، ولو أردنا المقارنة بين الحروف الخفيفة والثقيلة عند ابن جنّي من جهة وقانون الجهد العضلي من جهة ثانية، فإننا نستطيع الكشف عن جوانب ذات قيمة في مفهوم الخفة والثقل، ومن هذا : إنّ الدراسات الحديثة تعتبر الهمزة من أشق الحروف وأعسرها حين النطق، ومثلها القاف، وكذا أحرف الإطباق، وهي » الصاد، والضاد، والطاء، والظاء «  .

           إنّ أحرف الزيادة التي أكد ابن جنّي أنها أحرف خفيفة ليس فيها إلا حرف الهمزة من الوحدات الصوتية الثقيلة، ولم يكن هذا خافياً على ابن جنّي، بل إنه يؤكد أنها من الحروف المستثقلة، ويؤكد أنّ الهمزة ثقيلة لأنها » حرف سَفَلَ في الحلق وبَعُدَ عن الحروف وحصل طرفا فكان النطق به تكلفا «  وإذا كان التحديد السابق لثقلها من حيث مخرجها، فإنها ثقيلة من حيث حذفها، وإبدالها فهي ثقيلة لسببين : الأول : لأنّ الحذف يدخلها، والثاني : إبدالها بحرف آخر في كثير من الكلام .

 وعلى الرغم من هذا فإنّ الهمزة لها خاصية تجعلها حرفاً خفيفاً للأسباب الآتية :

-    القدرة على إعلالها وقلبها، وهذا لا يمكن أن يتم بحرف من الحروف الثقيلة، كالجيم والقاف .

-    إنّ مخرجها مجاور لمخرج أخف الحروف وهو الألف .

-    تباعدها عن الحروف ما يستروح إلى مزج المتقارب مما بعُد عنها بها، ويمثل ابن جنّي لذلك بـ » دأب « وكون الهمزة تفصل بين الدال والباء، وهو أحسن في تصوره في الفصل بينهما بالفاء مثلا .

           ومهما يكن من تبرير ابن جنّي للهمزة فإنّ أحرف الزيادة باستثناء الهمزة كلها خفيفة لأنها لا تتطلب جهداً عضلياً يكلف المتكلم مشقة وعسراً، كما أنّ أغلب أحرف الزيادة ـ ما عدا السين، والهاء، وهما حرفان رخوان ـ من الأحرف الشديدة، ولأن الأصوات الرخوة أصعب من نظائرها الشديدة في النطق، كما أنّ أغلب أحرف الزيادة مجهور، واثنان منها مهموسان، وهما : التاء، والسين، ولأن » الأحرف المهموسة تحتاج للنطق بها إلى قدر أكبر من هواء الرئتين مما تتطلبه نظائرها المجهورة«.

           أما الأصوات الثقيلة فمنها حروف الحلق وهي : الهمزة، والعين، والحاء، والغين، والخاء، ويندر أنْ يلتقي بعضها ببعض لأنها أبعد ما تكون من الائتلاف بسبب تقارب مخارجها، ويحدد ابن جنّي لذلك مجموعة من الضوابط لالتقاء أحرف الحلق، لأنه متى اجتمع منها في كلمة اثنان ينبغي أن يفصل بينهما حرف ثالث، نحو » هدأت «، ويمكن أن تتجاور بعض هذه الأحرف في الحالات الآتية :

أولا : الابتداء بالهمزة، فيجوز أن يجاورها واحد من ثلاثة :

1-  الهاء مثل : أهل .

2-  الحاء مثل : أحد .

3-  الخاء مثل : أخذ  .

ثانيا : ائتلاف الهاء مع العين، ويجب أنْ تتقدم العين مثل : عهد .

ثالثا : ائتلاف العين مع الخاء، مثل : نخع .

أما أحرف أقصى اللسان، وهي : القاف، والجيم، والكاف، فهذه لا تتجاور أبداً .

 ويخلص ابن جنّي من هذا كله إلى تأليف الوحدات الصوتية أو مزجها ببعضها، وهي ثلاث طبقات تتدرج في الحسن على النحو الآتي :

-    تأليف الأحرف المتجاورة في مخارجها، وهو، أدون درجات الحسن، فإما أنْ يهمل، أو أنْ يقلّ استعماله  .

-    تضعيف الحرف نفسه .

-    تأليف الأحرف المتباعدة، وهو أحسنها وأجملها، يقول ابن جنّي : » اعلم أنّ هذه الحروف كلما تباعدت في التأليف كانت أحسن، وإذا تقارب الحرفان في مخرجيهما قبح اجتماعهما، ولا سيما حروف الحلق، ألا ترى إلى قلتها بحيث يكثر غيرها « .

          ويرى الرماني أن التأليف على نمطين : متلائم، ومتنافر، ويرجع الرماني علة التنافر إلى قرب مخارج الحروف أو تباعدها، وهو في هذا يأخذ برأي الخليل بن أحمد الفراهيدي، ويرى أنّ البعد يشبه الطفر، وأنّ القرب الشديد يشبه مشي المقيّد، لأنّ الأخير » بمنـزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه، وكلاهما صعب على اللسان « ، وهذا يعني أنّ الرماني يلتقي مع ابن جنّي في أحد سببي التنافر، وهو قرب مخارج الحروف .

          ولو قمنا بمحاولة تطبيقية على نص قرآني، لنكشف من خلاله عن تصورات ابن جنّي على المستويات الآتية : الأحرف الخفيفة والثقيلة، وقرب مخارج الحروف وتباعدها، فما هي النتائج التي نصل إليها ؟ .

           وسأتناول في هذا السياق سورة العاديات، ولا أريد أنْ استقصي كل مخارج الحروف من حيث البعد والقرب، فأما قرب المخارج فلا يكاد يوجد إلا في حالة اقتراب الميم من الباء في قوله تعالى » إنّ ربهم بهم « وأما تباعد الحروف فليس قليلاً، مثل الهمزة والفاء في » أفلا« و» فأثرن « فالهمزة تأتي من آخر الحلق والفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا، وكذلك الهمزة والذال في » إ ذا « فالهمزة من آخر الحلق والذال مما بين طرفي اللسان وأطراف الثنايا، وكذلك الباء والعين في » بعثر « فالباء مما بين الشفتين والعين من وسط الحلق، والميم والألف في » ما « فالميم من بين الشفتين والألف من أسفل الحلق .

           إنّ هذا يقودنا إلى أنّ تباعد مخارج الحروف ليس عيباً في تأليف الحروف، بدليل كثرته ووجوده في نص قراني، وإنّ قرب المخارج هو الذي يدل على قبح التأليف .

           أما بالنسبة للوحدات الصوتية الثقيلة والخفيفة فإنّ إحصاءها الإجمالي في السورة القرآنية ـ العاديات ـ بمقدار الضعف تقريباً، أي أنّ الأصوات الخفيفة ضعف الأصوات الثقيلة ، ولو تناولنا كل قسم من أقسام السورة الكريمة لرأينا هذه القسمة تختلف لتباين الأقسام من حيث طبيعة الموضوع الذي تعالجه وطبيعة بنائه أيضا، إذ نرى أنّ نسبة الأصوات هي : بمقدار 34 صوتاً خفيفاً إلى 26 صوتاً ثقيلاً في القسم الأول من السورة الكريمة، وهو » وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا،فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا«  والسبب في هذا يرجع إلى طبيعة هذا القسم الذي يتميز بآياته القصيرة التي تتكون من كلمتين أو ثلاثة، و يعرض لمشهد حياتي حسي يصور حركة خيول تضبح قد تتجه لغزو أو نحوه، وتقدح بحوافرها، كما أنّ هذه الآيات تصف حركة تمتاز بخشونة يواكبها إيقاع متزن، لدرجة يصل التماثل إلى حد المطابقة في الإيقاع، من جانبه العروضي على الأقل، وهو مجزوء الرجز في » والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً « هذا إذا عرفنا أنّ الرجز يغلب عليه اشتداد الموسيقى فيه، وسرعة في ضرباته، أدركنا من هذا كله سر كثرة الأصوات الثقيلة في هذا القسم من الآية، مقارناً مع الأقسام الأخرى .

           وتنخفض نسبة الأصوات الثقيلة في القسم الثاني لتصبح 12 صوتاً في مقابل 42 صوتاً خفيفاً، والقسم هو : » إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ«  ويرجع هذا ـ في الحقيقه ـ لتغاير المشهد، فإذا كان القسم الأول يصور مشهداً كائناً في الواقع الخارجي يقف عنده الإنسان متأملاً، فإنه ـ هنا ـ أمام مشهد يصف العالم الداخلي للإنسان بما يشتمل عليه من حقائق، وما ينطوي عليه من عرض لنفسيته إزاء خالقه، وإذا كان القسم الأول يتكون من آيات قصيرة تتكون من كلمتين أو ثلاث، وتمتاز بسرعة الإيقاع وشدة ضرباته المتتالية فإن الآيات في هذا القسم تزداد طولاً ومدوداً، حتى إنّ الفاصلة التي كانت في القسم الأول حادة تستطيل ـ هنا ـ بتأثير الحروف اللينة : الواو والياء.

           أما القسم الثالث والأخير من السورة الكريمة فتصبح فيه الأصوات الثقيلة 18 صوتاً في مقابل 37 صوتاً خفيفاً، والقسم هو » أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور،إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ«  ويتميز هذا القسم بأنّ نسبة الأصوات الثقيلة إلى الأصوات الخفيفة كانت أقرب إلى التوسط والتوازن اذا ما قارناها بنسبتها في القسمين الآخرين من سورة العاديات، ويبدو أنّ هذا جاء بسبب تداخل بعدي العالمين الداخلي والخارجي في هذا القسم من السورة الكريمة  .

           ونخلص من هذا كله إلى أن ابن جنّي حين درس الأصوات الثقيلة والخفيفة درسها منفصلة عن السياق أولاً وعن المواقف ثانياً، وأنّ محاولتنا تطبيق نظرته على السورة القرآنية كشفت إلى حد كبير أنّ دراسة الأصوات ـ هنا ـ لابد أن تقترن ببعدين وهما : السياق، ومقدار ما يعكسه على طبيعة الوحدات الصوتية من مؤثرات فنية وجمالية، وثانيهما : الموقف الذي يحدد طبيعة الأداء، فليست كثرة الأصوات بالحساب الرياضي تعني أنّ النص يشتمل على قيمة فنية وجمالية، ولكن اتساقاً ما، في الأصوات اللغوية من حيث خفتها وثقلها تتواكب فيه طبيعة الموضوع والمواقف مع سياقات التشكيل اللغوي . ولذلك ألفينا تفاوت كمية الوحدات الصوتية الثقيلة والخفيفة في السورة القرآنية الكريمة، مما يؤكد أنّ إطلاق تصور ابن جنّي بشكل رياضي ليس دقيقاً تماماً .

          ويحاول ابن جنّي الإفلات من قوانين الاستثقال في النطق، والتخلص من قاعدة الجهد الذي يبذله المتكلم في أثناء التعبير والأداء، معتمداً بذلك على المقومات الذوقية التي يحاول من خلالها تحديد بعض جماليات البناء الصوتي، ولكنه بقي خاضعاً ـ إجمالاً ـ لسيطرة النـزوع اللغوي، مما سيأتي الحديث عنه في الصفحات اللاحقة .

           ويتجاوز الرماني ابن جنّي في تحديد جماليات التأليف الصوتي، وتتحدد لديه في الأبعاد الآتية  :

أولها :

 سهولة لفظ الوحدات الصوتية ـ وهو بهذا يلتقي مع ابن جنّي في تحديد طبيعة التأليف ووظيفته ـ لأن الاستثقال هو الذي نأى بالإنسان عن تأليف الحروف المتجاورة، وهما ـ ابن جنّي والرماني ـ ينبئان عن قانون صوتي ـ قانون الجهد الأقل ـ يؤكده التفكير اللغوي الحديث، ومفاده أن بعض الأصوات لا تكلف جهداً كبيراً، أو كون بعضها يمثل فونيماً أيسر من فونيم آخر، ويؤكد أحد الدارسين أنّ »السين أكثر بساطة من الصاد، لأن الأخيرة تقتضي عملية إضافية على حركات نطق السين، وهذه العملية تتمثل في حركة مؤخر اللسان إلى أعلى وحركة جذره إلى أسفل «  وأنّ اللام والراء، على الرغم من كونهما من مخرج واحد، وأنّ كلاً منهما حرف مجهور، فإنّ الراء يتميز بخاصية إضافية أنه »صوت مكرر يضرب اللسان معه في اللثة ضربات متتالية، مما يجعله صوتاً مركباً بالنسبة لصوت اللام « وكذلك حرف الكاف، فإنه أيسر نطقا من القاف، من ناحيتي مخرج الكاف، وعدم تدخل اللسان في أثناء نطقه .

 وثانيها :

يتصل ببعد ذوقي سمعي، ويعتمد فيه الرماني على مؤثر تأثيري، لأنّ حسن التأليف يحسن في الأسماع، ولم يحدد الرماني الكيفية التي يتم بها هذا الحسن، وإنْ كان ابن جنّي قد ألمح إلى بعض العناصر في مجال تأليف الأصوات في ثقل نطقها ومجافاة السمع لها.

 وثالثها :

وينفرد به الرماني، وهو قضية التوصيل، ومفادها أنّ حسن التأليف له علاقة وثيقة بإيصال المعنى، بحيث يقترن التوصيل بالتأثير، أي أنّ حسن التأليف يؤثر في المتلقي فتتقبله الطباع، أو أنّ فائدته » تقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة «  .

           ونخلص من هذا إلى أنّ الأحرف الخفيفة ينبغي أن تكون أكثر وروداً في النصوص الأدبية، على الأقل من وجهة نظر ابن جنّي والرماني، هذا إذا أغفلنا السياق والموقف ، ونحاول تطبيق ذلك على نص شعري كان ابن جنّيّ ـ وهو اللغوي ـ منحازاً اليه، بخلاف ابن قتيبة الذي استشهد به مصنفا إياه تحت أحد ضروب الشعر وهو ما » حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى «  والنص الشعري هو :

 

وَلما قضينا من مِنى كلَ حاجةٍ
 

 ومسح بالأركـانِ من هـو ماسـحُ
 

 أخذنا بأطرافِ الأحاديث بيننا

 

وسالتْ بأعناقِ المطي الأباطحُ
 

 فالأحرف الخفيفة في البيتين الشعريين يزيدان على النصف في مقابل الأحرف الثقيلة، أذ يبلغ عدد الحروف الخفيفة 65 حرفاً، يقابلها 26 حرفاً ، إنّ ابن جنّي كان منحازا لهذا النص الشعري وكان همه الأساس أن يرد على ابن قتيبة، لأن الأخير قلل من قيمة المعاني التي تنطوي عليها الألفاظ .

           ولم يتوقف ابن جنّي عند ذلك بل راح يعرض الأصول العقلية ويجعلها متحكمة في دراسة الظواهر الصوتية، ففي أثناء دراسته للقراءة القرآنية الكريمة » أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهُ رِجَالٌ «  يبدأ بتحديد المقومات العقلية التي يصدر عنها في درسه اللغوي والجمالي ويرى أن أصل حركة الهاء في القراءة القرآنية هي » الضم « وتكسر إذا سبقتها كسرة أو ياء ساكنة، وعلى الرغم من تأكيده الأصول العقلية ـ هنا ـ فإنه يرى بعداً جمالياً يرجع هو الآخر إلى أصل عقلي مؤداه المماثلة بين الأجزاء لأنه لو كسرهما معا »فيهِ فيهِ « أو ضمهما معا »فيهُ فيهُ « لكان جميلاً حسناً ويرجع هذا الجمال لدى ابن جنّي إلى ضرورة المماثلة الشكلية بين الأجزاء والعناصر، وهو جزء من التركيب العقلي الذي عنى به المعتزلة في المناظرة بين الأشياء وضرورة أن يجمع مكوناتها نسيج عقلي موحد، غير أنّ هذا التحديد يقع تحت تأثير آخر هو التفسير الصوتي، ويسّوغ ابن جنّي ـ في ضوئه ـ الاختلاف بين الحركتين لتكون إحداهما بالكسر، والثانية بالضم، لأن التكرار بذاته يكلف الناطق جهداً عضلياً، وهو استثقال النطق، لأنه لو قال :» فيهِ فيهِ « أو » فيهُ فيهُ« لتكرر اللفظ عينه حتى إنهم لا يتعاطونه إلا دلالة على قوة مراعاتهم له، بمعنى أنّ هذا الثقل مجافٍ للحس، ويكلف عسراً في النطق، ولكنه يصبح سائغاً من أجل مراعاة التٍأكيد.

           وعلى الرغم من النـزعة العقلية الجلية لدى المعتزلة ومحاولتهم ضبط الجماليات الصوتية بقواعد وقوانين فإنّ مواقفهم لا تخلو من أحكام تأثرية ذوقية ـ وإذا كان ابن جنّي والرماني والقاضي عبد الجبار بن أحمد ـ يمثلون الجدل العقلي ويميلون نادراً إلى تحكيم الذوق فإن الصاحب بن عباد يميل إلى الأحكام التأثرية التي لا تُعنى كثيراً بالتحليل والتفسير الصوتي للظواهر الجمالية، فهو يفطن إلى مواطن الجمال والقبح في التشكيل اللغوي، وبخاصة الصوتي، ولكنه لا يميل إلى تحليله أو تعليله، فقد التفت إلى كلمات رديئة التركيب والجمال يمكننا تفسيرها في ضوء الدرس اللغوي الحديث، ومن هذه الكلمات كلمة » مسبطر « في قصيدة المتنبي التي يرثي بها أم سيف الدولة :

 

رواقُ العز حولك مُسْبطرٌ

 

 ومُلْكُ عليّ ابنك في كمالِ

 

ومثلها كلمة » التوراب « التي يصف بها الصاحب بن عبّاد المتنبي بأنه يسعى إلى «التفاصح بالألفاظ النافرة والكلمات الشاذة «  في قوله :

 

أيفطمه التورابُ قبلَ فطامه

 

 ويأكله قبل البلوغ إلى الأكلِ

 

 إن كلمة » مسبطر « تعد من الكلمات الثقيلة لأنّ الناطق بها يبذل جهداً عضلياً يفوق غيرها من الكلمات، وهذا يرجع ـ في تصورنا ـ إلى الأسباب الآتية :

-    ان كلمة » مسبطر « مكونة من خمس وحدات صوتية، والكلمة تعد ثقيلة كلما كانت وحداتها الصوتية أكثر .

-    تشتمل كلمة » مسبطر « على حرف إطباق وهو » الطاء « وهذا بذاته من الأصوات التي تكلف الناطق بها جهداً عضلياً أكبر .

-    الإنتقال من الإطباق إلى حرف مكرر، أي من جهد إلى جهد آخر يكاد يماثله .

 ومثل كلمة » مسبطر « كلمة » التوراب « فهي تتكون من سبعة أحرف، إضافة إلى ندرة استخدامها، ولذا فهي ثقيلة في النطق، ويبدو أنّ الذوق يمجها .

           ونخلص من هذا كله إلى أنّ النظام الصوتي قد شغل عدداً محدداً من النقاد، وقد لفتت أنظارهم مظاهر صوتية كخفة الوحدات الصوتية واستثقالها في النطق، وهي ظواهر لا تشتمل على خصوصية تترك آثارها في تشكيل الشعر وإثراء دلالته، وهذه الظواهر من العموم بحيث يصح أن تكون عيباً في الشعر أو النثر، كما أنها تنطوي على درجة من الثبات أيضاً، إذ تُعد الكلمة معيبة سواء اندرجت في سياق أو انفصلت عنه، وهذا يعني أنّ ضوابط الخفة والاستثقال في النطق وإنْ كانت ضوابط صوتية في أساسها فقد خلع عليها الناقد قيمة جمالية، غير أنّ هذه المحاولات بقيت مفتقرة إلى رؤية أرحب، والسبب في ذلك أنّ الناقد ـ كما اتضح مما سلف ـ لم يكن يعي العلاقة الوثيقة بين الإيقاع وعلم الأصوات، وعلى الرغم من أنّ الناقد قد أدرك حيزاً ضيقاً من هذه العلاقة فإنه ركز جلّ جهده وعنايته بالجانب التعليمي والمعياري، فقد تجلت العناية غالباً بإرساء الأسس المعيارية التي يضبط بها الناقد سليم الشعر من مكسوره باعتبار الوزن ـ مثلاً ـ أحد أبرز الأسس التي تحدد ماهيته .

           ولم يخطر ببال النقاد القدامى أن يعوا تمايز الأصوات في إطار انتظامها في تشكيلات إيقاعية، بل شغلتهم النـزعة العقلية التي تحبذ رؤية الأشياء محددة وثابتة، ولذلك فإنّ الأصوات لها سمات خاصة ثابتة أينما وضعت، وإنْ كان النقاد قد التفتوا إلى جوانب قيمية هزيلة في أثناء دراستهم لانتظام بعض الأصوات بجوار بعضها، غير أنّ القيمة لا ترقى لديهم إلى انتظام هذه الأصوات اللغوية على أساس موسيقي معين .

           إنّ المحاولات الحديثة التي حاولت دراسة الإيقاع في ضوء علم الأصوات قد عمدت إلى ربط الإيقاع بالمقطع، لأن توالي المقاطع بكيفية معينة هو الذي يحدد بعدها الإيقاعي سواء أكانت في تشكيل شعري أم في أداء نثري ، وقد أفاد الدارسون المحدثون من الدراسات الغربية، وبخاصة دراسة المستشرقين للعروض العربي، حين ربط هؤلاء الإيقاع بعلم الأصوات مستعينين بمفاهيم حديثة كالمقطع والنبر والارتكاز، وما تأسس على هذه المفاهيم من تصنيف للعروض العربي إنْ كان كميا أو نبريا، ونحو ذلك  .

           ومن الجلي أنّ الناقد العربي لم يكن يعرف تقسيم الكلام إلى مقاطع، وما يترتب على هذه المقاطع وتضامها من تشكيل جديد للعروض العربي، ولو أردنا التحدث عن النبر ـ مثلا ـ فإننا لا ننكر أهميته في تحديد جوانب معينة من الدلالات، كما أنّ النبر يترك آثاراً إيقاعية معينة في البناء الموسيقي، غير أنه لم يكن يستخدم لدى علماء العربية بوصفه وحدة صوتية تسهم في تغيير المعنى، وسواء اتفق الباحثون على أن النبر موجود في اللغة أو نفى بعضهم وجوده فإن هذا لا يُلغي كون اللغويين والنقاد لم يتصوروا له نظاما تخضع له مواضعه، ولم يدركوه ظاهرة ذات تأثير في نسق اللغة المنظومة ، كما أننا نجهل ـ اليوم ـ الكيفية التي كانت العرب تنبر بها الكلمات، وأنه ـ أي النبر ـ لا يمثل لدى نقادنا على فرض وجوده، ملمحاً يسهم في تمييز المعنى، بحيث يكون للجانب المنبور دلالة تغاير دلالة الجانب غير المنبور.

           وإذا كان النبر، على الرغم من أهمية في التحليل النقدي الحديث، لم ينل عناية الناقد العربي لجهله به، فإن الحديث المفصل عنه في هذه الزاوية، إن لم يمثل لوناً من فضول القول، فهو لا يمثل مزية تكشف عن جوانب ثرية في الدرس النقدي .

           إنّ فهم المكونات الصوتية لدى ابن جنّي ـ مثلا ـ تتركز في دراسة الصوت بوصفه وحدة مستقلة لها صفاتها المجهورة والمهموسة والمستعلية والمنخفضة، أو أنه يتحدث عن مخارج الأصوات، ويرتبها بحسب تذوقها من أخر الحلق إلى أول الفم، فالأصوات، من هذه الناحية، يغلب عليها التحديد الوظيفي الإشاري، ويكون الهدف منه التوصيل بين المبدع والمتلقي، وليس التأثير في المتلقي من خلال تشكيلات جمالية تسهم فيها الوحدات الصوتية بنصيب وافر .

           ومما يثير الانتباه في هذا الدرس أنه يغفل علائق التأثير بين العناصر والمكونات، ولذلك وجدنا اللغوي ـ في أثناء معالجته للوحدات الصوتية ـ يدرسها وكأنها وحدات مفردة مستقلة، ولذلك أسهب في دراسة مخارجها وتحديد صفاتها، وحين انتقل إلى تركيبها مع بعض لم يقف عند دراستها كثيراً، لأنّ تركيب الوحدات الصوتية ـ يعني في الغالب ـ تجاور هذه الوحدات، وتكمن غاية التركيب والتضام في هذه المجاورة التي تقود إلى دلالة مركزية يكثر الحديث عنها، أو محاولة الناقد إرجاع الدلالات الثانوية إلى الدلالة المركزية بعنف مرة، أو ملاطفة ولين مرة أخرى .

           وتسيطر النظرة الجزئية على عقلية الناقد، أي أنه يُعنى كثيراً بتفكيك الأشياء والظواهر إلى أقسام وجزئيات عديدة، ويحاول دراستها مستقلة عن بعضها، دون الأخذ بنظر الاعتبار وظيفتها العضوية والجمالية بوصفها جزءا له تأثيره المتفاعل مع الكل، وحتى حينما يحاول الناقد الكشف عن بعض عناصر التفاعل فإن رؤيته لها تظل باهتة، لأن المجاورة هي التي تشغل تفكيره وليس التقاطع والتفاعل بين الجزء والكل .

           ويقود هذا إلى العناية بالصيـاغة ذاتـها، أي صياغة المفردة بوصفها كياناً مستقلاً عن السياق وعن الموقف، وليس لهذه الصياغة أدنى علاقة بطبيعة الحديث أو المـوقف النفسي، ويمثل هذا ثباتاً في القيمة، وهو ثبات أصيل وليس طارئا على التفكير النقدي، بل هو هدف يسعى الناقد إلى تمكينه في الواقع، ويتجاوب إلى حد كبير مع الأصول الفكرية الاعتزالية، فالثبات قيمة فكرية تحاول إرجاع كل شيء إلى أصوله، فمن جهة الفكر ترجع كل ماله علاقة بالتصورات الفكرية والشرعية إلى أصول ثابتة عقلية أولاً ونقلية ثانياً، ومن جهة اللغة تحاول إرجاع اللغة إلى أصول وفروع، والأصول ثابتة، وهكذا .

           وينعكس هذا على العلاقة بين الدال والمدلول والتوظيف الجمالي للتركيب الصوتي، فإن الناقد العربي يؤكد أنّ المدلولات ثابتة وأنّ الدوال تدور في فلك ثبات مدلولاتها، وهذا الفهم ـ بالتأكيد ـ يُلغي جانباً كبيراً من توظيف التركيب الصوتي توظيفاً جمالياً، لأنّ ثبات المدلول إنما هو جزء من تصور فكري أشمل يصدر عنه الناقد وهو ثبات المطلق، وثبات المعنى، وأنّ الحديث عن ثبات المدلول يقود من زاوية أخرى إلى درس البنية الصوتية دراسة خارجية، وهو ما حصل فعلاً، فلقد تركزت الدراسة حول مخارج الحروف ووصفها، وليس درساً داخلياً يأخذ بعين الاعتبار فاعلية التركيب وجماليات البناء الصوتي في ضوء هذه الفاعلية .

 

 

 

 جماليات النظام الصرفي :

 

 (1)

 

           يمثل النظام الصوتي أساس النظامين الصرفي والنحوي اللذين يغلب عليهما لدى علماء العربية انفصالهما عن النظام الصوتي، وأنّ الأخير يكاد يكون مستقلاً عنهما، ولقد حاول ابن جنّي أن يربطه بفاعلية السياق مرة، وأن يربطه بالنظام النحوي مرة أخرى، ولكن هذه المحاولة لا تعدو مجرد إشارات .

           ويميز ابن جنّي ببن النظامين الصرفي والنحوي، فالنحو لديه يُعنى بمعرفة أحوال الكلم المتنقلة، في حين يعني الصرف بأنفس الكلم الثابتة، وتتأسس على ذلك عناية ابن جنّي البالغة بالصرف قبل النحو، ارتكازا إلى مقـولة عقليـة ترجـع التـفكير كله إلى ضرب من الثبات » لأنّ معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن تكون أصلاً لمعرفة حاله المتنقلة»، وهذا يعني في أحد جوانبه أن هناك تمايزاً بين الذوات في حال الثبات، وتمايزاً بينها في أثناء تغايرها وتنقلها، وتتركز عناية ابن جنّي بالثبات الذي يمثل الأصل لمعرفة كل متغير، وهو لون من السعي إلى تثبيت كل شيء، وهو في النتيجة إرساء لقواعد الفكر التي ترجع كل عنصر متغير إلى أصل ثابت، وتخضع فيه الأصل والفروع إلى عملية عقلية محددة .

           ويقودنا هذا إلى الحديث البالغ الأهمية عن الأصول والفروع التي أسهب ابن جنّيّ في تأكيدها، لتخضع فيه الثوابت والمتغيرات أو الأصول والفروع إلى عملية هي القياس، بحيث تتداخل هذه الأبعاد وتتقاطع مع بعضها لتشكل هذا التفكير الذي يصدر عن إحكامات عقلية تخضع كل شيء لمقومات عقلية ثابتة .

           وتأخذ » الأصلية « دلالات متعددة لدى ابن جنّي فمن جهة نشأة اللغة يعني الأصل وضع اللغة، وهو يدل على تأكيد للمقولات الاعتزالية التي تؤمن بالمواضعة وليس التوقيف، مما يقود إلى تأكيد قضية خلق القران، ويعني » الأصل « من ناحية أخرى بنية الكلمات العربية من حيث عدد حروفها : ثلاثية، ورباعية، ليعني الفرع التراكيب التي تتكون من جذور الكلمات والزيادات المضافة اليها; أو أن يكون » الأصل « تثبيت صيغة لكلمتين أو أكثر رأى فيها اللغوي تقديماً أو تأخيراً، يقول ابن جنّي » إعلم أنّ كل لفظين وجد فيهما تقديم وتأخير فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه فهو القياس الذي لايجوز غيره، وإنْ لم يكن ذلك حكمت بأن أحدهما مقلوب عن صاحبه، ثم رأيت أيهما الأصل وأيهما الفرع « ، أو أن يكون » الأصل « مذهبا للعرب حين تسعى إلى تغير كلمة عن »صورة إلى أخرى أختارت أن تكون الثانية مشابهة لأصول كلامهم ومعتاد أمثلتهم «  ويرتكز المذهب العربي على أساس مشابهة اللفظ لأصول الكلام العربي، وإذا كان مذهب العرب يقود إلى أنماط تجريدية ثابتة فإنه لابد أنْ يتحكم في الفروع من خلال » المشابهة« التي تتوافر في الفرع ليقاس على الأصل، وفي التشبيه ـ أيضا ـ هناك أصل وفرع وهناك عادة وحكم يتحكمان فيهما، وحين يعالج ابن جنّي بيتاً لذي الرمة، وهو:

 

 ورملٍ كأوراك العذارى قطعتُهُ

 

  إذا ألبسته المظلماتُ الحنادسُ

 

يعلل ابن جنّي روعته في المبالغة لأن ذا الرمة » جعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً «  .

           وتشتمل النصوص السابقة على تحديد أبعاد الأصلية لدى ابن جنّي، وتتداخل معها أبعاد الفرعية أيضا، غير أن الأخيرة عنده تتفاوت في قوة تمكنها بمقدار قربها أو بعدها عن الأصول، فالفروع لدى ابن جنّي لا تؤدي دورها في التمكن لا بسبب استخدامها على فرعيتها ولكن لأنها » تتأتى مأتى الأصل الحقيقي لا الفرع التشبيهي«  .

           إن الحديث عن الأصل والفرع يقودنا إلى الحديث عن القياس، لأن الفرع حين يتحكم فيه الأصل يعني أن هناك مشابهة أو مماثلة تقتضي مقايسة الفرع لأصله، ومن هنا تحدث ابن جنّي عن القياس، وهو يستجيب للضبط العقلي الذي تتبناه المعتزلة، وتدعو اليه، ولهذا قاس ابن جنّي اللغة والنحو، وقاس الشعر أيضاً، ففي مجال الضرورة الشعرية ـ مثلا ـ يرى أنه » يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب« كما أنه يجعل الشعر القديم أصلاً يقيس في ضوئه الشعر المحدث، ويحكم نظرته هذه بمعيار عقلي يجعل »القيمة« تتحكم في جودة الشعر ورداءته وقبوله ورفضه، وليس مرد ذلك إلى قدمه وحداثته، ولذلك فهو يبرر للشعر المحدث مماثلته للقديم في ضوء العملية القياسية، وفي ضوء ارتجال القدماء والمحدثين قصائدهم، أو كونهم يعمدون إلى الصنعة، فهاتان الصفتان يشترك فيهما القدامى والمحدثون، ومن هنا جاء قبول ابن جنّي لكليهما، في ضوء العملية القياسية، وفي ضوء المفاهيم الاعتزالية التي تقرن الجودة بالجهد وليس بالقدم.

           إن العلة القياسية لدى ابن جنّي تكمن في التجانس أو » التشابه « وهو الذي يدعو إلى حمل الفروع على أصولها، وأن المشابهة من زاوية أخرى تقتضي وجود صفة أو صفات مشتركة منتزعة مما بين الأشياء، والانتزاع عملية عقلية تعتمد التجريد، ولذا فإنّ ابن جنّي يلتقي مع الأصوليين في اعتبـار الأصل هو » القاعـدة الكلية التي تطبق على الجزئيات « .

           وإذا كان ابن جنّي يرجع فروعاً مشتركة في الجذر ـ كما هو الحال في الاشتقاق الأكبر ـ إلى معنى موحّد، أو يرجع فروعاً متغايرة في الجذر ـ كما هو الحال في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني ـ إلى معنى واحد ، فإنه أخذ يلمح إلى القارئ بأنه يجمع الأصول في مجموعات يوحدها ويضمها إلى بعض، وأخذ يحدثنا عن تقارب المعاني أو تقارب الأصول الذي يقود إلى تقارب الألفاظ ـ الفروع ـ فهو يرى أنّ » تؤزهم أزاً « في الآية القرآنية الكريمة « أَنَّا أَرْسَـلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا  » في معنى » تهزهم هزاً « ، ويأخذ في إثبات ذلك تحليلاً صوتياً يؤاخي فيه بين الأصوات، ليقودنا إلى أنّ تقارب اللفظين معلول بتقارب المعنيين، لأنّ الهمزة في » أزّ« إنما هي أخت الهاء في » هزّ « ولأنه يرى أن الأختين ـ الهمزة والهاء ـ تختلفان في القوة، ـ فالهمزة أقوى من الهاء ـ ومن هنا جاءت الآية الكريمة » تؤزهم أزاً « بالهمزة وليس بالهاء لأنّ هذا المعنى » أعظم في النفوس من الهز «  ويضرب ابن جنّي لذلك أمثلة أخرى لا تُغير شيئاً من جوهر التصور السابق .

وتقودنا مؤاخاة الأصوات وتقاربها في الدلالة إلى محاكاة اللفظ صوت الفعل ـ مما سبق الحديث عنه ـ ويرى ابن جنّي أنّ هذا كثير في اللغة، إذ تضاهي أجراس حروف الفعل أصوات الفعل التي عبر بها عنها « ألا تراهم قالوا قضم في اليابس وخضم في الرطب» ، ويرجع ابن جنّي ذلك لقوة القاف وضعف الخاء، أي أن العرب جعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف، فأبن جنّي يرى أن هناك دلالة عامة تضم تحتها دلالة الفعلين : » قضم وخضم « ولكنه في الوقت نفسه يتحدث عن الفوارق الخاصة التي تتمايز بها دلالات هذين الفعلين، فهو من ناحية يدعو إلى » توحيد « المعاني في اللغة، ويطرح من ناحية أخرى الفوارق التي تتمايز بها الدلالات بحسب التغاير الصوتي في المفردات كما هو في » هزّ وأزّ « و » قضم وخضم «، غير أنّ هذا التمايز يعالج في إطار المفردة المستقلة عن سياقها اللغوي، أي أنّ تمايز الدلالة يبقى محافظا على طبيعته مهما تغير وضع المفردة السياقي، دون أن يذكر ابن جنّي الفاعلية الجمالية لهذا التمايز والتغاير الدلالي .

 

 ( 2 )

 

          حاول ابن جنّي ـ أحيانا ربط البناء الصرفي بالسياق، ويخرج به من الدلالات الثابتة العامة إلى دلالات خاصة متغيرة، تخضع أولاً لطبيعة السياق، وتتشابك ثانياً مع النظام النحوي وفاعليته، وإذا كنا نرى ابن جنّي في جوانب أخرى من دراساته الصوتية والصرفية والنحوية يسعى إلى تثبيت الدلالات العامة فإنه ـ هنا ـ يحاول كسر هذه القاعدة ليجعل دلالة المفردة خاضعة لتفاعلات تحكمها طبيعة التركيب وكيفية تضام الكلمات، فعلى صعيد الإفراد والجمع لا نكاد نلحـظ قيمـة دلالية أو فنية تميز كلمة«طفل « عن جمعها »أطفال « سوى الإفراد والجمع، هذا أذا جردنا الكلمة عن سياقاتها اللغوية، غير أنّ أبن جنّي يلتفت إلى أهمية السياق وفاعليته في أثناء دراسته كلمة «طفل » في الآية القرآنية » ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا «  ويفسر معناها، أي » أطفالا«وهو يعمد إلى إخراج الدلالة من طبيعة السياق غير أنه يرى أن لفظ الواحد أي » طفلاً» حسن في هذه القراءة، ويبرر حسنه في تأمل عقلي يتصل بالسياق ويتفاعل معه، ويرتكز إلى مقولات فكرية وعقائدية، وتتحدد أبعاد تبرير حسن هذه القراءة فيما يأتي :

-    أن الإفراد يخرج بالدلالة من الأحادية إلى معنى ينطوي على التحقير والتصغير، أي أن مخاطبة الله تعالى للناس بأنه جلّ شأنه أخرجهم طفلاً إنما هو » موضع تصغير لشأن الإنسان وتحقير لأمره، فلاقَ به ذكر الواحد لقلته عن الجماعة «

-    إنّ ابن جنّي خرج بكلمة » طفل « من دلالة الأحادية إلى دلالة أخرى، ويتأتى هذا بسبب وعي فاعلية السياق، أي أنه عمد إلى تفسير هذه الكلمة بعيداً عن دلالاتها المعجمية، ولأنه كدّ ذهنه ليفتش عن دلالاتها في إطار فاعليتها، وما يوحيه هذا السياق، وما يلقيه عليها من ظلال، وهذا يعني أن السياقات المختلفة لا تجمد الكلمة في إطار دلالات ثابتة، وإنما تضفي عليها دلالات متعددة، وبهذا لن تكون دلالة الكلمة ثابتة أبداً إلا في المعجمات، وتكون الدلالات متغايرة في السياقات لدرجة يصدق معها القول بأنه لا يمكن أن تتماثل دلالة الكلمة الواحدة في السياقات المختلفة .

-    أما الدلالة الثانية فإنها تخرج من دلالات التعظيم والتحقير، إذ ليست الجماعة لدلالة التعظيم، كما أن الإفراد ليس دالاً على التحقير، وإنما يخرج المعنى إلى دلالة في تصوير مراحل نمو الإنسان، من الولادة حتى كونه مخلوقاً ناضجاً، ولذلك تتغاير الدلالات، ففي حين عنيت الدلالة الأولى بالعظم والحقارة، أي عنايتها بدلالات معنوية تتصل بقيمة أخلاقية تجريدية، تتجاوز الدلالة ـ في الحالة الثانية ـ هذا البعد التجريدي إلى جانب تصويري إذا جاز التعبير ـ فهو بعد حسي، يقول ابن جنّي إن معناه » نخرج كل واحد منكم طفلاً « وهو يتضمن المعنى السابق على نحو الإشارة والتلميح، وليس على نحو الإبانة والتوضيح، غير أنّ المهم أنّ ابن جنّي يعي هذه الكلمة في إطار السياق، وإنْ كان التغاير نسبياً، وهو لون من ألوان الاتساع الذي يتجاوب مع جذور فكرية، لأن وضع الواحد موضع الجماعة ـ لدى ابن جنّي ـ إنما هو اتساع في اللغة .

           ولم تقتصر دراسة ابن جنّي على الإفراد والجمع ولكنه يُعنى بالتعريف والتنكير، ويخضعهما بشكل أو بآخر إلى شيء من فاعلية السياق ففي القراءة القرآنية » وَما محمدٌ إلا رسولٌ قد خَلتْ من قبله رُسُلٌ«  يرى أن هذه القراءة حسنة في معناها، ويرجع هذا الحسن إلى سببين :

 أولهما :

إنّ القصر يشتمل على لون من الاقتصاد في الأداء فهذه القراءة ـ من هذه الزاوية ـ تقصر الرسالة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم .

ثانيهما :

إنّ هذه القراءة إعلام بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتنكير بالرسل الذين سبقوه، ذلك أن » التنكير ضرب من الكف والتصغير، كما أنّ التعريف ضرب من الإعلام والتشريف « .

           إن التعريف والتنكير خرجا من دلالتيهما المحدودتين إلى أبعاد ترتبط بالسياق، يقصد بهما ابن جنّي تشريف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه معرفة، بما تنطوي عليه دلالة المعرفة في هذا السياق من دلالات التكريم، وكأنّ التعريف يتجاوز دلالته المعروفة إلى آفاق أرحب، وإنّ الذي وهب التعريف هذه الدلالة إنما هو السياق، في حين تخرج » النكرة « من أبعاد الجهل بها إلى دلالات التصغير .

 

 

 ( 3 )

 

 

           وتخضع الدلالة لدى ابن جنّي لعدد الحروف، إن قلّت قلّ المعنى، وإن زادت زاد بالضرورة، وهذا الحساب الكمي تخضع له المعاني من ناحية، والصيغ الصرفية من ناحية أخرى، كما أنّ قوة المعنى التي هي نوع من أنواع زيادة المعنى تخضع هي الأخرى لهذا المعيار، فكلمة مثل » احدودب« أقوى معنى من »حدب« و » اعشوشب « أقوى معنى من » أعشب « وذلك لكثرة الحروف فيما يرى ابن جنّي ، إنَّ علة قوة المعنى مقترنة بكثرة الحروف .

           وتخضع الصيغ الصرفية للتفسير ذاته، لأن الصيغ الصرفية تتفاوت من حيث كثرة الحروف وقلتها، غير أنّ الصيغ بشكلها الذي عني به ابن جنّي قد أخضعت الدرس الصرفي إلى لون من الثبات والجمود، بحيث تخضع فيه الصيغة إلى قانون صارم يحدد دلالتها سواء أدرجت هذه الصيغة في سياق، أو أخرجناها عنه، وتمثل الكلمات مجرد أحجار تتراص، ولا قيمة لهذا التراص إلا لإيصال المعنى، أما تفاعل هذه الوحدات مع بعضها، والكشف عن جمالياتها فليس له أدنى قيمة في ضوء هذا التصور .

           ولقد شغلت ابن جنّي الدلالات الثابتة، وأعجب بها غاية الإعجاب، لأنها تتجاوب مع نمط فكري يعتقده، ولأنه يحاول أن يرسي أصولاً ثابتة، وفروعا ترتكز عليها، كما أوضحنا ذلك سابقا، أما من جهة الصيغ الصرفية فإنها تخضع لبعدين متداخلين :

-    أولهما : كمية الحروف ودلالتها على قوة المعنى أو ضعفه .

-    ثانيهما: ثبات دلالة الصيغة سواء تركبت في سياق، أم أخرجت عنه، وسواء أتغايرت جذور هذه الصيغة من حروف مختلفة أم لم تتغاير، فصيغة » فعّل « أقوى في المعنى من صيغة » فعَل « لزيادة كمية الحروف، ولأن صيغة » فعّل « تنطوي على معنى التكثير والتكرير ، فقطّع تعني كثرة القطع وتكريره، وكسّر تعني كثرة الكسر وتكريره، ولذلك فإن هناك دلالة ثابتة في الصيغة وهي الكثرة والتكرير مقترنة بالقوة، أما الدلالة المتغيرة فهي القطع والكسر، أي جذر الكلمة التي تشكل هذه الصيغة ; وبهذا تخرج الصيغ الصرفية الكلمات من دلالتها السياقية إلى ثبات في الدلالة تخضع فيه لمقومـات عقليـة صـارمة، ومن أمثلة ذلك أن صيغة » يفتعلون « في القراءة القرآنية »من كتب يدّرِسونها «  ـ بتشديد الدال مفتوحة وبكسر الراء ـ أقوى معنى من » يدرسونها « وذلك أنّ «افتعل » لزيادة التاء فيه أقوى من فعل ، ويضرب ابن جنّي أمثلة أخرى يؤكد فيها اقتران قوة المعنى بكثرة الحروف، ومن ذلك قوله تعالى : » فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ«  و » مقتدر « لدى ابن جنّي أبلغ من قادر، والبلاغة لديه ـ هنا ـ قرينة زيادة الحروف، وبذا تكون الزيادة في المعنى أو قوته لونا من ألوان البلاغة، ومثل هذا » لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ « التي يحاول فيها ابن جنّي أن يجمع بين الصيغة الصرفية والسياق في آن واحد، لأنه يرى أن القرآن الكريم قد أستخدم صيغة » فَعَل َ« للحسنة، وذلك » لاحتقار الحسنة إلى ثوابها « مستدلا بالآية الكريمة » مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ «  كما استخدم القرآن الكريم صيغة« افتعل » للسيئة «تنفيراً عنها، وتهويلاً وتشنيعاً بارتكابها».

           إن هذه المحاولة التي يسعى فيها ابن جنّي إلى الجمع بين الصيغة الصرفية والسياق تمثل خطوة في وعي فاعلية السياق في تشكيل دلالة الصيغة الصرفية من ناحية، ومقدار تأثيرها في المعنى العام للعبارة، وإضفاء أبعاد جمالية على التشكيل اللغوي كله من ناحية أخرى، غير أنّ ابن جنّي لم يذهب بعيداً في تأمله هذا، بسبب إلحاح الدلالات الثابتة الخاضعة لمعنى الصيغة الصرفية العامة عليه أولاً، وبسبب انسجام تفكيره مع مقولة قوة المعنى المقترنة بكمية الحروف ثانياً ، ولذلك فإنه حتى في هذه المحاولة التي سعى فيها إلى ربط الصيغة الصرفية بالسياق والكشف عن أبعاده الجمالية لم يكن الربط فاعلاً بحيث يترك كل منهما آثاره في الآخر، ولذا فإن العلاقة لا تخرج إلى التفاعل المثمر مع السياق، وإنما هي ـ في الغالب ـ علاقة مجاورة فحسب .

           وإذا كانت الصيغة الصرفية لدى ابن جنّي يغلب عليها ثبات دلالتها سواء وقعت في سياق أو أخرجت عنه، فإنه يرى أن حسن بعض الصيغ الصرفية مقترن بالتقائها بالضمائر، ونمط خاص من هذه الضمائر، فصيغة » تفاعل « في القراءة القرآنية «ولا تَنَاسوا الفضلَ بَينكم »  حسنة لسببين:

أولهما : أنها تشتمل على نهي للإنسان عن فعل اختاره، لأن هذه الصيغة الصرفية «تفاعل» تعني أن الإنسان يتظاهر بالنسيان، ومن هنا جاء النهي في القراءة القرآنية، وهذا الحسن فيما يراه ابن جنّي هو حسن للصيغة كيف وقعت وأين وقعت، إذ ليس له خصوصية في إطار فاعلية السياق، وبمعنى آخر أنّ هذه الصيغة الصرفية ثابتة الدلالة لا تنطوي على تغاير تتفاعل فيه في ضوء السياقات المختلفة .

ثانيهما : إنّ الذي زاد في حسن صيغة » تفاعل « كون المأمور جماعة، وليس فرداً، إذ يرى ابن جنّي أنّ هذه الصيغة لائقة بالجماعة، ولم يفسر أسباب حسنها، وأسباب لياقتها للجماعة، ولكنه يقارن بين هذه الصيغة المسندة إلى واو الجماعة وصيغة «تفعل» وقد أسندت إلى مفرد في الآية القرآنية الكريمة »ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ «  ويرى ابن جنّي أن الصيغة المسندة إلى المفرد تنطوي على حض على ما هو محلل للإنسان، وأنّ العرف والعادة لا يحضان على ما حلله الله للإنسان، وكأن صيغة » تفاعل « إذا أسندت للجماعة إنما تنهى عن محرم في حين يكون إسناد »تفعل« للمفرد، إنما هو حض على المحلل، هذا إذا حسنت، أما إذا لم تحسن لم تجز في غير هذين الوجهين على ما يبدو .

           إن ابن جنّي على الرغم من كونه يحاول الخروج بالصيغة من ثباتها ليربطها بفاعلية السياق فإنه في الوقت نفسه يثبت الصيغة الصرفية في إطار لونين إسناديين ـ إسنادها إلى ضمير، وكون الضمير جماعة المأمورين ـ يشتملان على دلالات محددة وثابتة سلفاً، ويقترن حسن الصيغ الصرفية في ضوء إسنادها المحدد .

           إنّ هذه المحاولة تمثل لونا من ألوان الجمود وتقعيد الأصول المعيارية التي تعطل فاعليات السياق وجمالياته، والأخطر من هذا أنّ ابن جنّي لم يستطع أنْ يمزج بين الصيغة الصرفية وسياقها اللغوي من ناحية، وبينها وبين البناء النحوي من ناحية ثانية، ولو فعل ذلك لتمكن من الكشف عن جماليات التفاعل المتشابك بين الصيغ الصرفية وسياقاتها وتفاعلاتها مع البناء النحوي، ولكن ابن جنّي تحسس بذوقه أنّ هناك جمالاً وحسناً بإسناد الصيغة الصرفية إلى واو الجماعة، أما ما هي عناصر هذا الحسن وأبعاده ؟ فإنه لم يستطع الكشف عنها، لأنه ما يزال مشغوفاً بثبات الدلالات العامة للصيغ الصرفية، ولأنه لم يستطع أنْ يخرج من هذا القيد إلى آفاق أرحب في الكشف عن جماليات تفاعل الصيغة الصرفية في إطار السياق كله .

           ويتناول ابن جنّي صيغة » تفاعل « نفسها من زاوية أخرى في القراءة القرآنية «تباركت الأرض » لتفيد هذه الصيغة معنى التوكيد، فهي ـ في هذا السياق ـ توكيد لمعنى البركة، كما أنّ » تعالى « في قوله تعالى : » تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ «  أبلغ من علا، ويعزو بلاغتها إلى كثرة حروفها ، أي أن المعنى وقوته مقترنان إلى حد التطابق مع بلاغة التركيب، وأنّ البلاغة مقترنة ببعد كمي للحروف، وهذا كله لا يعني وعياً نوعياً يتجاوز فيه ابن جنّي التفكك إلى فاعلية السياق بالتركيب .

           إن صيغة » تفاعل « في التراكيب القرآنية المختلفة قد اشتملت على مدلولات مختلفة، وقد تنبه ابن جنّي لهذا التغاير ولكنه لم يجمع هذا في تصور شامل يتجاوز فيه الدلالات الثابتة للصيغ إلى تفاعل مع السياق والكشف عن جمالياته .

           ولم يكن ابن جنّي الوحيد الذي يسعى إلى تثبيت دلالة الصيغ الصرفية، فالرماني هو الآخر ينحو المنحى ذاته، وعلى الرغم من أنه يحاول أن يقرن الصيغة الصرفية بلون من » العدول « عن أصل اللغة فإنه يقع ـ في النهاية ـ بالمشكلة ذاتها، وهي التي شاركه فيها ابن جنّي، ومفادها السعي نحو ثبات الصيغ الصرفية، وليس الكشف عن تغاير دلالالتها وجمالياتها بتغاير السياقات .

           وحين يتحدث الرماني عن صيغ المبالغة يرى أنها جاءت على » جهة التغيير عن أصل اللغة « وتفيد لديه » الدلالة على كبر المعنى « ، والغاية الأساسية لديه هي الإبانة، إذن فصيغ المبالغة لدى الرماني تعني عدولاً وتغيراً عن أصل الوضع في اللغة، وهذا التحديد يلتقي على نحو من الأنحاء مع المجاز الذي يمثل هو الآخر عدولاً عن ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، وفي ضوء هذا تتغاير دلالات الصيغ الصرفية بمدى عدولها وتغيرها عن أصولها، ولكن الرماني، على الرغم من التفاتته الطيبة هذه، يكسر هذا التغاير ويقوده إلى لون من الثبات، لتدل صيغ المبالغة على كبر المعنى فحسب .

           إن الصيغ الصرفية تشتمل على قيم دلالية ثابتة، مثل : فعلان، وفعال، وفعول، ومفعل، ومفعال، وهذه الصيغ تمثل فروعاً لأصول عدل عنها إليها، ويذكرنا هذا بما ذهب إليه ابن جنّي في شأن العلاقة بين الأصل والفرع، ليدل العدول عن الأصل إلى الفرع على أن هناك غاية بلاغية يقصد منها المبالغة في أداء المعنى، فصيغة » فعلان « مثل: رحمان عدل بها عن صيغة » فاعل « مثل : راحم، للمبالغة، وكذا الشأن في الصيغ الصرفية الأخرى .

           وإذا كانت الصيغة الصرفية ـ هنا ـ تتميز باستقلالها عن سياقها وعن الأنظمة اللغوية فانها لدى ابن جنّي ترتبط دلالتها بمقومات صوتية، فصيغة » فُعُول « وتركيبها «عُلُو » تعد أقوى في الدلالة من صيغة » فَعَال « ويعزو القوة في الأولى » للواو والضمتين « ويعزو الضعف في الثانية إلى » ضعف الألف والفتحتين «، إنّ الصيغة الصرفية خضعت هنا لتأثير متبادل مع البناء الصوتي، غير أنّ هذا التأثير عارض لا يمس جوهر الصيغة، كما أنه يفتقر إلى الكشف عن قيمة جمالية، غاية ما في الأمر أنّ الواو والضمة يمثلان وحدتين أقوى من الفتحة والألف في أصل وصفهما، وإنّ إسقاط هذا على الصيغتين جعلهما أقوى في الدلالة .

           ونخلص من هذا إلى أنّ الصيغ الصرفية تتسم بثباتها واستقلالها، وحتى حين ربط ابن جنّي الصيغة بالنظام الصرفي لم تتجاوز المحاولة مجاورة البعدين، وليس تفاعلهما، وهذا يقودنا إلى القول بأنَّ ابن جنّي لم يستطع تجاوز الأبعاد المعيارية التي أرساها علماء العربية، وكانت محاولته الجزئية البسيطة تمثل خدشاً في بناء منطقي يعسر تخطيه، كما أنه ـ شأنه شأن علماء العربية ـ كان معنياً، غالباً، بتفكيك الظواهر ودراستها مستقلة، بمعنى أنّ إدراك ماهية الظاهرة والشيء لا يمكن فهمها في إطار سياقاتها، لأنها ستكون موضع إبهام وغموض، وكان هم علماء العربية اجتزاء الظواهر وإخراجها من سياقاتها، وتسليط الأضواء عليها من أجل تحقيق الوضوح والتوصيل .

           ولقد قادت النظرة التجزيئية هذه إلى قصور في إدراك فاعليات السياق، ومدى تفاعله مع الأنظمة اللغوية : صرفية، وصوتية، ونحوية، لأنّ كل بناء منها مستقل عن غيره، أما بشأن الصيغ الصرفية فإنّ ابن جنّي ـ وكذا الرماني ـ لم يستطيعا تجاوز إدراكها مستقلة عن السياق، وقد وضع هذا حدوداً فاصلة بين الصيغة وتركيبها من ناحية وبين الصيغة وسياقها من ناحية أخرى، وإنّ ابن جنّي على الرغم من إمكانيته تذوق جوانب من الصيغ فإنه بقي خاضعا للتفكير التجزيئي الذي يدرس الظاهرة منفصلة عن بنائها الكلي .

 

 

جماليات النظام النحوي :

 

 ( 1 )

 

           إنّ الكلام لدى المعتزلة واحد من الأفعال المحكمة التي لا تتأتى إلا بتوافر الإرادة والقصد، وإنّ المتكلم لابد أن يكون عالماً بطبيعة الفعل أولاً، وقاصداً إلى إحداثه ثانياً، ولا يشترط في علمه أنْ يكون تفصيلياً شاملاً، وإنما يشترط فيه الإجمال، أما القصد فإنه ينطوي على أبعاد إعتقادية لكي يكون الكلام واحداً من الأفعال التي يحاسب عليها الإنسان ثواباً أو عقاباً، ولتكون له بالنتيجة خصيصة ذاتية، وعلى الرغم من الفوارق بين الكلام والأفعال المحكمة الأخرى فإنها تلتقي بحقيقة مشتركة هي : التشكيل والتركيب، بمعنى أنّ التركيب هو أبرز مقوماتها، سواء أكان بسيطاً أم معقداً، فالنسيج ـ مثلا ـ هو تركيب وتشكيل بين الغزل وألوانه، وكذلك البناء ونحوهما، والكلام واحدٌ من هذه الأفعال الذي يتميز بتشكيله وتركيبه على درجة عالية من التشابك والتعقيد .

           ويتحدد الكلام لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد بأنه » ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة حصل في حرفين أو حروف «  ويعني بالحروف المعقولة الأصوات الدالة إذا تراكبت مع غيرها، لأنّ الحرف وحده لا دلالة له، شأنه شأن صرير الباب، كما أن الحروف لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد » أصوات مقطعة « وأن الكلام » لا يكون حروفاً منظومة دون ذكر الأصوات «  .

           وإذا كان للأفعال المحكمة الأخرى وظائفها المعروفة فإن وظيفة الكلام إنما هي للإنباء عما في النفس، ويرى القاضي عبد الجبار بن أحمد أنّ الكلمات تحضر لدى المتكلم، أي أنها » تصير كأنها في مشاهدته « ، وحضورها لديه يقتضي العلم بها، والقدرة على إيجادها لتأليف الكلام منها، وحين يتكلم الإنسان فإنه يتخير منها، ويدل التخير على قدرة عقلية يميز فيها المتكلم بعلمه درجات المفاضلة بين الكلمات ليدل على المعاني التي يريد إيصالها .

           وينبئ هذا عن قضيتين : الأولى : أنّ الاختيار في التأليف يرجع إلى خصيصة ذاتية تتحكم فيها إرادة المتكلم، وهذه الخصيصة تجعل مستويات الكلام متفاوتة، ومن ثم يتم التفاضل بينهما بمقدار وعي المتكلم بخصائص الكلام وكيفية تركيبها وتضامها، والثانية: أنّ المعنى هو السابق، ويمثل الثابت الذي يفتش له المتكلم عن صورة لفظية تعبر عن الصورة الذهنية الكائنة في عقله، والأخطر من هذا أنّ المتكلم في أثناء تأديته وظيفته التعبيرية للإنباء عما في النفس، لا يفكر في المكونات الصوتية أو الصرفية قدر عنايته بالمفردات ودلالتها، وكيفية تضامها متراكبة لتأدية المعنى.

           إنّ تأليف الكلام لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد لابد له من عنصرين : القدرة على تأليفه، والعلم بكيفية هذا التأليف، ويرى أنَّ هناك علماً يختفي خلف هذه الطريقة التي يعرف بها المتكلم » مواقع جمل الكلام إذا تألفت فيفصل بين ما يأتلف من كلمات مخصوصة وبين ما يأتلف من غيرها « ويلعب الاختيار دوراً في التأليف، وإذا كان الاختيار يرجع إلى » العلم بالكلمات « والى » التجربة والعادة » فقد يتساوى في المعرفة رجلان، ولكن » أحدهما أقوى محاضرة من الآخر، وإنْ كان الذي يقصر عنه مثله في العلم، أو أزيد، لكنه يحتاج فيما نعلم إلى تثبيت وفكرة، فلابد مع الوجه الذي ذكرناه من قوة المحاضرة، ولهذا الوجه يتفاضل العلماء بذلك، فيـصح من بعضهم من الخطب والشعر « غير أنّ مرد هذا بكل جوانبه ليس عائداً إلى العلم بالكلمات، أو مرده إلى التجربة والعادة، وإنما هو مقترن ـ إضافة إلى ما سلف ـ بقضية غيبية خارجية عن ذات المبدع، وهي : » تأييد وألطاف يرد من قبل الله تعالى «  وهذا التأييد الغيبي يأتي مرة، ويستعصي مرة، ويشترك في هذا الأديب والعالم على السواء، ولذلك نجد المتكلم » يروم طريقة في الفصاحة فتقرب عليه مرة، وتبعد أخرى، وحاله في العلم لا تكاد تختلف «  .

           إنّ العناية البالغة بتحديد عناصر العلم لإدراك طريقة التأليف إنما هي أداة لتحقيق وظيفة التوصيل، وفي كيفية الإنباء عما في النفس، ويدرك القاضي عبد الجبار بن أحمد أن مفهوم » الإنباء « لا يتأتى عبر أفراد الكلمات، بل يتأتى من تركيبها، ويقتضي هذا لوناً من الوعي النحوي الذي يمثل الإعراب أحد عناصر الكشف عن دلالاته، هذا إذا عرفنا أنّ الإعراب ينطوي في جوهره على معنى » الإبانة « لدرجة يكاد يتطابق فيها المفهومان، فالإعراب لدى ابن جنّي هو »الإبانة عن المعاني بالألفاظ « ، لأن الكلمات المؤلفة إنما هي صورة لفظية لما يتم في الذهن من تصورات وتآليف معنوية .

 

 (2)

 

           ويروي ابن جنّي في » الخصائص « هذه الرواية، يقول : » وسألت يوما أبا عبد الله محمد بن العساف العقيلي الجوثي التميمي ـ من تميم جوثة ـ فقلت له كيف تقول : ضربت أخوك ؟ فقال : أقول ضربت أخاك، فأدرته على الرفع فأبى، وقال لا أقول أخوك أبداً . فقلت فكيف تقول : ضربني أخوك، فرفع، فقلت ألست زعمت أنك لا تقول أخوك أبداً، فقال أيش هذا ؟ اختلفت جهتا الكلام، فهل هذا إلا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام، وإعطائهم إياه في كل موضع حقه وحصته من الإعراب « ويكشف هذا النص عن علاقة الإعراب بالمعنى، ويوضح أنّ العناية ليست بأواخر الكلام فحسب، وإنما هي عناية بمواضع الكلام، وهي عناية بالتركيب مقترناً بالمعنى ؛ ولذلك فإنّ الحذف والتقديم والتأخير وتغيير مواقع الكلام كلها مقترنة ـ دون شك ـ بالمعاني التي لها السبق والشرف، أي أنّ أي تغيير في الصياغة إنما هو خاضع بشكل أو بآخر إلى نمط أو فاعلية في المعنى .

           ويرى ابن جنّي أن هناك علاقة تتفاعل فيها المعاني مع الإعراب، ومن هنا جاء تعريفه للإعراب بأنه » الإبانة عن المعاني بالألفاظ «  ويرى في صياغة التراكيب تجاذباً بين المعاني والإعراب، إذ يجعل المعنى أساساً يصدر عنه، فهو ـ المعنى ـ الثابت الذي يفصح الإعراب عنه، ويمثل ترميزاً ينبئ عن دلالته ، وحين يضرب ابن جنّي أمثلة لذلك لا يخلو بعضها من تمحل، ففي قوله تعالى » إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ «  إذ يفسر المعنى بلون آخر من التركيب هو : إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، وعلى الرغم من هذا فإنه يرى أنّ هذا التركيب مخل بالمعنى، ويرجع السبب إلى الفصل بين الظرف » يوم تبلى « وبين ما هو متعلق به وهو الرجع، ولذلك فهو مضطر إلى تقدير محذوف حين يستقيم المعنى لديه، وهو » يرجعه يوم تبلى السرائر، ودل رجعه على يرجعه دلالة المصدر على فعله «  .

           وإذا كان المعنى والإعراب يأخذان هذا المنحى لدى ابن جنّي فإنّ القاضي عبد الجبار بن أحمد يعنى بالعلاقة بين اللفظ والمعنى لدرجة تشبه علاقة العرضي بالجوهر، أو الرداء بالجسم، فقد يكون الرداء ضيقاً أو فضفاضاً، أما الجسم ـ الجوهر ـ فهو ثابت لا تغير فيه، بل إنّ ثبات المعاني أخرجها من دائرة التفاضل، لأنّ المعاني ـ فيما يقول القاضي عبد الجبار ـ » لا يقع فيها تزايد «  على الرغم من أنه يؤكد في مكان آخر صفة حسن المعنى لتحقيق فصاحة الكلام، وهو بحد ذاته يدل على التزايد الذي قد أنكره، لأنه من زاوية أخرى، يرى أهمية المعنى، وأنه لابد منه، ولكن «المزية » لا تظهر فيها، وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها  .

           وفي ضوء ما سلف يكون المعنى ثابتاً لا يقبل التفاوت، وإنما يتأتى التفاوت والتفاضل في الألفاظ، لأننا ـ فيما يرى القاضي عبد الجبار بن أحمد ـ » نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق، وقد يكون أحد المعنيين أحسن وأرفع والمعبر عنه في الفصاحة أدون «  .

           وقد يبدو القاضي عبد الجبار بن أحمد في تحديده لمفهوم الفصاحة يوازن بين اللفظ والمعنى، غير أنّ هذه الموازنة ليس بينها أدنى تفاعل، لأنهما ـ أي اللفظ والمعنى ـ موجودان بالفعل على نحو التجاور، ولذا فإنّ المعنى يمثل قيمة تقابلها قيمة أخرى كائنة في اللفظ، وقد لاحظنا أنّ ابن جنّي يعطي المعنى قيمة سابقة لأنه يمثل الجوهر في حين يمثل اللفظ العرضي، ولذلك صار المعنى ثابتاً ويعبر عنه بألوان متعددة من المتغير، بمعنى أنّ التراكيب مهما اختلفت فإنها لا تغير كثيراً من أصل المعنى، لأنّ المعنى يمثل الثابت الذي يحاول أنْ يقترب من التعبير اللفظي، ومن هنا جاءت المفاضلة بين ألوان المتغيرات اللفظية، ولذلك رأينا القاضي عبد الجبار بن أحمد يحكم بأن التحدي بإعجاز القرآن لم يقع بالمعاني، وإنما يقع في كيفية التعبير عنها .

           ويذكرنا هذا بالكيفية التي تطور فيها الفصل بين اللفظ والمعنى منذ المراحل الأولى لتطور الفكر الاعتزالي ونموه في أثناء صراعهم الفكري من أجل التأصيل لقضية تنـزيه الله سبحانه من خلال المجاز، ثم جاءت مقولة الجاحظ الشهيرة التي جعلت الفصل بين اللفظ والمعنى أمراً قائما لا خلاص منه ولا فكاك، فهو يقول : » والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير «  وهذا يعني أن الجاحظ ـ وحذا حذوه القاضي عبد الجبار ـ قد جعلا المزية كائنة في التركيب والتصوير والصياغة .

           ويُعنى ابن جنّي بإصلاح الألفاظ وتهذيبها، وهي عناية ليست للألفاظ بذاتها، وإنما خدمة للمعاني، أو » عناية بالمعاني التي وراءها وتوصلاً إلى إدراك مطالبها «  ويضرب ابن جنّي لذلك مثلا، تشبيها بين الوعاء ـ أي اللفظ ـ والموعى عليه ـ أي المعنى ـ وأنّ العناية بالوعاء من أجل الإبانة بوضوح عن الموعى عليه، أو من أجل ألا تتكدر المعاني الفاخرة بسوء الألفاظ المستخدمة، وأكثر من هذا أنّ ابن جنّي يوزع الألفاظ والمعاني توزيعا طبقيا، ويسعفه في ذلك تصور اجتماعي معين فهو يرى أن الألفاظ خدم للمعاني التي تتسم بشرف السيادة » والمخدوم ـ لاشك ـ أشرف من الخادم «  .

 

 

 ( 3 )

 

           ويتبنى القاضي عبد الجبار بن أحمد مفهوم الفصاحة بوصفه المعيار المعوّل عليه في الحكم على حسن النص الأدبي وقبحه، فالفصاحة وإنْ كانت مفهوماً عاماً يحدده القاضي عبد الجبار بحسن المعنى وجزالة اللفظ وأن هذين البعدين لابد من توافرهما معاً، فإنّ تحقيق عنصري الفصاحة يقتضي العلم بإيراد الكلام بهما، ويتحدد العلم على نحو إجمالي عند القاضي عبد الجبار بما يأتي :

-    معرفة الكلمات المفردة، أي ما تنطوي عليه من دلالة من حيث الوضع .

-    الكيفية التي تتضام بها الكلمات، ويعمد القاضي عبد الجبار إلى تشبيه عملية التضام بالكلمة، فإن معرفة الكلمة تتم بإدراك الحروف المكونة لها، فالعلم بالكلمة إنما هو علم بحروفها المكونة لها، » وكذلك القول في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض « ، وبهذا يحدد القاضي عبد الجبار أنّ هناك وحدتين لغويتين، إحداهما : صغرى تتمثل في الكلمة، والثانية : كبرى تتمثل في الجملة، وإذا كان بناء الكلمة على درجة من التماسك من حيث تضام حروفها إلى بعض، فإنّ الجملة شأنها شأن الكلمة تتماسك فيها الكلمات كتماسك الوحدات الصوتية التي تشكل المفردة  .

-    الكيفية التي يتم بها تركيب الكلمات، وبذا نكون إزاء علم النحو وإزاء وظيفته من حيث الفاعلية والمفعولية ونحوهما .

-    مواقع الكلمات في داخل التراكيب من حيث التقديم والتأخير ولا تتحدد الفصاحة بالكلمات المفردة، وإنما » في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة «  إذ لابد من تضام الكلمات أولاً، ولابد أن تكون هناك طريقة ما في هذا التضام ثانياً، وأن التضام وحده مجرداً عن الكيفية التي يتم بها لا يعني إبداعاً أدبياً، لأن التضام قد يحققه من لا يمتلك أدوات العلوم التي يشترط فيها تحقيق الفصاحة، ولذلك فإنّ كيفية التضام بطريقة مخصوصة هي التي تضفي على النص الأدبي حسنه وجماله .

           ويقترب من هذا تصور الرماني في أثناء تعرضه لتعريف البلاغة، إذ يرفض أن تكون البلاغـة مقتصرة على الإبانة والإفهام، وإنما البلاغـة » إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ «  لأنه » قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيي» .

           وإذا كان القاضي عبد الجبار بن أحمد يؤكد أنّ النص القرآني مكون من ذات الكلمات العربية التي يستخدمها الناس، فليست مزيته بهذه الكلمات، أو بالطريقة العشوائية لتركيبها، وإنما مزيته بالفصاحة التي تتحقق بطريقة مخصوصة في تأليف الكلمات وتضامها ، إنّ لكل عبارة ـ سواء أكانت في القرآن الكريم أم في الشعر ـ معنى، وإنّ التغير الذي يحدث في طريقة تأليف الكلمات وتضامها يغير دون شك من هذا المعنى، كما أنّ قيمة هذه العبارة الجمالية تتفاوت بالطريقة الخاصة التي يتم بها تضام الكلمات، وإنّ نظام ترتيب الكلمات يحدد جانباً مهماً من جماليات النص الأدبي.

           إنّ الكلمات لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد محدودة، ولكننا مع ذلك نستخدمها بطرائق مختلفة، ويُقصد منها دلالات معينة، وتقترن الفصاحة ـ التي بها يتفاضل الكلام ـ بهذه الطرائق المختلفة لتأليف الكلمات، ولذا فنحن إزاء مستويات مختلفة ومتغايرة لهذه الطرائق من التأليف، وهو ـ أي التأليف ـ لا حدود له ولا حدود لجدته، إذن فالتأليف على طريقة مخصوصة هو الذي يوليه القاضي عبد الجبار عناية فائقة، غير أنّ هذه العناية ليست منفصلة عن جملة تفكيره الذي يرجع في أحد جوانبه إلى طبيعة اللفظ والمعنى، ويرجع من جانب آخر إلى مفهوم النظم الذي يعني الطريقة في التأليف، فهناك نظم للشعر، ونظم للخطب، ونظم للقرآن الكريم، ولا يمثل النظم ـ بمعناه العروضي ـ خصيصة تميز النص الشعري عن غيره من النصوص الأخرى أو تكشف عن جمالياته أو تحدد ماهياته، فالوزن الشعري لا يمثل قيمة فنية تسهم في تشكيلات جمالية للنص الشعري، وإنما يمثل زينة خارجية ليس لها أدنى تأثير في تشكيل المعنى، كما أنها لا تؤثر في تحديد جماليات ما يتفاضل بها الأدباء، وبهذا يكون الوزن العروضي منفصلاً عن التركيب من ناحية، ومستقلاً عن طبيعة الدلالات التي تنطوي عليها هذه التراكيب من ناحية ثانية، فهو مجرد إطار خارجي لا يمثل سوى زينة مباشرة للنص ـ الشعري بخاصة ـ ولذا فلا تصح المفاضلة على أساسه، وإنما تقع المفاضلة في غيره .

           وقد شغف القاضي عبد الجبار بهذه الفكرة، ودفعه إليها كون القرآن الكريم ليس موزوناً ـ بالمعنى العروضي للوزن ـ وإنْ وجدت بعض الآيات يتطابق إيقاعها مع بعض الأوزان الشعرية، ولذلك جرد القاضي عبد الجبار الشعر من إحدى خصائصه ليحتويه مفهوم أشمل هو الطريقة، ليتماثل الشعر والخطبة والقرآن بهذا المفهوم العام الذي يحتوي النصوص قاطبة، وهو يؤكد بهذا أنّ لكل لون طريقته التي تتفاضل بينها  ليرجع التفاضل إلى نظرته في الفصاحة بما تنطوي عليه من معنى عام، وخصوصية في هذا المعنى .

           ولسنا نسعى إلى درس يفصل الوزن عن مجمل البناء الإيقاعي للقصيدة، مؤكدين أن هذا البناء يترك هو الآخر آثاره في تلوين التركيب اللغوي للنص الأدبي بإيحاء ما، أو يترك في المتلقي تأثيراً معيناً، وإن النص الأدبي لا يمكن دراسته وكأنه أجزاء متناثرة وليس بين هذه الأجزاء أدنى تفاعل، إن هذه الطريقة في الفصل، والتي نرفضها، هي التي يتبناها القاضي عبد الجبار، ولذلك فالمفردة التي أولاها عناية خاصة تستقل في دراستها عن الوزن الشعري أولاً، وتستقل عن السياق وتنفصل عنه ثانياً، كما أنّ تركيب الكلمات بطريقة مخصوصة لا يغير كثيراً من فصاحتها سواء انتظمت بطريقة إيقاعية أو لم تنتظم، ولذلك خرج القاضي عبد الجبار بمفهوم النظم من خصوصية تخدم الشعر إلى عموم يتجاوزه، ويشتمل عليه وعلى غيره من النصوص، لتتشابه الأشكال المختلفة بطرائق مختلفة من النظم، وهذا يعني تجريدها عن مزاياها التي يمكن أن تشكل ملمحاً جمالياً خاصاً .  

          ويعي القاضي عبد الجبار بن أحمد قضية في غاية الأهمية وهي الفصل بين دلالتين مختلفتين لكلمة واحدة، إذ إن للكلمة دلالتها المعجمية خارج السياق، ولها دلالتها في السياق ذاته، لأن الكلمة » قد يكون لها عند الانضمام صفة «  فالكلمة لديه تنطوي على دلالة معجمية خارج السياق غير أن توظيفها في السياق يضفي عليها دلالات خاصة، بل إنها تتفاوت في دلالتها وأدائها الجمالي تبعا لتغاير السياقات التي استخدمت فيها، لأنّ الكلمة الواحدة إذا استعملت في معنى » تكون أفصح منها إذا استعملت في غيره «.

           وتقترن فصاحة الكلمة بطبيعة السياق وفاعليته، فالسياق يحدد دلالتها وجمالها في آن واحد، غير أنّ القاضي عبد الجبار لا يتحدث عن السياق بمعنى تضام الكلمة وتراصها بين مجموعة من الكلمات، ولكنه يتحدث عن تغير دلالة الكلمة من خلال استخدامها في سياقات مختلفة، لتكون فصيحة مرة، وغير فصيحة أو دون الأولى في الفصاحة مرة أخرى، بل إنّ تغير حركاتها الإعرابية له أثر في تحديد هذه الأبعاد أيضاً .

           إذن فنحن إزاء مستويات متعددة للكلمة : أولاً : مستوى معناها المعجمي ـ وهو معنى عام ـ وليس لهذا المستوى قيمة خارج السياق، ولذلك أخرج القاضي عبد الجبار الكلمة من أن تكون فصيحة خارج السياق ثانياً : مستوى توظيف الكلمة في سياق لتشتمل على دلالة محددة، أي أنها تتجاوز العموم إلى الخصوص، بحيث يضفي عليها السياق دلالة خاصة، ولا يخفى أن دور الكلمة ـ في السياق ـ ليس سلبياً، لأن السياق إنما هو وليد تضام الكلمات إلى بعضها، ولذا فهي ـ الكلمة ـ تسهم في تحديد دلالة السياق ذاته، ولا يمكن تحديد هذا كله دون أن يكون للنحو إسهامه، إذ له دوره الفاعل في هذا المجال.

 

 ( 4 )

 

 

           ويُعنى الدرس النحوي ـ أساساً ـ بالخطأ والصواب في التركيب، ولا يهمه كثيراً ـ من هذه الزاوية ـ التغيرات الجمالية التي ينطوي عليها التركيب، وبذلك يكون التركيب محافظاً على دلالة ثابتة، أو تكاد تكون ثابتة، وكأن التركيب النحوي يشتمل على الدلالات ذاتها مهما أحدثنا فيها من تغيير، شرط سلامة البناء من الخطأ النحوي .

           ولم يقتصر الدرس النحوي على بعد معياري يعني بالتركيب من حيث الصحة والخطأ، بل راح يفتش عن قيم الصيغ الجمالية لهذا التركيب النحوي أو ذاك، ولا يغفل هذا المستوى الجانب المعياري، وكون التركيب النحوي يسهم في الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الكشف عن مقومات جمالية لطبيعة التركيب النحوي، ففي قول الشاعر :

 

وَعينانِِ قالَ اللهُ كُونا فكانتا

 

 فعولانِ بالألبابِ ما تَفْعلُ الخَمْرُ
 

           يرى ابن جنّي أنّ التغير الأعرابي مقترن بالدلالة من ناحية وبالموقف العقائدي من ناحية أخرى، إذ لو نصب الشاعر » فعولان « خبراً لـ » كان « الناقصة، لتغيرت الدلالة بشكل يضاد التفكير الاعتزالي، وبخاصة مفهوم العدل الإلهي، بمعنى أن دلالة البيت تصبح في حالة النصب أنّ الله خلق هاتين العينين وأمرهما أن تفعلا هذا الفعل، وهذا ما يرفضه التفكير الاعتزالي، لأن الفعل راجع لإرادة الإنسان وخاضع لحريته، ولذلك يرفض ابن جنّي هذا المستوى من التركيب النحوي، ويؤيد الشاعر في رفع » فعولان « لتكون «كان» تامة، وبذلك فهي غير محتاجة إلى خبر أصلاً، ويصبح تأويل البيت الشعري بأن الله سبحانه وتعالى قال لهاتين العينين «احدثا فحدثتا، أو اخرجا إلى الوجود فخرجتا »  .

           وإذا كان ابن جنّي قد أرجع تأويل البيت الشعري إلى قضية اعتقادية تتصل اتصالاً مباشراً بالتفكير الاعتزالي فإنه في قوله تعالى : »كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ «  يعتبر خاسئين خبراً ثانياً لـ » كان « وليس صفة، لأن جعله وصفا يقلل من معناه، ولأن القرد ـ فيما يرى ابن جنّي ـ » لذله وصغاره خاسئ أبداً، فيكون إذاً صفة غير مفيدة«  .

           ومن الأمثلة التي يستشهد بها ابن جنّي متأثراً بأستاذه أبي علي الفارسي، حالة التماثل بين الصياغة الإعرابية والصورة في الواقع الخارجي، وتكمن المماثلة ـ في هذا المجال ـ بين » لا « النافية للجنس واسمها في التركيب النحوي من ناحية، وبناء صورة الفرس في الواقع من ناحية أخرى، ففي قول الشاعر :

 

 خِيْطَ على زَفْرَةٍ فتمَّ وَلَمْ

 

يَرْجعْ إلى دِقْةٍ ولا هَضَمْ

 

فـ » لا « النافية للجنس تبنى مع اسمها النكرة فتصير كالجزء منه، ويتجلى التلازم مع صورة الفرس الذي لزم تلك الزفرة » فصيغ عليها لا يفارقها، كما أنّ الاسم بني مع «لا» حتى خلط بها لا تفارقه ولا يفارقها « .

 

 

 ( 5 )

 

           ويُعنى ابن جنّي بالفضلة من حيث رتبتها أو تقديمها، فالأصل في المفعول به ـ مثلا ـ أن يكون فضلة، ويأتي في رتبته بعد الفاعل، ويمكن الخروج على هذا الأصل لتأدية دلالات تتجاوز هذا التركيب بالدرجة وليس بالنوع، ويتأتى التقديم لشدة العناية بالفضلة، وتتدرج العناية بها لدى ابن جنّي في درجات كالآتي :

الأولى : وهي أقل درجات العناية بالفضلة، أي أنْ يتقدم المفعول به على الفاعل، نحو: ضرب عمراً زيدٌ، وهذا التركيب لم يغير ـ في حقيقته ـ كثيراً من الدلالة، سوى تأكيد عناية المتكلم بالمفعول به، وهي عناية بمقدار .

الثانيـة : وهي زيادة الاهتمام بالمفعول به، فيقدم على الفعل نحو: عمراً ضرب زيدٌ .

الثالثة : زيادة في العناية والاهتمام بالمفعول به، تفوق ما سلف ذكره، وذلك بنقل المفعول به من الفضلة إلى الابتداء، وتكون الجملة التالية له خبراً، وتشتمل على ضمير يدل على أن أصل الابتداء فضلة جيء به مقدما لشدة العناية به نحو عمرو ضربه زيدٌ .

الرابعة : وهي أعلى درجة من العناية والاهتمام، فقالوا » عمرو ضرب زيداً «،«فحذفوا ضميره ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره رغبة به عن صورة الفضلة وتحاميا لنصبه الدال على كون غيره صاحب الجملة «  .

           ولم تقتصر عناية ابن جنّي على تقديم المفعول به في حالة بناء الفعل للمعلوم، وإنما تتأتى عنايته أيضاً في حالة بناء الفعل لمفعوله، والذي يأخذ لدى ابن جنّي دلالات متعددة تخرج من الجهل بالفاعل إلى تأكيد صفة المفعول، ففي قوله تعالى : » وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا «  ليست الدلالـة أن الفاعل مجهول، وإنما الغرض من ذلك تأكيـد أنّ الإنسـان » مخلوق ومضعوف « ، ويرى ابن جنّي أنّ إلغاء ذكر الفاعل وإقامة المفعول مقامه يحسن لأداء هذه الدلالة ، ويرى ابن جنّي أنّ هناك تفاوتا في الدلالة بين قوله تعالى : » وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا «  والقـراءة الحسنة » وَعُلمَ آدمُ الأسماءَ كلها» لأن الغرض من هذه القراءة أنّ آدم عرف الأسماء وعلمها ، أي أنه يتجاوز دلالة الجهل بالفاعل إلى دلالة معرفة آدم للأسماء .

           ويشتمل حذف الفاعل على دلالات الحفاظ على العلم به إضافة إلى تغير في الدلالة الجديدة، على الرغم من أن هذا التركيب لا يغير من الدلالة إلى درجة العدول عن الأصول .

 إنّ العناية بتقديم الفضلة هو لون من الاهتمام بها وتأكيـد دلالتها، فـ «ضُرب زيدٌ » على الرغم من أننا نجهل الفاعل فإنّ الغرض من هذا التركيب هو العلم بأنّ زيدا منضرب، وكذلك التركيب القرآني » وَخُلقَ الإنسانُ ضعيفا « فإننا نعلم أنّ الفاعل في هذه الآية الكريمة معروف، ولكن المراد من ذلك أنّ الإنسان مخلوق ومضعوف، إذن فالعناية بالفضلة هي اهتمام بها لتقديمها، وتأكيد دلالتها، وحذف الفاعل ليس بالجهل به، وإنما لتأكيد هذه الدلالة .

           ولم يكن هدف ابن جنّي من المستويات المتعددة من التراكيب الكشف عن مقومات ذات أثر فاعل بلاغي وجمالي، قدر تأكيده العناية بالفضلة وتقديمها في الصور السابقة، وكأن غاية التراكيب المختلفة مجرد العناية بعنصر من عناصر التركيب، دون أن يؤدي ذلك التغير أي أثر بلاغي، كما أنّ ابن جنّي تحكمه في التقديم والتأخير المقولات المنطقية، ومقايسة الفروع على أصولها، ولذلك فإنّ التقديم والتأخير لديه على ضربين : أحدهما : ما يقبله القياس، والآخر ما يسهله الاضطرار، ويضرب لذلك أمثلة لتقديم المفعول به والظرف والحال والاستثناء، ولا يجيز في الأخير تقدمه على الفعل الناصب له، ويتحكم ـ من زاوية أخرى ـ مستوى الصواب والخطأ في الأداء، فهناك ما يجوز فيه التقديم، ومنها ما لا يجوز، وأمثلة ذلك كثيرة  .

           أما الحذف فله طريقتان، إحداهما : تُعنى بالحذف النحوي دون توظيف جمالي، والثانية : تقرنه بهذه الوظيفة الجمالية، ويعي علماء القرن الرابع الهجري أنّ الحذف لا يتم دون ضوابط عقلية تحكمه، وأنّ لم يتم الحذف عن دليل يدل عليه، وإلا فإنه فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته، ومثل هذا ما أكده القاضي عبد الجبار بن أحمد في أنّ الـحذف »يحسن في اللغة إذا كان الثابت من الكلام يدل على المحذوف «  كما أنّ الرماني حين تحدث عن الإيجاز عرفه بأنه » تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى « وعدّ الحذف أحد وجهي الإيجاز لأنّ الحذف » إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام «  أي أنّ الحذف لا يمكن أنْ يؤدي دوره في الدلالة وفي التأثير إنْ لم يدل عليه الدليل الذي أشار إليه ابن جنّي وتحدث عنه القاضي عبد الجبار بن أحمد وعلي بن عيسى الرماني .

           ويبدو أنّ عبارة الرماني أكثر إيضاحاً لأنه أرجع الدلالة إلى بعدين : أولهما : ما تنطوي عليه » الحال « وثانيهمـا : ما يتضمن » فحوى الكلام «، وبذلك يكشف الرماني عن دلالات لا تتصل بمفردات تتراص تراصاً آلياً عن تراكيب الكلام، لأن هذه «الحالية » التي توحي بالدلالة ليست متصلة بمجرد آلية التراص قدر ما يبعثه السياق من إيحاء دلالي، ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن عبارته » فحوى الكلام « فهي الأخرى تقود إلى هذا المعنى .

           ويتكئ ابن جنّي على مقومات تأثرية في تذوق بعض جماليات الحذف، ففي قوله تعالى : » يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ «  يرى أنهما فعلان مجزومان بوصفهما جوابين، أحدهما معطوف على صاحبه، وهو على حذف مفعول، أي يرتع مطيته ، ومثله الآية الكريمة «وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ»  يقول ابن جنّي أي » تذودان إبلهما، ولو نطق بالمفعول لما كان في عذوبة حذفه ولافي علوه «  .

           وإذا كان للحذف عذوبة لدى ابن جنّي لا يمكن أن يؤديها ذكر المحذوف لو ذكر، فإنّ الحذف لدى الرماني أبلغ » لأن النفس تذهب منه كل مذهب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان «أي أن الحذف يتيح المجال رحباً لتخيل صور واحتمال دلالات عديدة، وهذا يعني أن ذكر المحذوف إنما يثبت الدلالة ويحدد أبعادها ويحصر غناها وثراءها، وكأن الدلالات المختلفة لون من الاتساع يسهم فيها المتلقي بالإضافة عبر التأويل وتقدير الاحتمالات، كما أنّ الحذف ينطوي بذاته على مجهول يقدره المتلقي، فهو يسهم مع المبدع في استكمال تشكيل النص .

          ولم يقتصر الحديث على أنماط الحذف السابقة بل اشتمل على ألوان أخرى كحذف المضاف، والمضاف إليه، والموصوف، والصفة، والمفعول، والظرف، والمعطوف، والمعطوف عليه، والمستثنى، وحذف خبر أنّ، والمنادى، والمميز، والحال ، وليس مهما التحدث عن ألوان الحذوف هذه إنْ كانت تفتقر إلى تأدية دلالات جمالية، غاية ما في الأمر أنها تتضمن على نحو اللزوم أصلية التركيب ودلالته، وتشتمل على الاتساع اللغوي، ففي حذف المضاف وإقامة المضـاف إليه مقامه في قـوله تعالى »وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ«  أي واسأل أهلها، نلحظ أنّ ابن جنّي يرجع أصل المحذوف إلى التركيب، وكأن الأصل ـ واسأل أهل القرية ـ صورة متخيلة يوحي بها، أو يستدعيها المذكور ـ واسأل القرية ـ ومن هنا يمكن القول إنّ تركيب الحذف ينطوي ضمنا على أصل التركيب قبل الحذف، ولذلك اشترط ابن جنّي ضرورة توافر الدليل العقلي الذي يشير إلى التركيب الأصلي، إذن فهناك تركيبان أحدهما سابق متخيل، ويكشف عنه اللاحق المعروف، فـ » واسأل القرية « هو التركيب اللاحق المعروف، وأن » واسأل أهل القرية « هو التركيب المتخيل السابق الذي أنبأ عنه التركيب اللاحق .

           وفي هذا السياق تضمر وظيفة الحذف، وتقتصر على الاتساع، وهو محدود فقير، لأن عملية الكشف والتخيل في تقدير المحذوف تخضع لأدوات عقلية صارمة، ولا تفسح المجال رحباً لمزيد من الإثراء في التقدير، ومن ثم في اتساع اللغة، ففي الآية الكريمة التي أسلفنا الحديث عنها »واسأل القرية « ليس لدينا ـ فيما ذهب إلى ذلك النقاد ـ إلا محذوف واحد هو » أهل « ولسنا أمام عدد من الاحتمالات التي يمكن للتركيب أن يشتمل عليها أو يوحي بها، وكأننا نلتقي مع النقاد في إزالة غموض الدلالة عن الآية الكريمة، ومحاولة إرجاع تأويلها إلى بعد واحد لا يقبل ثانياً .

           أما في حذف المضاف إليه ففي قوله تعالى » لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ «  أي »من قبل ذلك ومن بعد «  فلم يضف ابن جنّي لهذا شيئاً سوى تقدير المحذوف، وهو بهذا يحكم النص بأدوات عقلية غايتها الوضوح والإبانة، بحيث يفقد النص ثراءه ودلالته المتعددة، لأنّ هذه الدلالات ستخضع لاحتمالات المتلقي على نحو من الإيحاء والإشارة، وليس على نحو التحدد والإبانة والوضوح.

           ويكثر في الشعر حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، ويرجع ابن جنّي ذلك إلى منطقه الأصولي في إرجاع الفرع إلى أصله، والى عملية القياس، فهو يرى أنّ حذف الصفة يكاد يحظره القياس، ويرجع ذلك إلى أنّ استخدام الصفة » من مقامات الإسهاب والإطناب «  سواء أفاد تخصيصا أو مدحا، والإسهاب والإطناب يضادان الإيجاز والاختصار، كما أن ابن جنّي يخشى من مغبة الغموض والإلباس، ولذلك فإن قولنا «مررت بطويل، لم يستبن ـ كما يقول ابن جنّي ـ من ظاهر هذا اللفظ إنْ كان الممرور به إنساناً دون رمح أو ثوب « ، ويؤكد ابن جنّي على أنّ ما يدلنا على المحذوف هو ظاهر اللفظ، بمعنى أنّ الدليل متضمن في داخل النص المعروف، ولا يعنى هذا أنّ الدليل العقلي ملغى، لأنه هو الذي يحكم هذه العملية كلها أولاً، ولأنه متضمن هو الآخر في تركيب البناء النحوي ثانياً .

           وقد شغلت ابن جنّي مقايسة الفروع للأصول، ولذلك لم يعنَ كثيراً بتأدية الدلالات الجمالية إلا إشارة أو تلميحاً، وحتى في التفاتته إلى وظيفة الحذف في الاتساع لأنه يوقفها عند حدود عقلية صارمة تثبت الدلالات، وتفقدها خصوبتها وثراءها .

           ويفطن الرماني إلى جوانب جمالية في الحذف، ففي حديثه عن الإيجاز يرى أنه ينقسم إلى قسمين، يهمنا ـ هنا ـ إيجاز الحذف، وهو يعني به » إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام«  مثل قوله تعالى » واسأل القرية «  أي »واسأل أهل القرية« الذي قال فيه الرماني ـ فيما نقله عنه ابن رشيق ـ بأنه »مطابق لفظه لمعناه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه « ، كما أنّ الشريف المرتضى يرى أنّ المجاز ـ والآية الكريمة تدل عليه ـ مبني على الحذف والاختصار، وقرن البلاغة ببعد كمي، أي تقليل ألفاظ الكلام »بحذف بعضه ومعانيه بحالها «  .

           ويرى الرماني أن الحذف أبلغ، ومن أمثلة ذلك حذف الأجوبة، ومنه قوله تعالى »وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ«  » كأنه قيل : حصلوا على النعيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير، وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ، لأن النفس تذهب فيه كل مذهب،  ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان« .

           ويحقق الحذف الوظيفة التعبيرية في إيصال المعنى إلى المتلقي، ولكنه ليس بتحقيق اللفظ على المعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وإنما هو توصيل يعتمد الإيحاء على نحوين : أولهما : إيحاء النص بتعدد الدلالات المحذوفة، وثانيهما : إيحاء جمالي متصل بالنفس تخيلاً وتصوراً، ففي الأول : نكون إزاء لون من التوسع في الدلالة، لأن إيجاز الحذف يكون التوسع في الدلالة أحد وظائفه، وقد أكد هذا المعنى الشريف المرتضى في أثناء حديثه عن الآيات المتشابهة، حين أشار إلى اتساع الدلالة من خلال احتمالات التأويل المختلفة لأية قرآنية واحدة، وإنّ هذه الاحتمالات لا تخرج على المعيار الذي يحكم التأويل، وهو الدليل العقلي، ولذلك قال : » إنّ أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق، الموافقة لأدلة العقول، فيذكر المتأول جميعها، ولا يقطع على مراد الله منها بعينه « وفي الثاني : يؤدي الحذف وظيفة التوضيح للمعاني التي يشوبها الغموض فإنها تشرك المتلقي في إكمال الصور التي توحيها سياقات النصوص، وتتدخل مخيلة المتلقي واحساساته وحدوسه في تخيل صورة المحذوف وتحديد دلالته .

           بقي أن أشير إلى قيمة العطف من خلال تفاعله مع السياق للكشف عن الدلالة من ناحية والتجليات الجمالية من ناحية أخرى، فإن حرف العطف يخلط الثاني بالأول، فيما يرى ابن جنّي، ففي قول الشاعر المتنبي :

 

الشمسُ من حسادهِ والنصرُ من

 

 قرنائه والسيفُ من أسمائهِ

 

 أين الثلاثةُُ من ثلاثِ خصالهِ

 

 من حُسنهِ وإبائهِ ومضائهِ

 

يقول ابن جنّي : » أين حسن الشمس من حسنه ؟ وأين النصر من إبائه ؟ وأين السيف من مضائه ؟ أي إذا أمر أقصر النصر عن عزيمته وإبائه، فكأنه رجع في هذا البيت عما أعطاه في البيت الذي قبله ولو قال : »وأين « بالواو لكان أعذب، لأن الواو يخلط الثاني بالأول، فلا يجعل لأحدهما مزية على الأخر في التقدم والتأخر، وإذا لم يأت بالواو صار الكلام كأنه منقطع « ، وتؤدي الواو العاطفة ـ هنا ـ دوراً دلالياً وجمالياً في آن واحد، فهي تخلط المعطوف بالمعطوف عليه، بحيث لا يبقى قيمة لمتقدم على متأخر، فيشتركان في القيمة، كما أنّ »واو العطف « يمكن أن تؤدي وظيفة جمالية »يعذب « فيها الأداء ويحلو، وبخاصة أنّ السياق ينبئ عن لون من الانبهار والإعجاب في المثل الذي استشهد به ابن جنّي لتعزيز رأيه في قول أحد الشعراء :

 

 إذا ما ظمئتُ إلى ريقه

 

جعلت المدامة منه بديلا

 

 وأين المدامةُ من ريقه

 

 ولكن أعللُ قلبا عليلا

 

يقول ابن جنّي : » ولو قال : » أين المدامة من ريقه « لم يكن له ماء الواو ولا رونقها»

 

 

 

 ( 6 )

 

 

           ويتجلى ـ مما سلف ـ العناية البالغة بالدلالات الثابتة والعناية بدراسة مكوناتها مستقلة عن بعضها، وهذا يعني دراسة الظاهرة من خلال النظرة الجزئية التي هي صدى للأصول المنطقية التي يصدر عنها الناقد، وهي تفرض عليه رؤية الأشياء واضحة ومحدودة، وتدرك الماهية منفصلة عن عناصرها ومكوناتها، وكأنها أفكار مجردة لا تعبر عن شيء محدد، وان كانت تعبر عن كل شيء .

           هذه العقلية التي تؤمن بوجود التمايز بين العناصر وبوجود الفوارق بينها، ترى الشيء وبجنبه الشيء الآخر، وتشهد الماهية وتوازيها الماهية الأخرى، وتعالج الذات والذات الأخرى، وتوزع العناصر والأشياء على طبقات، فهناك طبقة متقدمة وأخرى متأخرة، وتتقدم واحدة لتكون أصلاً، وتتأخر الثانية لتكون فرعاً، المهم أنّ هناك نظاما يحافظ على المسافات، ويتمسك بالوضوح والتحدد أساساً، ومن هنا جاءت عنايتهم بالتعريفات والحدود، حد الشيء، والعلم، والموضوع، ومعرفة طبائع الأشياء والذوات . أما أنْ تتقاطع الأشياء أو تتفاعل، أو أن يؤثر بعضها ببعض فهذا ما لا يمكن إدراكه، أو لا يمكن قبوله، لأنه يضاد الرؤية التي ترى الأشياء مستقلة، والأفكار واضحة، بل إنّ الناقد يفك تقاطعهما وتشابكهما، ويحاول دراستها مستقلة .

           ومن هذه الفواصل الحادة الفصل بين الأنظمة اللغوية، فالنظام الصوتي يدرس مستقلاً دون أدنى فاعلية أو تأثر أو تأثير بالأنظمة اللغوية الأخرى، وكأنه كيان مستقل لا علاقة له بغيره، ومثله النظام الصرفي، ويستقل عنهما النظام النحوي، ويستقل كل نظام بدراسة عناصر جزئية، فالنظام الصوتي يدرس الأصوات مستقلة أو مدرجة مع بعضها، على أنّ هذا الدرس لا يأخذ بعين الاعتبار ضرورة التفاعل مع العناصر الأخرى المكونة للأنظمة اللغوية، ولذلك فهو درس للحرف وعلاقته بالحروف الأخرى في إطار الكلمة الواحدة دون تجاوزها، أما النظام الصرفي فهو يعنى بأنفس الكلمات، وكأن الكلمات تمثل جواهر ثابتة يبحث الدارس عنها وعن صفاتها، ويعنى بهذه الجواهر الثابتة لذاتها، دون تأمل لتفاعلاتها أو علاقاتها بالنظام الصوتي، أو النظام النحوي .

           ويتدرج الناقد في تشكيله اللغوي متنقلاً من الجزئي إلى الكلي، بمعنى أن نظرته تبدأ من أبسط العناصر ليضم بعضها إلى بعض دون أن تفقد العناصر المتضامة أيا من خصائصها، أو أنْ تخضع للبناء الكلي الذي يحتويها، إنها النظرة التجزيئية التي تحكم مجمل التفكير النقدي واللغوي الذي يهدف إلى التمايز والوضوح بين الحدود .

           وإذا كان البناء النحوي يعتمد فكرة أولية هي الإسناد، أي تكوين الجملة من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، فإنها لدى الناقد تتمثل ـ في الأساس ـ من خلال تركيب الكلمات، وأنّ هذه الكلمات تشتمل على دلالات ثابتة، وتتولد بينها علاقات عبر تركيبها، وبهذا يحافظ الناقد على الدلالات المعجمية للكلمات، وبذا تتراص الدلالات المعجمية محافظة على ثباتها تماماً كما تتراص الكلمات مستقلة ومحافظة على استقلالها دون محاولة لكسر هذه الأبعاد، ويحتوي ذلك كله نظام منطقي هو النظام النحوي، وقد وجد الشعراء ـ في أثناء محاولاتهم كسر بعض السياقات المتكررة وتجاوزها إلى سياقات جديدة ـ أن أكثر الردود عنفا عليهم من أصحاب نظرية الخطأ والصواب في النحو، لأنهم يتابعون أخطاءهم وفق أسس معيارية ثابتة يحكمها منطق صارم لا يقبل التفاوت أو التجاوز مهما كانت الأسباب .

           إنّ الدرس النقدي يعنى عناية بالغة بالكلمة فهي أساس البناء، وتمثل كياناً مستقلاً له دلالته الثابتة المستقلة، وحتى في حالة تشكيلها وتركيبها في سياق فإنّ الكلمة لا تتغير دلالتها ـ في الغالب ـ بل تحافظ على دلالة معجمية ثابتة .

           إنّ تفسير النص الأدبي لا يتم بإخراج المفردة من سياقها والتحدث عن دلالتها المعجمية، كما فعل ذلك ابن جنّي في أحايين كثيرة في شروحه الشعرية، وإنما تتم دراسة السياق اللغوي كله، والكشف عن جمالياته، أي تجاوز النظرة التفكيكية إلى نظرة شمولية تدرس الجزء في ضوء الكل، وليس منفصلاً أو مستقلاً عنه، أي ينبغي وعي الكلمة لا في إطار دلالتها المعجمية وإنما في ضوء سياقها .

           ولا يعني هذا أنّ الكلمة تفقد معناها المعجمي تماماً في إطار سياقها، بل إنّ دلالة النص الأدبي وإنْ كانت تعتمد على السياق فإنّ الكلمة تحافظ على جانب من هذه الدلالة المعجمية الذي تلونه وترافقه مجموعة من الظلال والمعاني التي ترادفها أو تقاربها إلى درجة إثارة معان أخر، أو إضفاء خصوصية من نطاق الدلالة المعجمية للكلمة .

           إن إدراك الكلمة وتَمثّل وظيفتها وجمالها لا يمكن أنْ يتحقق تماما خارج السياق، بل على العكس فإنّ إدراكها وتمثلها لا يتم بدقة إلا من خلال السياق وبالسياق، لما يتركه الأخير من آثار وموحيات على الكلمات أي » أن الكلمات أو الألفاظ المفردة لا تدرك وحدها، وإنما تدرك في داخل حكم أو » علاقة « وأن معانيها لا تعرف في أنفسها وإنما نفهم في ضوء علاقات السياق وقرائنه ومبانيه، وأنه لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة وبناء لفظة على لفظة « ، وهذا كله يكشف عن قضية مفادها أنّ النقد لم يكن مهتماً بوصف الكيفية التي يتم بها التعبير، انطلاقا من تخليقها تجربة في الذات إلى أن يتم تشكيلها لغويا في نص أدبي، وإنما كانت العناية متركزة بالجوانب اللفظية الشكلية .

           إنّ العلاقة بين الجزئي ـ الكلمة ـ والكلي ـ السياق ـ لا تحكمها دلالة الكلمة المعجمية، بل يكون للكلمة تأثيرها في السياق تماماً، كما أن السياق يؤثر هو الآخر في دلالة الكلمة وجمالياتها، فضلا عن موقع الكلمة في شبكة العلاقات المعقدة التي تحكم تضام الكلمات ومواقعها، وهذا من شأنه أنْ يؤثر في تحديد الدلالة ويكشف عن جماليات النص الأدبي بأسره، ويؤكد أنّ هناك علاقة جدلية بين الكلمة والسياق يتفاعل فيها هذان البعدان لتوصيل دلالة جديدة، ويشتملان معا على جماليات فنية ، إنّ هذه العلاقة الجدلية التي تعطي دوراً وأهمية لكل من الجزء والكل بصورة متوازنة هي التي أغفلها الناقد العربي ولم يستطع تجليتها وتوظيفها في درسه النقدي، وكانت عنايته متركزة في الجزئي لدرجة يمكن معها القول : إنّ الجزئي يكاد يتحكم في الكلي، ويحدد مساراته ومعطياته وجمالياته.

           بقيت ملاحظة جديرة بالعناية والاهتمام مفادها أنّ جماليات النص القرآني والشعري على السواء ليست كائنة في الأنظمة اللغوية، أي أنها ليست مقتصرة على تجاوز الاستثقال في البناء الصوتي، أو تمكين الدلالات الثابتة للصيغ الصرفية في ذهن المتلقي، أو في جماليات الحذف والتقديم والتأخير في البناء النحوي، وإنما ـ بالإضافة إليها ـ في جوانب من الدرس البلاغي كالتشبيه والاستعارة مثلا، وهذا ما سيأتي الحديث عنه في الفصل التالي .

 

 

 

الفصل الثاني

المقياس البلاغي

 

 

الأداء الـنمطي والأداء الفني :

 

 (1)

 

          من أجل فهم مستويات الأداء اللغوي لا بد من الإشارة إلى تصور المعتزلة عن نشأة اللغة، فهم يرون أنّ اللغة تواضع واصطلاح، فهي ـ أي اللغة ـ تتكون من الألفاظ التي تنطوي على الدلالات التي اتفق واصطلح عليها، وهم يرون أيضاً أنّ كلام الله من جنس الكلام العربي، لتأكيد قضية شغلتهم كثيراً، وهي قضية » خلق القرآن « ، وعلى الرغم من تأكيدهم أنّ القرآن الكريم يتألف من جنس الكلام العربي، من حيث مفرداته، وطبيعة تراكيبه، فإنه يُعد معجزاً، وهذا يدل على مستويات متعددة من الأداء اللغوي، منها المستوى العادي من الأداء، الذي لا يدل على نواح فنية، وآثرنا أن نطلق عليه مصطلح الأداء النمطي، وهناك مستوى آخر من الأداء يتجاوز الأداء النمطي، وتتفاوت مستويات فنيته، أطلقت عليه الأداء الفني، ويكون في قمته من حيث الإبداع : المستوى المعجز المتمثل في القرآن الكريم .

           ويعي القاضي عبد الجبار بن أحمد أنّ هناك تفاوتاً في مراتب الفصاحة بين القرآن الكريم ومستويات الأداء الأخرى، وحين يحلل أسباب هذا التفاوت يعي أنّ الكلمات العربية محصورة ومحدودة من حيث الكم، وأنّ تأليف هذه الكلمات » يقع على طرائق مختلفة .... فتختلف لذلك مراتبه في الفصاحة «  فالطرائق المختلفة في التراكيب هي التي تحدد التفاوت في الأساليب، ومن ثم التفاوت في القيم الفنية والمعرفية والجمالية التي تشتمل عليها، وهذا هو الذي يجعل أسلوباً ما رفيعاً، ويجعل آخر دونه في الجودة والجمال .

           وتتجلى بعض مظاهر هذه التصورات في تمييز النقاد بين الشعر والخطابة، من حيث تغاير كل منهما عن الآخر، من جهة الأسلوب، ومن جهة التوصيل، فالشاعر لا يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد، لأنهما يخرجان الشعر من دائرة الفن .

           ويمكن وعي تغاير الأداءين النمطي والفني من خلال التحديد الوظيفي لهما، والرماني يعي أنّ الأداء النمطي يهدف إلى التوصيل والإفهام، ويمكن لهذا الأداء أنْ يؤدي وظيفته بتحقيق اللفظ على المعنى، مهما كانت ماهية الألفاظ، سواء أكانت غثة مستكرهة، أم نافرة متكلفة، أم غير ذلك ، أما الأداء الفني فعلى الرغم من أنه لا يقتصر دوره على الوظيفة التوصيلية فإنه يهدف إلى تأدية قيمة جمالية، وينبئ تعبير الرماني عن ضرورة تجاور هذين البعدين أو تلاحمهما ـ أعني التوصيل والفن ـ في أثناء تحديده لطبيعة البلاغة، والتي تدل عنده على »إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ».

           إن الوظيفة التوصيلية للأداء تعمد إلى تحقيق اللفظ على المعنى وتأدية الدلالة لذاتها، دون تجاوز ذلك إلى أبعاد فنية وجمالية، وهذا ما يفعله الإنسان العادي الذي لا يفكر بأكثر من الإفهام، ولا يهدف إلى أبعد من التوصيل، ويمكن تلمس بعض مظاهر هذا الأداء أيضاً لدى الفلاسفة والمناطقة على نحو العموم، وهذا ما يلمح به الشريف المرتضى في أثناء تعرضه للحديث عن طبيعة الشعر، حين أبعد عن الشاعر الوظيفية التوصيلية التي يعمد فيها الإنسان إلى مجرد تحقيق اللفظ على المعنى، لأنّ الشاعر لو عمد إلى ذلك أصبح شأنه شأن من يخاطب الفلاسفة وأصحاب المنطق، أو يأخذ بطريقتهم في الأداء والتعبير، لأنّ هؤلاء يتعاملون مع اللغة بوصفها أداة مجردة يهدف منها تأدية المعاني في أسلوب ينطوي على الدقة العلمية .

           وإذا كان الشريف المرتضى قد ألمح إلى الفوارق الوظيفية والتشكيلية للأداءين النمطي والفني، فإنّ الجرجاني في وساطته يعيب على المتنبي أن يخرج الأداء اللغوي لديه من الشعر إلى الفلسفة ، وهذا يعني أنّ الأداء الفلسفي يناقض التشكيل اللغوي للشعر، فمتى قرب أحدهما من الآخر قلّتْ قيمته، أي أنّ هناك تناقضاً بين الشعر والفلسفة من جهتي الوظيفة والتشكيل، ففي حين تستخدم الفلسفة اللغة » استخداماً حقيقياً بهدف الإفهام والتوصيل « لا يستخدم الشعر الألفاظ » لتدل على معانيها الحقيقية والمشهورة، وإنما لتدل على معان أخر تشبهها أو تخالفها «  .

           ويميز الشريف المرتضى بين أسلوبي الخطابة والشعر في أثناء نقله عن الفرزدق أنه عاب على الكميت شعره وعدّه خطيباً، وقال المرتضى تعليقاً على ذلك إنّ الفرزدق »سلَّم له الخطابة ليخرجه عن أسلوب الشعر «  لأنّ الخطابة تهدف إلى الإقناع، ومن ثم يدفعه هذا إلى استخدام أدوات عقلية، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الوظيفة على التشكيل اللغوي للخطبة ، إذن فالتغاير بين الشعر والخطابة يقود حتماً إلى تغاير كيفي في طبيعة تشكيلهما للغة، وكأنّ الشريف المرتضى يريد أن يجعل الخطابة لوناً من العلوم مادامت تهدف إلى إيصال المعرفة وتحقيق الإقناع، ولأنّ الأصل في الخطابة » أن تستخدم الألفاظ الحقيقية والألفاظ المشهورة، لأنّ ذلك أقرب إلى تحقيق الإقناع وأكثر ملاءمة لطبيعته التصديقية التي تجعله أقرب إلى التصديق البرهاني منه إلى التخيل الشعري «  .

           إن تعارض الوظيفتين التوصيلية والجمالية بين الأداءين النمطي والفني يقود إلى تغاير في كيفية الاستخدام اللغوي، فالفلاسفة والمناطقة والخطباء يبنون لغتهم من أجل التوصيل، ولذلك يعمدون إلى تحقيق اللفظ على المعنى، ويختلف عنهم الشعراء من حيث الوظيفة الجمالية، ومن ثم فهم يبنون لغتهم على » التجوز والتوسع والإشارات الخفية والإيماء على المعاني تارة من بعد وأخرى من قرب« ، ولم يكن الشريف المرتضى في هذا النص ملغياً التوصيل، ولكنه ليس الغاية التي ينشدها المبدع، وإنما الغاية لديه كيفية التشكيل .

           ويلح الرماني على ضرورة تلاحم الوظيفتين التوصيلية والجمالية، لأنّ البلاغة لديه تعنى » إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ «  وإذا كانت الأبعاد الجمالية لدى الرماني والشريف المرتضى غاية جمالية يؤديها التشكيل اللغوي، فإنّ أبا أحمد العسكري يحولها إلى مجرد قضية شكلية يزين بها التشكيل اللغوي لا غير، ولذلك فهو حين عني بتحديد بلاغة الشعر اشترط فيه »رشاقة المعرض « ، وهي كما يبدو تمثل بعداً خارجياً يقصد منه الجمال الشكلي المحض الذي لا يرتبط بفاعلية بالتشكيل اللغوي، غير أنّ رشاقة المعرض هذه، والإشارات الخفية والإيماء على المعاني التي سبق أن تحدث عنها الشريف المرتضى، إنما تنبئ عن عناية الناقد بالقيمة الجمالية للتشكيل اللغوي، ومن ثم يترك التشكيل اللغوي آثاره في المتلقي وتزويده بمعرفة نطلق عليها المعرفة الشعرية، كما أنّ هذه العناية تدفع المبدع إلى عناية فائقة بالتشكيل اللغوي ليتميز بتكثيف العبارة وإيحائية الدلالة ، وإذا كان الفلاسفة ـ كما أسلفنا ـ يخضعون أداءهم اللغوي لضبط علمي، فيستخدمون الكلمات بكيفية تدل على المعاني المراد إيصالها، فإنّ الشعراء لا يتقيدون بذلك ويُعد ذلك عيباً لديهم، بل إنّ الشاعر ـ فيما يرى الشريف المرتضى ـ » لا يجب أن تؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد، لأنّ ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه «  ولذلك يبرر الناقد للشعراء الكيفية التي يؤدون فيها المعاني والدلالات، وهي دون شك تتعارض مع الكيفية التي يتعامل بها الفلاسفة، فالشعراء ـ مثلا ـ يميلون إلى تأدية معانيهم بالمبالغة أحياناً » صنعة وتأنقاً، لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا«.

 إن التمايز بين الأداءين النمطي والفني يقرب إلى حد كبير من الفوارق التي أرساها الفلاسفة المسلمون في أثناء تمييزهم اللغة الشعرية عن اللغة العلمية » عندما ألحوا على أنّ اللغة الشعرية تتميز بالخروج عن الأصل، أي أنها تنحرف عن معيار ما هو قياسي مصطلح عليه في اللغة، في الوقت الذي تلتزم فيه لغة العلم » البرهان « بما هو متواضع عليه في اللغة ... وإن هذا الانحراف انحراف جمالي متعمد، وذلك أنها تقصد من ورائه إثارة الدهشة أو العجب أو اللذة «  .

 

 

 ( 2 )

 

 

           إنّ العلاقة بين الأداءين النمطي والفني علاقة تجاور وانتزاع، بمعنى أنّ الثاني لا يغفل الأول، بل يتأسس عليه، حتى إنّ القدماء جعلوا الأداء النمطي أصلا يقيسون عليه الأداء الفني، ومن هنا جاء حديثهم عن الأصل في المعنى والكلام  ، إنّ الأداء النمطي يمثل الثابت الذي يرجع إليه المتغير ـ أي الأداء الفني ـ وإنّ وجود الأخير لابد أن يعتمد على الأول، ويتحقق وجوده بوجود سابقه، فالمجاز ـ وهو أحد أوجه الأداء الفني ـ لا يصح وجوده في اللغة ـ فيما يرى القاضي عبد الجبار ـ دون أن تكون له حقيقة تسبقه.

           ويمثل الأداء النمطي الأصل أو السابق ويكون الأداء الفني فرعاً ولاحقاً له، فمن جهة التركيب ـ مثلا ـ نلتقي بالتركيب النحوي الذي لا تقديم فيه ولا تأخير، وهو يمثل الأصل والسابق في مثل تركيب الجملة الفعلية المكونة على التوالي من فعل وفاعل ومفعول، وهذا التركيب يمثل تركيباً نمطياً، ويمثل الأداء الفني خروجاً أو كسراً له وفق قوانين محددة، كأن يتقدم المفعول على الفاعل، أو يتقدم عليه والفعل معا، ويؤدي التقديم والتأخير دلالات معينة لا يمكن أن ينطوي عليها أصل التركيب ، ويمكن تطبيق ذلك على نحو آخر بالنسبة للمجاز، فالحقيقة تمثل الأصل أو السابق، ليكون المجاز تنويعاً عليه، ولاحقاً به، وهذا يعني أنّ الأداء الفني تركيب لا يمكن أن يتأتى حدوثه دون أصل يسبقه، فالأداء الفني يتضمن الأداء النمطي في ضوء علاقة تجاور، وينتزع الفني من النمطي، ومن هنا قلنا إنّ العلاقة بينهما علاقة تجاور وانتزاع .

           ولا يعني هذا أنّ الفواصل حادة بين الأداءين، بحيث لا يتداخلان أو لا يتقاطعان، لأنّ بينهما قدراً من الارتباط، فالنمطي يمثل الأساس المعياري الذي يتأسس في ضوئه الفني، ويتحدد تجاوزه أو انحرافه عنه، ولذلك فإنّ الأداء النمطي يمثل » الخلفية التي ينعكس عليها التحريف الجمالي المتعمد للمكونات اللغوية للعمل « ، فهو بمقدار ما يمثل عنصر إعاقة يحاول المبدع أن يكسر نمطيته، فإنه يمثل في الوقت ذاته قيمة معيارية يمكن من خلالها الكشف عن جوانب التجاوز الجمالي، ومقدار ما تتركه من آثار فنية ووجدانية .

           ولا يعني هذا تمرداً على أصول الأنظمة اللغوية كالنحو مثلاً، من حيث الفاعلية والمفعولية وكيفية الإسناد، وإنما هو كسر للمألوف من عناصر الثبات سواء في مواقع الكلمات في سياق التركيب، أو في الدلالات التي تشتمل عليها، أو هو كسر لما يمكننا تسميته بمكونات الثبات في اللغة، وهي التي يلزم النقاد المحافظون أنفسهم بها، وبخاصة أمام محاولات التحديث الفني للإبداع الأدبي، كما هو معروف فيمن وقف في وجه حركة الحداثة في الشعر في القرون الأولى، وموقف بعض اللغويين من هذه الحركة رفضاً أو تأييداً .

           إن الانتهاك المتعمد لطبيعة الأداء النمطي ـ متمثلاً في أحد جوانبه بالعدول والنقل ـ لا يعني إلغاءً للأداء النمطي برمته، لأنه يبقى محافظاً على بعض مكونات الأصل الذي عُدل عنه، أو انتقل منه، بمعنى أنّ التركيب الجديد لا يخلو نهائياً من تضمن القديم، سواء بألفاظه أو تراكيبه، أو بتأويلاته، أو بكليهما معا، وبمعنى آخر أنّ العدول والنقل عن الأصل إلى فرع يبقى متوافراً فيه جملة من خصائص الأصل، ولكن الفرع يتميز بخصوصية تضاف إلى ما تضمنه من خصائص الأصل، ومن الجدير بالذكر أنّ الانحراف عن الأصل تحكمه مقومات، ويتميز بدرجات متعددة، ولكنه لا يمكن أنْ يكون الكسر مطلقاً، بمعنى أنّ مخالفة الشاعر للأداء النمطي » ليست مطلقة ـ من جهة أولى ـ لا تخرج على قواعد اللغة العادية، وإنما هو يخرج على » نظام « هذه اللغة في التأليف بين الكلمات ونظمها وسياقها وتركيبها «  .

           وعلى الرغم من أنّ الأداء النمطي يهدف إلى التوصيل فإنّ هذا لا يعني خلوه من آثار يلتقي فيها بالأداء الفني لما يشتمل عليه من استعارات مثلاً، والاستعارة في أصل تركيبها ونشأتها تمثل انحرافاً وانتهاكاً متعمدا للأداء النمطي، غير أنّ الاستخدام اليومي لاستعارة معينة يفقدها خصوصيتها الدلالية وجمالها الفني في إثارة الدهشة والانبهار، وتتحول إلى إحدى أدوات التوصيل النمطي اليومي، كما هو الحال في » رِجل الكرسي « و » عين الإبرة « إنّ هذه الاستعارات قد فقدت وظيفتها الجمالية المؤثرة بحيث يصدق معها القول إنّ »الاستعارات في أغلب الحديث العادي، كما في أغلب أنواع النثر، إنما هي نصف حية «  .

           إنّ الوظيفة الجمالية تمثل غاية جوهرية في الأداء الفني، ولكنها تتراجع في غيره، لتتقدم الوظيفة التوصيلية، ولذلك فإنّ الاستعارات في أمثلتها الميتة لا توهم أنّ الأداء أضحى فنياً، لأنّ وظيفة الأداء هنا هي التوصيل، ومن هنا يمكن القول إنه إذا » كانت الوظيفة الجمالية متحققة في تراكيب لفظية أخرى غير لغة الشعر، فإنها لا تسود في هذه التراكيب، أو تهيمن عليها، بل تظل ثانوية بالقياس إلى وظيفة أخرى، في حين تظل هذه الوظيفة الجمالية هي الأساس في لغة الشعر، وتظل ـ من ثم ـ هي الوظيفة التي تسود ماعداها في اللغة الشعرية«  .

           إذن فالوظيفة الجمالية ـ في الأداء الفني ـ تتقدم على ما سواها من الوظائف الأخرى، وتكون أكثرها أهمية وبروزاً، كما أنّ الأداء الفني ـ في الشعر بخاصة ـ يشتمل على درجة من التكثيف يدفع بالتوصيل إلى التراجع، على أساس أنّ هذه اللغة الشعرية هي الهدف من التعبير، وبهذا يتم التوصيل بطريقة جديدة، يمكن أنْ نطلق عليها جمالية التوصيل، وهي لا تعني التوصيل المقصود لذاته، وإنما هي مزيج من الجمالية والتوصيل، وعلى الرغم من ذلك يبقى الكشف عن طبيعة الأداء من خلال وظيفته، فإنْ كانت الوظيفة التوصيلية هي السائدة في النص الأدبي ومهيمنة عليه فإنّ هذا يعني أننا نقترب من الأداء النمطي، وإنْ كانت الوظيفة الجمالية هي المتقدمة في النص سنكون حينئذ إزاء أداء فني، ولا يعني هذا أنّ الكسر المطلق للأداء النمطي إبداع وجمال أدبي، لأنّ التحريف الجمالي أو الانتهاك المتعمد ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما الغاية تأدية الدلالات الجمالية التي يمكن تأديتها من خلال تجاوز الأداء النمطي، أما حين تتحول الوسيلة إلى غاية فإنّ هذا يقود إلى الخلط بين ما هو أدبي وما ليس أدبياً بالمرة .

           ويدل ما سلف على أنّ الخصائص التي تميز وظيفة الأداء اللغوي، ومن ثم تحديد طبيعته الفنية أو النمطية إنما تكمن في الخصائص النوعية للتشكيل اللغوي، وليست عائدة إلى ظواهر خارجة ، ولا يعني هذا أنّ فنية الأداء تعني تغيراً شكلياً يتصل بالألفاظ، ولكنه تغير دلالي جمالي في آن واحد، وتتجاور فيه دلالتان، تميل إحداهما إلى إقرار العام في الأداء النمطي، وتميل الثانية إلى معنى خاص يحتوي الدلالة السابقة، ويتجاوزها .

           وعلى الرغم من هذا فإنّ العلاقة بين الأداءين تشتمل على تأثير متبادل، لأنّ الأداء الفني لا يمكن له تأدية دوره الجمالي إلا في اقتباس تركيبه من الأداء النمطي، وفي كيفية محددة خاصة من التحريف والانتهاك المتعمد له، كما أنّ الأداء النمطي يقتبس الكثير من تراكيب الأداء الفني، وبخاصة بعد ضمور دلالاتها الجمالية، أي بعد أن تفقد خصائصها الانحرافية، وتتحول إلى معيارية، كما هو الحال في الاستعارات الميتة، وبهذا يتم توسع اللغة وإمكاناتها، ولذلك فإنّ كثيراً من التراكيب المجازية تتحول من الأداء الفني لتستقر في مخزون الأداء النمطي .

           إنّ الفوارق بين الأداءين النمطي والفني تنمحي أو تكاد، بمقدار اقترابهما من بعضهما، من جهتي الوظيفة أو من جهة التشكيل، وتتضح الفوارق بمقدار افتراقهما الوظيفي أو التشكيلي، ويخضع هذا التمايز في بعض جوانبه للخصائص الفردية للمبدع، أو لقوانين التطور اللغوي، أو للتغير الحاصل في أذواق الأجيال ومدى تطور نضجه الفني أو تخلفه .

           إن القيمة الفنية التي ينطوي عليها الأداء الفني لا تحددها درجة انحرافه عن النمطي، لأنّ الافتراق الحاد لا يعني بالضرورة أداء جميلا تحققت قيمته وأبعاده الفنية بانفراج الزاوية إلى أقصاها، كما أنّ اقتراب الأداءين من بعضهما، لا يعني بالضرورة كذلك، تخلفاً فنياً، ويبدو أنّ الأمر يتأتى من أمور عدة، فهو متأثر بطبيعة الأداء النمطي أولاً، وبكيفية الانحراف والانتهاك المقصود بما يشتمل عليه من وظيفة جمالية ثانياً، وبكيفية تأديته للأبعاد الجمالية وعلاقتها بخصوصية المبدع ثالثاً، وعلى العموم فإنّ هذا لا يمكن تحديده بقانون، وإنما هو خاضع لعدد هائل من المؤثرات المتفاعلة التي تؤدي دورها مجتمعة.

           وإذا كان الأداء النمطي يتسم بالشيوع في تأدية وظائفه، وفي كيفية تركيبه، فإنّ الأداء الفني يتميز بخصوصيته التي تقترن بمكونات ذاتية وفردية، ويخضع الأداء الفني للون من الوعي الخاص من جهة طبيعة اللغة، ومن جهة كيفية تركيبها في نص أدبي، كما يخضع الأداء الفني ـ أخيراً ـ لرؤية المبدع وكيفية وعيه للعالم الذي يعيش فيه ويسعى إلى التعبير عنه .

           وفي ضوء هذا فإنّ الانحراف المتعمد في تركيب الأداء الفني يتسم بخصوصية معينة تتجاوز الشيوع، وترجع هذه إلى لون معين من التركيب، ولا يعني هذا أنّ الانحراف في التركيب لا يعدو أنّ يكون مجرد تركيب شكلي يُعنى بجوانب الزينة الخارجية، كما أنه لا يعني تغيراً لفظياً تستقل فيه المفردات عن سياقاتها، وإنما تتفاعل من أجله مكونات عديدة، منها ما يتصل بطبيعة اللغة وأنظمتها الصوتية والصرفية والنحوية، ومنها ما يتصل بخصوصية العصر ومستويات التعبير التي يتميز بها، ومنها ما يتصل بالمبدع من حيث مكوناته الذاتية وخصائصه الفردية، وطبيعة رؤيته للعالم والإنسان ، وأخطر من هذا أنّ مستويات الأداء الفني تتفاوت ـ كما هو معروف ـ في ضوء قوانين التطور الأدبي عبر الأجيال والعصور، كما أنها تتفاوت بين شخصين يرومان التعبير عن قضية واحدة، فإن التعبيرين ينقلان ـ مجرد نقل ـ خبراً واحداً في لغة معينة لا يتفقان في تركيبهما اللغوي، بمعنى أنهما يختلفان من حيث استخدام المفردات وكيفية تضامها وتراكبها، ومن ثم يدل هذا على تفاوت في أسلوبيهما ودلالتيهما .

 

 

 

 ( 3 )

 

 

           ويمكننا أن نضرب مثلاً جلياً للعدول عن الأداء النمطي إلى الأداء الفني بالمساواة والإيجاز والإطناب، إذ تمثل المساواة الأداء النمطي الذي يعني تحقيق اللفظ على المعنى على حد تعبير الرماني أو » أن يكون اللفظ كالقالب للمعنى لا يفضل عنه ولا ينقص منه «  كما يقول أبو أحمد العسكري، فهو لا يهدف إلى أكثر من التوصيل، وهو المعيار، أو الأصل، أو الثابت، الذي نقيس في ضوئه الأداء الفني المتمثل في الإيجاز والإطناب ، فالمساواة تمثل المقابل لهما، لأنها ستكون قارةً في مستويات الأداء كلها، ولأنّ تمثل الإيجاز والإطناب لا يتأتى وجود تشكيلهما ووظيفتهما إلا بها، فهي تمثل الأصل الذي يعد تعينه«خطوة ضرورية لتعيين الانحراف عنه كماً وكيفاً، وبالتالي، يصبح بالإمكان الحكم على مدى فنية الأثر«

           إن انحراف الإيجاز عن المساواة يتم بتقليل اللفظ مع المحافظة على أصل المعنى، أو هو كما يقول الرماني : » إحضار المعنى بأقل ما يمكن من العبارة « فالقلة عنده هي المعيار الذي يتحكم في درجة الانحراف، إضافة إلى حضور المعنى المراد توصيله، ولكن أبا أحمد العسكري على الرغم من عنايته بالقلة معياراً يحدد طبيعة الإيجاز فإنّه يضيف إلى ذلك أن يكون التركيب مشيراً إلى المعنى بالإلماح ليمكن تأدية الدلالة شعرياً، وهذا يدل على عناية الناقد بما نطلق عليه تكثيف الأداء من حيث الكم والكيف، ويتجلى ذلك في كمية الألفاظ القليلة، والتي تعد شرطاً جوهرياً في تحديد طبيعة الإيجاز، كما يتجلى ذلك في كيفية توصيل المعنى إلى المتلقي، وهو لا يتم بتحقيق اللفظ على المعنى، فهذا يدل على المساواة، ولابد للناقد من تجاوزها، ولذلك يتم توصيل المعنى بالتلميح والإشارة، وهو يشتمل ـ بالنتيجة ـ على مؤثرات جمالية تتجاوز التوصيل لذاته .

           أما الإطناب فهو انحراف عن المساواة متمثلاً في « تفصيل المعنى »  أو « إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد بعينه حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتوكد عند من فهمه»، فالإطناب انحراف عن المساواة بالزيادة، ويؤدي وظائف معينة، تنحصر عند الرماني في »تفصيل المعنى « بينما يدل عند أبي أحمد العسكري على الإبانة عن المعنى من ناحية، وتأكيده من ناحية أخرى، وكأنّ وظيفة الإطناب إزالة الغموض والالتباس الذي يتضمنه التركيب .

          إنّ كلاً من الإيجاز والإطناب يسهم في تأدية الدلالة وتحقيق إتمامها وإفادتها، غير أنهما يختلفان في كيفيات تحقيق ذلك، فالإطناب يُعنى بتفصيل الدلالة وتأكيد أبعادها عند المتلقي، وهذا يعني أنّ الإطناب يتصل من زاوية بالمبدع ليسهب في تركيب المفردات وتضامها من أجل توسيع المعاني والتفصيل في معطياتها، ويتصل من زاوية أخرى بالمتلقي، ليقود الإطناب إلى توصيل المعنى أولاً، وتأكيده في نفس المتلقي ثانياً، أما الإيجاز فهو يشتمل على الدلالة في أقل قدر ممكن من الألفاظ، شرط أن تتم به الإفادة، ولا يخلو كلام بليغ منهما ـ أي الإيجاز والإطناب ـ ولابد أن يؤديا دوريهما دون إخلال بمقاصدهما، ولذلك رأينا ابن جنّي يؤكد أنهما » في كل كلام مفيد مستقل بنفسه، ولو بلغ بها الإيجاز غايته لم يكن له بد من أن يعطيك تمامه وفائدته، مع أنه لا بد فيه من تركيب الجملة، فإنّ نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب «  .

           وإذا كان الإيجاز والإطناب يخضعان لدى ابن جنّي لطرائق محددة لإتمام الدلالة وتحقيق فائدتها فإنّ القاضي عبد الجبار يقرنهما بالدلالة من ناحية، وتأدية الدلالات الجمالية من ناحية أخرى، لأنّ فصاحة الكلام لديه ليست إلا صورة للمعاني من حيث دقة التعبير عنها، ومن حيث تأديتها الدلالات الجمالية، ومن حيث الاحتياج إليها، يقول القاضي عبد الجبار » إن فصاحة الكلام إذا كانت تظهر بحسن معانيه واستقامتها والحاجة إليها فيجب أن يكون الكلام بحسبها «  وبهذا تتداخل لدى القاضي عبد الجبار الوظيفتان التوصيلية والجمالية في آن واحد.

           ويمثل المعنى الأساس الذي يحدد مكونات الفصاحة وطبيعتها من ناحية، كما يحدد أساليبها ـ كالإطناب والإيجاز ـ من ناحية أخرى، إذ يشترط القاضي عبد الجبار بن أحمد سبق المعاني للألفاظ، ولابد للمعاني من أوصاف كي يتأتى الكلام بحسبها، وهي تتحدد في حسن المعاني، واستقامتها، والحاجة إليها، ويتضمن هذا تزايد المعاني وتفاضلها ، ومن الطبيعي، والحالة هذه، أنْ تختلف أحوال المعاني في خصائصها السالفة في الحسن والاستقامة والحاجة إليها، كما تختلف في تزايدها وتفاضلها، ويقتضي هذا كله اختلافاً في أساليبها، إطالة أو إيجازاً، أو نحو ذلك ، إذن فالمعنى يمثل أساس الفصاحة وجوهرها، ويتحدد في اختلاف أحواله اختلاف أساليبه، ليكون إيجازاً مرة، وإطناباً مرة أخرى، ولذلك تحتم لزوم الأمر لدى القاضي عبد الجبار حين يقول : » فلابد إذا اختلفت أحوال المعاني أنْ يختلف الكلام في التطويل والإيجاز«

           ويعقد القاضي عبد الجبار مقارنة بين المواطن التي يجيء فيها الإيجاز والمواطن التي يرد فيها الإطناب، متخذا من إمكانية ورود الإيجاز أو تعذره معياراً ثابتاً يتحكم في استخدام الإطناب أو تعذره، ففي الوقت الذي يمكن فيه تأدية الدلالة بالإيجاز، وكونه مغنياً عن الإطناب، يصبح ورود الإطناب عيباً، وبهذا تتحقق الفصاحة لديه بالإيجاز، ولا يمكن تأديتها بأي حال بالإطناب، ولكن » إذا كان الإيجاز متعذراً أو ممكناً ولا يقع المعنى ولا يسد مسد التطويل، فالتطويل هو الإبلاغ في الفصاحة« ومن الجلي أنّ هذا المعيار لا يخضع لقاعدة منطقية أو معيار ثابت، قدر ما هو عائد إلى خصيصة ذاتية، تعود من ناحية إلى مبدع النص، وتعود من ناحية أخرى إلى طبيعة الغرض المراد التعبير عنه .

           وتتحكم ثنائية اللفظ والمعنى في تحديد طبيعة الإيجاز عند الرماني، فمن جهتي الكم والكيف ينطوي الإيجاز ـ عند الرماني ـ على تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، وعدّ الحذف أحد وجهي الإيجاز، وهو يعني » إسقاط كلمة للاجتزاء منها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام «  ومنه قوله تعالى » واسأل القرية «  أي واسأل أهل القرية، وعبارة الرماني أكثر دلالة، لأنها تتجاوز تصورات غيره، فهو قد أرجع الدلالة إلى »ما تنطوي عليه الحال « أو » ما يتضمنه فحوى الكلام «، وفي ضوء هذا تكون العلاقة بين المفردات التي يتشكل منها التركيب الأدبي والقرآني بخاصة ليست مفردات تتراص، لأنّ الحالية التي اشترطها الرماني توحي بجمالية التركيب القرآني، ومن هذا قوله تعالى«وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ«  كأنه قيل ـ فيما يرى الرماني ـ  حصلوا على النعيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير، ويرى الرماني أنّ للحذوف عذوبة وبلاغة لأنّ النفس تذهب فيه كل مذهب، بمعنى أنّ الحذف يتيح المجال رحباً لتخيل دلالات متعددة، وهذا يعني أنّ ذكر المحذوف سيثبت الدلالة ويحصرها دون تعددها .

           ويمثل إيجاز القصر الوجه الأخر من الإيجاز الذي يتحدد لدى الرماني » بتقليل اللفظ وتكثير المعنى« ومنه قوله تعالى » وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ « ، ويقارن الرماني هذا التعبير القرآني بتعبير آخر عده العرب نوعاً فريداً من الإيجاز، وهو » القتل أنفى للقتل « ويخلص الرماني إلى أنّ إيجاز القرآن الكريم أفضل للأسباب الآتية :

-    إنّ تعبير الآية القرآنية الكريمة أكثر فائدة من إيجاز العرب » القتل أنفى للقتل « لأنّ » الْقِصَاصِ حَيَاة ٌ« يشمل القتل وغيره، لأنها تتبنى العدل في ميادين الحياة المتعددة، ولذا فإنّ المعاني الحسنة التي تشتمل عليها الآية الكريمة عديدة .

-    إنّ تعبير الآيـة القرآنية أكثر إيجازاً، فلو قارنا بين عـدد أحرف » الْقِصَاصِ حَيَاةٌ « و » القتل أنفى للقتل « لوجدنا الآية الكريمة تتكون من عشرة أحرف، في حين تتكون مقولة العرب من أربعة عشر حرفاً .

-    إنّ تعبير الآية القرآنية بعيد عن التكلف لأنه لا تكرار فيه، كما هو الحال في تكرار كلمة » القتل « وما يواكبها من ثقل في نطقها .

-    أنّ تعبير الآية القرآنية أحسن تأليفا من حيث تلاؤم حروفه، ويفسر ذلك بالرجوع إلى قوانين صوتية من حيث ثقل الأصوات وخفتها، ومن ذلك في الآية الكريمة » الْقِصَاصِ حَيَاةٌ « تأتي الحاء بعد الصاد، وهي أفضل بكثير وأخف من خروج الألف إلى اللام في قول العرب » القتل أنفى للقتل «، ويضاف إلى ما ذكره الرماني أنّ » الْقِصَاصِ حَيَاةٌ « تتكون من كلمتين، في حين يتكون المثل العربي من ثلاث كلمات .

           وقد تناول الرماني الإطناب بالإشادة أيضاً، أذ يرى أنّ » الإيجاز بلاغة والتقصير عيي، كما أنّ الإطناب بلاغة والتطويل عيي ... وأنّ لكل واحد من الإيجاز والإطناب موضعاً يكون به أولى من الآخر«  ولم يحدد الرماني طبيعة هذه المواضع والكيفيات التي تحكمها، ولكنه على ما يظهر يرجع إلى عنصر ذاتي يحدده المبدع معتمداً على ذوقه وإحساسه الجمالي.

           وقد أرجع الرماني جماليات الإيجاز والإطناب إلى مجهول، وأخذ يشبه التمايز بين التطويل والإطناب بلون من التماثل مع رحلة في طريق، إذ يرى في التطويل عيباً لأنه «تكلف فيه الكثير فيما يكفي منه القليل، فكان كالسالك طريقا بعيداً جهلا منه بالطريق القريب « أما الإطناب فيكون في تفصيل المعنى، أي تجاوز الإيجاز إلى التفصيل، والخروج في تكثيف العبارة إلى سرد تفصيلي يتناول الجزئيات بالوصف والتحليل، شأنه شأن من «سلك طريقا بعيدا لما فيه النـزهة الكثيرة والفوائد العظيمة فيحصل في الطريق إلى غرضه من الفائدة على ما يحصل له بالغرض المطلوب «  .

           ويتجلى مما سبق أنّ الإيجاز والإطناب يقترنان باللفظ والمعنى، من حيث الكم والكيفية، ومن حيث تحديد جمالياتهما بالرجوع إلى مكونات ذاتية تتصل بالمبدع، فمن جهة علاقتهما باللفظ والمعنى يتضح الكم أساساً في تحديدهما، وينبغي أنْ ندرك أنّ التراث النقدي كان يفصل بين اللفظ والمعنى، ويتأتى هذا بسبب رؤية تجعل المعنى ثابتاً وسابقاً للفظ، ويكون الجمال البلاغي مقترناً بكيفيات التعبير المختلفة، ولذلك لاحظنا قيمة الإيجاز والإطناب من جهة علاقته بالمعنى من ناحية ، ومن جهة علاقته بالمبدع الذي يعمد إلى هذه الكيفية من التعبير دون غيرها من ناحية أخرى، ولعل هذا يتجاوب إلى حد كبير مع تصورات الرماني لأنه لا يغفل الخصائص الفردية ودور المكونات الذاتية، سواء في الإبداع أو في التلقي .

 

المحكم والمتشابه :

 

 توازن المعتزلة بين الدليل العقلي والدليل النقلي ـ القرآن والسنة ـ وهي لا ترى تعارضاً بينهما في النتيجة، بل إنها تؤكد تطابق الدليلين وتطابق المعرفتين العقلية والنقلية، وإنْ كانت تدلل في الوصول إليهما معتمدة المعيار العقلي أساساً .

           وقد واجهت المعتزلة إشكالية مفادها أنّ القرآن الكريم، وهو من جنس الكلام العربي، يشتمل على آيات محكمات وآخر متشابهات، والآيات المحكمات تعبر بكيفية تستقل فيه بنفسها في الإنباء عن المراد، ويتلقى الإنسان دلالتها دون إلباس أو غموض، ولكن الآيات المتشابهات لا تدل على المراد بهذه الكيفية من الوضوح، فهي لا تستقل بنفسها في الإنباء عنه، بل تحتاج إلى غيرها .

 ويتحدد التغاير ـ في أحد جوانبه ـ بين المحكم والمتشابه، في أنّ الآيات المحكمات توافق الدليل العقلي، وكونها خالية من المجاز، شأنها شأن الأدلة العقلية، » لا يجوز فيها مجاز، ولاما يخالف الحقيقة، وهي القاضية على الكلام، والتي يجب بناؤه عليها، والفروع أبدا تبنى على الأصول « ، ويضعنا هذا أمام مقارنة بين الدليلين العقلي والنقلي، فالأدلة العقلية » لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات «  في حين يكون الدليل النقلي ـ الكتاب والسنة ـ مشتملاً على المجاز، ويحتمل التأويلات، لأنّ فصاحة القرآن ـ وهي أعلى درجات الفصاحة ـ » لا تتم بالحقائق المجردة، وانه لابد من سلوك طريق التجوز والاستعارة « .

           ومن أجل هذا عمد المعتزلة إلى تأويل الآيات التي تعارض الدليل العقلي، أو تعارض المحكم الذي كشف الدليل العقلي عن إحكامه، وافترضت المعتزلة للآيات التي تقتضي تأويلاً ظاهراً وباطناً، فظاهر الآيات يعارض الدليل العقلي ويعارض الآيات المحكمة سواء بسواء، ولذا فلابد من حمل ظاهر هذه الآيات لتتوافق مع الدليل العقلي، ولذلك يقول الشريف المرتضى » فإذا ورد عن الله كلام ظاهره يخالف ما دلت عليه أدلة العقول وجب صرفه عن ظاهره ـ إنْ كان له ظاهر ـ وحمله على ما يوافق الأدلة العقلية ويطابقها، ولهذا رجعنا في ظواهر كثيرة من كتاب الله تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار والتشبيه أو ما لا يجوز عليه تعالى« .

           ويتضح من هذا أنّ قضية التأويل تأسست للوفاء بحاجات عقائدية آمن بها المعتزلة، فاستخدموا التأويل للكشف عن الآيات القرآنية التي يوحي ظاهرها بالتجسيم والتشبيه، ولذلك فهم »يحملون العبارات الدالة على التشبيه أو التي لا تليق بمقام الألوهية على تأويلات أليق وأبعد عن التشبيه « ، ويتحكم في هذا كله الدليل العقلي الذي أكثر المعتزلة من الإشارة إليه في عملية التأويل، وهو ـ في حقيقته ـ ليس مقتصراً على صرف ظاهر الآيات إلى ما يوافق الأدلة العقلية، ولكنه الأداة التي يصح من خلالها التسليم بمعرفة النقل والتأكد من صدقه، بمعنى أن تقدم الدليل العقلي سابق لمعرفة النص، بل إنّ » المعرفة بالله وبتوحيده وعدله لو لم يتقدم ـ الدليل العقلي ـ لم يكن نعلم أنّ القرآن حجة أصلا» .

           وقد أخضع المعتزلة النص القرآني لأدلة العقول، فصنفوا الآيات القرآنية إلى محكمة تتطابق دلالتها مع الأدلة العقلية، والى متشابهة يتعارض ظاهر دلالتها مع الأدلة العقلية، ولذلك أوجبوا ترتيب المحكم والمتشابه على هذه الأدلة ، ولذا أخذوا يطابقون بين المحكم وأدلة العقل، ويعمدون إلى تأويل المتشابه ليتطابق بعد التأويل مع العقل من ناحية، والمحكم من ناحية أخرى .

           والمحكم من ناحية الإبانة والتوصيل » يستقل بنفسه في الإنباء عن المراد «  فهو لا يحتاج إلى غيره، ومادام المحكم مستقلا بذاته في الإنباء عن المراد فهو محمول على ظاهره، ولا يحتمل إلا دلالة واحدة، أو بتعبير القاضي عبد الجبار » لا يحتمل إلا الوجه الواحد «  فهو يدل على ذاته بذاته، وليس محتاجاً إلى قرينة تسهم في الكشف عن دلالته، بخلاف المتشابه الذي لا يستقل في الإنباء عن المراد بنفسه، بل يحتاج إلى غيره، ولا تتم الإبانة عن المراد إلا من خلال التركيب الذاتي للمتشابه، وللقرينة التي تزيل الإلباس والغموض، وهذا يعني أنّ المتشابه ينطوي على دلالتين، إحداهما ظاهرة، ليست هي المقصودة، والثانية : باطنة وهي المراد التعبير عنها، ويميز القاضي عبد الجبار في هذا السياق بين نمطين أحدهما : » يعرف المراد به وبذلك الغير بمجموعهما، والثاني يعرف المراد به بذلك الغير بانفراده، ويكون هذا الخطاب لطفاً وتأكيداً «  .

           ويرى القاضي عبد الجبار أنّ المتشابه يختلف في نوعية القرينة وفي عددها، فقد تكون القرينة عقلية أو لفظية ، كما أنّ من المتشابه » ما يحتاج إلى قرائن ومنه ما يحتاج إلى قرينة واحدة«  ولا يعني هذا أنّ كثرة القرائن تقود إلى مزيد من الوضوح، فإنّ كثرت القرائن اتضح المراد، وإن قلت قل بمقدار قلتها، لأنه قد يظهر » الحال تلك القرينة وربما غمض « وتأسيساً على هذا أوجب المتشابه على المتأول جهداً وزيادة فكر، لأنّ المراد به » غير ما يقتضيه ظاهره «  ومن هنا اضطر المتلقي أن يتأمل الدلالة التي ينبغي أن يتأول في ضوئها ظاهر المتشابه .

           إذن فالمحكم هو ما خلا من الاشتباه في تحميله دلالة أكثر مما ينطوي عليه تركيبه، لأنه ظاهر لا باطن له فيما يرى ذلك الشريف الرضي فهو من هذه الناحية يبعد عن احتمالات يتضمنها تركيبه، ويبعد عن احتمالات تضاف إليه، لأنه يتميز باستقلاله الذاتي، ودال على معناه بذاته، دون حاجة إلى اشتباه أو احتمال آخر، في حين يكون المتشابه محتملاً وجهاً أو أكثر من التأويل والتفسير، وانّ باطنه يشتمل على دلالة واحدة، أو دلالتين، أو أكثر من ذلك بحسب الوجهة التي يوجهها المتأول .

           ويتحدد تأويل المتشابه بالقرينة، لأنه لا يعرف تأويله إلا بها، بل انّ المتشابه بمنـزلة المحكم بالقرينة، تماماً، كما أنّ » المجاز مع القرينة بمنـزلة نفس الحقيقة «  .

           وفي ضوء هذا كله فإنّ المحكم بدرجه الدليل العقلي من حيث القيمة والوضوح، لأنّ الدلالة التي ينطوي عليها المحكم يتلقاها الإنسان واضحة دون غموض أو إلباس يشوبها، وانّ الذات الإنسانية تتلقى النص المحكم دون أنْ تسهم في الإضافة إليه، ويرجع هذا لأنّ المحكم لا يحتمل إعمال الفكر في تأويل النص واحتمال الدلالات المتعددة، لأنه ظاهر لا باطن له، أما المتشابه فإنه يشتمل على إلباس وغموض، وإنه له ظاهر وباطن، ولابد أنْ يحكم بالأدلة العقلية التي تقود إلى تأويله في ضوء مقدمات محددة، ويشترط في المتشابه أنْ يقترن بقرينة عقلية أو لفظية واحدة أو متعددة، ليسهم إعمال الفكر في الكشف عن دلالته الباطنة المقصودة من خلال القرينة .

           إذن يعتمد المعتزلة الدليل العقلي في تحديد المتشابه وإزاحة الغموض عنه، وتتجلى قدرة العلماء في تأويل الآيات بل إنهم يتبارون ويتفاضلون في » استفتاح مبهما واستنطاق معجمها «  أما المحكم فإنه يمثل أصلاً يرجع أليه المتأوِل ولابد » أنْ يكونَ العلم بالمحكم أسبق ليصح جعله أصلاً له« ويمثل هذان البعدان ـ أقصد استخدام الدليل العقلي في التأويل وإرجاع المتشابه إلى المحكم ـ نوعاً في استدلال المعتزلي بالنص القرآني.

           وتتدخل ثنائية اللفظ والمعنى في تحديد دلالتي المتشابه الظاهرة والباطنة، إذ يرى المعتزلة أنّ المعاني ثابتة لا تزايد فيها، وأنّ التفاضل إنما يتم بالألفاظ، فتبين عن المعاني، أوْ لا تبين، وأنّ الاشتباه ليس قرين المعنى، وإنما هو مرتبط بالألفاظ، ولذلك افترض المعتزلة للمتشابه صورتين لفظيتين : إحداهما : ظاهرة تنطوي على التركيب المتشابه وقرينته، والثانية : صورة لفظية يقدرها المتأوِل، وانّ الدلالة الحقيقية المقصودة هي الدلالة المقدرة، ولذلك فليس هناك من اشتباه في الصورة اللفظية الثانية، فهي بدرجة المحكم، لأنها تدل على المعنى المراد توصيله، كما أنّ الصورة اللفظية الأولى ـ المتشابهة ـ تدل هي الأخرى على المعنى ذاته بوجود القرينة، فليس هناك اشتباه في المعنى، وإنما الصورة اللفظية الأولى موهمة، ويأتي دور المتأوِل فيزيل غموضها بإرجاعها إلى الصورة المقدرة، ولذلك لاحظنا أنّ القاضي عبد الجبار ينفي أنْ يكون الاشتباه في الآية القرآنية الكريمة من جهة المعنى، وإنما اشتباهها يكون من جهة اللفظ، وليس بمشتبه من جهة المعنى  .

           ويثير المتشابه معضلة تتصل بالدلالة وكيفية توصيلها فالمتشابه ـ دون شك ـ لا يدل على المراد بوضوح كما يدل عليه المحكم، ومن ثم فإنّ الغموض يلازمه، وتتم إزالة الغموض والإلباس بالتأويل عبر تحديد القرينة أو القرائن، وبهذا يتحول التأويل إلى أداة تزيل الغموض عن المتشابه وتقربه من المحكم ، ولذلك يلاحظ أنّ الشريف المرتضى يرى في المتشابه معنى مشكوكاً يعارض الأدلة العقلية، ويتعارض مع المحكم، فيحاول » أنْ يقضي على المعنى المشكوك فيه للفظ القرآن بروح علماء الكلام من المعتزلة، بحيث يقرر لهذا اللفظ عن طريق المعجم اللغوي دلالة تحول بادئ ذي بدء دون ذلك الشك «  .

           ولا يعني ما سلف أنّ المتشابه يشتمل على تعمية في الدلالة والتوصيل، وقد أثيرت هذه التهمة قديماً وردَّ عليها القاضي عبد الجبار مؤكداً أنّ التعمية في التركيب تعني عدولاً عن البيان، وليس المتشابه كذلك، بل إنّ القاضي عبد الجبار لا ينفي عن المتشابه ما أثير حولـه من تعمية فحسب، بل إنه يؤكد فسح المجال رحباً أمام المتلقي ليكون المتشابه اكثر توكيداً وإبانة من أساليب الأداء الأخرى  .

           ومما يتميز به المتشابه ـ في هذا السياق ـ أنه يشتمل على دلالات متعددة، بخلاف المحكم الذي يدل على ظاهر لا خلاف في ظاهريته، أما باطن المتشابه فتتعدد معطياته، وتتلون أبعاده، ولذلك فإنّ الشريف المرتضى يرى أنّ » أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق والموافقة لأدلة العقول«، إذن يغلب على المتشابه ـ بعد تأويله ـ أكثر من دلالة يكتنفها تركيبه، غير أنّ تعدد الدلالات ليس خارجاً عن الضوابط، فهو من ناحية محكوم بمطابقة الحق، وبموافقته لأدلة العقول من ناحية ثانية .

           وقد تأسس التأويل للوفاء بحاجات عقائدية تنفي عن الله صفات التشبيه والتجسيم، وعلى الرغم من أنّ التأويل يخضع للمقومات العقلية فإنه يتكئ على مقومات لغوية، بحيث يتم تأويل المتشابه ـ فيما يذهب القاضي عبد الجبار ـ » على مذهب العرب من غير تكلف ولا تعسف « ومن هنا جاء الحديث عن طريقة المعتزلة في التأويل «فهم يحملون العبارات الدالة على التشبيه التي لا يليق ظاهرها بمقام الألوهية على تأويلات أبعد ما تكون عن الإيهام بالتشبيه مع تدعيم ذلك بالأدلة اللغوية المستخدمة من الشعراء القدماء أو لغة العرب القدماء ».

           وقد أبدى الشريف المرتضى قدرة ومهارة في هذا السياق، » فكلما أمكن شرح تعبير كثير الاحتمالات من جهة العقيدة عن طريق علم مفردات اللغة على أنه مشترك لفظي، أو بوساطة الاعتماد على ظاهرة نحوية خاصة بذلك التعبير لا يجد نفسه مضطراً إلى الأخذ بالتأويل الحقيقي  وقد قدر الشريف المرتضى أنّ هذا أدخل في الفصاحة والبلاغة، كما أنّ القاضي عبد الجبار يعتبر أنّ الكلام يعمد فيه إلى تأويل المتشابه على مذهب العرب » أزْيَد في رتبة الفصاحة منه إذا كان محكماً «  .

           بقى أمرٌ أخير مفاده أنّ المعتزلة ذهبوا إلى الموازنة بين المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، وأنّ كليهما يؤديان الوظيفة الإعجازية، إذ لا يجوز أنْ يكون القرآن الكريم كله محكماً، أو أنْ يكون كله متشابهاً، ويفسر ذلك على أساس الوظيفة التوصيلية، لأنه لو كان على أسلوب واحد لقاد إلى تنفير المتلقي، ولذلك أشار القاضي عبد الجبار إلى أنّ القرآن الكريم لو كان جميعه محكماً » لكان إلى التنفير أقرب «  .

 

 

المجـــاز :

 

           من أجل فهم المجاز لابد من الإشارة إلى التواضع في اللغة، والإشارة إلى استعمال ما تواضع عليه الناس، فإذا استخدم اللفظ ليدل على المعنى الذي اتفق واصطلح عليه كان الاستخدام حقيقياً، أما إذا استخدم اللفظ بخلاف ذلك لعلاقة ما كان الأداء فنياً مجازياً، فالأداء النمطي الحقيقي يعني إجراء الكلام على أصل وضعه في اللغة، أو هو ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه من اللغة، أما الأداء الفني فهو » أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له في الأصل «  .

           ويمثل الأداء النمطي الأصل الذي يتأسس في ضوئه الأداء الفني متمثلاً في المجاز، وتتحدد العلاقة بينهما في أن ينحرف المبدع بالدلالة عن الأداء النمطي انحرافاً متعمداً لتأدية دلالات جمالية، وهذا الانحراف، أو الانتهاك المتعمد للأداء النمطي هو ما أطلق عليه القدامى » العدول « فابن جنّي ـ مثلا ـ يرى أنّ المجاز يقع » ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة « وكذلك القاضي عبد الجبار الذي يرى أنه يمكن في الحقائق » أن يعدل عنها إلى المجاز في كتاب الله «  .

           ولا يتأتى وجود المجاز دون حقيقة سابقة له، ولابد أنْ يشتمل على دلالة ذات وجهين، ظاهرة وباطنة، لأنه لو » لم يجز استعمال اللفظ إلا على وجه واحد فقد بطل المجاز أصلاً «  وهذا يضعنا أمام تشابك الدلالة واستقلالها في آن، فمن حيث تشابكها فإنّ العبارة تنطوي على دلالتين، وأما من حيث استقلالها فإنّ التركيبين المجازي والحقيقي يتجاوران، ولابد من إرجاع المجاز » الفرع « إلى الحقيقة » الأصل « ولا يمكن أن يكون المجاز مجازاً ولا تسبقه حقيقة، » لأنّ اللفظة لا يجوز أن تكون مجازاً ولا حقيقة لها، لأنّ التجويز باستعمال اللفظة في المجاز يقتضي أنّ لها حقيقة فوضعت في غير موضعها، وأفيد بها غير ما وضعت به « بمعنى أنّ الحقيقة تمثل المادة في ضوء التفكير المنطقي، ويمثل المجاز صورتها لا على نحو المطابقة وإنما على نحو النقل، أي نقلها من شكل ثابت إلى آخر متغير من جهة الدلالة، وهذا يعني أنّ المجاز إنما هو تغير في أبعاد اللفظة الدلالية.

           إنّ الحقيقة لها أسبقية الوجود من جهة أصل وضعها، ومن ثم استعمالها، فهي سابقة متقدمة، وغيرها ـ أي المجاز ـ لاحق متأخر، كما أنّ الحقيقة ثابتة مستقرة تحتفظ بأصولها التي لا تفارقها ولا تزايلها، فإذا كانت الحقيقة كذلك فإنّ المجاز غير موجود بذاته، وإنما وجوده كائن بغيره، فهو متأخر في الوجود، ولا يمتلك استقلاليته أو خصائصه الذاتية، وإنما يستمدها من الحقيقة السابقة عليه، كما أنّ المجاز قابل للتغير والتفاوت، بمعنى أنه متطور متغير لا ثبات له .

           وهذا يقودنا إلى تقرير حقيقة مفادها أنّ الأداء النمطي ـ الحقيقي ـ تتضح دلالته دون حاجة إلى قرينة، لأنه ظاهر لا باطن له، أما الأداء الفني ـ المجازي ـ فلا يمكن تحقيق وجوده وإدراك دلالته وفهم أبعاده ومعطياته إلا بقرينة تزيل الشبهة عن كونه حقيقة ، فابن جنّي ـ مثلا ـ يؤكد ضرورة توافر القرينة في المجاز ليتمايز عن الحقيقة، ويعد القرينة دليلاً يوضح الحال، أي حال كون الأداء دالاً على الحقيقة، أو دالاً على المجاز، وهذا يعني أنّ القرينة تمثل مؤشراً أو دليلاً يسهم في تحديد الفوارق بين ما هو حقيقي وما هو مجازي .

           وينطوي الأداء الفني ـ المجازي ـ على دلالات متعددة ويتضمن على نحو اللزوم ظاهراً وباطناً، أما ظاهره فمرفوض لدى المعتزلة لمعارضته الأدلة العقلية والأصول الفكرية، وأما باطنه فينطوي على إرجاع الأداء الفني ـ المجازي ـ إلى أصله النمطي ـ الحقيقي ـ إما بتقدير أو حذف أو تأويل ونحوها ، ولذا فإنّ الأداء النمطي ـ الحقيقي ـ يمثل » المستوى الأساسي والأولى ـ من حيث الوجود ـ وهو أصل التعبير المجازي ومرادفه الحرفي المباشر، وهو بمثابة المعنى الصحيح الذي يشير إليه المستوى الظاهري للصورة المجازية على جهة التضمن واللزوم «  .

           إذن فالعلاقة بين الحقيقة والمجاز علاقة مجاورة، لأنّ الحقيقة تمثل الأصل الذي يعدل عنه إلى الفرع ـ المجاز ـ كما هو الحال لدى ابن جنّي، أو أنّ المجاز نقل عن أصل إلى فرع لتأدية دلالة جمالية وبيانية كما هو الحال لدى الرماني، وهذا يعني أنّ الحقيقة تمثل الأصل الثابت المتقدم الذي يتفرع عنه المجاز، ويمثل الأخير خصوصية في هذا المعنى العام، وبذلك تمثل الحقيقة المعيار الذي تخضع له تأويلات المجاز، بل إنّ وجود المجاز لا يتحقق إلا بها، ولا يصح دراسة المجاز أو التمكن من تمثله وتلقيه إنْ لم نضع في الاعتبار كون الحقيقة مجاوراً آخر يوازيه أو يقاطعه، ويطل كل حين من ثنايا تركيبه، وجوانب دلالته .

           وفي ضوء هذه المجاورة الملزمة يفقد المجاز جانباً من ثراء الأداء المستقل لأنه لا يعدو »إمكانية من جملة إمكانيات يمكن إخراج المعنى على مقتضاها وينحصر دورها في تجميله أو إضافة بعض الخصوصيات كالتأكيد والمبالغة وما اليها بدون أن تؤثر في جوهره وتتفاعل معه تفاعلاً يغدو بمقتضاه في علاقة تأثر وتأثير بالصياغة «  .

           إنّ الأداء النمطي ـ الحقيقي ـ ينطوي على دلالة واحدة ظاهرة، في حين يدل المجاز على معنى ظاهر، ليس هو مقصود المتكلم، ويدل في الوقت ذاته على معنى باطن واحد في الأقل، وهو الذي يدل عليه التركيب اللغوي في ضوء وجود القرينة، لفظية أو عقلية، وهذا يعني أنّ هناك ثنائية دلالية لا تكاد تفارق المجاز، وهي في الوقت نفسه ثنائية تركيبية، ففي المجاز يتجاور تركيبان : أحدهما : ظاهري، والثاني : متخيل يُقدره المتلقي، ويمثل التركيب المتخيل المقدَّر الأصل الذي يفسر الظاهري، أما من حيث الدلالتين المتجاورتين، فإنّ الأولى ـ المجازية الظاهرة ـ تنطوي على لبس وغموض، أما المقدَّرة أو المتخيلة ـ أي الحقيقية ـ فهي التي تدل على المراد دون لبس، ولذا يضطر المتلقي إلى إرجاع الدلالة الظاهرة إليها، بحيث لا يتم إحضار إحداهما ـ اقصد الظاهرة ـ إلا بالأخرى، إذن فالظاهر يدل على الباطن، ويكتنفه ويحدد في الغالب أبعاده، كما أنّ الباطن موجود مع الظاهر، ولذا فإنّ المتلقي يقدره ويقيس عليه الظاهر، ومن ثم يفك غموض الظاهر ويزيل عنه اللبس.

          وتتجاوب هذه الثنائية من جهتي التركيب والدلالة مع المقولات المنطقية التي يصدر عنها التفكير الاعتزالي، فالمعتزلة ـ ومن تأثر بهم وأفاد منهم ـ يجعلون للمجاز أصلاً وفرعاً، وظاهراً وباطناً، وتتجلى دلالة هذه المكونات من خلال تتبع تحديد مفهوم المجاز، فقد أسلفنا أنّ ابن جنّي والقاضي عبد الجبار بن أحمد يؤكدان أنّ المجاز عدول عن الحقيقة، وأنّ الرماني يؤكد أنّ المجاز نقل عن الحقيقة، وسواء أكان المجاز عدولاً أم نقلاً فإنّ هذا يعني أنّ هناك أصلاً يعدل عنه أو ينقل منه إلى آخر، وهذه العملية التي يتم بها العدول أو النقل إنما هي عملية قياسية تجعل علاقة ما بين الأصل والفرع، ولابد من علة تربط وقرينة تمنع .

           ويتم العدول من الحقيقة إلى المجاز لتأدية دلالة خصوصية إضافية، ولذلك فإننا ـ فيما يرى ابن جنّي ـ » لا نترك الحقيقة إلى المجاز إلا لضرب من المبالغة، ولولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز «  وإذا كانت المبالغة تعني تكبير المعنى، أي إضافة دلالات ومعان أخر إلى التركيب أكثر مما ينطوي عليها في الأصل، فإنها من هذه الناحية أدخل في الفن، ومن هنا تتأتى أهميتها والعناية بها .

           وإذا كان المجاز يدخل بالدلالة أحياناً إلى المبالغة، والمبالغة تعني تكبير المعنى فإنّ هذا قد يكون موحياً بالكذب، وقد ورد هذا في التراث، مما قاد إلى رفض المجاز بحجة «أنّ المجاز أخو الكذب والقرآن منـزه عنه » وقد دفع هذا بابن قتيبة إلى الدفاع عن المجاز لأنّ اقتران المجاز بالكذب يعني إفساد أكثر الكلام لأنه » لو كان المجاز كذباً .... لكان أكثر كلامنا فاسداً، لأنا نقول : نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا، والفعل لم يكن وإنما كوّن« ، ومن هذه الزاوية أيضا جاء دفاع المعتزلة عما يوحيه المجاز من بطلان وغموض يكتنفان النص القرآني، كما أنهم يؤكدون أنّ العدول عن الحقيقة إلى المجاز ليس عجزاً في التعبير، وإلا لكان القرآن الكريم ممثلاً لهذا العجز لما يشتمل عليه من مجازات ، وإنما هو أحد ألوان الغنى والثراء في الأداء اللغوي ، فالمجاز ـ والحالة هذه ـ » ليس كذباً إنه يقوم على حقيقة، بيد أننا تجوزنا في دلالات الكلمات كي تعبر عن هذه الحقيقة تعبيراً خاصاً يحدث أثراً أقوى وأشد مما لو استخدمنا الكلمات استخداماً تجريدياً تبعاً لأصلها الذي وضعت له «  .

           ومن هنا تأتت العناية بالمجاز لأنه يؤكد قضية عقائدية لدى المعتزلة، مفادها نفي التشبيه والتجسيم عن الله، كما أنه ينطوي على جوانب جمالية عديدة ، وتتجلى مظاهر أسلوب المجاز أحياناً من خلال ضروب الحذف والاختصار، ولذلك ألفينا الشريف المرتضى يعنى بهذه الضروب، ويلزم إمكانية تقدير المحذوف في حالة كونه ظاهراً وإلا سيكون مختلطا بالحقيقة ، ولما كان المعتزلة يميلون إلى الفصل بين الأشياء والظواهر إلى درجة التحدد والوضوح فإنهم شغلوا كثيراً في وضع الفوارق بين الحقيقة والمجاز، وعمدوا إلى الفصل بينهما وتحديد أيهما اكثر فصاحة وبلاغة، ففي قوله تعالى » وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا «  يرى المعتزلة أنّ هذا تركيب مجازي حقيقته »وجاء أمرُ ربك « ويعد الشريف المرتضى التركيب القرآني أكثر أهمية وقيمة من الناحيتين الدلالية والجمالية لأنه » قلل بحذف بعضه ومعانيه بحالها«  .

           ولم يقتصر بحث المعتزلة على المجاز وطبيعته والفوارق التي تميزه عن الحقيقة، ولكنهم شغلوا أيضاً بالمعاني التي يخرج إليها المجاز، وتتحدد معاني المجاز عند ابن جنّي : بالاتساع، والتوكيد، والتشبيه، ويضرب لذلك مثلا بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في وصفه الفرس بأنه بحر، فهو يشتمل على معاني المجاز سالفة الذكر، فأما الاتساع فإنه » زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجواد ونحوها البحر « ، وأما التشبيه فإن » جريه يجري في الكثرة مجرى مائه « وأما التوكيد الذي يقرنه أحيانا بالمبالغة فإنه «شبه العرض بالجوهر وهو أثبت في النفوس منه« .

ويستشهد ابن جنّي لذلك بأمثلة عديدة منها قول الشاعر :

 

شكوتُ إليها حبّها المتغلغلا

 

 فما زادها شكواي إلا تدللا

 

فالمتغلغل في الأصل ليس وصفاً للحب، ولذلك عدل عنه إلى غيره، لأنّ التغلغل وصف «يخص الجواهر لا الأحداث « ومن هنا يأتي الاتساع، لأنه عدل بالوصف عن أصل ما وضع له، أما التشبيه فإنه » شبه ما لا ينتقل ويزول بما ينتقل ويزول « وأما التوكيد الذي قرنه هنا بالمبالغة فلأنه » أخرجه عن ضعف العرضية إلى قوة الجوهرية «  .

           وقد دفع هذا ابن جنّي إلى المقارنة الكمية بين الحقيقة والمجاز، إذ يرى أنّ الغالب في اللغة هو المجاز، وكأنه ينبئ عن ربط اللغة في نشأتها ببعد أسطوري، لأنّ اللغة لا تنفصل في أصل وضعها » عن اعتقاد الإنسان في الأشياء، وهو اعتقاد أسطوري، الغلبة فيه للمجاز لا للحقيقة، ومن ثم كان المجاز أسبق من الحقيقة «  .

           ويرجع ابن جنّي استدلاله بغلبة المجاز إلى التأمل العقلي، الذي أكد أنّ تفشيه وشيوعه سيلحقه بالحقيقة، أي أنه يفقد مجازيته بسبب التكرار المستمر إلى درجة لا نحس بأنه مجاز ـ فيما يقول اولمان ـ وفي هذا المعنى جاء القول التقليدي بان اللغة قاموس من المجازات التي فقدت مجازيتها بالتدريج  .

           وتأسيسا على هذا فإنّ ابن جنّي يوسع دائرة المجاز لتكون الأفعال، كل الأفعال، مجازاً لا حقيقة، معتمداً بذلك على ما يفيد الجنس من دلالة العموم، لأنّ الفعل » يفاد منه معنى الجنسية، فقولك : قام زيد، معناه : كان منه القيام، أي هذا الجنس من الفعل ... والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الآتي من الكائنات من كل من وجد منه القيام «.

           وتتأتى في مجازية الفعل المعاني المختلفة التي اشترط ابن جنّي توافرها في التركيب الذي يعدل فيه عن الحقيقة إلى المجاز، فـ » قام زيد « مجاز لا حقيقة، لأنّ زيداً لم يقع منه جنس القيام، ومن هنا تتأتى المعاني المختلفة التي يشتمل عليها التركيب المجازي لأنه يدل على » وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير «  .

           ويتجاوز ابن جنّي الفعل إلى الاسم، ويصدر عن التصور نفسه في أنّ الجنس هو الذي يخرج بالتركيب من الحقيقة إلى المجاز، ففي قولهم » خرجت فإذا الأسد « فإنّ التعريف ـ فيما يرى ابن جنّي ـ » تعريف الجنس، كقولك الأسد أشد من الذئب، وأنت لا تريد أنك خرجت وجميع الأُسْد « ويرى ابن جنّي أنّ هذا المثال يتضمن معاني المجاز : الاتساع والتوكيد والتشبيه » أما الاتساع فإنك وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد، وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر الواحد بأنّ جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة، وأما التشبيه فلأنك شبهت الواحد بالجماعة، لأنّ كل واحد منها مثله في كونه أسداً «  .

           وفي ضوء هذا يمثل المجاز لوناً من الثراء الدلالي، فهو يضيف إلى اللغة ويغنيها، ويمثل الاتساع أحد الوظائف التي يؤديها المجاز، بمعنى أنه يمثل خاصية من خواص التغير والتطور اللذين تخضع لهما اللغة في مراحل نموها العديدة، ولذا فالمجاز لا يتسم بطابع الثبات والتحدد ولكنه خاضع للتغير الذي تمر به اللغة على نحو من الأنحاء، لدرجة انه بتطورها يتحول بعض المجاز إلى حقيقة، إما لأنه يصبح مألوفاً بالتكرار، وإما لأنه يصبح ميتاً لا يستخدم، فيفقد إحساسنا بالدهشة بمقدار الفرق بين أدائه والأداء اليومي المعتاد .

           وعلى الرغم من أنّ المجاز أخذت دلالته الاصطلاحية في الضيق والتحدد في القرن الرابع الهجري، في بيئة المعتزلة فإننا نلحظ لدى ابن جنّي ـ في بعض جوانب تفكيره ـ رواسب المصطلح المجازي الذي ينطوي على لون من العموم كما هو عند أبي عبيدة في كتابه » مجاز القرآن « وكما هو عند الفراء في كتابه » معاني القرآن « ، كما أننا نلحظ ذلك بشكل أقل لدى الشريف المرتضى، وإنْ كان شقيقه الشريف الرضي يحذو في المجازات القرآنية والنبوية حذو أبي عبيدة والفراء .

           ويدخل ابن جنّي في المجاز كثيراً مما اصطلح عليه » شجاعة العربية « في الحذوف والزيادات والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف، وهو في تصوره هذا يقترب من التصورات السائدة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، حين كانت تحيط بالمجاز أبحاث لغوية عديدة، وهذا من شأنه أن يعيد إلى الأذهان اختلاط المجاز بغيره في مراحل نشأة مفهومه وتطوره عند أبي عبيدة والفراء والجاحظ وأضرابهم .

 

التشبيه :

 ( 1 )

 

           أما التشبيه فقد أولاه نقاد القرن الرابع الهجري جانباً كبيراً من عنايتهم، وكان للغويين دورهم فيه، وعلى الرغم من أننا لسنا حريصين على المتابعة لتطور تأصيل التشبيه، فإنّ حرصنا ينصب على الكشف عن مكونات التشبيه ورموزه ، ويتحدد التشبيه بأنه عقد تسهم أداة التشبيه بتحقيقه بين عنصري التشبيه، ويعني العقد » أنّ أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حس أو عقل «  أي عقد بين شيئين في القول، أو هو مقاربة بينهما في الهيئة أو الشكل، أو » دنو في المعنى، أي مقاربة واضحة بين الأشياء أو العلاقات التي تنتمي إلى عالمنا المحسوس« .

           ويمكننا تمثل التشبيه من خلال العلاقة بين عنصريه، أعني المشبه والمشبه به، وهما العنصران اللذان شغلا النقاد كثيراً ، ويمكن تصنيف العلاقة بين هذين العنصرين على النحو التالي :

-    المطابقة بين عنصري التشبيه .

-    المقارنة بينهما .

-    تماثل من بعض الوجوه بينهما .

           أما تشبيه المطابقة فيلمح إليه الرماني والشريف المرتضى، إذ يرى الرماني في التشبيه الحسي أن يقوم » أحدهما مقام الآخر « أو كونه » تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما ... كتشبيه الجوهر بالجوهر وتشبيه السواد بالسواد «  أو أن تكون المطابقة ـ فيما يرى الشريف المرتضى ـ في التشبيه الصحيح الذي يشبه أحد عنصري التشبيه الآخر » في أكثر أحواله « وإذا حصل هذا » فقد صح التشبيه ولاق به «  والمطابقة لا تعني أن يكون المشبه به هو ذات المشبه، لأننا سنكون إزاء الشيء ذاته، ولسنا أمام عنصرين لا بد أن يختلفا نسبياً، بل إنّ مفهوم المطابقة لا يدل على التوحد والاندماج .

           أما المقارنة بين عنصري التشبيه فهي أدون في الدرجة من المطابقة، بمعنى أن يتوافر عدد من الصفات أو الأحوال أو المعاني بين المشبه والمشبه به، إذ يتحقق التشابه من خلال المقارنة بين عنصري التشبيه وتماثلهما من جهة التصوير الحسي ومن جهة المعنى، وهذا هو الذي تحدث عنه الشريف المرتضى بقوله : » إن الشيء إنما يشبه الشيء إذا قاربه أو دنا من معناه « على أنّ هذا لا يعد المثال الذي ينشده الناقد لأنّ الأصل لديه أن تتم المطابقة بحيث يشبه الشيءُ الشيءَ الآخر » في أكثر أحواله « وعندها يقال » صح التشبيه ولاق به « .

           وإذن فالتشبيه ينطوي على علاقة مقارنة في الشكل ودنو في المعنى، وهذا يعني تلاقياً في حالة أو هيئة ونحوها، وهذا التلاقي يرجع ـ في الحقيقة ـ » إلى الأشكال والهيئات الخارجية ويقوم على ملاحظة نوع من النسبة المنطقية بين الأطراف المقارنة أكثر ما يقوم على ما يمكن أن نسميه بالتناسب النفسي الذي ينبع من المواقف والانفعالات النفسية التي يتشكل منها نسيج التجربة الشعرية « .

           وعلى الرغم من أنّ الجرجاني يحدُّ التشبيه في الوساطة بتماثل عنصري التشبيه بالصورة والصفة والحال والطريقة  فإنه يميل إلى تصور الشريف المرتضى، أي يجعل المطابقة تكاد تكون تامة بين المشبه والمشبه به، لدرجة تجعل » أحد الشيئين هو الآخر «، وهذا التصور ـ عند الجرجاني والشريف المرتضى ـ لم يُزلْ الفوارق بين عنصري التشبيه، إذ لا يزالان يحتفظان بخصائصهما وسماتهما المميزة، ولا يزالان قائمين، غاية ما في الأمر أنهما يتجاوران، وهذا يعني أنّ عنصري التشبيه » لا تتداخل معالمهما ولا يتوحد أي منهما أو يتفاعل مع الآخر، بل يظل هذا غير ذاك ومتمايزا عنه «  .

           وقد استخدم الجرجاني في وساطته المقاربة في التشبيه واحدة من المعايير التي يُفاضل فيها بين الشعراء، كما أنّ أبا أحمد العسكري أكد أهمية هذا النمط من التشبيه في أثناء تصنيفه لأنواع التشبيه، فمن التشبيه : المفرط، ومنه : المحتاج إلى التفسير، وهناك التشبيه المصيب والتشبيه المقارب .

           إن المطابقة غير التامة والمقاربة في التشبيه يقتضيان تماثلاً في عدد كبير من الصفات والأحوال والمعاني بين عنصري التشبيه، وهو دون شك يكلّف المبدع جهداً وعنتاً من ناحية، كما أنه يمثل من ناحية أخرى لوناً من السطحية التي تقتضي شبها تاما بين عنصري التشبيه لدرجة أنه لا يُبده المتلقي، ولا يزوده بجديد معرفة، حتى إنّ دلالاته الرمزية تكون ضامرة وهزيلة .

           أما تماثل عنصري التشبيه من بعض وجوهما فهو أغنى درجات التشبيه فيما يبدو، ويتجلى ذلك من خلال تماثل عنصري التشبيه بالصورة والصفة، أو بتماثل الحال والطريقة، فيما يرى ذلك الجرجاني، أو أن يتم التماثل بين عنصري التشبيه » لمعنى يجمعهما مشترك بينهما .... كتشبيه الشدة بالموت، والبيان بالسحر الحلال «  أو أن يكون تشبيه »الشيء بغيره من بعض وجوهه « فيما يرى ذلك الشريف المرتضى، ويرجع تأصيله هذا إلى العرب وعاداتهم في أنهم يشبهون » المرأة بالظبية والبقرة، ونحن نعلم أنّ في الظباء والبقر من الصفات ما لا يستحسن أن يكون في النساء، وإنما وقع التشبيه في صفة دون صفة، ومن وجه دون وجه «  .

           وإذا كان الشريف المرتضى قد أرجع التماثل بين عنصري التشبيه إلى طريقة العرب فإنّ أبا أحمد العسكري يرجعه إلى ما ألفه الناس، أو ما أخذوه عن أصل، كأن «يشبهون عين المرأة وعين الرجل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحد السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضة « .

           إنّ خضوع التشبيه للعرف والاعتياد يعني أنّ المقارنة والعقد ليسا مطلقين بحيث يمكن للشاعر أن يوقع الائتلاف بين الشيئين لمجرد تصور ذهني أو شكلي أو وجداني لديه، وإنما تقع المقارنة تحت تأثير العرف الاجتماعي، وإنّ التشبيه ينبغي أنْ يخضع لما ألفه الشعراء واعتادوا عليه، ولذا يخضع جمال التشبيه لهذا المعيار المتغير، ويُعدّ ما خرج عليه غريباً وقبيحاً مبتذلاً، وكأنّ العقل الجمعي قد ولد صورة للتشبيه درج عليها الناس، وأنّ الخروج عليها يعد خرقاً لقيمة إنسانية وجمالية في آن واحد، ولذلك لاحظنا الشريف المرتضى يعيب على من يشبه » الشعر الذي ابيض بعضه وباقيه أسود بالغراب الأبقع « ويعده من التشبيه المبتذل، أولاً : لغرابته وعدم تداوله، وثانياً : » لأنّ الشعراء قد شبهت الشباب بالغراب والغداق وأكثرت من ذلك، وما ورد تشبيه الشيب الممتزج بالسواد بالغراب الأبقع «  .

 

( 2 )

 

           وتتجلى وظيفة التشبيه عند الرماني في الخروج من الغموض إلى الوضوح، وتُمثل الإبانة الهدف الذي من أجله عقدت المقارنة بين عنصرين أو أكثر، ويكمن الغموض ـ مثلا ـ في معنى حسي، أو غير مألوف، أو ما لم يدرك بداهة، أو ما ليس له قوة في الصفة، ومن أجل الخروج من حالات الغموض هذه عقدت المقارنة بالتشبيه، للوصول إلى الحسي والمألوف والمدرك بداهة أو ماله قوة في الصفة، ففي الآيـة القرآنية الكريمة «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب ِ« قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، ويؤكد الرماني الوظيفة التعبيرية للتشبيه إذ يرى أنّ الصورة اكثر وضوحا بعد عقد المقارنة بين أعمال الذين كفروا والسراب.

           ومما يثير الانتباه أنّ الرماني قد أكد في التشبيه السالف على الجانب الحسي من ناحية، وعُني بوظيفة اللفظة من ناحية أخرى، فهو يدرك قيمة استخدام كلمة » الظمآن «، ويعي بلاغتها بالقياس إلى غيرها إذا استبدلت ـ مثلا ـ بـ » الرائي « لما له من علاقة بالأثر النفسي الذي تحدثه لفظة » الظمآن « ويؤكد الرماني أنّ كلمة » الرائي « بليغة في موضعها، وأبلغ منها » لفظ القرآن، لأنّ الظمآن أشد حرصا عليه وتعلق قلب به« .

           إنّ جمال التشبيه في الآية الكريمة قد تجلت أبعاده بسبب الخروج من غير المحسوس إلى المحسوس يقول الرماني : » وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة «فهو يعي أنّ التشبيه قد أدى وظيفة إيضاحية في تقريب الشبه بالحسي ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ يضفي أبعاداً أخرى، منها ما يتصل باللفظ، ومنها ما يتصل بالمعنى، فمن جهة اللفظ يتحدث الرماني عن الطرائق الحسنة التي تتناسق فيها الألفاظ مع علائق ذلك فيما يدل عليه النظم، وقد فطن الرماني إلى العلاقات التي تشد الألفاظ إلى بعضها، وهو ماتضمنه كلامه عن النظم وحسنه، ولكنه لم يغفل الألفاظ مستقلة عن بعضها، من حيث عذوبة اللفظة، أو من حيث المفاضلة بين كلمة وأخرى، كما هو الحال في مفاضلته بين الظمآن والرائي ، أما من جهة المعنى فيتركز في كثرة الفائدة وصحة الدلالة، فالكثرة تعني تكثيف العبارة لتدل على العديد من الدلالات، وتعني صحة الدلالة إصابة الحقيقة، وكأنّ الحقيقة ـ من هذه الزاوية في التشبيه ـ تعني مطابقة الواقع أو محاكاته .

           أما إخراج ما لم تجربه عادة إلى ما قد جرت به ففي قوله تعـالى : » وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «ويرى الرماني أنهما اجتمعا في معنى الارتفاع في الصورة، وأما تشبيه ما لا يعلم بالبديهة إلى ما لا يعلم بها، ففي قوله تعالى : » وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ «وقد اجتمعا هنا في العِظَم، وأما إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ماله قوة فيها فمنه قوله تعالى : » وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلَامِ « ويرى الرماني أنهما قد اجتمعا في العِظَم  .

           ويؤكد الرماني اجتماع عنصري التشبيه في صفة ما فهي » الهلاك وعدم الانتفاع والعجز عن الاستدراك لما فات « في قوله تعالى : » مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ«  ، أو هي » شـدة الإعجاب ثم في التغيير بالانقلاب «  في قـولـه تعـالى : » اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ « ، أو هي الاجتماع في الجهل بما حملا في قوله تعالى : » مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا « ، أو هي في الرخاوة والجفاف  في قوله تعالى : » خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ«  .

           ونلتقي بتصور آخر يجعل الخروج من الوضوح إلى الغموض أكثر بلاغة، ففي تحليل القاضي عبد الجبار للآية القرآنية الكريمة » طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ «  يتكئ على مذهب العرب في الرجوع إلى اللغة والاعتياد، أي ما اعتاده أهل اللغة، فهو يرى أنّ أهل اللغة إذا عرفوا في الجملة » أنّ خلق الشياطين فيه تشويه وفي الطبع عنه نفار، لم يمنع أن يزجرهم عن المعاصي بذكر النار وأطعمتها ويشبه طلعها بذلك « ، ويبدو أنّ مرد ذلك عائد إلى سيطرة فكرة وضوح المشبه به، لكي يخرج بالصورة التشبيهية من الغموض إلى الوضوح ، وقد تحولت هذه الصورة إلى مزية للنص القرآني، لأنّ الصورة الفنية التشبيه في هذه الأمور » يذهب القلب فيها مذاهب مختلفة لخروجها عن طريق المشاهدة «، ولذا فهي أكثر جمالاً وبلاغة .

           ويلتفت ابن جنّي إلى تصور آخر يختلف فيه عن الآخرين، حين يقرن بين طبيعة التشبيه من ناحية، وتأكيد الدلالة من ناحية ثانية، ونوع أداة التشبيه من ناحية ثالثة، فهو يرى أنّ هناك ثلاثة أنماط في التشبيه تتحدد دلالتها من حيث التركيب، ومن حيث استخدام الأداة على النحو التالي :

-    زيد كعمرو، وهي أدنى درجات المماثلة، وقد استخدمت فيها الكاف أداة للتشبيه .

-    إنّ زيداً كعمرو، وفي هذا النمط تأكيد الدلالة السابقة، أي تأكيد مشابهة زيد لعمرو.

-    كأنّ زيداً عمرو، وهذا النمط يفيد » المبالغة في توكيد التشبيه « فقد تقدمت أداة التشبيه » الكاف « في أول الكلام عناية بها في عبارة » إن زيداً كعمرو « » فلما تقدمت الكاف وهي جارة لم يجز أن يباشر » انّ « لأنها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل، فوجب لذلك فتحها فقالوا : كأنّ زيداً عمرو« .

           ولقد عني ابن جنّي بتغاير الدلالة في التشبيه سواء أكان في الاستخدام العادي أم في المبالغة فيه، ويبدو تأثر الدلالة بالتراكيب الأسلوبية المختلفة، وعلى الرغم من أنّ ابن جنّي فطن إلى تغاير الدلالة في التشبيه، وتغير مكان أداة التشبيه في التراكيب المختلفة ـ فإنه لم يستكمل هذا في درس يكشف فيه عن جماليات التشبيه ودلالاته ورموزه ومدى تأثيره النفسي والوجداني في المتلقي .

           ومادام الحديث عن أداة التشبيه فإنه من الجدير بالذكر أنْ أشير إلى أنّ الأمثلة التي استشهد بها الرماني في باب التشبيه كلها مقترنة بالأداة، ويغلب عليها أن تكون «الكاف« ماعدا ثلاثة كانت الأداة فيها »كأنّ«، ولم يشر الرماني إلى الفوارق بين استخدام هاتين الأداتين، في الأقل على صعيد التجاور والتقابل، أي تجاور عنصري التشبيه أو تقابلهما، ففي الكاف يكون عنصرا التشبيه متقابلين، وكائنين على جانبي الأداة، وفي »كأنّ« فإنّ عنصري التشبيه يتجاوران .

           أما القاضي عبد الجبار فلقد عني بأداة التشبيه استجابة لقضية عقائدية، ففي قوله تعالى : » لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « يرد على من قالوا إنّ هناك تناقضاً » لأنّ دخول الكاف على مثل يقتضي إثبات المثل، والنفي يقتضي ضد ذلك، لأنه لا يجوز أنْ لا يكون كمثله مثل، وهو مثل لمثله، لو كان مثل« ويوازن القاضي عبد الجبار بين » ليس مثله شيء « وقوله تعالى » لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « ويرجع إلى مذهب العرب في تعضيد رأيه، لأنه يرى«أنّ دخول الكاف في مذهب العرب يقتضي توكيد المثل « فهو » أبلغ من قوله ليس مثله شيء» .

           ومن الجدير بالإشارة أنّ أدوات التشبيه إنما هي أدوات وعي ووضوح وتعقل، فهي ـ من هذه الزاوية ـ تقرب الأشياء بعضها من بعض من حيث المماثلة، كما أنها في الوقت ذاته أداة فصل بينها، فهي تصلح للتعبير عن العالم الخارجي، وعن القضايا المنطقية، أكثر من صلاحيتها للتعبير عن الأبعاد الوجدانية .

           ولم يكن الأمر مقتصراً على أدوات التشبيه وحدها، بل إنّ التشبيه كله خضع لعملية عقلية صارمة، وبخاصة لدى ابن جنّي الذي تحدث عن التشبيه وكأنه قضية قياسية، ويعنى بها من خلال المقولات الأصولية : أصلاً، وفرعاً، وعلة، وقرينة، ويضع التشبيه تحت باب » غلبة الفروع على الأصول « ليضع العملية القياسية من حيث أركانها، ومن حيث تماثلها مع التشبيه إلى حد بعيد، وقد دفعت هذه المعالجة ـ سواء لدى ابن جنّي أو لدى غيره ـ أحد الباحثين إلى عد التشبيه لوناً من ألوان القياس غير المباشر فهو » أيسر أسلوب من أساليب الوعي وأكثرها وضوحاً وأدناها توغلاً في النفس، لأنه يقوم على المقابلة والاستنتاج ويؤدي إلى المعرفة بالأدلة والبرهان «  .

           وعلى الرغم من أنّ الشريف المرتضى يلتقي مع أبي أحمد العسكري في جعل العادة والعرف متحكمين أحياناً في الصورة التشبيهية فإنّ ابن جنّي يحولهما ـ العادة والعرف ـ إلى عنصري القضية القياسية والتشبيهية على السواء، ويجعلهما يتحكمان بالأصول، ويفرضان ضرورة مقايسة الفروع

عليها .

           ويظهر أنّ العرف والعادة قد تحكما في التشبيه إلى حد بعيد، بحيث درج الناس واعتادوا على تشبيه » أعجاز النساء بكثبان الأنقاء « بمعنى أنّ الكثبان تحولت في العرف الاجتماعي إلى أصل تقاس في ضوئه أعجاز النساء، وقد يقلب فيه الفرع أصلاً والأصل فرعاً كأنّ تشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وهذا القلب لعنصري التشبيه يقود إلى المبالغة في الدلالة لدى ابن جنّي .

           إنّ المبالغة تعني تغيراً في أماكن عنصري التشبيه، وليس تغيراً في طبيعة التشبيه أو ماهيته، غاية ما في الأمر أنّ المبالغة تولدت في قلب التعود، وتغاير المألوف، وهو لا يخرج في حقيقته عن الأصول المنطقية، ومن ثم فهو تغير شكلي يحافظ فيه ابن جنّي على طبيعة الصورة التشبيهية دون تغير في جوهرها ، إنّ ذا الرمة في قوله :

 

وَرَمْلٍ كأوراكِ العذارى قطعتُهُ

 

 إذا ألبستْهُ المظلماتُ الحنادسُ

 

قد قلب العادة والعرف حين شبّه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، بمعنى أنه جعل هذا المعنى »لأعجاز النساء وصار كأنه الأصل فيه «، وهذا يقود في أحد جوانبه إلى تأكيد أنّ الأصول والفروع ليس شرطاً أنْ تخضع لمقومات عقلية دائماً، فإنّ العرف والعادة يتحكمان في تحديد مواقعها أيضاً .

           وإذا كان عنصرا التشبيه ومقايسة الفروع لأصولها قد شغلت بعض النقاد، فإنهم قد شغفوا بتقسيمات أخرى للتشبيه، فمن جهة يتعدد التشبيه ويتوزع في عدة أنماط، تشبيه الشيء بالشيء الآخر، أو تشبيه شيئين بشيئين وهكذا إلى تشبيه ستة بستة، ويدل تعدد التشبيه ـ فيما يبدو ـ على قيمة جمالية من ناحية، ويدل على المهارة والبراعة من ناحية ثانية، وقد ألمح الشريف المرتضى إلى ذلك في أثناء تعرضه إلى تشبيه ستة بستة حين قال: » ولم أجد من تجاوز هذا القدر إلا قطعة مرت بي لابن المعتز فإنها تضمنت تشبيه ستة أشياء بستة أشياء « ، حيث يقول ابن المعتز :

 

بَدرٌ وليلٌ وغصنُ

 

وجْهٌ وشعرٌ وَقدُ

 

خمْرٌ ووردٌ وَدرُ

 

ريْقٌ وثغرٌ وخَدُ

 

أما تشبيه الواحد بالواحد فمثل قول عنترة بن شداد في وصف الذباب :

 

 هَزجا يحك ذراعَهُ بذراعهِ

 

 قدحَ المكب على الزناد الأجذمِ

 

وتشبيه شيئين بشيئين فمثل قول امرئ القيس :

 

كأنّ قلوبَ الطير رطباًً ويابساًً

 

 لدى وكرها العنابُ والحشفُ البالي

 

وتشبيه ثلاثة بثلاثة فمثل قول ماني الموسوس :

 

نشرتْ غدائرَ شعرها لتظلني

 

خوفَ العيون من الوشاة الرمقِ

 

 فَكأنهُ وكأنـها وكأننـــي

 

صُبحانِ باتا تحت ليلٍٍ مُطْبقِ

 

وتشبيه أربعة بأربعة فمثل قول امرئ القيس :

 

لهُ أيطلا ظبي وساقا نعامةٍ

 

وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تَتفلِ

 

 

وتشبيه خمسة بخمسة فمثل قول الوأواء الدمشقي :

 

وأسبلتْ لؤلؤاًً من نرجسٍ وسقتْ

 

 ورداًً وعضّتْ على العنابِ بالبردِ

 

           وقد عني أبو أحمد العسكري بأنواع التشبيه ويرى أنّ العرب تشبه على أربعة أضرب : تشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه  .

           وقد أغفل النقاد ما يمكن أن يتركه التشبيه من أثر دلالي من جهة التركيب، ومن جهة التأثير بالمتلقي، ومدى تعبيره عن موقف الشاعر من ذاته ومن العالم الذي يعيش فيه، ولكن النقاد قد شغلتهم قضايا شكلية كعنصري التشبيه، وأنواع التشبيه دون تجاوز ذلك ـ غالباً ـ إلى تحليل البنية الجمالية لماهية التشبيه، وعلى العموم فإنّ عنصري التشبيه يبقيان محافظين على خواصهما إلى حد بعيد، ويتأتى هذا بسبب درسهما المستقل عن السياق وفاعليته، والدلالات العميقة التي يولدها التركيب، ومن الملاحظ أنّ عناية النقاد قد اتجهت نحو الجوانب المنطقية والأبعاد العقلية التي تحكم قضاياه، وهذه العناية من شأنها أن تركز على الجوانب الشكلية دون تجاوزها إلى فهم أبعد لما يختفي وراءها، ولهذا يصح القول إنّ التشبيه لا يخلق المعنى ولا يحدث تغييراً في معاني الكلمات التي تنتمي إلى أسرته أو سياقه، وتمثل فاعليته باستمرار وجوداً منفصلاً عن السياق ومتميزاً عنه .

           إنّ هذا الفهم للتشبيه ينسجم مع طبيعة العقلية التي ترغب في رؤية الأشياء واضحة محددة، لأنه ـ أي التشبيه ـ يساعد على تمكين المبدع من عقد المقارنات الواضحة بين الأشياء المادية التي يشتمل عليها الواقع، أو مقارنتها بخصائص ومكونات معنوية، وتجذب المقارنة عناية الناقد إلى حد كبير، وتدفعه إلى التفكير بطبيعة المقارنة خارج العمل الفني، ولذلك فإنّ هذا الوعي يجعل وظيفة التشبيه ضامرة إلى حد كبير، في حين يمكن تجاوز ذلك إلى وعي يجعل التشبيه يؤدي دوراً في العالم الشعري بشكل أكثر جمالاً وتعقيداً وهذا في مجمله يعني أن تصور النقاد للتشبيه إنما يقلل من أهميته ودوره في التشكيل اللغوي للشعر من ناحية، ويقلل من دوره في التأثير في المتلقي من ناحية ثانية .

 

  

الاستعارة :

           واهتم النقاد بالاستعارة، وأولوها عناية فائقة، فالقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني يعدها » أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسع والتصرف « ويُشعرنا بأهميتها الخاصة ليلتقي ببعض التصورات التي ترى في الاستعارة عنصراً جوهرياً في الشعر، إن لم يكن الشعر ذاته يتأسس عليها، فمتى خلا الشعر منها لم يعد شعراً، لأنّ الاستعارة تمثل العنصر الثابت في الشعر، ويخضع ما سواها من مكونات الشعر للتغير والتطور والتبدل، بل إنّ الحكم على الشاعر أحياناً يتم من خلال استعراض استعاراته من حيث قوتها وجدتها وابتكارها، حتى إنّ أرسطو عدها دليلاً على العبقرية  .

           ويمثل النقل المحور المركزي الذي تعتمد عليه الاستعارة وقد فطن إلى هذا الرماني والجرجاني على السواء، فالاستعارة لدى الرماني » تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة « وهي لدى الجرجاني » ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار له للمستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر «  .

          وتتضح صورة النقل في الآية القرآنية » وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا « لأنّ الاشتعال لم يستخدم في أصل وضعه في اللغة للشيب، ولكن المعنى نقل إلى الشيب، لأنّ هناك تماثلاً وشبهاً بين النار السارية في الحطب، والشيب المنتشر في الرأس، إذن فهناك تحولٌ من ناحية إلى أخرى، سواء في حالة الإحراق أو في حالة تغير لون الشعر .

           وأول ما يطالعك به الرماني تأكيده أن أصل الاشتعال للنار، ثم يقدم لك حقيقة التركيب، وهو : » كثرة شيب الرأس، الا انّ الكثرة لما كانت تتزايد تزايداً سريعاً صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موقع في البلاغة عجيب، وذلك أنه انتشر في الرأس انتشاراً لا يتلافى كاشتعال النار «  .

           وفي ضوء هذا فإنّ هناك أداءين : أولهما : نمطي هو » كثرة شيب الرأس « وثانيهما : فني استعاري، وهو » وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا « وقد عدل عن الأول إلى الثاني لتأدية دلالات معرفية وجمالية، وقد زاد في الدلالة اتساعاً أنها لم تكن موجوداً في الأداء الأول، كما أنّ المعنى الأصلي » يصل اليه المتلقي عن طريق نوع من القياس أو الاستدلال الذي يقيس شيئاً بآخر، أو يتوصل إلى شيء عن طريق آخر، وإذا كان الأمر كذلك فإنّه ينبغي ـ لكي نغفل المعنى الأصلي للاستعارة ونستدل عليه ـ ان تكون ثمة علاقة عقلية واضحة تربط بين المعنيين، وتكون بمثابة دليل ييسر الانتقال من ظاهر الاستعارة إلى حقيقتها «  .

           ويعقد الرماني مقارنة بين ظاهر الاستعارة وباطنها، ويسعى إلى تحليل النص القرآني للكشف عن جوانبه الجمالية، ولذلك أكد أنّ التأدية الإستعارية أبلغ من الأداء الحقيقي، وكان يعلل ذلك بدلالات يستقيها من السياق ذاته، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : »بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق ٌ«فالقذف والدمغ ـ هنا ـ مستعار، وهو أبلغ، وحقيقته : بل نورد الحق على الباطل فيذهبه، وإنما كانت الاستعارة أبلغ لأنّ في القذف دليلاً على القهر، لأنك إذا قلت : قذف به اليه فإنما معناه ألقاه اليه على جهة الإكراه والقهر، فالحق يلقى على الباطل فيزيله على جهة القهر والاضطرار، لا على جهة الشك والارتياب، ويدفعه أبلغ من يذهبه لما في يدفعه من التأثير فيه فهو أظهر في النكاية وأعلى في تأثير القوة « .

           ويقود الحديث عن الإبانة والوضوح ـ بوصفهما بعض وظائف الاستعارة ـ إلى الإشارة إلى وظائف الاستعارة الأخرى، فقد تكون وظيفة الاستعارة مرتبطة بقضية توصيلية، أو قد تكون مجرد زينة خارجية، فالرماني يخضع الاستعارة ـ أحياناً ـ إلى توصيل بليغ يقصد منه مزيداً من الإبانة والإفهام، ويتجاوز ابن جنّي بوظيفة الاستعارة بعدها التوصيلي المحدود إلى المبالغة في التعبير عن القضايا والأشياء، في حين تنـزلق رؤية أبي أحمد العسكري والجرجاني ـ أحياناً ـ لتأكيد بعد شكلي يقصد منه التزيين، لأنّ تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر إنما يتم بالاستعارة كما قال الجرجاني  .

           ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الوظائف المتعددة يلتقي فيها التشبيه مع الاستعارة، لتأكيد وظائف الإبانة والمبالغة والتزيين، وهذا التلاقي في الوظائف يقترن به تلاق آخر من جهة طبيعة كل من التشبيه والاستعارة، وقد فطن الرماني إلى هذه العلاقة والتلاقي، ولذلك راح يقارن بينهما، ويرى أنّ الفرق أنّ » ما كان في التشبيه بأداة التشبيه فهو على أصله لم يغير عنه في الاستعمال، وليس كذلك الاستعارة لأنّ مخرج الاستعارة مخرج ما العبارة ليست له في أصل اللغة «  .

           إذن فالتشبيه إنما هو تركيب لغوي استخدمت فيه الألفاظ كما هو حالها في أصل الوضع، ويقصد منه عقد المقارنة بين الأشياء والظواهر والقضايا، أما الاستعارة فإنّ طبيعة النقل والعدول التي يتضمنها تركيبها إنما يقود إلى دلالات جديدة تتجاوز الدلالات في أصول وضعها المألوفة إلى معان مختلفة، ومن هنا يمثل النقل خاصية جوهرية ينطوي عليها التركيب اللغوي للاستعارة، وهو تركيب يتضمن في داخله دلالات لم تكن تشتمل عليها الألفاظ في أصل وضعها .

           ومهما يكن من أمر وظائف الاستعارة فإنّ مما يثير الانتباه أنّ النقاد لم يعنوا كثيراً بعناصر الاستعارة وتفريعاتها المنطقية، وإنما ركزوا جلّ اهتمامهم على وظيفة الاستعارة التعبيرية، والكشف عن العناصر التي يمكنها أن تسهم في الأداء والتوصيل، والكشف عن الفوارق في البلاغة بين جمال الأداء فيما إذا كان حقيقياً أو استعارياً .

           ولا ريب أنّ هناك تداخلاً بين التشبيه والاستعارة ففي التشبيه تتم المقارنة بين عنصري التشبيه لاقترابهما في لون التشابه والتماثل، ويحتفظ عنصرا التشبيه باستقلالهما وبخصائصهما النوعية، ليكون هذا غير ذاك، أما الاستعارة فإن التلاحم يتم بين عنصريها، لأنها في جوهرها تشبيه مختصر، وعلى الرغم من هذا التلاحم وكون الاستعارة نقل العبارة عن أصل وضعها في اللغة إلى أداء فني استعاري فإنّ التشابه فيها لا يختفي تماماً، ولكنه يصبح غير ملحوظ بدرجة ما من الدرجات، أو أنّ الفرق بين التشبيه والاستعارة يتحدد في أنّ » الاستعارة تعبر عن المقصود بالتضمين لا بالتصريح «  .

           وتلتقي الاستعارة بالتشبيه ـ لدى الرماني ـ في بعض العناصر والمكونات، فمن جهة الوظيفة يشتركان في التوصيل والإبانة ـ كما أسلفنا ـ ويلتقيان ـ أيضاً ـ في الجمع بين شيئين بمعنى مشترك، ويكمن الفرق في أنّ التشبيه حين يجمع بين شيئين بمعنى مشترك إنما يهدف إلى إيضاح أحد عنصري التشبيه بالآخر، سواء كان حسياً أو غير حسي، كما أنّ ألفاظ اللغة تستخدم ـ في تركيب التشبيه ـ فيما وضعت له في الأصل، وليست الاستعارة كذلك، فهي لا تدل في تركيبها اللغوي على هذا التمايز المنطقي والوضوح العقلي الذي يتضمنه التركيب اللغوي للتشبيه، وإنما يدل تركيبها على تعليق الدلالة من خلال اختصار التشبيه، وحذف بعض عناصره ومكوناته، ليقود الاختصار والحذف إلى تلاحم الدلالة وغموضها، ومن ثم يقود إلى جمالها .

           إنّ التركيب اللغوي للاستعارة ينطوي على بعدين أحدهما : ظاهري ويهدف إلى التأثير في المتلقي وفي مخيلته ووجدانه، وهو يعني أداءً فنياً لابد أن يسبقه أداءٌ نمطي يمثل الحقيقة، وثانيهما : الأداء النمطي الذي يتخيله المتلقي بوصفه أصل التركيب اللغوي للاستعارة، وهو ما اصطلح عليه القدامى بالحقيقة .

           وفي ضوء هذا لابد لكل استعارة من حقيقة تسبقها في الوجود وتختلف عنها في الأهمية والبلاغة »وكل استعارة فلابد لها من حقيقة، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة كقول امرئ القيس في صفة الفرس » قيد الأوابد « والحقيقة فيه : مانع الأوابد أبلغ وأحسن« كما أنّ الاستعارة الحسنة » توجب بلاغة بيان لا تنوب منابه الحقيقة، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة، كانت أولى به، ولم تجز الاستعارة «، وهذا يعني أنّ قضية التوصيل هي التي شغلت الرماني أكثر من غيرها من الوظائف، ولذلك فإنه لو استخدم تعبيراً يؤدي إلى البيان لما استحق أن ينوب عنه آخر لتأدية هذا اللون من البيان .

           ويميز الجرجاني في وساطته بين التشبيه والاستعارة، لأنّ التشبيه يقتضي عنصر المقارنة والتشابه بين شيئين بمعنى أنّ التشبيه يحافظ في تركيبه على دلالة الألفاظ كما هي على أصل وضعها في اللغة، كما يحافظ على عنصري التشبيه بالوجود مستقلين ومنفصلين عن بعضهما، ولذلك فهو يرفض بعض الأمثلة التي عدت استعارة، ومن هذه قول أبي نواس :

 

 والحبُ ظهرٌ أنت راكبُهُ

 

فإذا صرفتَ عنانَهُ انصرفا

 

ويرى أنّ معنى البيت » أنّ الحب مثل ظهر، أو الحب كظهر تديره كيف شئت إذا ملكت عنانه، فهو إما ضرب مثل أو تشبيه شيء بشيء «  .

           وتعني الاستعارة ـ لدى الجرجاني ـ » تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما أعراض عن الآخر «  فهو يضع قيوداً للاستعارة منها المشابهة التي تذكر بالتركيب اللغوي للتشبيه، وضرورة تأدية وظيفة توصيلية تنأى عن البعد والغموض في الدلالة، وقد أكد هذا بحيث يناسب المستعار له المستعار منه، ويمتزج اللفظ بالمعنى، دون أن يكون بينهما تنافر من جهتي » التناسب « و » الامتزاج « ولا يبدو في أحدهما إعراض عن الآخر.

           إنَّ تأكيد الوضوح وظيفة جوهرية للاستعارة له ما يبرره من جهة التركيب اللغوي للاستعارة الذي يقود بطبيعته إلى تشابك الدلالات، ومن جهة رؤية الجرجاني الذي يؤكد ضرورة الإصابة في التعبير » بأداء وسط « لا يغالي في تلاحم الدلالات وتشابكها، ولا ينحط فيعبر تعبيراً سوقياً مبتذلاً عن المعاني، ولذلك اقترب تصوره كثيراً من التشبيه وتبني دلالته وتراكيبه، وابتعد نسبيا عن الاستعارة، ولم يتقبل إلا ضروباً تتوافر فيها شروطه التي حددها لها، ويبدو أنّ هذا هو الذي دفع الجرجاني إلى أن يعد التشبيه من مقومات الشعر الجوهرية ودفعه أيضاً إلى التقليل من دور الاستعارة وأهميتها، يقول الجرجاني : »وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض «  .

           ولم يكتف الجرجاني بالمشابهة القريبة شرطاً للاستعارة ولكنه اشترط المناسبة بين المستعار له والمستعار منه، ليزيد في تمكين الأبعاد العقلية والمنطقية في دلالتها، وفي إيضاح العلاقة بين مكوناتها، وفي هذا يقرب الفجوة إلى حد ما بين الاستعارة والتشبيه خوفا من الغموض والإلباس، ويبدو أنّ الجرجاني لا يقصد الغموض بعامة، ولذلك ألفيناه في معرض دفاعه عن المتنبي يتبنى نمطاً معيناً من الغموض، وأكثر من هذا يجعل من هذا الغموض ميزة تسمو بالبيت الشعري على ما سواه، ومن الجلي أنّ الجرجاني يرفض الغموض الذي يولده تعقيد التراكيب كما هو الحال لدى الفرزدق في بيته الشعري المشهور:

 

 وما مثلهُ في الناس إلا مملكاًً

 

أبو أمهِ حي أبوه يقاربه

 

          وما عدا ذلك يتحول الغموض إلى قيمة مقصودة لذاتها وبخاصة في أبيات المعاني التي يستوي فيها القديم والحديث، يقول الجرجاني : » وليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر، ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر» .

           ويتصل الغموض ـ من زاوية أخرى ـ باستخدام خاص للاستعارة هو البعد في تركيبها وأدائها، والإفراط في استخدامها، ويرى الجرجاني أنّ الاعتدال والتوسط هو المعيار الذي يحدد من خلاله جمال الاستعارة أو قيمتها، كما أنه يستعين من ناحية أخرى بمذهب العرب، وبهذا يرجع إلى الموروث السابق فيجعله متحكماً في طبيعتي الأداء والوظيفة للتركيب اللغوي للاستعارة، فهو يرى أنّ الشعراء كانت تجري على طريقة معينة أو نهج محدد تقتصد فيه في استخدام الاستعارة » حتى استرسل فيه أبو تمام ومال إلى الرخصة فأخرجه إلى التعدي، وتبعه أكثر المحدثين بعده «  والملاحظ أنّ المعيار الذي يتقبل فيه الجرجاني نمطه الأوسط في الاستعارة لا يرجع إلى مقوم عقلي، وإنما يرجعه ـ هنا ـ إلى مقومات ذاتية تأثرية، لأنّ تمييز حسن الاستعارة من رديئها يتصل » بقبول النفس ونفورها، وينتقد بسكون القلب ونبوه « ولم يقتصر الجرجاني على هذا في إثبات نمطه الأوسط في الاستعارة، بل انه يرجع أحيانا إلى القديم ليوازن بين ألوان الاستعارة، كأنّ يجعل الشاعر للزمان فؤاداً وللريح لباً، أو أن يكون الدهر ـ مثلا ـ شخصاً متكامل الأعضاء، فالجرجاني في مجال المقارنة يستشهد بقول امرئ القيس :

 

فقلت له لما تمطّى بصلبه

 

 وأردفَ أعجازاً وناء بكلكلِ

 

ويجعله مثالاً في الاستعارة لا يصح تجاوزه إلى الاستعارة المفرطة، فامرؤ القيس جعل لليل«صلباً وعجزاً وكلكلاً لما كان ذا أول وآخر وأوسط مما يوصف بثقل الحركة إذا استطيل، وبخفة السير إذا استقصر، وكل هذه الألفاظ مقبولة غير مستكرهة وقريبة المشاكلة ظاهرة المشابهة، وإنما يحمل ما جاء من ألفاظ المحدثين وكلام المولدين زائلاً عن هذا الموضع وغير مستمر على هذه السنن «  .

           إنّ التشخيص في الاستعارة يحقق في أحد جوانبه توضيح الدلالة التي يريد الشاعر إيصالها، وهو لون من ألوان استخدام التركيب الدلالي الذي يشتمل على أبعاد حسية، شأنها شأن التشبيه لدى الرماني في تشبيه مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، بل انّ هذا اللون يقترب من النماذج الشائعة للاستعارة التي تستخدم الكلمات » ذات المعاني المادية للدلالة على المعاني المجردة « ، ويلفتنا أولمان إلى نوع آخر من الاستعارات » يعتمد على التشبيه في الشعور على جانبي الاستعارة، وفي نوع الإحساس بهما أكثر من اعتماده على التشابه في الخصائص الجوهرية كما في قولنا » تحية عاطرة « ... ومن هذا القبيل ما درجنا عليه من نقل الكلمات من أحد مجالات الحواس إلى مجال آخر، نحو » لون دافئ « و » صوت حلو «.

           إنّ الاستعارة في ضوء هذا الفهم تنطوي على دلالات رمزية مرتبطة بموقف الشاعر الوجداني، ولذلك فإنّ الصورة الشعرية ـ التي تمثل الاستعارة أحد أركانها ـ ليست منفصلة في الحقيقة عن المكونات الوجدانية للشاعر، ولذلك فالصورة وإنْ كانت تصويراً ينبئ عنه نظام متشابك من تضام الكلمات فإنها تشتمل في داخل هذه كله على عواطف المبدع ووجدانه.

           إنّ معالجة النقاد للاستعارة لم تكن قائمة على أساس التوغل في أعماق الظواهر والكشف الوجداني عن ماهياتها، قدر عنايتها بارجاع التركيب الاستعاري الفني إلى أداء نمطي، وبذلك تعاملوا مع التركيب الاستعاري بطريقة منطقية وهي طريقة تكشف عن العناصر التي تتألف منها الاستعارة بوصفها كيانات مستقلة ومنفصلة عن بعضها، وهذا يعني أنّ الاستعارة تختزل من سياقها اللغوي، وفي هذا تفتيت لأبرز الجوانب المكونة لها، ومن ثم دراستها بوصفها قضية منطقية .

           وقد مال النقد العربي إلى تبني النظرة التي تحدُّ من دور الاستعارة في التعبير عن الجوانب الذاتية للمبدع، أو تحدُّ من دورها في تشكيل جمالياتها ودلالتها من السياق اللغوي الذي يتضمنها ، ففي المثال الذي يسعى فيه القاضي الجرجاني إلى الدفاع عن المتنبي في أنه مال إلى التشخيص، يتوقف عند هذا الحد، ويضرب أمثله ويقدم نماذج لأدباء سبقوا المتنبي أو عاصروه، وقد قدموا استخدامات للاستعارة وهي تؤدي هذا الضرب من التصوير .

           إنّ القاضي الجرجاني ـ شأنه شأن أضرابه من النقاد ـ لم يستطع أن يتجاوز الدفاع إلى تأصيل علاقة التشخيص بالأبعاد الذاتية عند الشاعر، ومقدار تأثيرها في المتلقي، وهل كون التشخيص يمثل قيمة فنية ومعرفية أم أنه مجرد زينة شأنها شأن الاستعارة.

           إنّ التصور الذي ينظر إلى الاستعارة على أنها مجرد زينة في النص الأدبي إنما يدل على أنها شيء ثانوي وهامشي، بحيث نستطيع فصلها عنه دون أن تؤثر في ماهية الشعر هذا التصور تنقصه الدقة، لأنّ النص الأدبي بعامة والشعري بخاصة لا يمكن أن يتخلى عن الاستعارة، لأنّ تخليه عنها يعني قربه من الأداء النمطي، وهو دون شك أداءٌ ليس شعرياً .

 

الفصل الثالث

المقياس النقدي

 

لغة الشعر :

 

 (1)

 

          تمثل لغة القصيدة وجوداً موضوعياً يتم من خلاله التعرف عليها وإيصالها إلى المتلقي، فكما أنّ للنحت وجوداً موضوعياً يتمثل في كتلة الحجر التي مر عليها إزميل النحات فحولها بكيفية ما إلى تمثال، كذلك القصيدة لها وجود موضوعي، وهو وجود مكثف بالمعاني والدلالات التي يهدف الشاعر إلى إيصالها، ويقوم المتلقي بالكشف عنها أو الإسهام في توليدها، ويتمثل هذا الوجود الموضوعي باللغة التي صاغها الشاعر بكيفية معينة لتعبر عن موقفه من العالم والإنسان، فالقصيدة » بنية لغوية مركبة يكشف تفاعل عناصرها عن موقف الشاعر« .

           ومن الطبيعي أنْ يتفاوت توظيف اللغة في القصيدة عنه في ميادين المعرفة الأخرى، فإذا كانت ألوان المعرفة تسعى إلى تحقيق الكشف عن لون من الحقيقة بأداة منضبطة، فإنّ وظيفة اللغة تكون مجردة لغرض التوصيل، كما أنّ الحقيقة التي تسعى المعارف إلى الكشف عنها وتوصيلها هي حقيقة تنطوي على قدر من الثبات، غير أن للشعر حقيقته الخاصة، ومادامت وظيفة الشعر تتجه في أحد جوانبها إلى تزويد المتلقي بدراية ما بالواقع فإننا سنحتاج للشعر قطعاً في لون من الكشف، لأنها تكشف عن لون من المعرفة يتغاير عما يكشفه الشعر، فالشعر اذن أحد الوسائل التي لايمكن الاستغناء عنها لفهم العالم وأنفسنا على السواء.   

           وتتغاير ـ في ضوء ماسلف ـ الأداة المستخدمة في التعبير عن الوظائف المختلفة، لأن وظيفة الشعر ليست التوصيل، وإنما هي وظيفة المعارف والعلوم، وإذا تحولت لغة الشعر إلى وظيفة توصيلية فقدت خصائصها ومقوماتها، ولأن القصيدة الشعرية تتغاير عن ألوان المعرفة الأخرى الفلسفية والعلمية في أن القصيدة لاتسعى إلى إيصال المعرفة المجردة، وإنما تهدف إلى توصيل التجربة الإنسانية إلى المتلقي بطـريقة خاصة، سواء في فهم هذا الانفعال وفي نوعية دوافعه .

           ويضعنا الشريف المرتضى أمام هذا التمايز بين لغة الشعر وغيره من ألوان المعرفة، إذ يعي التداخل بين طبيعة اللغة من ناحية، وتأديتها الوظيفة من ناحية أخرى، ومن خلال هذين البعدين يمكننا تمثل لغة الشعر، لأن الإخلال بأحدهما يعني الإخلال بمفهوم الشعر ذاته .

           وفي ضوء هذا فإنّ مفهوم الشعر لا تتحدد عناصره دون وعي لوظيفة اللغة الشعرية، ودون وعي لطبيعتها، وهذا ما ألتفت إليه الشريف المرتضى في أثناء تعرضه للغة الشعر، مقارناً إياها ضمناً بلغة الفلسفة والمنطق، ويعي أن وظيفة اللغة لدى الفلاسفة ـ مثلا ـ تهدف إلى إيصال المعرفة مجردة، ولذا كانت لغتهم قائمة على أساس التحقيق والتحديد، بمعنى أن الوظيفة تتحكم إلى حد بعيد في تحديد ماهية اللغة، وما دامت الوظيفة التوصيلية هي التي يستخدمها الفيلسوف في إيصال الحقيقة إلى الآخرين، وما دامت هذه الحقيقة منطقية ومجردة فإنه من الطبيعي إذن أنْ يتعامل الفيلسوف مع اللغة بلون من التجريد يسهم في إيصال الحقيقة ممتزجة بلون من الضبط العلمي القائم على تحقيق المعاني وتحديد الألفاظ .

           ولا يهدف الشاعر بالضرورة إلى تحقيق هذا، وحتى المعرفة التي يسعى المعاصرون إلى تأكيد توافرها في الشعر فإنها تتمايز عن الحقيقة المنطقية والعلمية، لأنها حقيقة من نوع آخر، بحيث يمكن القول إنها حقيقة شعرية، ومادامت الحقيقة الجديدة تتغاير، وإن الكشف عنها ليس من أجل توصيل معرفة أو معلومة للمتلقي، فإنه لهذا كله تغايرت طبيعة اللغة لتتجاوز تحديد الألفاظ وتحقيق المعاني إلى غاية تشكيلية معينة، تنبئ عن موقف جمالي، وتنطوي على رؤية المبدع للعالم والإنسان وموقفه منهما .

           ولقد أدرك الشريف المرتضى هذه الخاصية في لغة الشعر، فالشعر لايستخدم اللغة لمجرد التوصيل، ولا يستخدمها لمجرد أن تدل الألفاظ على معانٍ محددة، وإنما تخرج اللغة لديه من تحقيق اللفظ على المعنى إلى » الاشارات الخفية والإيماء على المعاني تارةً من بعد وأخرى من قرب « ، وهذا يعني أنَّ هناك طريقةً خاصة في التعبير عن المعاني يعمد الشاعر اليها من خلال تشكيله اللغوي للقصيدة، وبهذا ينفي الشريف المرتضى التقرير المباشر في التعبير ويهدف إلى تشكيل لغوي »تحمد فيه الاشارة والاختصار والايماء إلى الأغراض وحذف فضول القول «  .

           إذن فالتغاير الوظيفي يحدد إلى حد كبير طبيعة التشكيل اللغوي للنص الأدبي، ويحدد تمايزه عن الأشكال الفنية والمعرفية الأخرى، ولذلك فإن تغاير وظائف الشعر عن النثر قاد إلى تمايز بين تشكيلهما اللغوي، ومدى ما ينطوي عليه كل منهما من دلالات جمالية .

           وتتميز لغة الشعر ـ فيما تتميز به ـ بطريقة خاصة في استخدام الألفاظ، وتتجاوز هذه الطريقة ـ من حيث البدء ـ التحقيق والتحديد اللذين تنطوي عليهما تأدية المعاني التي يقصد إليها الفلاسفة والعلماء، وحين تتجاوز الألفاظ ـ في القصيدة ـ التحقيق والتحديد إنما تهدف إلى تأدية جمالية تتكئ على الترميز والإيحاء، ويتضح هذا التجاوز من خلال وعي طبيعة الانتهاك اللغوي المتعمد للخروج في التشكيل اللغوي من الأداء النمطي إلى الأداء الفني .

           وتنطوي الألفاظ على دلالات محددة ومحصورة، ويعمد الشاعر في أثناء التشكيل اللغوي للقصيدة إلى الخروج بهذه الدلالات المحصورة إلى آفاق أرحب، وهذا يعني أنه يحقق انتهاكاً متعمداً لطبيعة الدلالة الثابتة للفظة من ناحية، ولطبيعة التركيب المألوف من ناحية ثانية، ويدل ـ في الوقت نفسه ـ على أن الشاعر يُضفي سمةً خاصةً على دلالة المفردة ذاتها، ويخرج بها عن معناها المعجمي المحدود إلى دلالة ثرية خاصة، وهذا كله يتولد من خلال فاعلية السياق الذي ولدته التجربة الانفعالية للشاعر.

           وإذا كان إيصال المعنى في المعارف والعلوم يتم بتحديد الألفاظ والتراكيب بعيداً عن زيادات جمالية، وتخلصاً من فضول القول، فإنّ لغة الشعر تؤدي دورها من خلال تشكيل خاص لطبيعة اللغة، وتدل على المعاني المقصودة بالإيحاء والإيماء والتأثير بالمتلقي من خلال الوعي واللاوعي على السواء، وهذا يعني أن لغة الشعر تتجاوز الطريق العلمي الذي تنطوي عليه لغة العلوم، وتخضع لمقومات ذاتية خاصة، بحيث تجعل هذا الأسلوب الشعري مختلفاً عن ذاك، ومتمايزاً عنه، ويعمد الشاعر من خلال تشكيله اللغوي إلى تزويد المتلقي بنمط خاص من الوعي والمعرفة، ويتم إدراك هذا بطريقة تتجاوز التقرير العلمي .

           ولقد تركزت عناية الناقد العربي بالكلمة بوصفها أصغر وحدة لغوية تنطوي على دلالة، ولقد جاءت العناية بالكلمات لأن القصيدة إنما هي تشكيل لغوي خاص يعبر عن تجربة إنسانية معينة، ولأنها أيضاً تنطوي على دلالات ومفاهيم، ويمكن توظيفها بكيفية معينة لتدل على نوع من الشعور ، ولا يتجاوز النقد العربي هذا التصور إلا من حيث الدرجة، لأنّ الألفاظ تمثل لدى الناقد العربي حجر الزاوية في تحديد لغة الشعر، ولذلك حددوا لها شروطاً، فمنها ما يتصل بالمعنى والكشف عنه، ومنها ما يتصل بالألفاظ ذاتها، ومنها ما يتصل بالمتلقي وأثرها فيه .

           ومما يثير الانتباه أنّ أبا أحمد العسكري يتحدث عن الألفاظ من حيث طبيعتها وجمالها، ومن حيث تأديتها لوظيفة توصيلية، ومن حيث تأثيرها في المتلقي، ولا يعني الجمال لديه إلا عذوبة الألفاظ، ويشاطره المرزباني في هذه الصفة، ويضيف إليه ألا يخلط الشاعر كلامه بألفاظ منطقية ، وهذا يعني أن لغة الشعر ينبغي لها أن تتسم بالعذوبة، وهو تعبير في حقيقته يشتمل على كثير من الغموض واللبس، لأن العذوبة بذاتها من حيث بعدها المادي عملية تذوقية، فهي ـ من هذه الزاوية ـ حسية وذاتية، وقد يتفق الناس على قدر معين في ضبط هذه الصفة في خصائصها المادية، غير أن تحديدها في مجال الفن يعسر كثيراً .

           إن جمال اللفظة لا يعود ـ في تصور النقاد ـ إلى علاقتها بسياقها، ومدى تأثير إحداهما بالأخرى، كما أنها لا تدل على قيمة بمقدار تأديتها الدلالية والجمالية الخاصة عبر تأدية دورها في التشكيل اللغوي للقصيدة، وإنما ترجع قيمة اللفظة وجمالها في آن واحد إلى خاصية جوهرية كائنة في اللفظة ذاتها مستقلة عن السياق، ومستقلة عن التجربة الشعرية، وهذا يدل على تصنيف ما للألفاظ خارج سياقاتها، وانّ بإمكان الشاعر والمتلقي على السواء أنْ يكشف عن هذه الميزة التي تنفرد بها ألفاظ دون أخرى، ولقد حدد النقاد » العذوبة « بوصفها خاصية تمنح اللفظة قيمة خاصة، غير أنّ هذا الوصف » العذوبة « وصف مضلل، وأقل ما يقال فيه أنه خالٍ من الضبط والتحديد .

           وإذا كان وصف العذوبة يخضع لمقومات ذوقية تأثرية تنبئ عن غموض ما في التشكيل اللغوي، أو تفسير عام تأثري أشار إليه الناقد، فإنّ أبا أحمد العسكري اشترط أن تكون الألفاظ خفيفة على السمع، ولعل هذا يرجع إلى تفسير صوتي يحاول الناقد أنْ يتجاوز فيه ثقل الوحدات الصوتية، وان خفة الألفاظ توحي بمكونات إيقاعية معينة، ولكن على الرغم من ذلك فإنه لم يدرك أن خفة اللفظة واستثقالها قد ترجع إلى كيفية تشكيلها في النص الشعري أحياناً .

           وفي ضوء هذا يرجع أبو أحمد العسكري لغة الشعر وقيمتها إلى بعد ذوقي وتأثري، وتكون ذاتية الناقد متحكمة في تحديد قيمة الألفاظ، ومما يثير الانتباه أن أبا أحمد العسكري يجعل الألفاظ تخضع لتأدية بعد توصيلي من ناحية، ولمعيار كمي من ناحية أخرى، لأن أحسن الألفاظ لديه »ما يزيد في كشف المعنى واختصاره بأقل ما يمكن من العبارة« .

           إنّ العناية البالغة بالألفاظ لدى الناقد العربي لها ما يبررها لأنها أول ما يَبدهنا بالقصيدة، فهي التي تطبع في إحساسنا أثراً نفسياً من حيث وقعها السمعي والتخيلي، أي في مدى تأثيرها الإيقاعي والتصويري فنياً، ومن الجدير بالإشارة أنَّ الجانب الإيقاعي للألفاظ أسبق من تأمل صورها ودلالتها، لأنه » حتى قبل أنْ نفهم الألفاظ فهماً عقلياً وقبل أنْ تكون الأفكار التي تحدثها هذه الألفاظ وتتابعها نجد أنْ حركة الألفاظ وجرسها تؤثران تأثيراً عميقاً مباشراً في نـزعاتنا «. وعلى الرغم من أن هذا التصور يعنى بتأثير الألفاظ وإيقاعها في ذات المتلقي، فإنّ المتلقي لا يدرك للألفاظ إيقاعا محضاً، بل تتداخل المكونات وتتفاعل مع بعضها لتترك أثراً ما في المتلقي .

           إنّ عناية الناقد بالألفاظ تمثل ـ أحياناً ـ غاية يسعى إلى إرسائها وتوظيفها، لأنّ القصيدة لا تعدو في النتيجة أن تكون أكثر من مجموعة من الكلمات المتضامة والتي تربطها ببعضها علاقات دلالية وتركيبية وجمالية، وهذا ما أطلقنا عليه التشكيل اللغوي للقصيدة، ولذلك ألفينا الناقد العربي يعنى بالألفاظ من حيث بناؤها الصوتي ومن حيث تنافر أصواتها أو تلاؤمها، ليخلص من هذا كله إلى تصنيف الكلمات إلى لونين : شعري، وليس شعرياً، وهو بهذا يرجع الخاصية الشعرية للكلمة إلى وجود مستقل عن السياق، أي أنها شعرية بذاتها لا بغيرها، ومن هنا جاء التفاضل بين الكلمات في تصور النقاد القدامى .

           وقد عزز هذا التصور نظرة الناقد التجزيئية التي تعنى بالجزئيات مستقلة عن انساقها وبنياتها، وهي نظرة عقلية ـ دون شك ـ تحاول أن تفض الاشتباك والتعقيد والغموض، كما أنها ترى ألا يتم البناء عبر تصور كلي تخضع فيه الجزئية، وإنما هو بناء يتم في ضوء تمثل حقيقي للجزئية التي سيتم تشييد البناء في ضوئها، وإن دراسة الجزئية إنما هو درس للبناء بالنتيجة مادام البناء حاصل مجموع الأجزاء .

           ويرجع هذا التصور في حقيقته إلى تصور فلسفي يحاول إرجاع كل شيء إلى جوهره، ومعرفة قيمة هذا الجوهر، وكأن القصيدة الشعرية تتمثل في هذه الزاوية الهامة ـ الكلمة ـ ولذا تركزت العناية بها، وبطبيعة بنائها، وقد أفاد النقاد من علوم العربية من حيث درس بناء الكلمة الصوتي والصرفي، وإرجاع ذلك إلى دلالات ثابتة .

           ويرى ابن جني ان للشعر كلمات تليق به فليس كل مفردة تصلح أن تكون شعرية، فهناك كلمات من حلو الكلام وعذبه وغيره لا يصلح لتأدية هذا الدور، إذن لابد أن ينتقي الشاعر كلماته ويتخير حلوها من رديئها، ولذلك عاب ابن جني على المتنبي جمعه كلمتي »الصيقلين « و » بابة « في قوله :

 

 

 

 

أرى مرهفاً مدهش الصيقلين

 

وبابة كل غلام عتا

 

لأن هاتين الكلمتين » ليستا من حلو الكلام ولا من مُطهّمه ولا من عذبه «وأرجع ابن جني هذا لأن المتنبي قد ارتجل هذا البيت من ضمن بيتين، ولذا فقد كان المتنبي ـ هنا ـ » قليل التخير للكلام، إذا عبر عن المعنى الذي في نفسه بأي كلام حضره فقد بلغ غايته، والكلام يختار كما يختار الجوهر « .

           ونخلص من هذا إلى أنّ العناية بالكلمة ترجع إلى نظرة غائية تجعل الكلمة هدفاً مقصوداً لذاته، وقد دفع هذا التصور النقاد إلى تقسيم الكلمات إلى كلمات شعرية وأخرى غير شعرية، دون أن يدركوا أن الكلمات لا تتضمن هذه الخاصية خارج السياق، بمعنى أنّ الكلمة لن تكون شعرية في إطار ثباتها المعجمي، وإنما تكون شعرية بالكيفية التي تتم بها صياغتها في سياق، وأنَّ السياق هو الذي يضفي عليها دلالة خاصة تتجاوز دلالتها المعجمية على نحو التخصيص أو التعميم، بل ان السياق يُضفي عليها حيوية وخصوبة .

           إنّ الكلمة في الأداء غير الشعري تدل على معنى محدد لأنها تخضع لأبعاد عقلية صارمة وتعرض فكرة عرضا منطقيا، وتسيطر عليها وظيفة التوصيل المقصود، ولكنها في الشعر تتجاوز هذا القصور لتشتمل على دلالات توحي بها أكثر مما تدل عليه إذا كانت في المعجم أو في سياق غير شعري .

 

 

 

 

( 2 )

 

 

           إنّ الناقد في تحديده لجماليات » المفردة « خارج السياق إنما يقوم بتصنيف ذوقي للكلمات المعجمية، ويخضع هذا التصنيف ـ في حقيقته ـ إلى عوامل عديدة، منها ما هو تأثري يتصل بالمقومات والخصائص الذاتية ـ الذوقية، ومنها ما هو خارجي يتصل بمدى استخدام » المفردة « بحيث يكون استخدامها المسرف في الواقع معيباً فيما لو استخدمت في الشعر، ويخضع للون من التطور التاريخي، كما تخضع من زاوية أخرى إلى تغيير المعايير، سواء أكان هذا التغيير مقترناً بسياقه التاريخي أم مستقلاً عنه، ولا نغفل ـ هنا ـ طبيعة بناء الكلمة ذاتها من حيث الأصوات التي تشكلها، وجمال هذا التشكيل أو قيمته، مما سبق تناوله .

           ومن الضروري التأكيد أن الناقد العربي لم يكن يعنى بربط المفردة بدلالتها، وكأن المعنى لا نقاش حوله، فهو الثابت الذي لا يقبل التفاوت والتغير، أما شكل اللفظة فهو ما يعنى به الناقد غاية العناية، ومن هنا جاء حديثهم عن لفظة عذبة وأخرى غير عذبة، وتحديدهم هذا لا يخضع في حقيقته إلى معيار محدد، وإنما يخضع ـ غالبا ـ لمقومات ذوقية، أصبحت جزءاً من مفهوم الأدب، وعلى الرغم من هذا فإنّ هذه المقومات يشوبها غموض المصطلح وشيوع دلالته .

           أما علاقة اللفظ بلون خاص من انفعال المبدع فلم يلتفت إليه الناقد ـ غالباً ـ لأن عملية خلق النص الأدبي أساساً من المناطق المحظور الحديث فيها، لأنه يقود إلى قياس القرآن الكريم بالمعيار ذاته، وهذا ما يتجافى الناقد الاقتراب منه، ولذلك اتجه الدرس كله إلى لون من الصنعة، وهي عملية يتفاوت في ضوئها الشعراء، ويمثل استخدام الألفاظ وانتقاءها أحد العناصر التي تميز شاعراً عن أخر، ولهذا فالشريف المرتضى يعيب استخدام لفظة » دعوة « في قول الشاعر :

 

 مجلسٌ ليس لنا فيه عيبٌ

 

 غير أنا في دعوةِ الأحلام

 

إذ يرى أن هذا البيت لا يهجنه » إلا لفظة » الدعوة « فإنها كلمة عادية قلما يستعملها فصحاء الشعراء« .

           ويقودنا هذا إلى أن هناك ألفاظاً تصلح لأن تكون شعرية، وغيرها لا يصلح لتأدية هذه الوظيفة، مما يعني أن الشعر لابد أن يكون له معجم لغوي خاص في إطار معجم اللغة، وان الشاعر لابد أن يقتبس صياغاته من هذا المعجم الخاص، وانّ الشاعر ـ لو ذهبنا مع النقاد في تصوراتهم بعيداً ـ حين يكثر من هذا المعجم الخاص في تشكيل قصيدته، يعني تسامياً في شعره، ورُقياً فنياً فيه، ولم يتجاوز الناقد العربي هذه النظرة تأصيلاً وإضافة، ولم يحدد عناصر هذا المعجم ومكوناته، غاية ما في الأمر أنه كان يعنى في الجانب الآخر الذي يقبل فيه مفردة ويرفض أخرى، لأن الأولى شعرية، والثانية ليست بشعرية .

           وتتحدد شعرية اللفظ بالرجوع إلى بعد صوتي ذوقي معاً، ويرجع التمايز ـ هنا ـ إلى تنافر الحروف أو تلاؤمها، ويبدو هذا معياراً يمكن أن يعزز قيمة المعجم اللغوي، غير أن الناقد كثيراً ما ينأى عن هذه السمة ليسرف في إطلاق أحكام عامة تعتمد الذوق في تقبل هذه المفردة دون غيرها .

          ومن الملاحظ أن قضية تنافر الحروف تخضع لتتابع زماني إيقاعي، أي أنّ البعد الصوتي السمعي هو المتحكم فيها، وهي بهذا خاضعة للون من العناية الشكلية الخارجية، ويغفل النقاد ـ من هذه الناحية ـ ما تشتمل عليه اللفظة من دلالة في ضوء سياقها، بل العكس إنهم يتأملون المفردات خارج سياقاتها، وكأنها جوهر متكامل مستقل .

           وفي ضوء هذا فإنّ جمالية اللغة الشعرية تخضع لعنصريين أساسيين، أولهما : أنّ الجمال منحصر في اللفظ لا يكاد يفارقه. وثانيهما : أنه جمال جزئي، بمعنى أن قيمة اللغة الشعرية لا تتركز في طبيعة المضمون، فهذا مفهوم عام يعبر عنه ثبات المعاني واستقلالها، ولكن الصياغات تعبر عن هذه المعاني بألوان متعددة ومتباينة، ويتأتى الجمال عبر هذه الكيفيات المختلفة من الصياغة، إذن فإنَّ القيمة الجمالية للغة الشعر تتمثل في اللفظة خارج سياقها، أي أنها جميلة بذاتها، وكأنها تمثل مفردة في معجم مستقل وتحمل قيمتها الثابتة سواء استخدمت في هذا السياق أو لم تستخدم .

           بقيت مسألة لابد من الإشارة إليها، وهي أن عناية الناقد في أحد جوانبها ركزت على الجانب الكمي من الألفاظ، وافترض هذا في الشاعر المحدث لما يعانيه من محنة عدم معايشة اللغة في مظانها كما كان يعيشها الشاعر القديم، ومن هنا اشترط القاضي الجرجاني رواية الشعر ركناً أساسياً يساعد الشاعر في تمكنه من تحقيق إبداعه، ويتوقف الناقد عند هذه الخاصية، إذ يرى أنّ الثراء اللغوي الذي يغترف منه الشاعر يمكنه كثيراً في الإبداع، على أن هذه الخاصية ليست هي الخالقة للنص الشعري، لأن » كمية الألفاظ التي في متناول الشاعر لا تحدد منـزلته بين الشعراء، وإنما الذي يحدد مكانته الطريقة التي يستخدم بها هذه الألفاظ «  .

           إذن فالألفاظ لدى الناقد العربي تمثل قيمة مستقلة بذاتها لما تتضمنه من جمال ذاتي، ولذلك فإنها متقدمة في الكشف عن الدلالة، وتنحصر عناية الناقد بشكلها وصياغتها، ولذا فإنّ الجرجاني يرى أن » روعة اللفظ تسبق إلى الحكم وإنما تفضي إلى المعنى عند التفتيش والكشف«.

           إنَّ الألفاظ خارج سياقاتها لا تعدو أن تكون مجرد أدوات يشار بها إلى الأشياء أو الأفكار، لأنه »ليس للكلمات في ذاتها صفات أدبية خاصة، ولا توجد كلمة قبيحة أو جميلة في ذاتها، أو من طبيعتها أن تبعث على اللذة أو عدمها، ولكن لكل كلمة مجال من التأثيرات الممكنة يختلف طبقاً للظروف التي توجد فيها« ، وهذا التصور هو ما افتقر إليه وعي الناقد العربي الذي ظل يختزل في الغالب الدلالة الجديدة التي يولدها السياق، ويضفيها على الكلمة، وكان همه الحفاظ على ثبات دلالة الكلمة بوصفها حجر الأساس في بناء القصيدة .

           وما ينطبق على الكلمات بأنها لا تشتمل على خصائص تميزها عن غيرها ينطبق كذلك على اللغة ذاتها، فليست لغة من لغات البشر تتسم بخصائص شعرية وأخرى تفتقر إليها، وإنْ كان نقادنا يذهبون إلى هذا التمايز، وهذا ما نلحظه بوضوح لدى ابن جني، ولدى أبي أحمد العسكري الذي يمنح اللغة العربية ميزة أكبر في شاعريتها لكثرة تصرف العرب في النثر والنظم والخطب ، والحق أنه لا توجد » كلمات شعرية وأخرى غير شعرية، وليست هناك » لغة شعرية « ـ أو شاعرة ـ وأخرى غير شعرية، إنما يتعامل الشاعر مع كلمات اللغة العادية لكنه لا يتعامل مع النظام العادي لهذه اللغة « .

 

 

 ( 3 )

 

 

           وتخضع لغة الشعر لمؤثرات خارجية تتدخل في تحديد قيمتها وجمالها سواء بسواء، ومن هذه المؤثرات خضوعها للأطوار الحضارية التي تمر بها الأمم، كما أنها تتأثر بطبيعة البيئة ان كانت حاضرة أو بادية، وقد فطن إلى ذلك ابن سلام الجمحي ففي حديثه عن لغة عدي بن زيد يرى أنها تختلف عن لغة شعراء البادية بسبب سهولتها ولينها، ويرجع ذلك إلى سكنه في الحاضرة، يقول : » وعدي ابن زيد كان يسكن الحيرة ويراكن الريف فَلانَ لسانه وسهل منطقه «، ويفيد القاضي الجرجاني من هذه الفكرة ويعمقها ويلفتنا إلى أثر الحضارة على لغة الشعر، ويتكئ على قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «من بدا جفا « حيث يقول : » وترى الجافي الجلف منهم كز الألفاظ، معقد الكلام، وعر الخطاب، حتى إنك ربما وجدت ألفاظه في صوته ونغمته، وفي جرسه ولهجته، ومن شأن البداوة أن تحدث بعض ذلك « فتعقيد الكلام وصلابة الألفاظ تتأتى ـ أحياناً ـ بسبب البداوة، ولذلك فالقاضي الجرجاني يرى أن شعر عدي بن زيد الجاهلي أسلس من شعر الفرزدق ورجز رؤبة الإسلاميين، » لملازمة عدي الحاضرة وايطانه الريف وبعده عن جلافة البدو وجفاء الأعراب « .

           وليس الأمر مقتصراً على شاعر دون آخر إذ يتحول الأمر لدى القاضي الجرجاني إلى قانون عام تخضع فيه القصيدة لطبيعة المرحلة الحضارية التي تمر بها، ولذلك فقد أخذ الجرجاني يقارن بين اللغة قبل الإسلام وبعده، وبخاصة في المرحلة التي اتسعت فيها ممالك العرب، ولذلك مال الناس فيها إلى اختيار اسهل الكلام وألينه، يقول الجرجاني : ولما »كثرت الحواضر، ونـزعت البوادي إلى القرى، وفشا التأدب والتظرف اختار الناس من الكلام ألينه وأسهله «  .

           ويعي الجرجاني ـ في ضوء هذا ـ تطور اللغة ونموها بنوع الطور الحضاري الذي تجتازه، لأنه لا يمكن لها أن تنفصل عن المرحلة الحضارية التي تمر بها، بل انها على العكس » تلتحم بصورة مباشرة متينة بالتطور التاريخي لتكوين الإنسان عضوياً وذهنياً، كما أنها الأداة الوحيدة التي يواكب نضجها تكوين المجتمعات البشرية ويحدد شروط بقائها «  .

           وإذا كانت الحضارة تمثل عنصراً مؤثراً في اللغة بشكل عام، وفي لغة الشعر بشكل خاص، فإنّ الطبع ـ وهو سمة داخلية ـ يمثل عاملاً تتمايز في ضوئه لغة الشعر، لأن أحوال الشعراء ـ فيما يرى القاضي الجرجاني ـ متباينة » فيرق شعر أحدهم، ويصلب شعر الآخر، ويسهل لفظ أحدهم، ويتوعر منطق غيره«، ويرجع القاضي الجرجاني ذلك إلى عصر ذاتي يتصل بالطبع والخلقة، ويقيم في ضوئه قانوناً تخضع له الألفاظ مؤداه: » انَّ سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة «  وكأن لغة الشعر خاضعة لهذا القانون، ومتأثرة بمعطياته، كما أن تحديد ماهية الشعر مرتبطة بخاصية ذاتية ارتباط المعلول بعلته، لدرجة انها تحمل سمات هذه الخاصية وملامحها، فالقاضي الجرجاني يصنف لغة الشعر تبعاً لتغاير الطباع في طبقات متفاوتة غير قابلة للتداخل والتقاطع .

           وإذا كان الجرجاني قد جعل الحضارة ـ وهي مؤثر خارجي ـ سبباً في التأثير في لغة الشعر وماهيته على السواء، كما قد جعل للطبع ـ وهو خصيصة داخلية ـ أثره في تحديد لغة الشعر وقيمتها، فإنه من ناحية أخرى يلفتنا إلى الأغراض الشعرية وأثرها في تحديد لغة الشعر من ناحية، وعلاقتها بصدق التجربة الشعرية من ناحية ثانية، ففي الغزل ـ مثلاً ـ يرى أن لغة الشعر ينبغي أن تتناغم مع طبيعة الغرض الشعري من حيث الرقة، فهو لا يقرن هذا بالطبع وحده، وإنما يشترط الصدق، وصدق التجربة ـ فيما يظهر لدى الجرجاني ـ تعني عيش التجربة نفسها في الواقع الاجتماعي، وينبئ الجرجاني عن ضرورة التفاعل والالتحام بين لغة الشعر والتجربة التي يمر بها الشاعر، ولذا فإنَّ » رقة الشعر أكثر ما تأتيك من قبل العاشق المتيم والغزل المتهالك فإنْ اتفقت لك الدماثة والصبابة وانضاف الطبع إلى الغزل فقد جمعت لك الرقة من أطرافها « وبهذا تتقاطع دماثة الطبع مع الغرض الشعري ليقود إلى الرقة من أرقى مستوياتها .

           ولا يقتصر الأمر على الغزل فإنّ الأغراض الشعرية الأخرى تتفاوت في خصائصها وكيفية التعبير عنها، ولا يمكن أن يكون التعبير في الفخر مماثلا للاعتذار ـ مثلا ـ ولذلك ينصح القاضي الجرجاني الشاعر بقوله : « فلا يكون غزلك كافتخارك، ولامديحك كوعيدك، ولاهجاؤك كاستبطائك، ولاهزلك بمنـزلة جدك، ولاتعريضك مثل تصريحك، بل ترتب كلاً مرتبته وتوفيه حقه، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت «. ولم يكن القاضي الجرجاني يهدف إلى تحديد طبيعة الأغراض الشعرية فحسب، وإنما يتحدث عن الخصائص التي تتمايز فيها لغة كل غرض عن آخر، لدرجة أن هناك تفاوتاً في أداء الألفاظ وطبيعة اللغة إزاء كل غرض شعري .

           وتمثل الحرب أحد المؤثرات في لغة الشعر، فالحرب تثير الكوامن وتدفع الشعراء إلى الإبداع، وقد فسر ابن سلام الجمحي كثرة الشعر في المدينة بسبب النـزاعات الدائرة بين الأوس والخزرج، ويفسر قلته في مكة لأنَّ قبيلة قريش لم يكن بينها وبين غيرها خصومة، يقول ابن سلام: » وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحباء نحو حرب الأوس والخزرج، وقوم يغيرون ويغار عليهم، والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم ثائرة ولم يحاربوا وذلك الذي قلل شعر عمان وأهل الطائف«  .

           ويتحدث القاضي عبد الجبار عن أثر الحرب في الفصاحة، وإذا كانت الفصاحة تتحدد في أحد جوانبها بالعلم، أي بمعرفة أفراد الكلمات وكيفية تضامها وتركيبها ومواقعها، إضافة إلى القدرة على تأدية هذه العلوم الضرورية، فإنّ الجانب الآخر يتركز في الجوانب الداخلية الانفعالية، وتمثل الحرب مؤثراً يحرك طبع الشاعر، يقول القاضي عبد الجبار » إن المتعالم من حال كثير من الفصحاء أنَّ حال الحرب تحرك من طبيعة في الفصاحة، ما يتمكن معه مما لولا الحرب لم يتمكن، وهذا معلوم من حال شعرائهم فيما كانوا يوردون في هذا الحال من الشعر والكلام «  إذ جعل حال الحرب مؤثراً في طبع المبدع، ومحركاً لمكامن الفصاحة، فكأن الفصاحة كامنة، وجاء مؤثر خارجي فساعد على تحريكها وإظهارها، ومن هنا يتجلى أنَّ إبداع النص الأدبي لدى القاضي عبد الجبار يحكمه » الطبع « بوصفه بعداً داخلياً، وهو بعد أساسي في تكوين الإبداع الأدبي وكيفية تشكيله، ويحكمه من ناحية أخرى أبعاد خارجية، وهي تمثل عوامل مساعدة في تحريك كوامن الفصاحة، وتمثل الحرب أحد هذه المؤثرات .

 

 

 ( 4 )

 

           ولا أريد أن أخلص من الحديث عن لغة الشعر دون التحدث عن الوضوح والغموض، فلو تتبعنا الرماني في تحديده للبلاغة أو للاستعارة للاحظنا تأكيد الوضوح والإبانة ، وإن هذين المصطلحين يتداخلان إلى حد بعيد، فكأن الإبانة الوجه الآخر للوضوح، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الرماني لا يجعل الإبانة هدفه الأسمى بحيث يقلل من قيمة غيرها، لأنه لا يخرج الإيجاز والقصر عن الأداء الفني الجميل وهما مشتملان على الغموض، كما أنَّ الغموض يفيض من ثنايا المجاز والمتشابه من الآيات القرآنية الكريمة، ولذا جاء الحديث عن ضرورة إظهار القرائن من اجل الكشف عن الدلالات .

           وينبغي أن نميز بين مصطلحي » الغموض « و » التعقيد « ونلحظ أنَّ القاضي الجرجاني يعي تماماً الفصل بينهما، إذ يجعل التعقيد منحصراً في الألفاظ، ويجعل الغموض متصلاً بالمعاني، وعلى الرغم من أنَّ هذه القسمة ليست سليمة تماما فإنَّ بها جانبا من الصحة، لأنَّ التعقيد يتصل بطبيعة الصياغة اللغوية فبيت الفرزدق :

 

 وما مثله في الناس إلا مملكاًً

 

 أبو أمه حي أبوه يقاربه

 

يشتمل هذا البيت على لون من التعقيد، وتتجلى دلالته انطلاقاً من إدراك طبيعة التركيب اللغوي ذاته » فبمجرد أن تحدد عائد الضمائر في هذا البيت تكون كل المشكلة قد حلت، ويكون المعنى قد اتضح تماما «.

           ويدرك الجرجاني أن الألفاظ مستقلة لا تدل على غموض أو تعقيد، وإنما يتولدان من جراء التركيب، ففي قول الأعشى :

 

 إذا كان هادي الفتى في البلا

 

 د  صدر القناة أطاع الأمير

 

يرى الجرجاني أن هذا البيت » سليم النظم من التعقيد، بعيد اللفظ عن الاستكراه، لا تشكل كل كلمة بانفرادها على أدنى العامة«  كما أنَّ هذا البيت لا يتأتى غموضه من تعقيد الألفاظ، كما هو الحال في بيت الفرزدق سالف الذكر الذي لو حلت مشكلة الصياغة لبانت دلالة البيت، ولكن بيت الأعشى يختلف عنه، إذ يرجع الغموض إلى قضية خارجية تتصل بطبيعة الحال التي دعت الأعشى إلى التعبير عنها، وهذا يعني أننا خرجنا من دائرة التعقيد إلى لون الغموض الذي لا يمكن تأدية دلالته إلا بوعي بعد خارجي، وكأننا إزاء لون من التأمل، ولذلك قال الجرجاني » فإذا أردت الوقوف على مراد الشاعر فمن المحال عندي والممتنع في رأيي أن يصل إليه إلا من شاهد الأعشى بقوله، فاستدل بشاهد الحال وفحوى الخطاب«  .

           ويخلص الجرجاني من التمييز بين التعقيد والغموض إلى أن شعر أبي الطيب المتنبي لم يخل منهما، ولا يعد هذا عيباً من الشعر لأنه » لو كان التعقيد وغموض المعنى يسقطان شاعراً لوجب أن لا يرى لأبي تمام بيت واحد، فإنا لا نعلم له قصيدة تسلم من بيت أو بيتين قد وفر من التعقيد حظهما، وأفسد به لفظهما ولذلك كثر الاختلاف في معانيه «  فالجرجاني يخلص إلى قضية مفادها أنَّ الغموض إنما يمثل قيمة في النص الشعري، شريطة ألا يتحول الغموض إلى غاية مقصودة لذاتها، ولذا فهو حين يدافع عن شعر المتنبي يرى أن معاني قصائده لا تزيد على غموض غيره من الشعراء، كما أن ألفاظه ليست معقدة تعقيد أبيات الفرزدق  .

 

 

 

 الإيقاع  :

 

 ( 1 )

 

 

           يمثل التكرار والتوقع الأساس الجوهري الذي يرتكز عليه الوزن والإيقاع، وقد أدرك الناقد العربي هذه الخاصية في الشعر في كون الوزن تكراراً للحركة والصوت، كما قد أدرك أثر هذا التكرار من حيث تتابع الوحدات الصوتية المنتظمة والمتتالية في الزمن كما هو الحال في البناء العروضي أو من حيث التماثل الصوتي في آخر كلمتين أو أكثر كما هو الحال في السجع، أو من حيث التكرار بصيغته الأولية التي تعتمد تكرار حرف أو كلمة أو جملة أو نحوها .

           إن التكرار يكتنف القصيدة بأسرها، فهو ينتظمها من جهة التتابع الصوتي في التفعيلات المنتظمة في البيت الشعري، ويتأسس هذا التتابع في ضوء أسس وأصول معينة، كما أنَّ القصيدة من حيث بنيتها تمثل تكراراً من نوع آخر تتكرر فيه وحدة البيت، وتتابع الأبيات الواحد تلو الآخر في أنساق معينة فضلاً عن تماثل إيقاعي يحتوي آخر كل بيت شعري مع الأبيات التي تسبقه والتي تليه مما يعرف بالقافية، وأخيراً يحتوي القصيدة تماثل شطري البيت ـ على وجه العموم ـ وهذا لون آخر من التكرار