مرايا وينابيع

تأملات نقدية في التراث والحداثة

 

  

الأستاذ الدكتور

كريم الوائلي

طبيعة الجمال بين الذاتية والموضوعية

 

 

          كان شعور الإنسان بالجميل أسبق من خلقه له ، فلقد انبهر الإنسان بمظاهر الجمال في الطبيعة واستمتع بها ، غير أنَّ صنعه للجميل جاء متأخراً عن مراحل الشعور والدهشة ، ومما لا ريب فيه أنَّ الجمال في الطبيعة لم يكن من خلق الإنسان ولم تتدخل فيه إرادته ووعيه ، غير أنَّ ما خلقه الإنسان في مراحل لاحقة في الفنون والآداب من جمال إنما هو خاضع لإرادته ووعيه ، إذن هناك جمال خارجي لم يتدخل الإنسان في صنعه ، وهناك جمال داخلي أبدعته الذات الإنسانية ، وهو خاضع لمعطياتها ومعاييرها ، ولا ينفي هذا الفصل بين الجمال الطبيعي والفني القوانين الكامنة في الجمال الطبيعي ، وإلا لو لم يكن هناك قانون يحكم الجمال الطبيعي لما استمتع الإنسان به وشعر بوجوده واندهش بمرآه ، غير أنَّ هناك سؤالاً يطرح نفسه : ما هو الجمال ؟ أي ماهي المكونات التي تحدد إنْ كان هذا الشيء جميلاً أو قبيحاً ، وهل هي خصائص قارة في الشيء الجميل أو قارة في الذات الإنسانية ؟ وبمعنى آخر ، هل يصح أن تطلق كلمة الجمال على الموضوع سواء أكان الإنسان موجودا أم غير موجود ؟ أي هل للجمال وإدراكه خاصية إنسانية توجد بوجوده وتنتهي بعدمه ؟ .

           ونلتقي في هذا السياق بتصورين متعارضين ، يرى أحدهما أنَّ للجمال وجوداً موضوعياً مادياً خارج الذات المدركة ، ويتمثل في الوجود المادي للموضوع الجميل وكيفية ترتيبه وتشكيله ، وما دام للجمال وجود موضوعي فإنه يمكن تذوقه والاستمتاع به ليس لدى مبدع الموضوع الجميل فحسب وإنما لدى الناس جميعا .

           ويرجع الجمال لدى التصور الآخر الى الذات الإنسانية فهي التي تحدد للجمال وجوداً في الخارج وهو في حقيقته انعكاس الذات على المظاهر الخارجية أو الفنية ، ويكون إدراك الجميل وتذوقه ، في هذه الحالة ، بمدى تأثيره بالمتلقي .

           ويشتمل الموضوع الجميل على عنصرين متداخلين :

-    أولهما : المادة التي يتكون منها الموضوع الجميل سواء أكان كتلة الحجر في النحت أم الأصوات في الموسيقى أم الألفاظ في الأدب .

-    ثانيهما : كيفية التشكيل ، أي التدخل الإرادي للإنسان الذي يعمل على تحويل المادة من كونها موضوعاً لا قيمة فنية له الى موضوع له قيمة فنية وجمالية ، ويلتقي الموضوع الجميل ، طبيعياً كان أم فنياً ، في هذه الخاصية وهي المادة والتشكيل ،ýغير أنَّ تشكيل الجمال الطبيعي قد تم عفوياً واعتباطياً ، ولكنه في الجمال الفني تشكيل مقصود عمد اليه الفنان بوعي وإرادة.

           ويتميز الجميل عن النافع بعدة أمور من حيث الحكم عليه ، إذ نقول عن النافع إنه حسن الصنع أو رديء الصنع ،ý في حين نطلق الحكم القيمي على الموضوع الجميل فنقول : إنه جميل أو قبيح ، وهذا يعني أنَّ الموضوع النفعي يدعونا الى أنْ نستخدمه دون أن نتذوقه ، في حين يكون الموضوع الجمالي مجالاً للتذوق ، ولذلك فإن اللوحة الفنية « لا تزيد في صلابة الحائط في شيء .... وأما هذا الكرسي الذي تجلس عليه فإنه قد يكون مريحاً دون أن يكون جميلاً على الإطلاق  »  وإذا انتقلنا الى تطبيق ذلك على الأدب وعلى لغة الأدب بخاصة لألفينا لغة النفع « لا تحمل أية دلالة فردية شخصية  »في حين أنَّ لغة الجميل لغة « شخصية تحدثنا عن صاحبها  » .

           ويبدو أنَّ هناك خصائص جوهرية لا بد من توافرها لتحديد ماهية الجمال وتتمثل في العناصر الآتية :

-    الإنسجام بين الجزئي والكلي ، ويتحقق ذلك من خلال العلاقة والتفاعل الذي تولد بين الجزئي والكلي ، لأنَّ الكل ليس حاصل مجموع الأجزاء وإنما هو علاقة الأجزاء وتفاعلها ببعضها في إطار الكل ، ويمكننا تمثيل ذلك بوحدة البناء ، وبخاصة بناء المسجد ، فإن هناك تناغماً وانسجاماً بين الحائط والمئذنة ، وانسجاما وتناغما بين كل مكون من المسجد وآخر في لون من التفاعل يشكل الوحدة النهائية الكلية للبناء .

-    التكرار بين الوحدة والتنوع ، أما التكرار فإنه يمثل جانبا آخر من الجمال ، سواء أكان حسياً بصرياً أم مسموعاً ، إن التكرار هو « إعادتك للوحدة التي بدأت بها على النظام المخصوص » والتنويع « هو أن تستبدل الوحدة بعد فترة بوحدة آخرى مباينة لها شيئا يسيراً، وتعيد هذا النسق فيما بعد » فالشبابيك في الجامع تتكرر بوحدات معينة ، وتقع بين مسافاتاها أبعاد متنوعة ، واعمدة الجامع تتكرر وتتنوع بينها مسافات مختلفة ، وكذلك الزخرفة خطوط ودوائر ورسوم تتكرر عبر مسافات معينة ، وكذلك الشعر تتكرر فيه أصوات موسيقية إيقاعية ، مكونة الإيقاع وتنوعه .

 

  

ماهية النص الأدبي

                              

          يحاول الأديب في أثناء إبداعه الشعري تقديم تجربته الانفعالية التي لا وجود موضوعي لها إلا بعد تجسيدها في تشكيل لغوي، ومن ثم فإن تذوقها وفحص عناصرها ومكوناتها يتم عبر هذا الوسيط اللغوي الذي يتميز بخصائصه الأسلوبية . أما ما يتم في ذهن الأديب في أثناء الإبداع وقبله فهو أمر لا يمكن للناقد تتبعه ما دام العمل الإبداعي لم يتشكل لغوياً، وهو الآخر له خصوصيته التي يعنى بها غير النقاد .

          ويبذل الأدباء جهوداً مضنية من أجل أن يكون النص الأدبي محيطاً بالتجربة الانفعالية ومعبراً عنها وشاملاً لجوانبها المتعددة، غير أن هذا لا يتأتى ـ في الحقيقة ـ إذ تتحول اللغة الى معيق يمنع الأديب من التعبير عن التجربة الانفعالية بما تنطوي عليه من كلية وشمول، ولذلك نلحظ شكاوى الأدباء التي تؤكد أن هناك عائقاً يمنع ما يريدون التعبير عنه، وما يسعون إلى توصيله، بحيث تكون التجربة واضحة وجلية وكاملة، وعندما يحاول الأديب يتشتت الوضوح ويتبدد التكامل .

          إن تجربة الأديب الانفعالية تجربة ذات طبيعة كلية تامة قبل تشكيلها اللغوي، يحس بها الأديب ويعيها ويسيطر عليها، وحين يعمد إلى تقديمها من خلال سياق «زماني/ لغوي » يضطر إلى إخضاع تجربته الانفعالية الكلية الشاملة إلى المحدد والجزئي، أي إخضاع الكلي إلى الزماني، لأن التشكيل اللغوي لا يتم وجوده إلا بترتيب الكلمات وانتظامها بكيفية معينة، فهي خاضعة لقوانين اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، ويحاول الأديب التحرك في إطار ما سبق خلقه، أي أنه يحاول تقديم تجربته التي تتسم بكونها مطلقة وكلية وفردية من خلال جبرية اللغة، أي من خلال جبرية مفردات وتراكيب لم يخلقها الأديب، وقوانين لم يسهم في تأسيسها أو توليدها، ولذلك يخضع الكلي والمطلق للمحدد والجزئي.

          وفي ضوء هذا فإن التشكيل اللغوي يظل عاجزا عن تقديم ما يروم الشاعر تقديمه، ولكنه مضطر على قبوله، لأنه ليس في إمكانه طريقة أخرى سوى تقديم هذه الصورة المعبرة عن عالمه هو، ولذلك يحس الأديب أن هناك بوناً بين تجربته الانفعالية وبين ما يقدمه في النص الأدبي بوصفه معطى يعبر عن هذه التجربة، وعلى هذا الأساس فإن النص يظل كياناً غير أمين للتعبير تماما عن تجارب الأدباء .

          إن الأديب في أثناء خلقه للنص الأدبي يتفاعل مع المفردات بكيفيات خاصة، أقول مجازا يتفاعل، ليس بوصفها أحجاراً، وإنما بوصفها مخلوقات، وكأنه يحاول إعادة خلقها من جديد، ومن ثم تتلون المفردات والتراكيب في ضوء : 1 ـ رؤيته، و2 ـ تجربته، وإن المفردة تشع وتوحي بإيحاءات خاصة لدى الكاتب، ولا يمكن لهذه الإيحاءات أن تتماثل أبداً مع إنسان آخر، بسبب المخزون النفسي ـ وهو مخزون فردي خاص قطعاً ـ ولما يتصل بهذا المخزون من رواسب فردية يتصل جزء كبير منها باللاشعور، إن حدثاً واحداً أمام شخصين يترك آثاراً متفاوتة فيهما، بسبب كيفية تفاعلهما معه من ناحية، وبسبب تفاوت العالمين الداخليين لهما من ناحية أخرى، ويرجع ذلك إلى تلك الكوامن القارة في أعماق كل واحد منهما، وهي التي تتفاعل مع الحدث، ومن ثم تؤثر في التعبير عنه.

          إن المتلقي يتفاعل مع التشكيل اللغوي، وليس مع تجربة الشاعر الانفعالية، وبما أن النص ليس أميناً في نقل هذه التجربة يحدث أول سوء فهم لتجربة الشاعر بسبب النص، أي بسبب التشكيل اللغوي، وإذا كان المبدع له خصوصيته في تجربته وكيفية إبداعه فإن المتلقي هو الآخر له خصوصيته الفردية وله كوامنه الخاصة القارة في أعماقه، وحين يلتقي بالنص فإنه يتفاعل بكيفية خاصة معه، إن أثر النص يتشكل ويتلون بحسب المثيرات اللغوية التي تترك إيحاءات خاصة لدى المتلقي، ومن ثم تخلق تجربة انفعالية جديدة لديه، وهي قطعاً ليست التجربة الانفعالية للأديب، إن المتلقي لا يتفاعل مع تجربة الأديب الانفعالية وإنما يتفاعل مع وسيط لغوي غير أمين في نقل تجربة الأديب، وأكثر من هذا أن المفردات والتراكيب عند الأديب في هذا النص توحي بإيحاءات خاصة، ولذلك اختارها هو، ولكنها عند المتلقي توحي بإيحاءات أخرى خاصة به ،لا يمكنها أن تكون هي بأي حال من الأحوال، ولذلك فإن تلقي التجربة الانفعالية الجديدة يبتعد مرتين عن أصل التجربة الانفعالية للأديب، إن كل قراءة للنص هي فهم جديد له، ولذلك فنحن لسنا إزاء نص واحد إلا بوصفه موجوداً فيزيقياً، ولكننا إزاء أعداد لا حصر لها من النصوص المقروءة، لأن القراءة تحول الوجود الفيزيقي إلى نص آخر، ليس هو الوجود الفيزيقي ـ قطعاً ـ وليس هو تجربة الأديب الانفعالية، وإنما هي تجربة جديدة للمتلقي أثارها النص، ومن ثم تتفاوت طبيعة النص بتفاوت المتلقين، وبتعددهم وتكرارهم .

 

2

 

          إن هناك قراءات متعددة تتفاعل مع النص، وكل واحدة تحاول التركيز على جانب منه، غير أن هذه القراءات يمكن تصنيفها إلى قسمين :قسم لا يرى في النص إلا وجوده اللغوي، وقسم : لا يرى فيه إلا كونه صورة لواقع اجتماعي، وكلتا القراءتين ليست سليمة ـ كما يقول أدونيس ـ إذ « لا تصح قراءة العمل الشعري بما هو خارج عنه، ولا بمجرد نصيته المحضة . فقراءته بعناصر من خارجه إلغاء له،وقراءته بذاته وحده إلغاء لتاريخيته أو لاجتماعيته . فليس العالم الشعري مجرد انعكاس نفسي ـ ذاتي، كما أنه ليس مجرد انعكاس واقعي ـ اجتماعي . إنه قبل كل شيء كشف، أعني أنه ليس وثيقة عن المعطى، وإنما هو اختراق وتجاوز».

          وعلى الرغم من ذلك فإن النص يتميز بسمات ثلاث : كليته، وعضويته، وتكامله، كما يشير إلى ذلك يوري لوتمان، وأن طبيعته لا تتحدد في مجرد ( جمع إلى للعناصر التي تؤلفه ) كما أن «تفتيت هذه العناصر كل على حدة يترتب عليه فقدان قوام العمل بأكمله، فكل عنصر لا يتحقق له وجود إلا في علاقته ببقية العناصر، ثم في علاقته بالكل البنائي للنص الأدبي ».

          وعلى الرغم من صحة إمكان دراسة النص ودراسة بنيته وفقا لقوانينه الداخلية فإنه ليس مستقلا أو منفصما عن بنى أخرى، تتوازى وإياه، أو تتقاطع معه، أو يتأثر بها : نصوص، وواقع، وذوات . إن وجود النص تحكمه مقومات داخلية تحدد زمانيته في إطار إبداعه وتلقيه على السواء، إذ لا يمكن إبداعه وتلقيه مرة واحدة بسبب زمانية اللغة، وانه لا وجود له إلا بها، وان الكشف عن بنيته، وهو مجرد فرض تجريدي، لا يعني الكشف حقيقة عن ماهيته .

          ولو تصورنا أن نصاً يتكون من مكونات جوهرية أساسية هي : أ، ب، ج، فإن هذه العناصر لوحدها لا يمكنها أن تحدد ماهيته، لأن تحديد ماهية النص وبنيته ليست مقتصرة على تحديد مكوناته الجوهرية التي لا يتم وجود النص إلا بها، فحسب، وإنما يتحدد في ضوء مواقع هذه المكونات وعلاقاتها ببعضها من ناحية، وبالبناء الكلي من ناحية أخرى .

 

 

 

          إن هذه الأشكال الثلاثة ليست واحدة على الرغم من أنها مكونة من العناصر ذاتها، غير أن مواقع هذه العناصر مختلفة، كما أن العلاقات التي تصل بين هذه المكونات مختلفة، ومن ثم تغير من ماهية الشيء، ولا ريب أن ترابطاً عضوياً بين هذه المكونات يحدد طبيعة النص، وان تغير أحد المكونات أو تغير موقعه، أو تغير علائقه يؤثر قطعا بالمكونات الأخرى، بمعنى أن ماهيته وبنيته تتأثران قطعا بهذه التغيرات، إن طبيعة المكون ستختلف إن أخرجت من سياقها إلى سياق آخر، فلو تصورنا أننا أخذنا صورة رأس حصان من لوحة فنية وأخرجناها من سياقها في هذه اللوحة الفنية ووضعناها في سياق لوحة أخرى لإنسان ـ مثلا ـ موقعا وعلاقة، لا ريب أن هناك تغيراً جوهرياً سيحدثه هذا العنصر في تحديد ماهية اللوحة وماهية بنيتها، ولو غيرنا موقع هذا المكون وعلاقته فإنه سيترك أثراً مختلفاً، ويكون التأثير بالغاً كلما كان الموقع الذي وضعناه فيه بالغ الأهمية، والعلاقة التي تؤديها مؤثرة . وهذا هو الذي أكده كلود ليفي شتراوس حين أكد « أن البنية ذات طابع عضوي، لأن علاقة العناصر المكونة لها تقتضي أن يكون تغيير أي عنصر مفضيا بذاته إلى تغيير بقية العناصر»  .

          وقد نبه إلى ذلك عبد القاهر الجرجاني في قوله : « لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجردة عن معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد أعمال فعل فيه وجعله فاعلا له أو مفعولا ... فقل في :

                             قفا نبك من ذكر حبيب ومنـزل

» من نبك قفا حبيب ذكر منـزل «ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها ؟ ».

          إن للنص خصوصيته واستقلاليته، غير أن المادة التي يتشكل منها النص ـ الكلام بالمنظور السوسيري ـ ليست مجرد مادة هامدة كالحجر أو اللون، ولكنها تتميز بأنها من صنع الإنسان ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي كما يرى رينيه ويليك ، وإذا كانت مواد الفنون الأخرى ـ كالحجر واللون ـ تظل خاملة من الناحية الاجتماعية حتى تقع في يد الفنان فإن اللغة « تتميز بفاعلية اجتماعية عالية »، وفي هذا السياق ينبغي إلا ينظر إلى النص الشعري بوصفه كيانا يتماثل في خصائص جزئية مع الموسيقى والنحت، ليس بسبب التغاير في المواد المستخدمة فحسب، وإنما بسبب طبيعة التشكيل أيضاً، لأن الكلمات ـ وهي مادة الأدب ـ على الرغم من أنها تشتمل على دلالات ومفاهيم معجمية، فإنها في أثناء التشكيل تتفجر دلالات جديدة ودلالات مصاحبة، وتولد أنماطا من الشعور، ويسهم التناوب والتكرار والتوازي ـ في الشعر بخاصة ـ في توليد دلالات مصاحبة وينبئ عن مستويات تعبيرية وانفعالية .

          إن النص لا يتكون بدون كلمات، والكلمات تتميز أولاً باستقلالها الموضوعي من حيث كونها تتألف من وحدات صوتية متضامة بكيفية معينة، وتشتمل على دلالة ما، مهما كان نوعها، في حدود وجودها المعجمي، أعني خارج أي سياق، وإذا كان القول بأنَّ استخدام هذه الكلمة في سياق جديد يعني إضافة إليها، بحيث تتلون دلالتها وفقا لعلاقتها، بما قبلها وما بعدها أولاً، وبسياق النص ثانياً، أو على حد تعبير فيرث « إن كل كلمة حين تستخدم في سياق جديد تكون كلمة جديدة » غير أن هذا لا يلغي الثوابت الكائنة في الكلمة التي تبقى محافظة عليها، مهما استخدمت في سياقات مختلفة، وان التغاير الكائن فيها يمكن تسميته بالمتغيرات التي تنتاب هذه الكلمات . هذا فضلا عن القول بأن «الكلمات المستقلة في قصيدة ليست مجرد رموز ضمن أوضاع سياقية، بل هي نفسها أيضا سياقات كل منها للآخر، يعدل كل منها للآخر وينضم كل منها للآخر لتثير استجابة متصلة »، إن معنى قصيدة ليس حاصل مجموع دلالات الكلمات مستقلة، بل هناك دلالات يولدها السياق، ويولدها إيقاع الكلمات، سواء أكانت في خصائصها الذاتية، أم في أثناء تضامها مع بعضها، أم بهما معا .

          إن التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطاً من الدلالة لا يمكن للكلمات ذاتها أن تؤديها إن أحدثنا تغيراً في تضامها الذي أرسيت في ضوئه، لأن للتقديم والتأخير والتجاور والمماثلة والمقابلة آثاراً لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدا عن سياقات، أو في إطار سياقات أخرى .

          وإذا كان دي سوسير قد حدد الكلمة في إطار بنيتين متلاحمتين معا هما : البنية الصوتية والبنية الدلالية، وهما متلاحمتان، ولا يمكن الفصل بينهما، فإن الإيقاع في حقيقته ليس وليد إحدى هاتين البنيتين،وإنما هو يتولد منهما معا، وعلى الرغم من ذلك فإن قيمة الكلمة الجمالية وطبيعة موسيقاها لا تحددهما هاتان البنيتان ـ الصوتية والدلالية ـ لذاتيهما، إذ يسهم السياق في تحديد جماليات الكلمة وإيقاعها، إذ يؤكد ويليك أن الكلمات ليس لها « في ذاتها صفات أدبية خاصة، ولا توجد كلمة قبيحة أو جميلة أو قبيحة في ذاتها أو من طبيعتها أن تبعث على اللذة أو عدمها، ولكن لكل كلمة مجال من التأثيرات الممكنة طبقا للظروف التي توجد فيها »، كما أن اللفظ القبيح كما يرى إليوت « هو اللفظ الذي لا يلائم السياق الذي جاء فيه »  ويؤكد عبد المنعم تليمة أنه ليست هناك «كلمات شعرية وأخرى غير شعرية، وليست هناك لغة شعرية ـ أو شاعرة ـ وأخرى غير شعرية، وإنما يتعامل الشاعر مع كلمات اللغة العادية، لكنه لا يتعامل مع النظام العادي لهذه اللغة ». إن جمال الكلمات أو قبحها ليس ذاتيا وإنما هو وليد موقعها في السياق، كما أن إيقاع الكلمة يتحدد في ضوء علاقاتها بما قبلها وما بعدها، من ناحية، وبموقعها قي سياق النص من ناحية أخرى .

          وعلى الرغم من ذلك فإن هناك ألفاظاً ثرية أو فقيرة في دلالاتها وإيحاءاتها، ويبدو بعضها أكثر دوراناً وتردداً وبعضها أقل وروداً، بسبب إمكاناتها الصوتية، وبسبب بعض القوانين اللغوية التي تتحكم بها، ويشير ويليك إلى هذه الظاهرة في أثناء تحدثه عن «كلمات ملساء مشذبة وأخرى وعرة غير مشذبة » وهذا يعني « أن بعض الكلمات نتيجة لطول الاستعمال قد أصبح مجاله أضيق من مجال غيره »  .

          وفي ضوء هذا فإن شعرية النص تتحكم فيه أبعاد متفاعلة، أعني : الخصائص الكامنة التي تشتمل عليها المكونات الصوتية والدلالية للكلمة، وموقعها في سياقها الدلالي والإيقاعي، بمعنى أن شعرية النص لا تنفرد بها خاصية واحدة : الكلمة بذاتها، أو السياق وحده، أو الإيقاع بمفرده، وإنما تتفاعل هذه المكونات جميعا . إن السياق لا يؤثر في تحديد دلالة الكلمة فحسب، وإنما يؤثر في استحضار هالة من المترادفات التي يوحيها السياق، وتتفاوت هذه المترادفات بحسب طبيعة السياق . ويسهم الإيقاع في التأثير في تحديد شعرية النص، ويؤثر في تحديد دلالة النص، ولذلك «فالموسيقى الشعرية تعتبر إحدى الوسائل المرهفة التي تملكها اللغة للتعبير عن ظلال المعاني وألوانها بالإضافة إلى دلالة الألفاظ والتراكيب اللغوية » ، كما أن الإيقاع الكلي للقصيدة يسهم هو الآخر في إضفاء دلالات مرافقة ومصاحبة للتشكيل اللغوي للنص .

          إن النص لا يتكون بدون كلمات، والكلمات تتميز أولا باستقلالها الموضوعي من حيث كونها تتألف من وحدات صوتية متضامة بكيفية معينة وتشتمل على دلالة ما، مهما كان نوعها، في حدود وجودها المعجمي، أعني خارج أي سياق، وإذا كان القول بأن استخدام هذه الكلمة في سياق جديد يعني إضافة اليها بحيث تتلون دلالتها وفقا لعلاقتها بما قبلها وما بعدها أولاً، وبالسياق للنص ثانياً، أو على حد تعبير فيرث « إن كل كلمة حين تستخدم في سياق جديد تكون كلمة جديدة »  غير أن هذا لا يلغي الثوابت الكائنة في الكلمة التي تبقى محافظة عليها، مهما استخدمت في سياقات مختلفة، وان التغاير الكائن فيها يمكن تسميته بالمتغيرات التي تنتاب هذه الكلمات . هذا فضلا عن القول بأن (( الكلمات المستقلة في قصيدة ليست مجرد رموز ضمن أوضاع سياقية، بل هي نفسها أيضا سياقات كل منها للآخر، يعدل كل منها للآخر وينضم كل منها للآخر لتثير استجابة متصلة )) ، إن معنى قصيدة ليس حاصل مجموع دلالات الكلمات مستقلة، بل هناك دلالات يولدها السياق، ويولدها ايقاع الكلمات، سواء أكانت في خصائصها الذاتية، أم في أثناء تضامها مع بعضها، أم بهما معا .

          ان التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطا من الدلالة لا يمكن للكلمات ذاتها أن تؤديها إن أحدثنا تغيرا في تضامها الذي أرسيت في ضوئه لأن للتقديم والتاخير والتجاور والمماثلة والمقابلة وغيرهما من شأنها أن تحدث آثارا لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدا عن سياقاتها، أو في اطار سياقات أخرى .

          ولو تأملنا الآية القرآنية الكريمة « وقيل يا ارض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين » يقول رجاء عيد « نشعر أن لحرف العطف حركة متلاحقة وسريعة متدفقة وحاسمة وتتابع خاطف أشبه بموج متلاحق لا نكاد تدرك الفارق أو التفاضل بين موجة وسواها ».

          ولعل في كلمة « أيضا » ما يساعد على فهم ذلك، فإنها في الاستعمال العادي لها دلالة ضامرة تفيد التوصيل ليس غير، كأن تطلب وأنت على مائدة الطعام : من فضلك اعطني قدحا من الماء أيضا . إن هذه الكلمة « أيضا » لا تدل على أكثر من أنك تطلب شيئا آخر ولكنها عند أبي نؤاس في قوله:

 

ولستٌ بقائلٍ لنديمِ صدقٍ
 تناولها وإلا لم أذقها
واحبسها الى ان يشتهيها
وإن مد الوساد لنوم سكر
 

 

وقد أخذ النعاس بمقلتيه
فيأخذها بغمزة حاجبيه
وآخذها برفق من يديه
دفعت وسادتي أيضا اليه

 

 

تحمل دلالة أخرى، لا يمكن أن تكون نفسها التي ألفيناها في السياق السابق « إن عمل الكلمة في سياق فني ليس هو عملها نفسه في استخدامات الحياة اليومية »  ولذلك فإن كلمة أيضا ليست كلمة رديئة أو حسنة، كما أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى ليست شعرية « ليس ثمة كلمات سيئة أو كلمات جيدة، هناك كلمات في مواضع رديئة أو مواضع جيدة ».

          إن للواو العاطفة دوراً دلالياً وجمالياً في آن واحد، فهي تخلط المعطوف بالمعطوف عليه، بحيث لا يبقى قيمة لمتقدم على متأخر، فيشتركان في القيمة، كما أنّ واو العطف «يمكن أن تؤدي وظيفة جمالية « يعذب » فيها الأداء ويحلو، وبخاصة أنّ السياق ينبئ عن لون من الانبهار والإعجاب في المثل الذي استشهد به ابن جنّي لتعزيز رأيه في قول أحد الشعراء :

 

إذا ما ظمئتُ إلى ريقه
وأين المدامةُ من ريقه

 

 

جعلت المدامة منه بديلا
ولكن اعللُ قلبا عليلا

 

يقول ابن جنّي : « ولو قال : « أين المدامة من ريقه »لم يكن له ماء الواو ولارونقها».

 

ماهية الشعر في التراث النقدي

الخصائص الشكلية والنوعية

 

      

لقد شغلت الخصائص النوعية للشعر الدارسين قديماً وحديثاً من أجل الكشف عن قيمة الشعر ووظيفته ، وتتداخل لدى النقاد أبعاد وظيفية مختلفة ، منها ما يتصل بلغة الشعر بوصفها مميزاً لماهية الشعر ، وأنها تمثل أحد المكونات النوعية التي تحدد ماهية الشعر ، ومنها ما يتصل بخصائص خارجية تعنى بمجرد التراص للوحدات الصوتية إحداها جنب الأخرى ، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى خصائص تنأى عن الأبعاد المعيارية العروضية إلى الكشف عن جوهر الشعر أو محاولة الاقتراب منه  .

          ويتحدد التمايز من خلال التماثل والاختلاف بين جنسي الشعر  والنثر ، فهما على الرغم من التقائهما في مادة الكلام الأساسية ، أي الألفاظ والمعاني ، وكيفية توليفهما في كلام فإنهما مختلفان من حيث الخصائص الشكلية من ناحية ومكونات الإبداع الداخلي للتجربة الشعورية للشاعر من ناحية أخرى .

وقد أدرك النقاد العرب أن هناك تمايزا بين الشعر والنثر من حيث الماهيات والوظائف، إذ يتحدد الشعر بوصفه فنا أو صناعة تستقل بذاتها عن النثر ، ويتميز الشعر بخصائص يمثل  الإيقاع الذي يتأسس عليه الغناء أبرزها ، ولما كان الغناء يتأسس على الشعر فإن قيمة الشعر تبدو واضحة فيما  يتركه من أثر في المتلقي ، لأنه يجمع بين المتعة والفائدة ، وتتبدى المتعة في « تنبيه النفس واجتلاب الطرب » ، في حين تتبدى الفائدة في «  تفريج الكرب ، وإثارة الهزة ، وإعادة العزة  » .

          ويتأرجح تحديد الشعر والنثر بين بعدي العقل والحس ، ويتفاوت النقاد في موقفهم من الشعر والنثر بحسب مواقفهم المعرفية فأبو حيان التوحيدي يفضل النثر  لأنه يعلى من أهمية العقل ، ويقدم لذلك أسبابا يتصل بعضها بوحدة النص النثري لان  « الوحدة في النثر أكثر ، والنثر إلى الوحدة أقرب ، فمرتبة النظم دون مرتبة النثر لأن الواحد أول والتابع له ثان  ».ويتأتى هذا بسبب مخاطبة الشعر الحس ، لأن  «ألفاظه الموزونة تتوجه إلى السمع قبل توجهها إلى العقل » .وإذا كان الشعر والنثر يمثلان صورتي الكلام ـ كما يذهب إلى ذلك التوحيدي فإن الفوارق تكمن في ملمحي الوزن والقافية ، إذ يتسم بهما الشعر ، ويفتقر إليهما النثر ، لأن مادة الشعر الأساسية فيما يرى الحاتمي « اللفظ والمعنى والوزن والتقفية  » ، وهو يقترب من تعريف قدامة بن جعفر الذي يتحدد بكونه « قول موزون مقفى يدل على معنى  » ولا يعني هذا إصدار حكم قيمي ، لأن جوهر الشعر لا يتحدد بهذين المكونين الشكليين ، وقد فطن إلى ذلك قدامة بن جعفر ، حين جعل هذه المكونات الأربعة مادة للشعر وتحديدا عاما له ، فقد يكون شعرا حسنا أو قبيحا أو على حد تعبيره « يحتمل أن يتعاقبه الأمران ».

وإذا كان الشعر والنثر يمثلان صورتي الكلام ـ كما يذهب إلى ذلك التوحيدي فإن الفوارق تكمن في ملمحي الوزن والقافية ، إذ يتسم بهما الشعر ، ويفتقر اليهما النثر ، لأن مادة الشعر الأساسية فيما يرى الحاتمي « اللفظ والمعنى والوزن والتقفية »، وهو يقترب من تعريف قدامة بن جعفر الذي يتحدد بكونه « قول موزون مقفى يدل على معنى  »ولا يعني هذا إصدار حكم قيمي ، لأن جوهر الشعر لا يتحدد بهذين المكونين الشكليين ، وقد فطن إلى ذلك قدامة بن جعفر ، حين جعل هذه المكونات الأربعة مادة للشعر وتحديدا عاما له ، فقد يكون شعرا حسنا أو قبيحا أو على حد تعبيره « يحتمل أن يتعاقبه الأمران ».

          ولا يختلف عنهما نقاد آخرون أو بلاغيون أعطوا هذين البعدين ميزة خاصة ، فالرماني ـ مثلا ـ يرى أن أحسن الشعر ناتج من «  إقامة الوزن ، ومجانسة القوافي ، فلو بطل أحد الشيئين خرج من ذلك المنهاج ، وبطل ذلك الحسن الذي له في الأسماع ، ونقصت رتبته في الإفهام  » ، وهذا يعني أن المعول عليه في تحديد ماهية الشعر يرجع إلى هذين المكونين الشكليين ، فإن افتقر النص اليهما تحول إلى كلام عادي ، ويماثله الباقلاني ، وإن كان بنزعة أكثر إيغالا في النقلية والتعصب ، لأن الشاعر لديه إذا خرج « عن الوزن المعهود كان مخطئاً ، وكان شعره مرذولاً ، وربما أخرجه عن كونه شعراً » ، ولم يشر الباقلاني ـ  هنا ـ إلى القافية ولكنها متضمنة في الوزن  فإن وُجد بعد ذلك كلام يشتمل على الحسن « بغير الوزن المعروف في الطباع ، الذي من شأنه أن يحسّن الكلام ، بما يفوق الموزون ، فهو معجز  ».

          ولقد شغل الباقلاني بقضية إعجاز القرآن ،ولذلك أخذ يتعسف كثيرا في تحليل معلقة امريء القيس من أجل إثبات إعجاز القرآن الكريم ، ومن أجل أن ينفي عن القرآن صفة الشعر وعن الرسول صفة الشاعرية ، ولذلك فعندما تبدو بعض الآيات القرآنية متوافقة مع أوزان شعرية ينفي الباقلاني ذلك عن القرآن لأن « أقل ما يكون منه شعراً أربعة أبيات » بعد القصد والنية ،  و «كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ، ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه .... وما اتفق في ذلك من القرآن مختلف الروي ، ويقولون إنه متى اختلف الروي خرج عن أن يكون شعراً  »، وهذا يعني أن الخصائص الشكلية لا تحدد وحدها ماهية الشعر إذ لا بد أن يصدر المبدع عن قصد.

ويتجدد الشعر عند ابن طباطبا في ضوء مكونين ، أولهما داخلي يحدد للشعر خصوصيته من خلال السمات الداخلية ، ويتمثل من خلال بعدي : الكلام الذي يتضمن التأليف ، وهو يدل على طريقة مخصوصة في الأداء ، والنظم الذي يدل على خاصية تتجاوز العروض ، وتلتقي ببعض سمات القرآن الكريم الذي كثيرا ما عبر عن إعجازه من خلال نظمه ، وهي طريقة مخصوصة في الأداء ، ومن خلال هذين البعدين ـ الكلام المؤلف والنظم ـ حدد ابن طباطبا ماهية الشعر بسماته الداخلية ، وأضاف إلى هذا تحديدا من خلال مغايرته للنثر الذي يبدو قسيما للشعر ، غير أن مفهوم النثر يتسع لديه ليشمل ما« يستعمله الناس في مخاطباتهم » ، ولذلك فالشعر « كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خص به من النظم الذي إن عدل عن جهته مجته الأسماع وفسد على الذوق » وإذا كان ما سلف يؤكد على دور المتلقي الذي يمايز بين الشعر وغيره ، لأن خروج الشعر عن النظم تمجه أسماع المتلقين ، فإن ابن طباطبا أكد أهمية المبدع ودور ملكته الفطرية أو المكتسبة ، لأن صحة الطبع أو اعتداله تمكن الشاعر من الإبداع دون حاجة لعلم العروض ، وهو علم معياري تعليمي ، وأن فساد الطبع واضطرابه يمنعان الشاعر من الإبداع ، وتصبح معرفة العروض لازمة لا بد منها ، بحيث «تعتبر معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف معه  » .

وتتكرر بعض هذه المفاهيم عند قدامة بن جعفر وآبى حيان التوحيدي ، فالشاعر عند قدامة لا « يعول في شعر إذا أراد قوله إلا على ذوقه  »، وان الذوق يسبق العروض كما يرى التوحيدي ، وفي ضوء هذا يتقدم الذوق على العروض ، لدرجة أجاز الخالديان شعرا لا يجري على قواعد الخليل العروضية ، ويستشهدان بالأبيات :

ذَاكَ وَقَدْ أَذْعُرُ الْوُحُوشَ بِصلْـ

 

ـتِ الخـدِّ رَحْبِ لَبَانُهُ مُجْفَرْ

طَـويِلُ خَميسٍ قَصـِيرُ أَرْبَعةٍ

 

عَرِيضُ سـتٍّ مُقلصٍ حَشْوَرْ

حـدَّت له  تسعةٌ وَقَدعَـريَتْ

 

تِـسْعٌ فَفِيـهِ لِنَــاظِرٍ مَنْظَرْ

ثُمَّ لَهُ تِـسْعَةٌ كُسِـينَ وَقَدْ

 

أَرْحـبَ مِنْهُ اللُّبـَانُ وَالمِنْخَرْ

إن تفعيلات هذه الأبيات تخالف القواعد العروضية لأن عروضها مفاعلتن وضربها مفاعيلن ، وحشوها متنوع ، وعلى الرغم من ذلك فإن الذوق ـ فيما يرى الخالديان  « يصحح هذه الأبيات .... ولا ينبو عنها السمع لاطرادها واستقامتها  ».

          إن هذه التصورات تؤكد ضرورة التمرد على القيود التي تفرضها النظرية العروضية التي أشادها الخلي ، لعدم اشتمالها على كل الفاعليات الإيقاعية في الشعر ، ولذلك حاول غير واحد من النقاد تقديم بديل عن الجانب الإيقاعي ، أو مجاورته لمكونات أخرى ، فالجرجاني في وساطته يجعل الشعر علما من علوم العرب تحدد  ماهيته مكونات داخلية وخارجية ، وتتمثل الخارجية في الرواية والدربة ، والداخلية في الطبع والذكاء  ، ومما يلفت النظر أن الجرجاني أكد أهمية الطبع وفاعليته في الإبداع الشعري ، والطبع قوة كامنة في الإنسان يودعها الله فيه، ولكنه لا يمكن له تأدية دوره إلا بعد خضوعه لإرادة الإنسان من خلال تجربة ودربة ومكابدة ، ولذلك فالإبداع يتولد من « المهذّب الذي قد صقله الأدب ، وشحذته الرواية ، وجلته الفطنة ، وأُلهم الفصل بين الرديء والجيد ، وتصور أمثلة الحسن والقبح  ».

          ولا يعني هذا أ، الناقد لا يقر أهمية الإيقاع وزنا وقافية ولكنه يضيف اليهما خصائص أخرى قارة في النفس ، ويؤكد هذا المعنى أبو حيان التوحيدي الذي يؤكد إضافة إلى الوزن أهمية التجربة الشعورية وصدقها لأن منتهى الشعر « قائم في النفس من صاحبه ، ثابت في قريحته ، يجيش به صدره ، ويجود به طبعه ، ويصح عليه ذوقه » وهذا يعني أن الشعر تجربة كامنة في النفس لدرجة تذكرنا بمفهوم التعبير الذي تنادي به بعض الاتجاهات الوجدانية المعاصرة ، ويدل على ذلك توصيف العملية الإبداعية بجشيان بالصدر، وما يجود به الطبع ويصح عليه الذوق .

ويتميز ابن وهب الكاتب بتوافقه مع أبي احمد الرازي بإرجاع مفهوم الشعر إلى جذره اللغوي الذي يدل على الفطنة ، ولكنه يختلف عن بقية النقاد لدرجة يكاد يلغي دور الوزن والقافية ، إذ يرجع إبداع الشعر إلى الشعور الداخلي والمطابقة بين الاسم والمسمى وما سمي الشاعر إلا لأنه يشعر في معاني القول واصابة الوصف بما لا يشعر به غيره «  وإذا كان إنما استحق اسم الشاعر لما ذكرنا ، فكل من كان خارجاً عن هذا الوصف فليس بشاعر ، وإن أتى بكلام موزون مقفى».

إبداع القصيدة بين اللغتين المعيارية والفنية

في التراث النقدي

 

 

لقد أحدث التمايز الذي أرساه دي سوسير بين اللغة والكلام تغيرا في كيفية النظر إلى عملية الإبداع الشعري ، مما أسهم بشكل فاعل في تغيرات جوهرية تتصل بالمناهج النقدية والنظريات الأدبية ، وكان النظر إلى اللغتين المعيارية والفنية أحد أبرز هذه القضايا التي ساهم في تجليتها وبلورتها انجازات دي سوسير اللغوية .

وتمثل اللغة عند دي سوسير القواعد الذهنية الثابتة التي تصالحت عليها الجماعة البشرية، أو بالتعبير التراثي ما تواضعت عليه الجماعة ،أو هي« نظام من علاقات وصيغ وقواعد ، ينتقل من جيل إلى جيل وليس له تحقق فعلي ، لأن الناس لا يتكلمون القواعد وإنما يتكلمون وفقاً لها » اما الكلام فهو الاستخدام الفردي الذي يمارسه الإنسان العادي ، أو هو «كل ما يلفظه أفراد المجتمع المعيّن ، أي ما يختارونه من مفردات أو تراكيب ، ناتجة عما تقوم به أعضاء النطق من حركات مطلوبة » .

          وما يؤديه الإنسان ـ عالما أو أديبا ـ إنما هو الكلام وليس اللغة ، لأن اللغة وجود جماعي مستقر في لا وعي أهل اللغة ، ومن ثم يهدف المرسل إلى توصيل الدلالة إلى المتلقي ، ولا يخترع المرسل ـ في كل مرة يتكلم بها ـ كلمات جديدة ، أو قواعد صرفية ونحوية جديدة ، بل على العكس من ذلك يلتزم التزاما صارما بها جميعا ، ولكنه لا يكرر جملا محفوظة ، وإنما يستخدم إمكانات اللغة ليعبر عن تصوراته الخاصة .

إن التعبير عن التصورات الخاصة يتم بطريقتين ، تتحدد كل واحدة منها من حيث وظيفتها وخصائصها الذاتية ، فالأولى : معيارية ، يراد منها مجرد التوصيل ، وبذلك يتم انتقاء المفردات الدالة لتدل على المعاني التي يروم المتكلم التعبير عنها ، وهذا ما يتحقق غالبا في الدراسات المنهجية علمية وانسانية ، او حتى مجرد الكلام العادي الذي يهدف لمجرد التوصيل فحسب . والثانية :فنية ، لا يقصد منها التوصيل المباشر ، وإن كان الأداء يتضمن توصيلا بطريقة معينة ، بمعنى أن الهدف الأساسي هو التأثير ، ومن ثم ينعكس ذلك على طبيعة الأداء الذي يختلف هو الآخر ، في كيفية اختيار الكلمات ، وكيفية تضامها .

إن كلاً من الأداءين يصدر عن جهد فردي خاص يؤديه المرسل ،ويتوافق مع أنساق اللغة ،وتتداخل اللغتان الفنية والمعيارية في الأداة والوظيفة، ولا تعد اللغة الفنية نوعا من المعيارية  ، لأن لكل منهما أدواتها ، وتراكيبها ، ومعجمها الخاص ، فضلاً عن اختلاف وظيفتيهما ، وبقدر ما تستقل اللغة الفنية عن اللغة المعيارية ، وتتمايز عنها ، فإنها تتداخل معها ، وترتبط بها ارتباطاً وثيقاً ، إذ لا يمكن أن يتحقق المستوى الفني للغة دون أصل موجود أو مفترض تنحرف عنه

وهذا ما يفسر حرص النقاد على تبيين أصل الكلام أو أصل المعنى ، لأن أصل الكلام ـ فيما يقول موركافسكي ـ هو « الخلفيّة التي ينعكس عليها التحريف الجمالي المتعمد للمكونات اللغوية للعمل ، أو - بعبارة أخرى -الانتهاك المتعمد لقانون اللغة المعيارية » .

          وقد ميّز النقاد اللغة الفنية عن اللغة المعيارية وأدركوا طبيعة العلاقة بينهما ، من حيث الماهية ، والأداة ، والوظيفة ،وفي هذا السياق يعرض الشريف المرتضى موقفه النقدي ، مستخدماً في ذلك الوسائل العقلية التي ورثها عن المعتزلة في مواجهة النص ، ويناقش الحكم النقدي الذي أصدره الآمدي على قول أبي تمام ، وهو يًعزّي نفسه برحيل الشباب ومجيء الشيب :

عَمَّرَتْ مَجْلِسيِ مِنَ الْعُوَّادِ

 حيث يعلق الآمدي على هذا النص بقوله : « لا حقيقة لذلك ولا معنى ، لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من المشيب ، ولا أن أحداً أمرضه الشيب ، ولا عزّاه المعزّون عن الشباب » ، وواضح من كلام الآمدي أنه يغفل المستوى الفني للنص ويعامله معاملة النص العلمي ، ويعارض الشريف المرتضى هذا الفهم السطحي، ويتجاوزه إلى فهم الأبعاد الجمالية ، كما يهاجم الآمدي بسبب عدم فهمه لأبي تمام ، لأن تعليقه السابق يدل على « قلة نقد للشعر ، وضعف بصيرة بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء » ، وقد حاول الشريف المرتضى أن يقترب من النص ، عندما أدرك أن أبا تمام لا يقصد العيادة الحقيقية ، « وإنما هذه استعارة وتشبيه وإشارة إلى الغرض خفية ... وهذا من أبي تمام كلام في نهاية البلاغة والحسن ، وما العيب إلا من عابه وطعن
عليه »، وإن اللغة الفنية فيما يقول الشريف المرتضى : مبنية « على التجوز ، والتوسع والإشارات الخفية ، والإيماء على المعاني تارة من بُعد ، وأخرى من قُرب » ، وعندما تغفل هذه الخصائص ، وتعامل اللغة الفنية معاملة اللغة المعيارية ، فإن ذلك يفضي إلى نتائج غاية في الخطورة ، تؤدي إلى الضلال والخروج من الشريعة على مستوى النص الشرعي ، وإلى بطلان الشعر كله على مستوى النص الأدبي ، و« إن الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد ، فإن ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه » وإذا كانت لغة الفيلسوف أو صاحب المنطق تهدف إلى إيصال المعرفة المجردة من الانفعالات ، وتقدم الجانب التوصيلي على الجانب الجمالي ، فإن لغة الشاعر تهدف إلى إيصال المعرفة الشعرية ، عن طريق إثارة الانفعالات ، وتقدم الجانب الجمالي على الجانب التوصيلي ، ومن ثم فهي تترفع عن لغة الفلسفة والمنطق والقياس ، ولا تحتكم إلى القواعد والمعايير النحوية ، ولذلك فإن اللغويين فيما يرى الحداثيون غير قادرين على نقد الشعر، «إنما يعلم ذلك من دُفِع في مسلك الشعر إلى مضايقه،وانتهى إلى ضروراته » .

وتتجلى الرؤية في وضوحها المنهجي عند قدامة بن جعفر ، لتبصّر اللغويين بضرورة مراعاة هذا المسلك ، وتجنُّبهم الخلط بين مستويات الكلام المختلفة ، وقد نظر قدامة بن جعفر إلى العلوم التي تختص بالشعر فوجدها أقساماً عديدةً ، « فقسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه ، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه ، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته ، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به ، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه » ، فقد وضح قدامة من جملة ما وضح ، أن علم اللغة والغريب الذي عًنِيَ به أصحاب المذهب القديم ، وفرضوه على الشعر ، يختلف عن علم جيد الشعر ورديئه، الذي اعتنى به ، وألّف فيه . ويتفق أبو بكر الصولي مع قدامة بن جعفر في إدراك التمايز بين اللغة الفنية واللغة المعيارية ، وذلك في دفاعه عن أبي تمام ، وقد أصبح شعره يتعرّض للنقد الخاطئ من اللغويين ، حيث يقول : « أتًراهم يظنون أن من فسّر غريب قصيدةٍ ، أو أقام إعرابها ، أحسن أن يختار جيّدها ، ويعرف الوسط والدّون منها ، ويميّز ألفاظها ؟ » ويقف القاضي الجرجاني مع المتنبي الموقف نفسه ، لأن بعض المعترضين على شعره
« نحويٌّ لغويٌّ لا بصر له بصناعة الشعر » .

إن هذه التصورات الحداثية تدعو إلى التفريق بين مستويين من الكلام :

          مستوى معياري : يعتمد على العقل ، ويُستخدم في العلوم القياسية كالفلسفة والمنطق والنحو ، وهذا المستوى يجب أن يُستبعد عن الفنون الكلامية .

          ومستوى فني : يعتمد على الخيال والعاطفة ، ويُستخدم في اللغة الفنية ، وهذا المستوى ينبغي اعتماده في تقويم الفنون الكلامية ، لأن الشعر فيما يقول القاضي الجرجاني : « لا يًحبّب إلى النفوس بالنظر والمحاجة ، ولا يًحلَّى في الصدور بالجدال والمقايسة ؛ وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ، ويقرّبه منها الرونق والحلاوة ؛ وقد يكون الشيء متقناً محكماً ، ولا يكون حلواً مقبولاً ، ويكون جيداً وثيقاً ، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً ، وقد يجد الصورة الحسنة والخلقة التامة مقلّية ممقوتة ، وأخرى دونها مستحلاة موموقة ؛ ولكل صناعة أهلٌ يرجع إليهم في خصائصها ، ويستظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها » ، ويكشف القاضي الجرجاني في هذا النص عن الأسس النظرية للغة الفنية ، حيث يستبعد كل المعطيات العقلية عن ميدان اللغة الشعرية ، فالنظر والمحاجة والجدل والمقايسة جميعها أدوات عقلية بعيدة عن طبيعة الشعر ، والشعر لا يحبب إلى النفوس بمثل هذه المعطيات ، وإنما يحبب إليها بالإعجاب الشديد المتمثل في القبول والطلاوة والرونق والحلاوة ، التي تدعو إلى الإثارة وتولد الاستجابة للموضوع الشعري معه أو ضده . وعلى الرغم من أن القاضي الجرجاني لم يوضح سمات اللغة الفنية ، وكاد أن يجعلها مسألة ذوقية غير قابلة للتفسير ، فإن قيمة تصوره ترجع إلى إدراك التباين الشديد بين لغة تصدر عن العقل والمنطق ، وأخرى تصدر عن الخيال والانفعال والشعور.

 

تأملات في الادب العباسي

1

رياح التغيير

لقد تأسست الدولتان الأموية والعباسية في إطار مناخين متعارضين، يعلى أحدهما: من سيادة طبقة عربية قرشية « يمثل الخليفة مركزها »، وتتخذ من الإسلام أساسها المعرفي ، وتوظفه لتحقيق تصوراتها وأهدافها، ويعلى الثاني : من تصور يتجاوز الطبقة العربية القرشية إلى مساواة مشاعية بين أفراد المجتمع ، وترتكز القيمة في المسلم بوصفه إنسانا .

          وتبنى الأمويون والعباسيون النظرة الأولى أساسا التي تحث على وحدة الجماعة وطاعة الحاكم، لدرجة تجب طاعته، براً أو فاجراً ، طمعاً في وحدة الأمة وخوفاً من فتن تضطرب فيها، ولعل هذا يمثل أساسا استمر قرونا طويلة جداً ، وكأن تاريخ المسلمين تاريخ فتن متلاحقة ، الأمر الذي جعل الماضي بشكليته وحرفيته متحكماً في كل متحول ومتغير .

          وتأسست النظرة الثانية على أساس المساواة بين أفراد المجتمع ، إذ يرجع التمايز بين الناس لا على أساس عرقي أو قبلي ، أو أسبقية في الإيمان ، وإنما يرجع التمايز إلى العمل ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وفي الوقت الذي تسلم فيه النظرة الأولى على تأكيد طاعة الحاكم بشكل مطلق ، فإن النظرة الثانية ترى ضرورة مراقبته ، ومحاسبته والخروج عليه .

          ولقد كانت الغلبة للنظرة الأولى في الدولة الأموية ، الأمر الذي مايز على المستوى الاجتماعي والاقتصادي بين الناس ، إذ هناك طبقة عربية لها ملامح أرستقراطية تتميز بالسيادة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وهناك بالمقابل عوام ، تعلو مقاماتهم بمقدار إيمانهم بأيديولوجية الدولة وقربهم من الحكام والأمراء ، وتغدق  عليهم الأموال بمقدار إعادتهم وإنتاجهم لثقافة السلطة ، أو تدنو مكانتهم وتتسافل كلما قدموا رؤى معارضة أو مارسوا أدواراً اجتماعية مخالفة أو مغايرة ... وقد يشتد أحد هذين التيارين فكرياً ، وقتالياً ، وقد يخبو طرف آخر ، سواء أكان ذلك في المركز أو الإطراف . مما قاد إلى نزاع كبير بين سلطة لها ثقافتها وآلياتها وأدواتها , ومعارضة تتبنى ثقافة معارضة مختلفة . ومن الغريب أن المجتمع انقسم هو الآخر بشكل عام إلى عرب يحكمون ويحصلون على المزايا والمكانة ، وموالٍ منفيون أو مهمشون .. ويفتقرون إلى أبسط المقومات  ، وبخاصة في الدولة الأموية ،وان احتل الموالي بعضا من المناصب المهمة في الدولة العباسية .

          وسواء سلمنا بمقولة « دوزي » التي تؤكد « أن انتصار الأمويين في الحقيقة هو انتصار الجماعة التي كانت تضمر العداء للإسلام  » ، أو لم نسلم ، فإن الأمويين ظهروا كيانا سياسيا متميزا بميله إلى التحول لا الثبات ، ولذلك أشادوا دولتهم على أسس معايير تستجيب كثيرا لتغيرات الواقع وتقلباته ، الأمر الذي جعلهم يرون ـ كما يؤكد ذلك الناقد المصري محمد مصطفى هدارة ـ « إن استقرار الحكم يحتاج إلى دهاء سياسي أكثر مما يحتاج إلى الورع وتقوى الله ، ولهذا قربوا إليهم دهاة الحكم وأصحاب الجبروت فيه، كزياد بن أبيه ، والحجاج وأمثالهما ، واستخدموا الشعر سلاحا قويا لنشر دعوة حزبهم وإظهار تأييده ونصرنه ، ومهاجمة أعداء الدولة من الطامعين الانتهازيين ، أو أصحاب الحقوق في الولاية والحكم  ».

          ويرى شوقي ضيف أن الأمويين « في نظر كثير لا يمثلون الحكام الجديرين بالدولة الإسلامية ، لأنهم عادوا الإسلام في أول ظهوره ، وبذلك كانوا يعدون مغتصبين للخلافة ، وزاد في الحنق عليهم أن سيرة يزيد بن معاوية وابن أخته يزيد بن عبد الملك لم تكن سيرة مرضية . وأيضا فإن عمالهم ظلموا الناس . ومن أجل ذلك سخط عليهم جمهور من القراء أهل التقوى والورع  ».

ولعل أخطر ما أحدثه الأمويين المبدأ الوراثي في الحكم الذي سنّه معاوية بن أبي سفيان ، وأخذ فيه البيعة لولده يزيد ، وبهذا نقلت الخلافة « إلى حكم زمن متأثر بأسباب دنيوية مطبوع بالعظمة وحب الذات , بدلا من أن يحتفظ بتقوى النبي وبساطته الأولى»، وهذا يعني أننا انتقلنا من إمامة رشيدة إلى حكم ملكي وراثي ، الأمر الذي دفع باحثا ـ أدونيس ـ إلى المقارنة بين علي ومعاوية ، إذ أن « منحى العمل عند معاوية يتمثل في فن استغلال العالم ، وكان منحى العمل عند علي يتمثل في فن تحرير العالم ، معاوية تيار تثبيت لما هو راهن وفقا لما استقر وساد ... أما علي فتيار عودة تأصيلية إلى الأصل الأول ، النبي ، وبدءا منه  ».

وكانت أكثر أمصار الدولة غاضبة على سياسة الأمويين ، وكان مما أدخل السخط في نفوس الكثير من المسلمين ما تتسم به شخصية يزيد بن معاوية من تحرر يصل حد التحلل ، لدرجة وصفه أحد وفد أشراف المدينة بعد مثولهم بين يديه بأنه « رجل ليس له دين ويشرب الخمر ويعزف بالطنابير وتضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسامر الخراب والفتيان  » الأمر الذي دفع إلى إثارة السخط واشتعال الثورات , وكان يزيد يأخذ الناس أخذا عنيفا قاسيا ، فلقد أثار حفيظة المسلمين بثلاثة أحداث مهمة وخطيرة :

أولها : معركة الحرة :

لما ثار أهل المدينة المنورة على يزيد أرسل إليهم جيشا ونشبت معركة بين الطرفين في منطقة الحرة واستباح الجيش الأموي مدينة الرسول صلى الله عيه وسلم ثلاثة أيام ، وقتل فيها من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين.

ثانيها : قذف الكعبة بالمنجنيق وذلك في أثناء حصار عبد الله بن الزبير إذ احترقت الكعبة إثر قذفها بالمنجنيق.

ثالثها : مقتل الحسين الذي كان مأساة مروعة لدرجة أثارت في نفوس المسلمين قاطبة شعورا بالعداء والاشمئزاز ، لمكانة الحسين الكبيرة في نفوس المسلمين ، فضلا عن كونه حفيد الرسول صلى الله عليه وآله سلم  .

وتحت وطأة هذه المؤثرات كلها عمد  الأمويون إلى إحياء العصبيات القبلية، واستخدموا العطاء « سلاحا للإرهاب وأداة للتقريب ، فحرموا فيه فئة من الناس ، أغدقوا أضعافا مضاعفة إلى فئة أخرى ثمنا لضمائرهم وضمانا لصمتهم » ، وهذا يعني أن الصراع بين فرق المعارضة من ناحية والسلطة من ناحية ثانية ،يرجع في أحد جوانبه إلى بواعث اقتصادية ، إذ كانت المعارضة ترى أن الأمويين قد احتكروا العطاء عليهم وعلى من يلوذون بهم ، ينثرونها عليهم دون النظر بصالح الأمة والجماعة .

واظهروا في الوقت نفسه نزعة عرقية متعالية، تنظر إلى الآخرين من غير العرب نظرة ازدراء ، بحيث دفعة الجاحظ إلى وصف الدولة الأموية بأنها عربية أعرابية ، وكانت مكانة الموالي متدنية في المجتمع ، فلقد وصف ابن عبد ربه تعصب العروبيين ضدهم في الدولة الأموية ، ومن غريب الممارسات ما يذكره أنه « لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة حمار أو كلب ، أو مولى. وكانوا لا يكنونهم بالكنى ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب ولا يمشون في الصف معهم ولا يقدمونهم في الموكب وان حضروا طعاما قاموا على رؤوسهم وان أطعموا المولى لسنه وفضله وعلمه أجلسوه في طرف الخوان لئلا يخفي على الناظر انه ليس من العرب ولا يدعونهم يصلون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب وان كان الذي يحضر غريرا. وكان الخاطب لا يخطب المرأة منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها وإنما يخطبها إلي مواليها فان رضي زوج وإلا رد فان زوج الأب والأخ بغير رأي مواليه فسخ النكاح وان كان قد دخل بها وكان سفاحا غير نكاح  » .

ووجدت القدرية والمرجئة لها مناخا في العصر الأموي ، فنمتا وازدهرتا ، وكان مذهب القدرية « يرضي الأمويين ، لأنه يصرف الناس عن التفكير في ولاتهم وتدبيرهم لشئونهم مؤمنين بأن خلافتهم قدر مقدر بحيث عليهم التسليم به  ».

وقد أفادت الدولة الأموية من الجدل الدائر حول طبيعة الإيمان والكفر ، وهل يعد مرتكب الكبيرة كافرا ، ففي الوقت الذي يذهب فيه الخوارج إلى كفر مرتكب الكبيرة ، تؤكد المعتزلة فسقه ،أو أنه في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر ، يرى المرجئة ضرورة الفصل بين الإيمان والعمل ، بمعنى أن الأساس هو الإيمان بوحدانية الله ، ولا قيمة لأفعال الإنسان ، مهما كانت آثمة ، « فالمؤمن مسلم وإن لم يؤد الفرائض  »، إذ « لا تضر مع الإيمان معصية ،كما لا تنفع مع الكفر طاعة  » بمعنى أن الإيمان أصبح اعتقادا في القلب فحسب ، الأمر الذي يجعل الإرجاء تمردا إلى « الإسلام الشكلي الظاهري ، وبخاصة الفرائض ،وحين يلغى الشكل الطقسي ولا يبقى غير الباطن والنية ، يتساوى الإنسان والإنسان ... ويتخذ الدين طابعا إنسانيا كونيا ،لا يفاضل بين فرد وفرد ، أو بين شعب وشعب، وإنما يجعل من القلب البشري نقطته ومداره  »وفي ضوء هذا أصبح « الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له والمحبة بالقلب ، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو مؤمن  » وأصبح الحكم على الإنسان لله وحد ، بمعنى إرجاء الأحكام على أفعال الناس إلى زمن غير زماننا ، ولذلك لم يصدر المرجئة حكما « في أمر علي وعثمان ومعاوية حتى يحكم الله بينهم  »

كانت الدولة الأموية تقتبس من مظاهر الحارتين الرومانية والفارسية الكثير ، ولقد بدأت ملامح ذلك حين كان معاوية واليا ، فلقد نهره عمر بن الخطاب حين رأى مظاهر الترف والبذخ والأبهة ، وحين أصبح الملك خالصا لبني أمية انغمسوا بمظاهر الترف والحضارة إلى أقصى مدى ، فلقد أحاط مروان بن الحكم وأبناؤه أنفسهم « بكل ما يمكن من أبهة الملك لا في قصورهم التي كانت تزدان بالطنافس وتلمع على حيطانه الفسيفساء وصفائح الذهب وتترامى في أقنيتها النافورات فحسب ، بل أيضا في بيوت الله  ».

ولقد بلغ الترف ذروته في عهد الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي « عاش للهو والغناء ، حتى تحول قصر الخلافة في عهده إلى ما يشبه دارا كبيرة من دور اللهو » ويرد محمد مصطفى هدارة على بعض الباحثين الذين يرون أن أغلب الروايات مكذوبة على الوليد ، إذ يخالفهم في ذلك ، ويرى « أن الوليد كان صورة صادقة طبيعية لما وصلت إليه ناحية من الحياة الاجتماعية في عصره من عكوف على الملذات وانكباب على اللهو ، كما أن الشعر الذي قيل فيه حيا وميتا كان يشير إلى  أطراف من حياته الماجنة وطبيعته اللاهية ، الشعر في هذا المجال أصدق  تعبيرا عن الواقع من أحاديث الرواة  ».

ومن الطريف في هذا السياق أن زياد بن أبيه  حين مات هيأ له ولده عبيد الله «ستين ثوبا ليكفنه فيها» !! ولم يقتصر الترف على الحكام والأمراء بل تجاوزه إلى بعض الأشراف والأعيان ، مما قاد إلى ظهور طائفة من المخنثين في المدينة المنورة «كانوا يتشبهون بالنساء في ثيابهن وعاداتهن من مثل تضفير الشعر وتصفيفه وصبغ الأظافر بالحناء».

ولم تخرج الدولة العباسية على أبرز الثوابت التي أشادتها الدولة الأموية ، فلقد أقرت مبدأ الوراثة ، وعمقت التمايز الطبقي ، وتابعت خصومها بالعنف والعنت والاستبداد ، ولكنها فسحت المجال وبخاصة في بعض مراحلها الأولي والمتأخرة للأعاجم ان يحتلوا مواقع سياسية متميزة ، كما هو الحال مع البرامكة ، وسطوة الأتراك في زمن المعتصم وما تلاه .

ووصل الترف أقصي مداه في الدولة العباسية ، وقد اسهم الامتزاج العرقي كثيرا في تشكيل جنس مولد ، وبخاصة في العاصمة بغداد ، مما كان له أكبر الأثر  في الحياة الاجتماعية الجديدة .

 

2

تجاوز المألوف

 

لقد أثرت في شخصية بشار بن برد عناصر كثيرة ، منها ما يتصل بأصله وعرقه ، ومنها ما يتصل بخلقته ، فهو «  بشار بن برد بن يرجوخ ...  من سبي المهلب بن أبي صفرة  »  ، فارسي ، من الموالي ، في وقت كان الموالي ـ وبخاصة في زمن الدولة الأموية ـ أقل قيمة من العرب ، الأمر الذي أشعره باحتقار أصله ، مما دفعه لاحقا للتهوين من العرب والافتخار بالفرس كشكل من التعويض النفسي عن إحساسه بوضاعة أصله ،وحين سئل عن شخصيته ، تحدث عن شقين ، خارجي وشكلي : يتمثل بالزي واللسان ، وهما عربيان ، وداخلي وجوهري : يتمثل في أصله الفارسي  « أما اللسان والزي فعربيان وأما الأصل فعجمي  »، وعزز ذلك بنص شعري يؤكد فيه على الداخلي والجوهري ، يقول :

 

 

ونبئــت قومــا بهـم جنــة

 

يقـولـون مـن ذا وكـنت العلـم

ألا أيهــا السـائلـي جـاهـدا

 

ليعـرفنـي أنــا أنـف الكــرم

نمـت فـي الكـرام بنــي عامـر

 

فروعي وأصـلي قـريش العجــم

فإنــي لأغـني مقـام  الفـتى

 

وأصبـي الفتـاة فمــا تعتصــم

 

ولم يقتصر بشار على ذلك بل تجاوزه إلى كسر بعض القواعد المألوفة التي يسلم بها أهل العروبة والإسلام ، ويمكن تفسير أغلب آرائه التي يشم منها رائحة الزندقة تحت وطأة هذه الظروف ، وأحسب أن زندقة بشار قد بولغ فيها ، فلقد أسهم في اتهامه بالزندقة ثلاثة أمور : أولها : بعض قصائده التي تكسر المألوف وتتجاوز المقدس ، مما سيأتي التفصيل عنه، وثانيها : محاولته التعويض النفس عن وضاعة أصله ، وثالثها  ، أنه كان ينحاز في بعض الأحيان إلى خصوم العباسيين .

          ولقد طبع العمى ودمامة خلقته شخصيته بطابع خاص ، فلقد كان يحس بمرارة إزاء شكله وعماه فضلا عن إحساس بالفقر المدقع الذي احتال عليه بطريقته الخاصة ، «وكان  بشار ضخما عظيم الخلق والوجه مجدوراً طويلاً جاحظ المقلتين قد تغشاهما لحم أحمر فكان أقبح الناس عمى وأفظعه منظرا وكان إذا أراد أن ينشد صفق بيديه وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله  »  .

وأخذ يبرر عماه بالفطنة والذكاء ، محاولا تغطية إحساسه بالنقص بالمباهاة بذلك ، يقول : « إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكو قريحته ثم أنشدهم قوله :ـ

 

عمـيت جنينا والذكاء من  العمى         فجئت عجيب الظن للعلـم موئلا

وغـاض ضياء العين للعلم رافدا         لقلـب إذا ضيـع النـاس حصلا

وشعر كنور الروض لاءمت بينـه        بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا »

 

وكذا الأمر بالنسبة لجسمه ،يقول : « إني لطويل القامة عظيم الهامة تام الألواح أسجح الخدين  » وقد تولد عن هذا قدر من المجون في غزل فاضح ، فلقد كان يختلط بالجواري اللائي كان المجتمع في البصرة يكتظ بهن « ولا يعصمهن من الغواية دين ولا عرف ، فاختلط بهن ، وتغزل فيهن غزلا حسيا ، وربما دفعه فقد بصره إلى ذلك من بعض الوجوه ،إذ لا يرى الضرير الجمال ببصره ،إنما يحسه بلمسه بيده ، ويتسع جشعه الجسدي ،حتى ليصبح غزله ، في بعض جوانبه ضربا من صياح الغريزة النوعية الذي ينبو عن الذوق»

ولقد شاع عنه نمط من الغزل خليع ، لدرجة أمره الخليفة المهدي أن يكف عنه ، ونزل عند رغبة الخليفة في قوله :

يا منظـرا حسنـا رأيتــه

 

مـن وجـه جـارية فديتـه

بعــثت اليّ  تســومني

 

بـرد الشباب وقـد طويتـه

واللـه رب  محمــد

 

مـا إن غـدرت ولا نويتــه

أمسكت عنـك وربمــا

 

عرض البلاء ومـا ابتغيتــه

إن الخليفـة قـدأبـى شيئا

 

وإذا أبـــى شيئـا أبيتــه

ونهـاني المــلك الهمــا

 

م عن النسـيب ومـاعصيتـه

إن هذه السمات السابقة جعلت شخصية بشار تميل إلى التمرد وتنشد التحرر في الفكر والسلوك ،وتحاول التدقيق في المعاني ، وكان يختلف على حلقات المتكلمين ،وقرأ معارف الأعاجم العقلية والقصصية ونحوها ، ولذلك فإنه حاول التمرد على الأصول التقليدية لقصيدة العربية.

إن قبح بشار بن برد كان « يستثير عنده غريزة النوعية ويدفعه إلى الإفراط من غزله المكشوف» .

وكان قبح شكله « يستثير عنده الغريزة النوعية ويدفعه إلى الإفراط في غزله المكشوف  »

ولعل الهجاء والغزل الفاحش ركبا في  شخصيته ، بخلاق المدح الذي كان يدفعه إليه العطاء وكسب الأموال ، ولذلك حافظ فيه بشار على تقاليده المعهودة وسننه السائدة ، من حيث بناء القصيدة وأوزانها ومعانيها ،وجزالة ألفاظها ، فقد كان يبدأ قصيدته بالوقوف على الأطلال ثم يعرج إلى النسيب ، ووصف الرحلة والراحلة ويصف المشاهد الطبيعية ثم يتحول الى مدح الممدوح ، وكان يعرف مذاهب العرب في الصياغة والإبداع ،ونكايته في أرجوزته التي مطلعها :

 

بكرا صـاحبي قبـل الهجــير                إن ذاك النجـاح فــي التبكـير

 

قال : « بنيتها أعرابية   وحشية   فقلت إن ذاك النجاح كما يقول الأعراب البدويون ولو قلت بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة  » .

 

وقد أثرت في إبداعه الشعري ثقافته العقلية والكلامية وتأثره بأدب الأعاجم ، ويتجلى ذلك في قوله :

 

 

إذا  كنت في كـل الأمور معاتبا

 

صديقـك لم تلـق الذي لاتعاتبـه

فعض واحدا أو صل أخـاك فـإن

 

مقـارف ذنبـا مـرة ومجانبــه

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى

 

ظمئت وأي الناس تصفـومشاربـه

ويبدو أن التشبيه كان يمثل هاجس الشعراء إذ يعد علامة على الشاعرية ، ولذلك فإن الصورة لديه تتكئ على التشبيه في كثير من الأحيان ، وقد تحدث هو عن أهميته « قال لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول :

 

كأن قـلوب الطير رطبـا ويابسـا            لدى وكرها العناب والحشف البالي

 

أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت

 

كأن مثـار النقـع فـوق رؤوسنـا وأسيافنـا ليـل تهاوى كواكبــه  »

 

الغـــزل :

واسهم بشار في تطوير القصيدة الغزلية في العصر العباسي ،بعد أن أفاد من التطور والتجديد الذي أسهمت في القصيدة الحسية عند عمر بن أبي ربيعة وأضرابه من الشعراء ، من حيث الملامح القصصية والعبث والمجون ،إضافة إلى إفادته من القصيدة العذرية التي مالت إلى ترقيق الألفاظ في لغة شعرية متميزة.

وكان بشار يتفنن في غزلياته في اختيار إيقاعاته الموسيقية المؤثرة ،ويستخدم في تصويره الشعري الخصائص السمعية والحسية واللمسية ، ففي قصيدته :

 

يـاليلتــي تـزداد نكـرا

 

مـن حب من أحـببت  بكرا

حــوراء إن نظرت اليــ

 

ـك سقتـك بالعيـنين خمـرا

وكـــأن رجـع حديثهــا

 

قطع الريـاض كسـين  زهرا

وكــأن تحـت لســانهـا

 

هاروت ينفـث فيـه  سحـرا

وتخــال مـاحمعــت عليـ

 

ـه ثيابهـا ذهبـا وعطــرا

وكـأنهــا بـرد  الشــرا

 

ب صفا ووافق منـك  فطـرا

جنيـة  أنسيــــــة

 

أو بـين ذلـك أجـل أمـرا

 

يعنى بشار بإيقاع القصيدة المؤسسة على مجزوء الكامل الذي يتميز بإيقاع خاص مؤثر،وكان تلوينه بين الأبيات الشعرية مدورة وغير مدورة يسهم في إضفاء تلوينات إيقاعية خاصة ، ويتبدى التلوين الإيقاعي في القصيدة من خلال تلوين التفعيلات ،تامة «متفاعلن » أو مضمرة « مستفعلن » كما أن البيت الأول وكانت تفعيلاته كلها مضمرة ويتوازن فيه الشطران على النحو التالي :

 

مستفعلن مستفعلاتن                        مستفعلن مستفعلاتن

ثم يتحول عروض القصيدة الى متفاعلن ،واتكئ الشاعر أيضا على التنويع الإيقاعي النغمي في بعض الأبيات المدورة التي لها خاصية معينة في إنشاد القصيدة وقد أسهمت تفعيلة الضرب متفاعلاتن المنتهية بالمد في تمكين الإيقاع من إنهاء الموجة الإيقاعية العالية الصدى ،إذ ان الشطرين يتفاوتان فالشطر الاول موجة قصيرة لا تنتهي بمد بالضرورة ، « متفاعلن متفاعلن» باستثناء البيت الأول المصرع ، وموجة طويلة منتهية بمد « متفاعلن متفاعلاتن».

أما الخصائص الحسية فتبدو جلية في القصيدة ، إذ يصف بشار أنفاس حبيبته « وما تنشره من طيب كطيب الرياض ويصف حديثها وما تذيع فيه من سحر ، ويصور جسدها ذهبا وعطرا ، أما ما ينعم به من جمالها فشراب بارد سلسبيل صادف صائما يتحرق عطشا . وقلما ارتفع في غزله عن الحس والسمع والأذن ،ونوه بذلك كثيرا في شعره ، محاولا أن يعتذر عن فقده لمتعة الجمال متعة حقيقة بالبصر ، ومن ثم يمضي يردد في أشعاره أن السمع يحل محل العين في تقدير الجمال والإحساس التام به ، من مثل قوله :

يـا قوم أذني لبعض الحي عاشقة             والأذن تعشق قبل العـين أحيانـا

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم            الأذن كالعين توفي القلب ما كانا »

 

3

الالتصاق بالأرض

تأمـلات فـي شعـر الـترف 

 

لقد طرأ تطور كبير في البنية الاجتماعية في المرحلة العباسية ، وقد تأتى ذلك بسبب الامتزاج الجنسي بي الأعراق المختلفة : عربية وفارسية وتركية ورومية وغيرها ، الأمر الذي صبغ الحياة العباسية ينمط من التحضر المعرفي والاجتماعي ، وقد أسهمت الجواري والقيان في إشاعة نمط  من السلوك المترف ، وكان لشيوع الغناء أثر في الابتعاد عن الأوزان الشعرية الطويلة والميل إلى نحو الأوزان القصيرة والأوزان المجزوءة ، لأن الأوزان القصيرة والمجزوءة اكثر قوة في درجة الإيقاع وبروزه ، ولعل قصائد المجون والغزل والخمريات قد أكثرت من استخدام هذا النمط الايقاعي .

          ومما يذكر في هذا السياق أن الجارية « جوهر » تحتل مكانة كبيرة لدى الخليفة المهدي العباسي ،الذي قال فيها  :

 

  ألا ياجوهر القلب        لقد زدت على الجوهر
وقد أكـملك الله         بحسن الدل والمنظر
 إذا ما صُلتِ ـ يا أحسن خلق الله ـ بالمزهر
وغنيت ففاح البيت من ريحك والعنبر
فلا والله ما المهدي اولى منك بالمنبر
فإن شئت ففي  كفك خلع ابن ابي جعفر

 

إن هذه الابيات جزء من مقطوعة شعرية تعبر عن موقف وجداني يصور الحياة الخاصة للخلفاء العباسيين ، وتتميز بعناية خاصة بإيقاع موسيقي متدفق تعضده لغة شعرية سهلة تخلو من الصنعة المقصودة لذاتها ، الأمر الذي يؤكد الصدقين الفني والاجتماعي .

أما الجارية جوهر فكانت ترد في مقطوعة مغناة بالطريقة نفسها :

وأنـت الذي اخلفتنـي مـا وعدتني         وأشمت بي من كان فيـك  يلــوم

وأبرزتنــي للنـاس ثـم تركتنـي   لهــم غرضا أرمـى وأنت سـليم

فلـو أن قـولا يكلم الجسـم قد بدا بجسمـيَ مـن قـول الوشـاة كلـوم

 

وليست حالة العبث هذه ظاهرة خاصة بالطبقة الحاكمة والثرية فحسب ، ولكنها ظاهرة اجتماعية متفشية ، فالشاعر حماد عجرد يسهم هو الآخر في هذه الظاهرة باستخدام البحور المجزوءة ،يقول في الجارية جوهر :

إنــي لأهـوى جـوهـرا             ويحــب قلــبي قلبهـــا

وأحـب مـن حـبي لهــا            مــن ودهــــا وأحبهــا

وأحــب جاريــة لهــا              تخفــي وتكتـــم  ذنبهــا

وأحـب جــيرانا لهـــا              وابـن  الخبيثــة زوجهــا

إن الشاعر في هذه المقطوعة يعتمد محزوء الكامل الذي يساعد في قوة الإيقاع ، لأنه كلما كانت الأبيات الشعرية كاملة ـ غير مجزوءة ـ كان إيقاعها اخفت ، وكلما كانت مجزوءة ـ قصيرة ـ كان ايقاعها أقوى ، وبدو أن ذلك يساعد في التعبير عن شدة الانفعال ، ويسهم في التلحين والغناء ، وقد اسهم في هذه المقطوعة مجزوء الكامل بتفعيلاته التامة والمضمرة  في تحقيق هذه الغاية ، يعضد ذلك إيقاعات مصاحبة تتجلى في ألف الإطلاق ، وتكرار كلمات : أُحبُ ، ويحب ، وأَحبَ ، التي لم يحدث تكرارها نشازا في نسيج اللغة ، الذي يتميز ببساطة المفردات والتراكيب .

وبلغ العبث والمجون أقصي درجاته عند أبى نؤاس الذي تتضمن مواقفه العابثة دلالات اجتماعية وربما سياسية ، حين كان يهجو زمانه ، ويعتبره زمن القرود .

 

هـذا زمان القرود فكن خاضعـا له ومطيعــا

 

ولذلك يسعى ابو نؤاس إلى تحقيق المتعة من جوانبها المتعددة ، وتصاحب ذلك ثورة على كل مقدس وتقليدي مرتبط بتراث العرب ، ويتكئ على مقدمات عقلية متأثرة بالمنجز المعرفي الهندي والفارسي ،ويبدو أ، هذه النزعة العقلية تهدف إلى المساواة بين الناس ،وليست قائمة إلى أساس طبقي أو عرقي أو ديني ، ويتجاوز ابو نؤاس ذلك للمقارنة بين رؤيتين متعارضتين : التبدي والتحضر ، يقول :

دع الأطـلال تسفيهـا الجنـوب    وتبــلي عهــد جدتهــا الخطـوب

وخـلِّ لراكـب الوجناء  أرضا      تخـب  بهــا النجيبــة والنجــيب

بــلاد  نبتهـا عُشَـرٌ وطلــح       وأكــثر صيــده ضبــع وذيــب

ولا تأخــذ عـن الأعـراب  لهوا   ولا عيشــا  فعيشهــم جــديـب

دع الألبــان يشربهــا رجــال     رقيــق العيــش بينهــم غـريب

إذا راب الحليب .....                                                   

فأطـيب منـه صافيـة شمــول     يطــوف بكأسهـا سـاق  أديــب

 

وتنقسم القصيدة إلى ثلاثة أقسام :

1 ـ المقارنة بين نمطي الحضارتين .

2ـ وصف مسهب للخمرة ومجالسها.

3 ـ اختتام المقارنة بين نمطي الحضارتين .

ففي القسم الأول يعقد أبو نؤاس مقارنة بين حياة التبدي والتحضر ، مكانا وزمانا ،وأسلوب حياة ، إذ يمثل حياة التبدي من حيث الوجود المكاني طللا يعبر بالتأكيد عن الفناء والتلاشي ، وهو مقترن بزمن الماضي ، وليس الأمر مقتصرا على البعدين الزماني والمكاني فحسب ،بل بتجاوزه إلى هجاء راحلة المتبدي ،وهي الناقة ، ومن ثم فإن الطور الذي يمر به العربي هو الطور الرعوي الذي يكون مجدبا في أحسن أحواله ،كما أن شراب العربي في البادية لا يعدو أن يكون لبنا رائبا يتسم بحموضته ,

أما حياة التحضر فإنها تتجاوز التنقل إلى الاستقرار ، أي الانتقال من البادية إلى المدينة ، وفي ضوء ذلك تشيع القيم المدينية المتحضرة ، من حيث اللهو والعبث ، وهما يتسمان بالخصب ، فضلا عن الانتقال من شراب الحليب إلى الخمرة ، ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي :

 

البادية                                                            المدينة

المكان ـ طلل « رياح ، فناء »                                   المكان ـ المدينة

الزمن ـ الماضي                                                   الزمن ـ الحاضر

الحالة الحضارية « تنقل ، رحيل »                          الحالة الحضارية ـ استقرار

العيش ـ مجدب ـ رعوي                                          العيش ـ خصب

الشراب « الحليب »                                            الشراب « الخمرة »

 


إن القصيدة جاورت على نحو المقارنة بين البادية والمدينة ، في هجائية جلية للأولى ، ومدحية للثانية ،ثم يقف الشاعر طويلا في المقطع الثاني « راجع ديوانه » عند مفردة من مفردات التحضر ، وهي « الخمرة » واخذ يفصل الحديث عنها وعن خصائصها الذاتية ، وعن طبيعة مجالسها .

ويختتم الشاعر قصيدته بالقسم الثالث في مقارنة نهائية بين حالتي التبدي والتحضر ،بقوله :

 

فهـذا العيــش لا خيـم البـوادي   وهـذا العـيش لا اللـبن الحـليب

فأيـن البـدو مـن إيـوان  كسرى وأيـن  مـن المياديـن الـزروب

 

 

 

 

4

 

الارتقــاء نحــو السمـاء

الزهــد والتصــوف

 

لا يصمد الرأي الذي أرساه كارلو نلينو للنقاش حين أكد ان الزهد نشأ في العصر الجاهلي ،واستشهد بأبيات شعرية لعدي بن زيد العبادي ، تشتمل على نظرة تأملية للحياة والموت والفناء والزوال ، لأن هذه الأفكار عامة لدى شعراء لا علاقة لهم بالديانات السماوية ، وأكثر من هذا أن الزهد تأسس على فلسفة خاصة هي جزء من رؤية للعالم والمجتمع والإنسان .

وإذا كانت أفكار نلينو تتسم بالمبالغة في إرجاع الزهد إلى مصدر وحيد هو الجذور الدينية المسيحية بحجة أن عدي بن زيد العبادي كان نصرانيا ، فإننا لا نبالغ كمبالغته فنرجع كل جذور الزهد إلى مصدر واحد ، إذ لا شك ان عناصر عديدة أسهمت في تطوره ونموه وتحوله من ثم إلى تصوف . صحيح ان العقيدة الإسلامية صبغت الزهد والتصوف بملامح عامة ، غير أن هناك مؤثرات تأتت من مكونات هندية وبوذية ومسيحية وغيرها .

وقد أسهمت عناصر جوهرية في تطور الزهد ، وبخاصة في العراق في العصرين الأموي والعباسي ، فلقد أسهمت عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ، وكان العامل السياسي أكثرها فاعلية ، حيث كان لحكام الدولة الأموية دور كبير في تطور الزهد بوصفه ظاهرة متميزة ، فقد كان يتعامل الحكام والولاة الأمويون مع الرعية بطريقة لا تخلو من القمع والعنف والاستبداد ، وبخاصة مع خصومهم ومعارضيهم، الأمر الذي دفع بعض الناس إلى الانسحاب من الحياة والتجائهم إلى الله لينقذهم مما يعانونه من عنت واستبداد ، وربما ارجع بعض الباحثين هذه الحالة إلى مرحلة زمانية سابقة .

واسهم المجون والترف بوصفهما أبرز مظاهر المروق عن الدين في ردة فعل جعلت بعض الناس يميلون إلى الزهد ، إذ ان لك فعل رد فعل يقابله في الطبيعة ويعارضه في الاتجاه ، كما ان التفاوت الطبقي الذي وزع الأمة إلى  طبقتين مترفة بيدها كل مظاهر الترف والحكم أيضا ، ومسحوقة تعاني الفاقة والعوز والجوع ، قد اسهم تحت تأثير الحاجة إلى زهد بعض الزاهدين .

واتخذ الزهد شكلين في العصر العباسي ، الزهد السلبي والزهد الإيجابي ، أما الزهد السلبي فهو انكفاء على الذات وانسحاب من الحياة واعتكاف عن ممارسات أي نشاط ، إذ ليس للزهد من دور في الحياة الاجتماعية ، ولقد اسهم أبو العتاهية في كلا النمطين ، حيث يقول في النمط الأول :

 

دعـني مـن ذكــر أب وجـــد       ونســب يعليـك ســور المجــد

مـا الفخـر إلا فـي التـقى والزهد           وطاعـة تعطــي جنــان الخلــد

إذ يبتعد الشاعر تماما عن كل مظاهر الحياة التي تتأسس على أساس التفاضل بين الناس على أساس عرقي أو سياسي أو اقتصادي ، ويرجع التمايز إلى « الطاعة ، والتقوى ، والزهد » .

ومن الغريب أن أكثر الشعراء الزهاد والمتصوفة ينحدرون من أصول غير عربية ، إذ ربما يشعرون بوضاعة أصولهم ، ولكن ما كان سببا للزهد قد يكون سببا للمجون ، فإن أغلب المجان ، كانوا أيضا من أصول غير عربية .وقد تكون هذه الأصول بدفع بهم إلى أحد التيارين المتعارضين .

أما الزهد الإيجابي فهو المشاركة بالحياة العامة الاجتماعية والسياسية ، وكان لأبي العتاهية الدور الأكبر في ذلك يقول :

مـا أقبــح التزهيـد مـن واعـظ   يزهد الناس فـي الدنيـا ولا يزهــد

لـو كـان فـي تزهيـده  صادقــا   أضحــى وأمسـى بيتـه المسجــد

ويقول في الملوك :

إن الملـوك بـلاء حيثمــا حلــوا  فـلا يكـن لـك في أكنافهـم ظــل

ماذا ترجـى بقـوم إن هـم غضبـوا        جاروا عليك  وإن أرضيتهـم ملــوا

فاستغـن بـالله عـن أبوابهـم  كرما         إن الوقــوف عــلى أبوابهـم  ذل

أو يتحدث عن الظروف الاقتصادية :

مـن مبلــغ عنـي الإمـــام         نصائحــا متــواليــــة

إنـــي أرى الأســــــعــــــار        أسعــار الرعيـة غاليــة

وأرى المكـــاسـب نــزرة         وارى الضــرورة فاشيــة

وأرى همـــوم الــدهـــر          رائحــة تمــر وغاديــة

وأرى اليتـامــى  والأرامــل      فــي البيــوت الخاليــة

 

ويلتقي الدارس مقطوعات زهدية تفيض صدقا ورقة ، كما هو في قول البهلول :

يـا مـن تمتـع بالدنيـا ولذتهــا    ولا تنــام عـن اللـذات عينــاه

شغـلت نفسـك فيمــا لا تدركـه   تقــول لله مــاذا حــين تلقـاه

ولعل اكثر القصائد صدقا تلك التي أبدعها شعراء تابوا بعد مجون وفسق كبيرين ، ومن ذلك زهديات أبى نواس ،يقول :

يـا رب إن عظمـت ذنوبـي كـثرة          فلقـد علمت بـأن عفـوك أعظـم

إن كـان لا يرجـوك إلا  محســـن          فبمـن يلـوذ ويستجـــير المجـرم

أدعــوك رب كمـا أمـرت تضرعـا         فـإذا رددت يـدي فمـن ذا  يرحـم

مـالي إليـك وسيلــة إلاالرجـــا           وجميـل عفـوك ثـم أنـي مسلــم

 

وتمثل رابعة العدوية منعطفا في شعر الزهد والتصوف ،إذ أسهمت في تأصيل مفاهيم صوفية ، وانتقلت من الزهد إلى العشق الإلهي ، ولعل اشهر مقطوعاتها :

 

احبــك حبيــن حـب الهـوى       وحبـــا لأنـك أهــل لـذاكـا

فأمـا الـذي هـو حـب الهـوى  فشغـلي بذكـرك عمـن  سواكـا

وأمـا الذي أنـت أهـل  لـــه       فكشفــك للحجـب حـتى اراكـا

فـلا الحمـد فـي ذا وذاك  لـي     ولكــن لك الحمـد في ذا وذاكـا

وتشتمل الأبيات الشعرية على التسامي في حب الذات الإلهية ، والفناء في هذا الحب والاستغراق المنطوي على الوله والاشتياق ، حيث يكون الله تعالى الغاية التي ليس بعدها غاية يطلبها المريدون يشغف ولهفة المحب إلى لقاء حبيبه ، وتنتابه نزعة الشوق إلى قربه كل حين .

وتعكس هذه الأبيات انطباع الإنسان نحو الله لتعرض نوعين من الحب الإلهي ، يتمثل أحدهما في شكره وحمده على إنعامه الجزيل الذي أسداه على خلقه ، ويتمثل الثاني في المضمون الصوفي الذي يرى ان الله يتجلى للمخلصين من مريديه ، فيكشف لهم الحجاب ، حين ينظرون اليه .

إن هذا الحب يمثل الحب الأسمى عند رابعة ، وعند المتصوفين عموما ، لأن الله أهل له ، سواء أنعم على العباد أو لم ينعم ، وبهذا يكون الغاية في العبادة والخشوع .

إن ثنائية الأنا/ الشاعرة ، والآخر / المطلق ، تتجلى واضحة لتعبر عن تلاحم البشري بالسماوي ، في لحظة اتحاد يسمو فيها الإنسان إلى خالقه ، حيث يحتمي الفرع بأصله ، ويرجع المحب / الإنسان إلى المطلق  ، ليستمد منه الرحمة والحنان والحب والجمال ، ومن هنا يتم تفسير وله المتصوفة بالذات الإلهية وانشغالهم المفرط بالله إلى درجة العيش على هامش الحياة بعيدا عن رغباتها وشهواتها .

وتعبر الأنا / الشاعرة عن وجودها وكينونتها عبر فعل قلبي « احبك » ، لأن التجربة الصوفية تجربة وجدانية يحكي فيها الصوفي عن نفسه ، وإن لهذه اللفظة ثلاثة أبعاد:

1 ـ فعل المحبة في الزمنين الحالي والآتي ، بمعنى العيش في زمن استغراق الفعل .

2 ـ فاعل الفعل الذي يعبر عن التجربة الوجدانية المحبة .

3 ـ ما وقع ليه فعل المحبة « الله » الذي تم التعبير عنه ، بوصفه موجودا مخاطبا مفردا .

ويتبدى الحب لدى رابعة في نمطين ،يؤكد هذه الثنائية المتلاحمة ، أولها حب الهوى الذي تكون فيه الشاعرة فاعلة ،لانشغالها بذكر المحبوب وحده دون سواه ، أي أنها علاقة توحد تتجاوز الاشتراك ، فهي متوحدة منفردة تتوحد بالذات الإلهية ، وثانيهما : الحب اللائق بالذات الإلهية ، الذي يقوم فيه بكشف الحجب عن المحب ، كي يتمكن من رؤية محبوبه ، رؤية قلبية لا تعرف التحدد والتجسيد .

وتكشف الشاعرة عن أناها عبر ضمير الأنا ، وعن المطلق بضمير المفرد المخاطب ،« أحبك » ويتوحد المكونان ، الأنا والأنت ، من حيث الدلالة ، ومن حيث الرسم اللغوي «أحب + ك » ويبدو ان الشاعرة تؤكد توحدها بمحبوبها على الرغم من محدودية وجودها ، ومحدودية التعبير اللغوي ، فالشاعرة محدودة بوصفها جسما مخلوقا ، تكشف عن أناها بـ « أحبك » ، وتمتزج كاف الخطاب ،بالمحب ، وتقع الأنا بين فعل الحب والمخاطب ، « أحب أنا أنت » .

إن قافية القصيدة تشتمل على حرف الروي « الكاف » وألف الإطلاق ، وكأن التشكيل اللغوي يبدأ من المحدود في أول البيت يتصل بالمطلق عبر ألف الإطلاق ، وليس خافيا ان الألف بوصفه رمزا تدل عند المتصوفة على المطلق ، ولقد أكثرت الشاعرة من لفظتي الهوى والحب لأنهما أوسع دلالة بحيث مكنا الشاعرة ان تحلق بهما إلى ابعد مجالات الخيال .

5

 

وثائقية النص

أبو فراس الحمداني

ولماذا تأخر سيف الدولة عن فدائه ؟

 

      مرت حياة أبي فراس بمرحلتين :  الأولى :  قبل أسره والتي اتسمت بصفات معينة ، ووقعت فيها حوادث تفسر لنا بعض المواقف التي ما زال قسم من الباحثين يجهلون تجلية غوامضها . والثانية :  بعد أسره ، والتي من خلالها تستطيع تأكيد تفسير الغوامض السالفة التي حدث في المرحلة الأولى من حياة الشاعر .

      ويتفق المؤرخون والباحثون على أنّ سيف الدولة أخرَّ الشاعر في سجنه ، ويذهبون مذاهب شتى في تفسيرهم لهذا التأخير ، وبالإمكان تقسيم آرائهم إلى قسمين : الأول :  يرى أنّ التأخير لتعذر المفاداة ، أو أنّ سيف الدولة لا يفدي ابن عمه ويدع باقي المسلمين ولا يكون الفداء إلا للكافة  أو أنّ المشاغل هي التي أقعدته عن تخليص ابن عمه أو إنّ أمر تأخيره كان لأمر سياسي خطير يهون أمر فدائه مع أنه من أهم المهمات .والثاني :  يرى أنّ هناك سبباً في التأخير ، وانّ سيف الدولة لم يسرع في فك  إسار ابن عمه عن قصد ، أو أنّ سبب التأخير عائد إلى عداء بني حمدان لفرع الشاعر وخشية سيف الدولة وناصر الدولة من بروز أبي فراس في مضمار السياسة والأدب ، أو أنّ علاقتها ساءت بسبب خلاف نشب بين أبي فراس ونفر من الحمدانيين يظهر أنه لم يكن محقا فيه .

      ولو تتبعنا حياة أبي فراس ودرسنا ديوانه ، الوثيقة المهمة في دراسة الشاعر وتحديد أبعاد شخصيته ونوازعه النفسية ، لوصلنا إلى أنّ سيف الدولة أخرّ فداء أبي فراس بسبب جفوة سابقة لأسر الشاعر ، وكان الشاعر طرفاً مهماً في حدوث هذه الجفوة بسبب نزعته المتعالية ، ونفسيته المتسمة بحدة الإحساس وشدة الانفعال ، ووجدنا آثار هذه الجفوة في أشعار أبي فراس الطافحة بالتذمر من أقاربه بفترة سابقة لأسره ، إذ كان يشعر بمواهبه وطموحه ويعتقد أنّ بني حمدان يتحينون الفرصة للنيل من قدراته ، ولذا عمد للتعريض بهم في عدد من قصائده .

أراني وقومي فرقتنا مذاهبُ

 

وإنّ جمعتنا في الأصول المناسبُ

 

فأقصاهم أقصاهم في مساءتي

 

وأقربهم مما كرهت الأقاربُ

 

قريبٌ وأهلي حيث ما كرَّ ناظري

 

وحيدٌ وحولي من رجالي عصائب

 

نسيبك من ناسبتَ بالودِ قلبَه

 

وجارك من صافيته لا المصاقبُ
 

بل يعتبر بني حمدان حساداً لمواهبه ويتمنى أن ينتقل منهم إلى أماكن أخرى حتى لا يعيش في هذا الجو المملوء حسدا ونقمة :

بنو حمدان حسادي جميعا

 

فمالي لا أزور بني طغج
 

    إنّ هناك حادثتين مهمتين كان لها دور كبير في حدوث الجفوة ، ومن ثم ،  انعكستا بشكل سلبي على أبي فراس في سجنه :

      الحادثة الأولى أشار إليها ابن خالويه جامع ديوان أبي فراس بقوله « عرضت على سيف الدولة خيوله ، وبنو أخيه وبنو عمه حضور ، فكل اختار منها وطلب حاجته ، وأمسك الأمير أبو فراس فعتب عليه الأمير سيف الدولة ، ووجد من ذلك وتكلم فبلغ ذلك أبا فراس » وهذا النص يعرض جملة من الحقائق ، منها نفسية أبي فراس المتعالية التي لا ترضى الذل والخضوع ، في جو ابتسمت فيه الدنيا لناصر الدولة ـ قاتل أبي الشاعر ـ وأبنائه ، بل كان يشعر أبو فراس أن أبناء ناصر الدولة ، فضلا عن كونهم قتلة أبيه ، ينافسونه في مكانته السياسية والاجتماعية ، ولذا فإنه  لم يأخذ شيئا من  خيول سيف الدولة ، ورفضه فورة انفعال تعبر عن أشياء عميقة الغور في نفسه ، وأراد من جهة أخرى أن يلفت أنظار سيف الدولة إليه ، وكان رفضه جرحا لمشاعر سيف الدولة ووخزا لمواقفه ، « فعتب عليه سيف الدولة ،ووجد من ذلك وتكلم » .

      ولا ندري ماذا تكلم غير أنّ القصيدة التي ردّ بها أبو فراس إثر الحادثة على سيف الدولة تفسر قسوة الكلام الذي تفوه به سيف الدولة : 

    

 غيري يغيرُهُ الفعالُ الجافي

 

ويحول عن شيم الكريم الوافي

 

لا أرتضى وداً إذا هو لم يدمْ

 

عند الجفاء وقلة الانصاف

 

تعس الحريص وقلّ ما ياتي به

 

عوضا من الالحاح والالحاف

 

إن الغني هو الغني بنفسه

 

ولو أنه عار المناكب حاف

 

وتعاف لي طمع الحريص ابوتي

 

ومروءتي وفتوتي وعفافي

 

ما كثرة الخيل الجياد بزائدي

 

شرفاً ولا عدد السوام الضافي

 

خيلي وإن قلت كثيرٌ نفعُها

 

بين الصوارم والقنا الرعاف

 

          وقد عرف سيف الدولة أبعاد القصيدة والموقف الذي سبقها ، وشعر من خلالها بالدوافع التي دفعت أبا فراس إلى اتخاذها ، أما الحادثة الثانية :  فهي قصيدة ألقاها أبو فراس في حضرة سيف الدولة وأمام أخيه ناصر الدولة ، وقد مزج فيها الشاعر بين مدح سيف الدولة وهجاء ناصر الدولة باعتباره قائلاً لأبيه ، والقصيدة توضيح بارز لمواقف أبي فراس المريبة ازاء قاتل أبيه ، وتهجمه عليه ، وذكره لمخازيه ومساوئه ، ونبّه عمومته وأقاربه إلى الترات التي لا تنسى :

 

هذي شيوخُ بني حمدان قاطبةً

 

لاذوا بــدارك عــنــد الخــوف واعتصموا

 

ويقول موجها كلامه إلى ناصر الدولة :

شيخوخةٌ سبقت لافضلَ يتبعُها

 

وليس يفضلُ فينا الفاضلُ الهرمُ

 

ولم يفضل عقيلا في ولادته

 

على عليّ أخيه السن والقدم

 

 

 

وكيف يفضل من أزرى به بخل

 

وقعدة اليد والرجلين والصمم

 

لاتنكروا يابنيه ما أقول فلن

 

تنسى الترات ولا أنا حال شيخكم

 

كادت مخازيه ترديه فانقذه

 

منه بحسن دفاع عنه عمكم

 

وفي ضوء هاتين الحادثتين ، موقف أبي فراس من خيول سيف الدولة ، وهجاء ناصر الدولة ، وبالتعريض بأبنائه ، وذكر الترات القديمة ، نرى من خلالهما أن قلب كل من الأميرين قد فسد على الآخر فساداً لا صلاح بعده .

      وتعمقت خشية سيف الدولة من أبي فراس ، ولذا عدّ العدّة  لكسر شوكته إن لم يستطيع الخلاص من ، واستغلها سيف الدولة بعد أسر الشاعر ، وكان الشاعر يظنّ أن دولة بني حمدان مرتكزة علية وبدونه لا تقوم ، وأنّ سيف الدولة سيسعى لفدائه وإن كان جافياً له ، لأن عماد دولته يقوم عليه ، ولذلك كانت قصائده التي قالها في أول أسره  طافحة بالفخر وتذكير سيف الدولة بمواقفه وقدراته ، غير أن هذه فرصة سيف الدولة الوحيدة لكسر شوكته ، ويريه « أنّ الدولة غنية عنه وان النصر يتم بدونه » .

      وأكد سيف الدولة موقفه هذا برفضه إطلاق سراح ابن أخت ملك الروم مقابل إطلاق سراح أبي فراس ، كما أنَّ سيف الدولة لم يعر اهتماما لأم الشاعر العجوز التي جاءت طالبة الإسراع بفك إسار ابنها ، وكان لوفاتها وقعٌ كبيرٌ في نفس الشاعر ، فقد ضاعف موتها عليه مرارة السجن .

       وكانت آثار الجفوة تتعمق حتى بعد اسر الشاعر ، هذه في إمارته ، وهذا في سجنه ، فعندما بعث أبو فراس طالباً من سيف الدولة فداءه وان لم يستطع سيف الدولة كاتب لأجله صاحب خراسان ، فكان رد سيف الدولة أكثر قسوة من طلب الأسير « ومن أين يعرفه أهل خرسان  ».

      وقصائد الشاعر في الفترة الأولى من سجنه تنم عن التعالي والفخر  ، ولكن سرعان ما أثر طول السجن في نفسه فأخذ يرسل مدائحه وعتابه لسيف الدولة آملا إطلاق سراحه

 

أسيف الهدى وقريح العرب

 

عـــلام الجــفـــاء وفــيــم الغـــضـــب
 

ولكنه يعود أحياناً ثائراً على سيف الدولة ومتهجما عليه :

 

زماني كلُّه غضبٌ وعتبُ

 

وأنت عليّ والأيام إلب

 

ظللتَ تبدلُ الأقوالَ بعدي

 

ويـبـلــغـنـي اغـتـيــابــك مـــا يــغــب

 

      وفي قصيدة أخرى يتهجم على سيف الدولة ، ويذكر توقعه لهجرة له في المرحلة الأولى من حياته : 

وربّ كلامٍ مرَّ فوق مسامعي

 

كما طنّ في لوح الهجير ذبابُ

 

إلى الله أشكو ، اننا بمنازل

 

تحكم في آسادهنّ كلابُ

 

وقد كنت أخشى الهجر والشمل جامع

 

وفي كل يوم لقية وخطابُ

 

أمن بعد بذل النفس فيما تريده

 

أثاب بمر العتب فيما أثاب

 

      والملاحظ انّ أبا فراس حين أطلق سراحه لم يمدح سيف الدولة ، والقصيدة التي قالها لحظة تبادل الأسرى مليئة بالفخر ، ولم يشر بها إلى سيف الدولة ، وماذا تنتظر من شاعر وسياسي سجن مع بغض من ابن عمه ما يزيد على أربع سنوات ! ، ومما يؤكد هذا انّ أبا فراس لم يرث سيف الدولة بعد وفاته .

      و حين أطلق سراح أبي فراس من سجنه ولاه سيف الدولة حمص ، لأسباب منها إرضاء الشاعر كيلا يجعل منه ومن أنصاره أعداء وخصوماً ، ومن جهة ثانية أراد أنْ يبعد الشاعر من حلب عاصمته لأنّ حمص بعيدة نسبيا إذا ما قورنت بمنبج التي كان أبو فراس أميرا ًعليها قبل أسره ، وحتى يتمكن أولاد سيف الدولة تركيز ملكهم بعد وفاة أبيهم ، دون كبير أثر من أبي فراس  .

      بعد هذا العرض استطعنا أن نحدد الجفوة بين الأميرين وانها حدثت  قبل سجن أبي فراس وتطورت ، فالعامل الثأري هو أقوى العوامل وأبرزها أثرا في شقة الخلاف ، لأن أبا فراس كان يفكر في الثأر لأبيه ، وكانت خشية سيف الدولة وناصر الدولة من أبي فراس من الأخذ بثأر أبيه مما لعب دوراً بارزاً في شقة الخلاف ... كما لعب العامل السياسي دورا لأن أبا فراس كان رجلاً طموحاً مزهواً بمواهبه وقدرته ، ويسعى من جهة أخرى لتحصيل امارة مستقلة له ، وظهر طموحه هذا بجلاء بعد وفاة سيف الدولة ، ولا يقل العامل القبلي أهمية عن غيره ، فقد كان جو الحمدانيين مشحوناً بالعداء والبغضاء ، وكانت هناك أطراف أخرى تنمي هذه النوازع وتغذيها ، بل كان لبغض الشخصيتين دور كبير في شقة الخلاف ممن يكرهون هذا وذاك .

      بقيت مسألة في غاية الأهمية تتصل بقصيدة أبي فراس « أراك عصي الدمع » ... أكانت مشحونة بالرمز أم مفتقرة إليه ؟ ، إذ ذهب بعض الباحثين إلى « أنّ غزل هذه القصيدة رمزي يدور حول سيف الدولة » ويرى آخر « انّ أبا فراس يكنى بالحب والنسيب عن غيرهما من الموضوعات» ويذهب آخر إلى أنه قد انفلتت من أبي فراس بعض أبياته من نسيبه القليل في قصائده الروميات تلمح فيها هذه الرمزية » ويؤكد على قصيدته « أراك عصي الدمع » .

      واعترضنا أنّ إيراد الرمز في هذه القصيدة مجرد إدعاء لأن الباحثين الذين دافعوا عنه لا يملكون الأدلة المقنعة في تأكيد الرمزية في القصيدة ، والغرض منه التعريض بسيف الدولة ، وإذا كانت ظروف السجن هي التي أجبرت الشاعر على الرمز لكان من الطبيعي أن يستمر عليه ، وليس من مبرر يدعو إلى هذه الرمز فلقد تهجم الشاعر على سيف الدولة بصراحة في رومياته بالذات فلماذا هذا الرمز ؟ ولماذا يكون في المرأة ؟ .

      ومن أمثلة التعريض بسيف الدولة قول الشاعر موجها كلامه إلى ابن عمه :


 

 

وقد صار هذا النّاس إلا أقلهم

 

ذئابا على أجسادهنّ ثياب

 

      ويقول  :

     

وربّ كلام مرّ فوق مسامعي

 

كما طنّ في لوح الهجير ذباب

 

الى الله اشكو ، اننا بمنازل

 

تحم في آسادهنّ كلاب

 

      وقد ذكرنا في ثنايا البحث بعضا من أساليب التعريض بسيف الدولة هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أنّ مظاهر الرمز في القصيدة لم تكن واضحة . بحيث تظهر مرة وتخفى مرة أخرى ، وليس لها من شفيع إلا تأويلات متكلفة وهذا الظهور والاختفاء لا ينهض دليلا كافيا لتبرير ، ونسأل كيف استطاع الشاعر ان يجمع بين الغزل في حبيبته والرمز بسيف الدولة ؟ ، ولو كان الأمر كذلك لاستقام الرمز أكثر من غيره ، ثم كيف يستقيم الغزل وعرض العواطف من جهة وذم شخص آخر .. ولو ذهبنا كذلك لجردنا أبا فراس من عواطفه ومشاعره ، ويدفعنا الأمر أن ننفى عنه الغزل ، ولقد ذهب إلى هذا الرأي أحد الباحثين بقوله « إنّ غزل أبي فراس ما يلفت انتباه الباحثين على أنه . غزل حقيقي » ، والذي دعاه إلى هذا الحكم الخاطئ سيطرة الرمزية المتمحلة على ذهنه وتفكره ..

     وحقيقة أخرى أنّ القصيدة تعبر عن عاطفة متأججة عرض فيها الشاعر موقف العاشق من المرأة ، ثم عرض عميق لنفسية المرأة بدلالها وتجاهلها حبيبها وتناسيها الود ، وهذه المحاورة بين الشاعر وحبيبته ، وكيف يظهر الشاعر بتذلله لحبيبته ،  وليس طبيعيا أن يرمز الشاعر بسيف الدولة ويتذلل بمواقفه له ومثال ذلك :

فأيقنت أن لا عزة بعدي لعاشق

 

وأنّ يدي مما علقت صفر

 

     ويذهب الشاعر بعد ذلك ليفخر بنفسه ليعبر عن نفسه العالية أمام حبيبته وليحقق غاية في إرضائها ..

      وحقيقة أخرى ، أننا لو اعتبرنا القصيدة رمزا أفقدناها أبرز خصائصها الفنية باعتبارها من روائع قصائد الغزل العربي ، ونعمد إلى تقليل وتمزيق وحدتها العضوية التي تحطمت بين الرموز المشوهة والغزل المشوه بحجة الرمز . ولو جردنا أذهاننا من فكرة الرمز وقرأنا القصيدة لا نجد فيها اضطرابا ونقف إزاء مشاعر إنسانية عميقة تتلاطم فيها مشاعر الأديب بعرض فني عميق معبر عن تجربة إنسانية خالدة بعيدة عن أساليب الرمز التي حاول بعض الباحثين فرضه عليها .

تجليات التعارض

في قصيدة المدح عند البحتري

 ( 1 )

 

تُمثل بنية القصيدة واحدةً من القضايا التي شغلت التفكير النقدي ، وتتفاوت الدراسات في كيفية تحليلها وتفسير معضلاتها ومشكلاتها ، ويمكن تأمل بنية القصيدة من خلال منظورين ،يتأمل أحدهما البنية من جهة المتلقي ، ويتأملها الآخر من ناحية المبدع ، وأبرز من يمثل المنظور الأول ابن قتيبة الذي حاول إرجاع بنية القصيدة إلى مكونات تقع خارج النص الأدبي ، فلقد قام باستقراء ناقص للقصيدة العربية ثم عمد إلى تفسير ذلك على وفق تصور تحكمه مقولات عقلية ترد الكثرة والتنوع والتعدد إلى وحدة ذات طابع شبه منطقي، فهو يؤسس بنية القصيدة انطلاقاً من المكان، ويتطور بها على وفق مسببات منطقية تقود إلى نتائج تتوقف في النهاية عند المديح الذي يقود هو الآخر إلى الجائزة والمكافأة التي يحصل عليها الشاعر .

           إنَّ المكان يمثل مثيراً يدفع الشاعر ـ في تصور ابن قتيبة ـ إلى ذكر آهليه، ومن ثم الانتقال إلى التحدث عن حبيبته وذكرياته معها، فهو انتقال من العام إلى الخاص، أي الانتقال من المكان إلى عموم قاطنيه، ثم الانتقال إلى أخصهم وهي حبيبة الشاعر، يقول ابن قتيبة : « إنَّ مقصّد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها، .... ثم وصل ذلك بالتشبيب فشكا شدة الوحدة وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ».

           وإذا كان ذكر الديار أمسى » سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها « فإنّ التشبيب بالحبيبة يصبح هو الآخر سبباً » ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه، لأنّ التشبيب قريبٌ من النفوس، لائطٌ بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحدٌ يخلو من أنْ يكون متعلقاً منه بسبب، وضارباً منه بسهم، حلال أم حرام ».

           إنّ المؤثر الخارجي متمثلاً في المكان وفي قاطنيه صار مثيراً يدفع إلى التعبير الشعري، وإنّ النص الأدبي يتحول إلى مؤثر في المتلقي لاستمالة قلبه وإصغائه للقصيدة والشاعر، ويمكن قياس الأمر ذاته على وصف الرحلة والمديح فإنّ الشاعر إذا علم أنه قد «استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا الغضب والسهر، وسرى الليل وحر الهجير، وأنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه وصغر في قدره الجزيل ».

           إنّ الغاية تتحول إلى سبب يولد غاية أخرى تتوقف في نهايتها السلسلة المنطقية من التعاقب السببي التي تنتهي بالمديح الذي يجني فيه الشاعر المكافأة، إنّ الغاية النهائية من هذا كله غاية نفعية « تربط الأفعال جميعها بغاياتها العملية، ومؤداها الأخير هو المصلحة المادية» .

           إنّ بنية القصيدة عند ابن قتيبة تكتنفها وحدة منطقية « وليست الوحدة المنطقية إلا جزءاً ضئيلاً من الوحدة التي يلزم وجودها في الشعر الرفيع، إن الشاعـر أحياناً قـد يضحي بهذه الوحدة المنطقية لأنه قد يعيش تجربته أو جزءاً من تجربته على مستوى شعوري لا يستطيع أنْ يبلغه المنطق ».

           ولم يقتصر ابن قتيبة على هذه الوحدة المنطقية في تتابع وحدات القصيدة ولكنه اشترط توازناً منطقياً بين هذه الوحدات، فالشاعر المجيد لديه «من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحداً منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمأ إلى المزيد » ومن الواضح أنّ المتلقي يمثل غاية الشاعر، في كلا الأمرين، سواء في تتابع الأقسام أو في توازنها، وعندها يصح أن نقول مع أحد الباحثين إن ابن قتيبة قد ذهب إلى « الأخذ بالوحدة النفسية عند المتلقي، أي قدره الشاعر على جذب انتباه السامع أولاً ليضعه في جو نفسي قابل لتلقي ما يجيء بعد ذلك».

           وليس غريباً ـ من هذه الزاوية ـ أنْ تقود هذه المعالجة المنطقية الصارمة إلى موقف يلزم به الشاعر ما أقره له أقسام بنية القصيدة التي يقول فيها : « وليس لمتأخر الشعراء أنْ يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منـزل عامر، أو يبكي عند مشيد البنيان، لأنّ المتقدمين وقفوا على المنـزل الداثر، والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأنّ المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير. أو يَرِدُ على المياه العذاب الجواري، لأنّ المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي، أو يقطع إلى المروج منابت النرجس والآس والورد، لأنّ المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة ».

           واستكمالا لهذا التصور أود الإشارة إلى أنّ ناقداً يؤكد أنّ ابن قتيبة «يحتفظ من الثقافة القديمة بملامح رئيسية، أولها : أنه لا يزال يفترض في الشعر أن يكون إنشاء على الرغم من شيوع التدوين في عصره ..... وثانيها : أنه لا يزال يتمسك بالعناصر البدوية في القصيدة ولاسيما الوقوف على الأطلال ووصف الراحلة .... وثالثها : كثرة الانتقالات، ولم تفلح الروابط التي افتعلها ابن قتيبة بين الأجزاء في إظهار أي نوع من الوحدة، يمكن أن يسوغ اعتبار القصيدة عملاً واحداً ».

ويمثل المنظور الثاني « فالتر براونه » وعز الدين إسماعيل ، إذ يتجاوز الباحثان تصورات ابن قتيبة لتأمل الشاعر وعلاقته بالطلل ، ويقيمان علاقة بين الذات  وموضوعها ، ومن ثم لا يمثل الطلل مجرد مثير يدفع مثير يدفع الشاعر إلى تأمل ذاته وموضوعه فحسب ، وإنما يعبر في الوقت نفسه عن مشكلة وجودية يعيشها الشاعر الجاهلي بخاصة ،وتتصل المشكلة الوجودية عند فالتر براونه بالقضاء والفناء والتناهي ، ليجد مبررا لهذا البكاء والحزن الذي يشيع في قصائد الجاهليين ، فمن يقرأ أوصاف الشاهد الفرحة بتدقيق يدرك ما يضايق الإنسان ويقلق الشاعر اللطيف الحس من مخاوف الوجود . من الذي ينكر أن كثيرا من الشعراء القدماء يتذكرون الأيام السعيدة ويصفون ساعات اللهو والشرب والهزل والمداعبة ولكنهم يتكلمون عن هذا كله بصرخة الألم ... هذا هو موقف الإنسان في تاريخه كله فإنه يشعر دائما بتهديد القضاء وتوعد الفناء ... اختبار القضاء والفناء والتناهي هذا ما كان يشعر به شعراء العرب وهذا الشعور معبر عنه في نسيب قصائدهم»

ويقيم عز الدين إسماعيل تصوره على أساس علاقة الشاعر بالواقع الخارجي ، وأثرها في ذات الشاعر فلقد كانت الحياة الجاهلية تنطوي في نفس الشاعر على عناصر خفية اصطدم بها حسه وهي التناقض والتناهي والفناء وكان الشاعر يحس بهذه العناصر أساسا منبها ومما زاد من وطأة الموقف وقسوته افتقار الشاعر الجاهلي إلى نظرية «تفسر له هذه العناصر الحيوية المختلفة وتشيع في نفسه شيئا من الراحة والطمأنينة كما حدث بعد ظهور الإسلام » .

ويرجع عز الدين إسماعيل تفسير المقدمة الطللية إلى التناقض الوجودي الذي يعيشه الشاعر ، ولذا فإنه « قد جمع في قطعة النسيب التي تتصدر قصيدته بين عنصرين أحدهما يذكر بالفناء وهو الأطلال ،والآخر يذكر بالحياة وهو الحب ،وليس اجتماع هذين النقيضين : الحياة والفناء في الموقف الواحد ، وارتباط أحدهما بالآخر ، إلا تأكيد لإحساس الشاعر بالتناقض العام الماثل سواء في  العالم الخارجي ، أو عالمه الباطني ، فالتناقض الذي ستمثله قطعة النسيب ليس تناقضا لفظيا أو فكريا ، وإنما هو تناقض وجودي ،يتمثل في واقع الحياة كما يتمثل في كيان الفرد الحي ».

 

( 2 )

 

ولا ريب أن تطورا حل بالمجتمع العربي أسهمت فيه تغيرات فكرية وسياسية واجتماعية ، وتتابعت في الدولة العباسية مرجعيات معرفية مختلفة ، كان للمرجعية العقلية ـ الاعتزالية بالتحديد ـ أثر كبير في تطور القصيدة العباسية ، وبخاصة القصيدة الحداثية ، غير ان مرجعية معرفية أخرى ، المرجعية المعرفية النقلية ، كانت تمثل المقابل المضاد للمرجعية العقلية على المستويات كلها ، كان منشأها أن تدعو إلى الإعلاء من النقل والمأثور بسنن العرب حتى في مستوى الإبداع الشعري .

وكانت قصيدة المدح أكثر القصائد التزاما بالموروث على نحو العموم ، وكان الخلفاء يحاولون المحافظة إلى السمات العامة التقليدية فيها ،يحثون الشعراء على ذلك ، وكان البحتري ممثلا للمرجعية المعرفية النقلية في العصر العباسي ، ومعبرا عن الطبع التعبير الفني الممثل لهذه المرجعية ، ترى كيف كانت بنية القصيدة لديه ، هل هي صورة للقصيدة الجاهلية ،بحيث يصدق تلك التفسيرات التي سردنا بعضها ، أم أن هناك تطورا طرأ على رؤية الشاعر ،أسهم في تغيير طبيعة بنية قصيدة المدح .

وتحاول هذه الدراسة الإفادة من روح الدرس اللغوي الحديث ،وتقيم تصورها على فرضية مفادها إمكان إرجاع المتعدد إلى متوحد ، أو أصل ثابت واحد ، تماما كما فعل تشومسكي في إثناء تحليله الجملة ، وزعها إلى بنيتين عميقة وسطحية ، ونمثل البنية العميقة الثابت ، في حين تمثل البنية السطحية المتنوع ، ويمكن إرجاع العدد اللامتناهي من الجمل إلى بنى عميقة موحدة .

ومن خلال تأمل قصائد البحتري يتبدى إمكان دراستها في ضوء محورين ، أحدهما يحاول الكشف عن التجليات المتعددة التي تشتمل عليها قصيدة المدح ، ويحاول الآخر إرجاع تلك التجليات المتعددة إلى بنية عميقة تحكمها ، ولما كانت الأغلبية الساحقة من قصائد المدح عند البحتري تنقسم إلى مقطعين : مقطع المحبوبة ، ومقطع الممدوح ، فإن البحث سيركز على هذا المنحى بشكل عام ، والتطبيق على بعض نماذجه .

إن البنية العميقة التي تحكم تجليات قصيدة المدح تتمثل في التعارض بين السلب والإيجاب بين مقطعي المحبوبة والممدوح ، ويمثل هذا التعارض إطارا عاما تقع تحت شموليته أنماط متعددة من تجليات متعارضة عديدة ، وينطبق ذلك على قصيدة البحتري في مدح الخليفة المعتمد :

 

1.     جائر في الحكم لو شاء قصد      اخـذ النـوم وأعطانـي السهــد

2.     غاب عما بت ألقى في الهوى    وهـو النـازح عطفـا لـو شـهد

3.     وبنفسـي والأمانـي ضلـة          سيـد يصـدف عنــي  ويصــد

4.     حـال عن بعض الذي اعهده      وارانـي لـم احـل عمـا  عهــد

5.     كيـف يخفى الحب منا بعدما      قـــام واش بهــوانـا وقعــد

6.     لسـت أنسى ليلتي منه  وقد       أنجــزت عينـا بخيـل مـاوعـد

7.     علقـت كـف بكـف بيننـا           واعتنقنــا فـالتقـى خـد  وخـد

8.     وتشاكينا من الحـب جـوى        مــلا الأحشــاء نــارا تتقــد

9.     أيهـا الجـازع اجواز  الفلا         يطلـب الجـدوى مـن القوم  الجمد

10.    خل عنك الناس لاتغرر بهـم    واعتمد بحـرالإمـام المعتمــد

11.    مــلك يكفيـك منـه انـه وجــد الدنيـا فاعطـى مـاوجـد

12.    لو من الغيث الذي تجري به    راحتـاه مـن عطــاء لنفــــد

13.    همة نعرفهـا مـن  جعفـر        وخــلال فيــه يكـثرن  العــدد

14.    أشرقت أيامنـا فـي ملكـه    وازدهت حسنـا ليالينـا  الجــدد

15.    حقـق الآمـال فيـه كـرم          مـــلا الدنيـا عطــاء وصفــد

16.    نصـرت راياتـه أو ناسبت       رايــة الديـن ببــدر  واحـــد

17.    فله كل صباح فـي العـدى    وقعـــة تثلــم فيهــم وتهــد

18.    وأبو الصهباء قد أودى على     حولـه الخيــل كمـا  أودي لبــد

19.    فر عنه جيشه حـيث الظبـا      شـرع تفـري طــلاهـم  وتقــد

20.    من قريـات بـلاس ينتهـي       بهـم الركـض إلـى حيطـان لــد

21.    ولقـدراع الأعــادي خـبر  مـن طلمجـور وقــد قيــل يفـد

22.    مستقـلا في رهـارجراجـة    للقنــــا فيهــا اعتــدال واود

23.    ارم بالكهـل على جمهورهم    تـرم منــه بالشهــاب المتقــد

24.    علني اسرى  على منهاجـه      أو أوافــى معـــه ذاك  البلــد

 

ويمكن تقسيم القصيدة إلى مقطعين على النحو الآتي :

مقطع المحبوبة : 1 – 8

مقطع الممدوح : 8 – إلى آخر القصيدة

وبتجلى التعارض في القصيدة ابتداء من الكلمة الأولى ، ويدل التعارض على ان أحد طرفي التعارض يستدعي الآخر بالضرورة ، ويكشف عن ذلك بمجرد قراءة البيت الأول في القصيدة ، فإن الشاعر حين يصف حبيبته :

 

جـائر فـي الحكم لـو شـاء قصـد   اخـذ النوم وأعطـاني السهــد

 

يستدعي الصورة المعارضة للممدوح ، وهو كونه عادلا في الحكم ، وهي صورة متضمنة في النص ، ويعبر الشاعر عنها بوضوح في نصوص أخرى ،يقول البحتري في مدح المتوكل:

 

مـلك حصّـنت عزيمتــه الملـ     ك فأضحــت لــه معانــا وردا

اظهر العـدل فاستنـارت بـه الأر ض وعـم البـلاد غـورا ونجــدا

 

ولعلنا نستطيع ان نستكمل الصورة المتعارضة على مستوى السلب في مقطعي المحبوبة والممدوح ، على الرغم من اننا نعثر على المقابل في أغلب الأحوال ،فإذا كانت المحبوبة في المقطع الأول تتميز بخصائصها السلبية فهي جائرة في حكمها إزاء عاشقها الشاعر ، وانها تهب الرديء ، وتسلب الجيد ، فإن معارضها الممدوح يتميز بالعطاء المطلق ، فهو يعطي ولا يأخذ ، يقول :

 

مــلك يكفيــك منـه انـه    وجـد الدنيا فـأعطى مـا وجــد

لو من الغـيث الذي تجـري بـه      راحتـاه من عطـاء لنفــــد

وإذا كان الشاعر يتحدث عن المحبوبة الغائبة يقوله :

 

غـاب عمـا بـت القى في الهوى     وهـو النــازح عطفـا لـو شهــد

 

فلعله يدل على تشبيه لم يذكره الشاعر ، إذ يوحي الغياب ، هنا ، بغياب القمر ، ويستدعي ذلك الإيحاء ، مبيت الشاعر الذي يعاني من الهوى ، وهذا يدل على ظاهر جميل للمحبوبة ، ولكنه غائب ، ولهذا الظاهر الجميل اثر سيئ على ليل الشاعر المليء بالحزن والباعث على الهزال ، فإن معارضه الممدوح يتميز بحضوره وبهائه الذي يؤثر إيجابا في الطبيعة بحيث يتعارض تماما مع صورة المحبوبة التي أثرت سلبا على الطبيعة :

 

أشـرقت أيامنــا فـي ملكـه        وازدهت حسـنا ليالينا الجــدد

 

ولم تكن هاتان الصفتان المتعارضتان مقتصرتين على القصيدة التي مدح بها الخليفة المعتمد ، بك تكاد تشيع في قصائد المدح عند البحتري ، إذ يشتمل مقطع المحبوبة على تعارض داخلي بين ظاهر المحبوبة وباطنها ، إذ تتميز المحبوبة بجمال حسي ظاهري باهر ، يدل على البهاء والامتلاء ، غير ان عالمها الداخلي سبي على نحو الإجمال ، إذ تتميز بالصدود والبخل ، أو كما قال البحتري « وحسناء لم تحسن صنيعا »

      

وقـد  راعنـي منها الصـدود وإنما         تصد لشـيب في عذاري يروعهــا

وحسناء لم تحسن صنيعـا وربمــا         صبـوت إلى حسنـاء سـاء  صنيعهـا

ويقول :

إن البخيلــة لـم تنعـم لسائلهـا     يـوم الكثـيب ولـم تسمـع لداعيها

مرت تأود فـي قـرب وفـي بعـد فالهجــر يبعدهـا والـدار تدنيهـا

 

كما أنها تبعث على الهزال والسقم ، وان الشاعر معنّى من حسنها ومن صدودها ، فهي تحلل وتحرم ، ولكنها تحلل المحرم وتحرم المحلل : يقول :

 

وهـل علمـت أنـي ضنيت وأنهـا          شفـائي مـن داء الضنـى وسقامي

ومهزوزة هـزالقضـيب إذا مشـت         تثنـت عـلىدل وحسـن قـوامـي

أحـلت دمـي من غير جرم وحرمت       بـلا سـبب يـوم اللقـاء  كـلامي

فليـس الـذي حللتــه  بمحــلل     وليــس الـذي حرمتـه بحــرام

 

إن المحبوبة تتسم بملامح الجمال والبهاء ، من حيث الفتنة بألفاظها ، وجمال شكلها ، وحسن قوامها ، أما فعلها فهي تلج في الهجر ، وتعيد الصدود ، وتري الشاعر أنماطا من الجفاء ، يقول :

لـي حـبيب قـد لج في الهجر جدا           وأعـاد الصـدود منـه وأبــدى

ذو فنـون يريـك فـي كـل  يـوم    خلفـا مـن جفــائه مستجــدا

يتـأبـى منعـا وينعــم  اسعـافا     ويـدنـو وصـلا ويبعـد صــدا

وبنفسـي افـدي عـلى كـل حـال  شادنـا لـو يمـس بالحسن اعدى

مـربـي خالـيا فاطمع في الوصـ  ل وعـرضـت  بالســلام فـردا

وثنــى خـده إلـي عـلى  خـو      ف فقبــــلت جلنــارا ووردا

سيدي أنـت مـا تعرضـت ظلمـا فاجـازى بـه ومـا خـنت عهدا

حــاش لله أنــت افتـرالحــا        ظا واحسن شكـلا واحسـن قـدا

 

إن المحبوبة كانت سببا في معاناة الشاعر ، فلقد فلقد ظل الشاعر وفيا لحبيبته ، ولكنها كثيرة التقلب والتغير ، وذا يمثل نمطا آخر من تعارض بين المحبوبة والشاعر ،يقول :

 

وبنفــس والأمــاني ضلـــة        سيــد يصــدف عـني ويصــد

حال عن بعـض الـذي أعهــده    رانــي لــم أحـل عمـا عهــد

 

ويتبدى تعارض من نوع آخر ،إذ ما يكون سببا للجمال عند المحبوبة ، إنما هو سبب للسقم والهزال والألم عند الشاعر ، يقول البحتري :

 

عــن أي ثغــر تبتســـم            وبـــأي طـــرف تحتكـــم

حســن يضــن بحسنـــه           والحســـن أشبــه  بالكــرم

افديـه مـن ظلــم الوشــا           ة وان أســـاء وان  ظلــــم

وكـان فـي جسمــي الـذي         في  نـاظريــه مــن السقــم

يهنيــك انــك لـم تــذق             سهـــرا وانــي لــم انــم

أقسمــت بالبيــت الحــرا          م وحرمــة الشهـــر الأصـم

 

إن مقطع المحبوبة يمثل الموجة السالبة في القصيدة ، في حين يمثل مقطع الممدوح الموجة الموجبة ، فإذا كانت المحبوبة تبعث على السقم والهزال والجدب ، وأنها حسناء سيئة الصنيع ، فإن الخليفة يتميز بحسن المحيا من ناحية ، وحسن الفعل من ناحية أخرى ، ولذلك جعل الشمس والقمر دالين على جماله وبهائه ،ويرتبط هذا في اغلب الأحوال بملامح دينية ترجع إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الممدوح ـ الخليفة ـ هو امتداد للنبي ، كما أن أفعاله تحيي الإسلام ،وتدافع عن الرعية ، يقول :

 

وشبيــه النـبي خلقـا وخلقــا       ونســيب النبـي جــدا فجــدا

ويقول :

 

نجلـو بغرتــه الدجـى فكأننـا  نســري ببـدر فـي الـدادي السود

حتـى  وردنـا بحــره فتقطعــت            غـلل الظمـا عـن بحـره المـورود

ويقول :

 

لقـد جمــع الله المحاسـن كلهــا    لابـيض مـن آل النــبي همـــام

نطيـف بطلـق الوجـه لا متجهــم    علينـا  ولا نـزر العطــاء جهــام

يحببــه عنــد الرعيـة  انـــه      يدافـع عــن أطـرافها  ويحــامي

لقد حطت ديـن الله خـير  حياطــة    وقمــت بأمــر الله  خـير قيــام

 

ويقول :

حمـى حـوزة الإسـلام فارتـدع العدى  وقـد علمـوا الا يــرام منيعهــا

ولمـا رعـى سـرب الرعيـة  ذادهـا     عن الجدب مخضر البـلاد  مريعهـا

علمــت يقينـا مذ  تـوكــل جعفـر    عـلى الله فيهـا انـه لا يضيعهــا

جـلا الشـك عـن أبصارنـا  بخلافـة       نفـى الظلـم عنـا والظلام  صديعها

هي الشمس أبدى رونق الحـق نورهـا       واشرق في سـر القلـوب طلوعـها

 

إن المحبوبة في قصائد المدح عند البحتري تخذل الشاعر ، ولا تحقق أمانيه ،وتحرمه من التواصل ، وحين يتحقق التواصل ـ كما هو الحال في قصيدة مدح المعتمد ـ فهو تواصل قصير ، مرة واحدة لليلة واحدة ، فهي تمثل تواصلا نادرا ، وانفصاما غالبا، ويقابل هذه الصورة معارضها الممدوح الذي يمثل لا تواصل المستمر ، وأكثر من هذا أنه  يحقق آمال الشاعر وآمال الجماعة بأسرها ، يقول :

 

حــقق الآمــال فيــه مـــلك  مــلا الدنيـا عطــاء وصفــد

 

ومن الجدير بالذكر أن هنا تعارضا من نوع آخر بين المحبوبة والممدوح ، إذ تمثل المحبوبة مفردا مؤنثا تحدث عنه الشاعر بصيغة المذكر ، وأن فعلها لا يتجاوزها ولا يتجاوز الشاعر ،أما الممدوح فإنه يمثل المفرد المذكر الخارق ، الذي يتميز بخصائص تقترب من الملامح القدسية بفعل الصفات الدينية التي يخلعها عليه الشاعر وتقابله الجماعة ، ويتجلى في فعل الممدوح تعارض من نوع آخر ،حيث يكون الممدوح سببا في بعث الخصب في الحياة والحيوية في الجماعة المناصرة له ، والموت الدمار في الجماع المعارضة له ،فعلى مستوى الجماعة المناصرة له ، يقول:

 

أشـرقــت أيامنـا فـي ملكــه       وازدهــت حسنـا ليالينــا الجـدد

حــقق الآمـال فيــه مـــلك         مــلا  الــدنيا عطــاء وصفــد

نصـــرت راياتـه أو نـاسـبت     رايــة الــدين ببــدر واحـــد

فلـه كـل صبـاح فـي العــدى      وقعـــة  تثلــم فيهــم وتهــد

 

وعلى مستوى الجماعة المعارضة يقول :

 

فلـه كـل صبـاح فـي العــدى      وقعـة تثلــم فيهــــم وتهـــد

مــن قـريـات بـلاس ينتهــي    بهـم  الركض الـى حيطــان لــد

ارم بالكهـل عـلى جمهـورهــم             تـرم منــه بالشهــاب  المتقـــد

ولقـــد راع الاعــادي خــبر    مـن طلمجـور وقــد قيـل يفــد

 

( 3 )

 

إن هذا التعارض جزء من تعارض أشمل يكشف عنه أيضا التحليل الأسلوبي لطبيعة التراكيب في كل المقطعين ، فمن حيث الكم أفرد الشاعر لمقطع الممدوح عددا من الأبيات بمقدار الضعف تقريبا ، اذ يتكون مقطع المحبوبة من ثمانية أبيات شعربة ، في حين يتكون مقطع الممدوح من ستة عشر بيتا ، وذلك بإضافة بيتي الانتقال من الغزل إلى المدح.

ولو قمنا بعمل احصائي نحاول فيه رصد عدد الأفعال في كلا المقطعين ، فسنلاحظ أن عدد الافتعال في المقطع الاول هو 27 فعلا في ثمانية أبيات ، وهي : شاء ، قصد ، أخذ ، أعطى ، غاب ، بت  ، ألقى ، شهد ، يصدف ، يصد ، حال ، أعهده ، أراني ،احل ، عيد ، يخفى ، قام ، قعد ، أنسى ، أنجزت ، وعد ، علقت ، فاعتنقنا ، التقي ، تشاكينا ،ملأ، تتقد . كما أن عدد الأفعال في المقطع الثاني  31 فعلا في ستة عشر بيتا شعريا ، وهي :يطلب ، خل ، تغرر، اعتمد ، يكفيك ،وجد ، أعطى ، وجد ،تجري ، نفد ، نعرفها ، يكثرن ، أشرقت ، ازدهت ، حقق ، ملأ ، نصرت، ناسبت ،فر ، تفري ، تقد ، تثلم ، تهد ، ينتهي ، ارم ، ترم ، راع ، قيل ، يفد ، أسرى ، أوافي .

ومن اللافت للانتباه أن حرف الروي « الدال » قد استدعاه اسم الخليفة المعتمد ، وعلى الرغم من ذلك فإن حرف الروي يغلب عليه كونه جزءا من فعل في المقطع الأول إذ ورد ست مرات جزءا من فعل في الأبيات : 2 ، 3 ،4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، ، وورد مرتين جزءا من اسم في الأبيات : 1، 7 ، وكونه جزءا من اسم في المقطع الثاني ، إذ ورد عشر مرات في الأبيات : 9، 10 ، 13 ، 14، 15 ، 16 ، 18 ، 20 ، 21 ، 23 ، وورد جزء من فعل في الأبيات  11، 12 ، 17 ، 19 ، 22 .

إن هذا الرصد الإحصائي له دلالة لأنه يؤكد صفة التعارض ويعمقها ، لأن الفعل يدل على الحدث والتغير ، في حين ان الاسم يدل على الدوام والثبات ، ومن ثم فإن كثرة الفعل في المقطع الأول يؤكد معنى السلب ،وقلته في المقطع الثاني يؤكد معنى الإيجاب ،ومن ثم يتحقق التعارض هذه المرة من خلال الرصد الأسلوبي الإحصائي .

ويشيع في المقطع الأول الأفعال التي تنطوي دلالاتها على ملامح سلبية ، سواء أكانت  هذه السلبية متضمنة في الفعل بحسب دلالته المعجمية العامة، ام بما يضفيها عليه السياق ،فأفعال مثل : غاب ،ويصد ، وحال ، تشتمل على دلالة سلبية بذاتها ، وأفعال مثل : لو شاء قصد ، اخذ النوم ، أعطى السهد ،بت ألقى ، قام واش وقعد ، إنما هي أفعال سلبية بحسب موقعها في سياق القصيدة ، أما المقطع الثاني فتشيع فيه الافتعال التي تشتمل دلالاته على ملامح إيجابية ، بحسب طبيعتها المعجمية ، مثل :وجد ، أعطى ، تجري ،أشرقت ، ازدهت ،حقق ،ملأ نصرت،ناسبت ،أو تكون إيجابية بحسب موقعها في سياق القصيدة ، مثل : نفد ، فر ، تجري.

ومن الجدير بالذكر ان المقطع الأول يشتمل على تعارض على المستوى اللغوي ، في حين يخلو المقطع الثاني ، من ذلك : جائر ، قصد ، اخذ ، أعطى ، غاب ، شهد ، حال ، لم احل ،اعهده ،عهد ، قام ، قعد .

إن هذه التعارضات المختلفة إنما هي اوجه متعددة لتعارض اشمل ، يرجع المتعدد إلى اصل ثابت واحد ، وهي جزء من تجليات مختلفة لتعارض عميق ، يمكن ان نطلق عليه البنية العميقة لقصيدة المدح عند البحتري.

 

( 4 )

 

يحيط بنا المكان في كل لحظة ، ومن ثم فإنَّ هناك تداخلا في الإحساس بالمكان والزمان معا ،ولذا فإن الانعتاق منهما يعد أمرا مستحيلا ، لأن وجود الإنسان وصيرورته مقترنة بهما ، غير ان الإنسان يسقط عليهما رؤيته وتجربته وانفعالاته ، ولذا فهما ليسا محايدين ، ما دام الإنسان يشرع في التحدث عنهما .

إن صورة الطلل في القصيدة الجاهلية تعني وقفة مكانية متكررة ، تستدعي زمانين مختلفين ، حاضر ، وماض ،وتتجلى تجليات الخطاب في زمن الحاضر الذي يشهد التحول والاستمرار ، في رحلة نحو المجهول الغامض ، أي الانتقال من المعلوم الماضي  إلى المجهول المستقبل ، ولذلك كانت اللحظات الطللية مضطربة تعبر عن نفس متأزمة قلقة .

وتختلط في صورة الطلل أشياء متعددة ،وقفة الشاعر التي تستدعي صور الماضي ، الخصبة ، الوثابة ،المليئة بالحركة والحياة ،وزمن حاضر ، زمن هشاشة وتحول ،وبكاء وحزن ،ويبدو ان صورة المرأة / المحبوبة تلتحم بالمكان وتصبح جزءا من نسيجه ، ولذلك يتحدث عنها الشاعر بوصفها ماضيا لا تواصل فيه بالماضي غالبا ، وليس بالإمكان عودته في الحاضر  .

إن التحول الحاصل في المكان يشتمل بالضرورة على تحول كائن في المرأة ، وان الشاعر يحاول إعادة اللحظة الماضية وتثبيتها عبر أوصاف مطلقة للمحبوبة ، وإذا كانت الوقفة الطللية رثاء للمكان المتحول ،فإنها في الوقت نفسه رثاء للذات الشاعرة ،لتماهيه مع المكان .

ويستدعي البحتري في مقطع المحبوبة كل هذه الدلالات ، ليس بوصفه شاعراً بدوياً ، وإنما لكونه إنسانا تكتنفه مؤرقات الرحلة من الماضي إلى المستقبل ،ومن رثاء الذات إلى احيائها بعد موات .

وتظل صورة التعارض قائمة ـ هنا ـ فالمكان الذي يكتنف المحبوبة البخيلة طلل مجدب ، والزمان الذي تعيش فيه زمن ماض ، وكله يقع في دائرة التغير والصيرورة الآيلة إلى الهشاشة والزوال ،ولا بد إذن من الارتحال إلى آخر .

 

دلالات التعارض المكاني والزماني :

 

المحبوبة :

امرأة : انوثة ـ ضعف ولين

امرأة : ظاهرها جميل ، وباطنها قبيح

امرأة : محدودة الخصائص ،لاعلاقة لها بالمطلق

امراة : تتسم بالعقم

امرأة : تبعث السقم والهزال في الشاعر

امرأة : لا تحقق التواصل

امرأة : عالمها تخيلي متوهم

 

 

الممدوح ( الخليفة غالبا )

رجل : ذكورة ـ قوة وخصب

رجل : ظاهره حسن ، وباطنه حسن

رجل : جزء من حركة المطلق ، هو امتداد للنبي ، ومن ثم مرتبط بالمطلق.

رجل :ولود

رجل : يبعث الخصب والنماء في الشاعر

عالم الممدوح : حقيقي واقعي

 

مكان المحبوبة وزمانها :

المكان : مكان مجدب لا حياة فيه « طلل »

الزمن : زمن ماض وحركته بطيئة

الحالة : التلاشي والهشاشة

المستوى الحضاري : البداوة

مكان الممدوح وزمانه :

المكان : مكان خصب ، قصور وحدائق ومياه .

الزمن : زمن الحاضر والمستقبل ، وحركته متسارعة 

الحالة : الخصب والنماء

المستوى الحضاري : المدينة

          ويسعى البحتري إلى التنقل والتحرك من الطلل إلى القصر ،والحركة هذه تعني نفيا للمكان وخصوصيته الثبوتية ، ورمزا لانعتاق الإنسان وتحرره ، ولذلك فإنه يفر من الأولى إلى الثانية ، فلا يعطي المقطع الأول مساحة اكبر ، ثم ينتقل إلى المقطع الثاني الذي يتوقف عنده طويلا ، مساحة وحضورا ، بمعنى : إلغاء للطل ، وتثبيت للقصر ، وانحراف عن البداوة وانحياز إلى المدنية .

 

الرومانسية الصوفية وإبداع القصيدة

عند صلاح عبد الصبور

 

1

 

 لعل النقد الأدبي لم يعرف مصطلحاً تأبى على التعريف ، واختلف الباحثون في تأصيله ، واختلف الناس في معرفته وتحديده مثل مصطلح الرومانسية ، لدرجة يعده  A.O.LOVEJOY مصطلحاً لا معنى له  .وتتفاوت الرمانسية في دلالاتها بتعدد الأقاليم وتعدد الأدباء والمبدعين ، فهناك رومانسية انجليزية ، وألمانية ، وفرنسية ، وأسبانية ، وهناك رومانسية : شيلي ، وكيتس ، ووردزورث ، وكولردج ، ورومانسية : مدام دي ستايل ، وفيكتور هيحو ، ورومانسية: شليجل ، وجوته .

 وعلى الرغم من هذا الخلط فلاريب أنَّ هناك أسساً عامة تحدد دلالة هذه الكلمة الغامضة التي أثارت جدلاً كبيراً حولها ، وترجع في أصل اشتقاقها إلى جذرها اللغوي في القرن الثالث عشر الميلادي ROMAN  التي تعني قصص المغامرات التي كانت سائدة في العصور الوسطى ، وتتميز بكونها قصصاً خيالية ، سواء أكانت مكتوبة بالشعر أم النثر .

 ولقد أسهم مجموعة من المفكرين في التمهيد للرومانسية ، فالناقد الألماني لسنج مهد لها فيما وضع من أسس نقدية متميزة « وقد أمدت آراؤه النقد الحديث بقوة جديدة . ولم يكن لسنج رومانطيقياً ولكنه مهد الطريق أمام الرمانطيقيين وخاصة في إكباره الشعر الشعبي »  وقد أسهم هردر إسهاماً فاعلاً في التمهيد للحركة الرومانسية لأنه قرن التطور الإنساني بتطور روحي وفكري يلازمه « إن التطور الذي يصيب حياة الإنسان الطبيعية ، يصيب أيضاً حياته الفكرية والروحية ، ولذلك ألح كثيراً على معاني الولادة والنمو والفناء والنمو ثانية في كل شيء . وقد عاب على الشعراء أنهم لا يتغنون بلغة الإنسان الطبيعية ، وإنما يفتشون عن تعبيرات ميتة متحجرة ناسين أنَّ التعبير والتفكير في الشعر لابد من أن يتعانقا تعانق حبيبن ، ويتصلا بأوثق من اتصال الروح والجسد في فلسفة أفلاطون ، ولذلك جنح هردر إلى تفضيل الأغنية البدائية التي تنبع من الحياة حياة الناس البسطاء فهي تمثل الحياة بما فيها من بساطة وكمال »  ويخلص هردر من هذا كله إلى أن « الشعر الأصيل هو الذي يعبر عن الشعور ، كما أنه توجه إلى الموسيقى ورأى فيها تحقيقاً لمفهوماته عن التعبير »  .

 وقد جاء العالم الاجتماعي فيكو الذي تحدث عن لغة الأدب بعد مرحلة الطوفان ، وأكد أنَّ الناس بعد الطوفان كانوا يتكلمون شعراً لا نثراً مؤكداً أسبقية الشعر لا النثر مستدلاً بذلك على أن الناس في تلك الحقبة « كانوا يخضعون للحس والخيال لا للعقل وكان تفكيرهم عاطفياً أسطورياً ، وعلى ذلك فقد كانوا بطبيعتهم شعراء ، لأن (الشعر) يتبنى الشعور والعاطفة ، ولابد أن تلك اللغة البدائية كانت شعراً »  .

 وليس بإمكاننا تتبع التطور التاريخي لنشأة الرومانسية وتطور دلالالتها ، ولكن ما لا شك فيه أنَّ القرن الثامن عشر هو القرن الذي بدأت فيه الرومانسية بالتبلور والتجدد ، وعلى الرغم من إدراكنا أننا لانستطيع تحديد الظاهرة الاجتماعية والظاهرة الأدبية بحدث أو بصدور كتاب ، فإنه يمكننا القول إنَّ من أوائل الآثار الأدبية التي اشتملت على ملامح رومانسية واضحة هي رواية « هيليو بيز الجديدة  » لـ « جان جاك روسو  » سنة1761 ويمكن تلخيص مضمونها : بأن شابا يدعى سان برو يقوم بتدريس فتاة تدعى «جوليا » ابنة البارون ديتانج ، وتطورت العلاقة إلى حب شديد ، رغب فيها الأستاذ الزواج من تلميذته ، فرفض والدها تزويجها منه لكونه من الطبقة المتوسطة ، وزوجها من رجل يدعى (دوفو لمار) وسرعان ما ألفت الفتاة حياتها الجديدة مع زوجها بسبب طيبته وبساطته ، داعية حبيبها القديم أن يكون لها أخ ، وتنجب أبناء ، غير أن حبها لم يخفت ، وتقرر أن تحل المشكلة بتزويج حبيبها من صديقتها ..أن حبها لم يخفت ، وتستمر المراسلات بينهما ، ولكنها تموت بالتهاب رئوي ، تاركة له العبارة الآتية (( إنني لا أتركك وسوف انتظرك ، إن الفضيلة التي فـرقت بيننا على الأرض سـوف تجـمعنـا في الحياة الأبدية )) .

 كما قد ظهرت سنة 1774 رواية (( آلام فارتر )) للأديب الألماني وولفانج جوته ، التي تحكي قصة الشاب فارتر الذي يعشق فتاة تدعى شارلوت إلى حد العبادة ، غير أن هذه الفتاة مخطوبة لشخص آخر ، فهي لا تستطيع أنْ تمنحه غير مشاعر دفينة ، ويرتكبا الإثم والخطيئة ذات يوم ، ويقررا ألا يلتقيا أبداً ، فيخرج فارتر محطم الفؤاد عازماً على تنفيذ رغبتها في عدم اللقاء ويقدم على الإنتحار  وقد دفعت هذه الرواية عدداً من الشباب الى الإنتحار بعد قراءتها .

 

 

(2)

 

 وإذا كان ما سلف حديثا عن المداخل التاريخية والفكرية والفنية التي مهدت لظهور الرومانسية فإنها يراد بها أولا : مدرسة الكتاب الألمان في أواخرالقرن الثامن عشر ومفكرهم فردريك شليجل ، وتتأسس هذه المدرسة على ثورتها على الأسس والمباديء الجمالية المعروفة من المرحلة الأغريقية ، وتسعى الى استبدال ذلك بالوجدان والانفعالات الشخصية ، ويراد بها : ثانيا : (( مدرسة الشعر والنقد الإنجليزية التي ظهرت في العقد الأخير من القرن الثامن عشر تحت قيادة كولردج ووردزورث والتي ثارت كذلك على الأوضاع الآرسطوطالية الشائعة في الأدب الإنجليزي أثناء هذا القرن ، وذلك في سبيل تحرير الشعر من القوافي الجامدة ومن الإفراط في استعمال المحسنات البلاغية ، وجعل الأدب أداة للتعبير عن نفسية الكاتب تعبيراً صادقاً ، والإهتمام بالطبيعة الخارجية في الوصف الشعري . وأما المدرسة الثالثة فقد ازدهرت في فرنسا بين 1820 و1850 ، وأهم خصائصها شدة العناية بـ (الأنا ) والتعبير عن الشعور بالوحدة والحزن الناشيء عن القلق ، وقد انبثق عن هذا الإتجاه إهتمام جديد بالآداب الجرمانية والإسكنديناوية مقترناً بالرجوع الى مصادر الوحي في الآداب الشعبية القومية . وكان هذا بمثابة تعبير عن قلق نفسي يدفع الى الهروب من الواقع والفناء في نـزعة حماسية تشمل سائر الإنسان ))

 

 ويمكن التحدث عن الرومانسية الفرنسية من خلال مرحلتين :

 المــرحلةالأولى : التي أسستها مدام دي ستايل .

 المرحلة الثانية : التي قادها فيكتور هيجو.

 

 وقد تأثرت مدام دي ستايل ( 1766 1817 ) بدعوة الفلاسفة الألمان ونقادهم بالفلسفة العاطفية ، وكان من مظاهر هذا التأثير دعوتها الى بناء النقد على الفلسفة (( إذ في الفلسفة يتمثل التيار الفكري الذي يمهد للنهضات الأدبية ويصاحبها ، وهي نـزعة أساسية للنقد الحديث )) وتعتبر مدام دي ستايل أول ناقدة أرست مصطلح الرومانسية لتضفي به النـزعة العاطفية على هذه المدرسة .

 ولاحظت مدام دي ستايل أن الأدب الكلاسيكي يجعل من النتاجات الأدبية القديمة نماذج للفن ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، ولم يخطر ببال أحد أن يتغير الأمر ، ثم حاولت مدام دي ستايل تغيير الأمر (( فأظهرت أنَّ الشعر القديم تمكن من بلوغ كماله في نوع معين هو الوصف الحي للأشياء )) الخارجية ، ولكن المحدثين يستطيعون بلوغ كمال آخر (( بوصف خلجات النفس الذي هو عنصر آخر من عناصر الشعر ، ومن ثم فإنهم يتفوقون على الأقدمين تفوقاً واضحاً ، لأنَّ هذا العنصر العاطفي يعرفه المحدثون أكثر مما يعرفه الأقدمون )) .

 وتضع مدام دي ستايل حدوداً فاصلة بين الكلاسيكية والرومانسية وتحدد نماذج كل منهما ، فالنموذج الأول هو الأدب الكلاسيكي الذي يصدر عن أدباء معاصرين ولكنه في الحقيقة من إلهام قديم ، والثاني هو الأدب الرومانسي وهو (( خلق محدث )) وهذا يعني أنَّ الأدب الرومانسي هو الذي يعبر عن النفس الحديثة ، وقد تميز بالإنسياب وراء الأحلام والعودة الى الذات ، وكان الأدب الكلاسيكي يتوجه الى الفكر ليصل الىالقلب ، أما الأدب الرومانسي فإنه يتجه مباشرة الىالقلب .

 وفي ضوء هذا يكون الشعر عند مدام دي ستايل تعبيراً عن (( عاطفة دينية تجعلنا نشعر بوجود الإلوهية في ذواتنا )) إن الشعر هو (( تأليه العاطفة )) ولكي نبلغ الحالة الشعرية علينا أنْ نهيم وراء الأحلام في مناطق أثيرية ، فننسى ضجيج الأرض ، ونحن نستمع الى التناغم السماوي ، معتبرين الكون كله رمزاً لانفعالات النفس .... والعبقرية الشعرية استعداد نفسي لا عقلي ، والفن الشعري بمجموعه يهدف (( الى تحرير العاطفة السجينة في أعماق النفس والى تقديم تفسير طبيعي للعواطف الحية والعميقة )) .

 ويقود هذا كله إلى أمرين : أولهما : أنَّ أفضل الشعراء هو ارقهم إحساساً وثانيها : أنَّ الشعر الغنائي هو الشعر الحقيقي ، وتأتي الأنواع الشعرية الأخرى كالملحمة والمسرحية بعده بالدرجة والأهمية .

 وقد أسهم فيكتور هيجو بشكل فاعل في الحركة الرومانسية الغربية ، وكتب مقدمة لمسرحيته (( كرومويلý)) التي تعد منهجا للرومانسية ، وقد أكد هيجو (( الصفة الشكلية للأدب الجديد ، والذي فهم وجوب تغير قواعد الذوق في الوقت الذي تغير فيه مضمون الأعمال الأدبية ، وفهم أن التفصيل في التعبير يعادل في أهميته النفس المعبر عنها ))

 وإذا كان لامارتين يلتقي مع مدام دي ستايل في ارتباط الشعر بالقلب ، ولما له علاقة بالأبعاد الإلهية ، فإن فكتور هيجو يتجاوز الفردية إلى ضرب من الجماعة من خلال التعبير عن الأنا ، ويؤكد ثبات القلب لأن (( القلب البشري لا يتغير أبداً ، بالرغم من الثورات الاجتماعيـة أو السياسيـة )). ((وسيبقى القلب البشـري دائما أسـاس الفن )) .

 

(3)

 

 

 قامت الرومانسية على أساس الفلسفة العاطفية التي ازدهرت في أوربا في القرن الثامن عشر ، وأرجع فلاسفتها الإدراك إلى ضرب من الشعور ، ودفع هذا إلى التنكر للاتجاه العقلي الذي يمجده الكلاسيكيون ، واستبدله الرومانسيون بالعاطفة والشعور (( وهم يسلمون قيادهم إلى القلب ، لأنه منبع الإلهام ، والهادي الذي لا يخطئ ، إذ هو موطن الشعور ، ومكان الضمير )) ولذلك لا حظنا (( الفريد دي موسيه )) الرومانسي يعارض مقولة (( بوالو )) الكلاسيكي ، حيث كان (( بوالو )) يمجد العقل ، حيث يقول :(( أحبوا دائماً العقل ، ولتستمد منه وحده مؤلفاتكم كل ما لها من رونق وقيمة )) أما (( الفريد دي موسيه )) فإنه يقول (( أول مسألة لي هي ألا ألقي بالاً إلى العقل )) يقصد العقل بمعناه الكلاسيكي ، ثم ينصح صديقاً له (( اقرع باب القلب ، ففيه وحدة العبقرية ، وفيه الرحمة والعذاب ، وفيه صخرة صحراء الحياة ، حيث تنحبس أمواج الألحان يوما ما إذا مستهما عصا موسى )) .

 وقد أعطت الفلسفة العاطفية (( الذات )) أهمية خاصة ، بحيث يتم من خلالها إدراك العالم الخارجي ، وما كان يمكن إدراك العالم الخارجي دون ذات واعية مدركة ، وقد أصبح في الفلسفة العاطفية أن الذوات هي التي تخلق عالمها الخارجي الموضوعي (( ومن شأن هذا النظر أنْ يجعل من الذاتي خالقا للموضوعي ، ومن (العالم الداخلي ) للذات العارفة أساسا لصورة العالم الخارجي لديها ، وأن يقدم الشعور والعيان والعاطفة على العقل والخبرة والتجربة )).

 ويظهر أن هناك تناغماً بين ما هو فلسفي واجتماعي وفني لدرجة تتطابق هذه الوجهات المتعددة لتقود إلىتأكيد مفهوم واحد وقضية محددة ، فالذاتي هوالذي يخلق الموضوعي ، أي أن الفن والأدب إنما هما صورة خاصة للعالم الداخلي ، وهي صورة تتغاير بحسب الذوات التي تعمد إلى إبداعها ، وما دامت الذوات متغايرة فإن الصورة ستكون بالضرورة مختلفة (( وإذا كان الأمر في الأساس الاجتماعي الإعلاء من الفردية والذاتية وتقديم الفرد والمجتمع ، فإن الأمر هنا في الأساسين الفكري والجمالي تقديم العاطفة على العقل ، والقلب على الدماغ ، والشعور على المنطق ، والوجدان على الإتزان ، والموهبة على الصنعة ، والإلهام على المهارة ، والتلقائية على القانون الفني ، والعفوية على القاعدة )) .

 وكان للفيلسوف الألماني ( كانت) (1724 1804 ) أثرٌ بالغ في التفكير الرومانسي بوصفه أحد المفكرين المثاليين الذين أسهموا في إرساء التصور العاطفي ، ويرجع (كانت) المعرفة إلى أداة داخلية كائنة في الانسان ، فهو يرى أنَّ المشاعر الإنسانية ، وليست العقول ، هي القادرة على تمكين الإنسان من المعرفة ، بل إن المشاعر هي أداة الانسان المعرفية الحقيقية في ادراك حقيقة الشيء وجوهره ، وبهذا تكون المشاعر قادرة على تأمل المعطيات الخارجة ، وقادرة على إعادة خلقها ، ومن ثم يكون العالم الذي تخلقه مشاعرنا هو (( العالم الحق ، عالم الحقائق والجواهر ، عالم الحرية )) .

 وفي ضوء هذا يخرج الأدب من كونه محاكاة ووصفاً للعالم الخارجي إلى تعبير عن العالم الداخلي (( فالفن إدراك شعوري وتملك عاطفى للحقيقة ، والإبداع لا منطقي لا عقلاني . وللفن قواعد وقوانين ، لكنها صادرة عن ذلك العالم الشعوري ، وله غاية هي الامتاع ، وقد تكون له ( فائدة ) لكنها غير مقصودة )) .

 

 

(4)

 

 كان الجمال عند الكلاسيكيين ثابتاً ، لأنه لا يعدو أنْ يكون سوى انعكاس الحقيقة ، ومن ثم فهو ثابت في كل العصور ، شأنه في ذلك شأن الذوق الذي يتماثل لدى الناس جميعاً ، أما عند الرومانسيين فأصبح الجمال يرجع إلى الذوق ، والذوق بطبيعته فردي (( فبعد أن كان الجمال موضوعياً أصبح ذاتياً ، وبعد أن كان مطلقاً أصبح نسبياً ، وبعد أن كان تطبيقاً لقواعد تجريدية صار مرده الى تقاليد تجريبية أساسها الحاسة النفسية الجمالية التي هي منبع مافينا من مشاعر وعواطف )) .

 وكان الكشف عن الحقيقة قد دفع الكلاسيكيين بعامة إلى الوظيفة التعليمية ، بحيث يكون الشعر ملقناً الناس القيم والفضائل ، والشاعر المبدع هو الذي يلتزم بمقولة هوراس التي يجمع فيها بين الفائدة والمتعة ، وحين يحدث صراع بين الحق والباطل ، لابد للحق أن ينتصر ، وحين يحصل صراع بين الواجب والحب ينتصر الواجب ، لأن العقل ينبغي أن يحكم العواطف ، أما الرومانسيون فقد تمردوا على الوظيفة الأخلاقية والتعليمية ، وأرجعوا الأدب إلى الذاتية والعاطفية ، وقد قادهم هذا الى عدم الاكتراث (( بما استقر في المجتمع من عقائد وأفكار لامبرر لها دينياً أو سياسياً . وكان كل شيء في موضع تساؤل ، وبذلك ساعـدوا في شبـوب عـواطفهم وعـالم أحلامـهم على نشـر العدل الاجتماعي ...ـ)) .

 وهذا يعني أن الأدب الرومانسي يتميز بتمرده وثورته على القيم والتقاليد الاجتماعية، وهو في ثورته إنما يناصر مصالح الفرد والطبقة البرجوازية بخاصة ، ولذا فانه (( كان ذا طابع انساني شعبي في اختيار أشخاصه وموضوعاته ، ثم التحدث عن المشاعر والعواطف الفردية ، والتعبير عن الآمال العامة للطبقة الوسطى ))

 وكان الرومانسيون من الطبقة الوسطى البرجوازية ، ولذلك فضلوا أن يعبروا عن طموحات هذه الطبقة وأحلامها وأمانيها ، وأن يعبروا عن مشكلاتها أيضا ، ومن مظاهر هذا التلاحم بين الفرد وطبقته وتلاحمه مع الفلسفة العاطفية أن قاد إلى أن تكون موضوعات الأدب مسرحاً وقصصاً وشعراً غنائياً ذات طبيعة شعبية ، واصبحت شخصياتها من الطبقات العامة ، وإذا استخدموا شخصيات ارستقراطية نبيلة فإنَّ هذا يكون للسخرية منها.

 وقد نهض بسبب هذا الشعر الغنائي نهضة كبيرة لعنايته البالغة بالفرد وبمشاعره ، وقد تولدت أنواع أدبية جديدة ، كالرواية والقصة القصيرة ، ثم إن الرومانسيين خلطوا بين التراجيديا والكوميديا فيما يطلق عليه الدراما الرومانسية ، وقد تخلصوا في أعمالهم المسرحية من القيود الصارمة التي أرستها الكلاسيكية كوحدتى الزمان والمكان )).

 وقد عنى الرومانسيون بموضوعات ذات قيمة بالغة في نظريةالأدب منها الوحدة العضوية ، والصورة ، إذ أصبحت القصيدة الغنائية ذات وحدة متماسكة تشبه الوحدة العضوية للمسرحية (( وتبعا لذلك تكون القصيدة الغنائية عضوية ، أي ذات بنية حية ، تنمو بها من داخلها في اتساق تام نحو نهايتها )) .

 إن الوحدة العضوية ترجع في حقيقتها إلى وحدة الانفعال والشعور ، وتتكيء على الخيال ، وهو يعتد بوجود الشبه والتماثل بين الأشياء والظواهر ، ومن ثم يقود هذا إلى تطابق بين الوحدتين ، كما قد تركت وحدة الانفعال آثارها على الصورة التي أصبحت (( تصويرية ، لا عقلية فكرية ، ومنذ الرومانتيكيون تقرر أن كمال الشعر في لغته التصويرية لا التقريرية العقلية )) .

 

(5)

 

 

 كان العقل عند الكلاسيكيين أهم ملكات الإنسان (( وكانوا يحاصرون الخيال ويخشون ( شطحاته) وعلوه ، ويعدونه ملكة (فوضوية) . أما الرومانسيون فقد جعلوا الخيال الملكة الأولى ، لدى الإنسان ، الملكة الخالصة ، القادرة على الوصول إلى الحقيقة )) .

 إن الخيال يمثل مفهوماً أساسياً في نظرية الأدب الرومانسية ، وله خصوصيته التي تميز بها ، لأن الشعر بدونه لا يكون شعراً ، والإيمان بالخيال جزء من إيمان العصر الرومانسي بالذات الفردية ، وكان الشعراء الرومانسيون (( يعتقدون أن كبح جماح الخيال إنما يعني إنكار أمر حيوي ضروري لكيانهم جميعه . وهم يرون أنَّ الخيال وحده هو الذي يجعل منهم شعراء ، وأنهم يستطيعون بممارستهم إياه ، أن يقوموا بخير مما قام به الشعراء الذين ضحوا به في سبيل الدقة والذوق العام )) .

 ويتجاوز مفهوم الخيال عند الرومانسيين القدرة على التأليف بين المتشابه والمتماثل ، وإعادة تركيب الصور إلى قضية خلق عوالم جديدة وتقترب من خصائص خارقة ، فعالم الخيال عند وليم بليك (( هو عالم الأبدية ، إنه الصدر الإلهي الذي سيضمنا إليه بعد الخلاص من جسدنا الطيني ، عالم الخيال هذا لانهائي وأبدي ، على حين عالم التكاثر أو العالم الطيني متناه وموقوت ، توجد في عالم الخيال الحقائق الدائمة لكل ما نراه منعكسة على تلك المرآة الطينية في الطبيعة )) والخيال عنده ((فعل إلهي هذا معناه أن الخيال هو الذي يحقق الطبيعة الروحية للانسان تحققا نهائيا وكاملا )) .

 وفي ضوء هذا فإن الخيال لايبتعد عن الحقيقة (( لأنَّ الحقيقة ليست المظاهر الحسية للعالم الخارجي ، أو توصيفاً للملامح الأخلاقية والقيم الاجتماعية الثابتة ، كما هو الحال عند الكلاسيكيين لأن الخيال عند الرومانسيين في أثناء معالجته ما لا وجود له )) إنما يكشف نوعاً من الحقيقة . ويرى الرومانسيون أن الخيال حين ينشط (( يرى أشياء يعمى العقل العاري عن رؤيتها ، وأنه يتصل اتصالاً وثيقاً بالبصيرة أو الشعور أو الحدس . والحق أن الخيال والبصيرة لاýينفصلان في الواقع ، وإنما يكونان موهبة واحدة في كل الأغراض العملية ، فالبصيـرة تـوقظ الخيال ليعمل ، وهـو بدوره يزيدý في حدتها عندماُ ينشط )) .

 وقد ميز وردزورث الشاعر والناقد الرومانسي الانجليزي بين الوهم FANCY والخيال IMAGINATION ويؤكد رقي الخيال وسموه وتعاليه على الوهم ، لأن الوهم (( سلبي يغتر بمظاهر الصور ويسخرها لمشاعر فردية عرضية ، أما الخيال فهو العدسة الذهبية التي من خلالها يرى الشاعر موضوعات ما يلحظه أصيلة في شكلها ولونها )) .

 ولابد من التوقف عند صموئيل كولردج الذي أسهم في إرساء تصور متقدم عن الخيال ((وكان كولردج أقرب إلى الحدس منه الى التجربة ý، وكان أقرب إلى التركيب منه إلى التحليل . لهذا فإنه في هذه النظرة الىالعالم يقدم البصيرة على البصر ، واللب على الدماغ ، ويوجه العقل إلى أن يلبي صوت القلب . إن كـولـردج لم يحجـر على العقل ، وإنما هـو قـد اعتـد بالكشف الحدسي )) .

 أما موقفه من الخيال فقد استفاد فيه من تصورات (كانت ) ومن تصورات صديقه وردزورث ، وميز كولردج بين الخيال والتوهم ، فالخيال ملكة وقوة روحية عاطفية ، لذلك فانها أداة (موحدة) تلمح بين الأشياء جوامعها ، وترى في الأجزاء والعناصر وحدتها ، والتوهم ملكة عقلية تخلو من الروحية العاطفية ، ولذلك فإنها تحشد وتكدس وترص ولكنها لاتصل من هذا كله إلى الوحدة ý، التوهم يجمع الجزئيات والعناصر منفصلة متجاورة ، والخيال يصل بقوته الروحية العاطفية إلى ما بين هذه الجزئيات والعناصر من وحدة جوهرية حية .

 ويميز كولردج بين الخيال الأولي ، والخيال الثانوي ، والخيال الأولي ملكة إنسانية عامة ، وهي الأداة الأساسية في معرفة الإنسان بعالمه ، فهي ترى المدركات أشكالها ، وتوجد لهذه الأشكال معانيها ، والخيال الثانوي ليس أداة معرفة كالخيال الأولي ، وإنما هو اداة خلق ، الخيال الثانوي هو الخيال الفني وهو أسمى طاقات الإنسان .

 إن الخيال الفني له القدرة على التركيب والخلق ، يمزج ويركب ويعيد الخلق ، اما التوهم فهو خلط ومجاورة بين الأشياء الجاهزة ، فهو حالة من حالات الذاكرة تحررت من نسقي الزمان والمكان .

 

 

 

 

6

 

 

تخرج صلاح عبد الصبور فنيا ونقديا من تحت عباءة المدرسة الرومانسية العربية وظل مخلصا لكثير من مبادئها طيلة حياته في إبداعه الفني النقدي على السواء ، وطور جانبا من تصوراتها نحو نـزعة صوفية تدفعنا إلى وصفها بالرومانسية الصوفية ، إذ يبدو عبد الصبور متأثرا بالمنجز الصوفي في كتاباته الإبداعية لمأساة الحلاج ـ مثلا ـ وفي حديثه عن سيرته الفنية في كتابه « حياتي في الشعر » ، إذ يؤكد ذلك في مواطن كثيرة في أثناء تحدثه عن المتصوفة واستخدامه مصطلحاتهم ورموزهم ومحاكاة عباراتهم ، ويطبق ذلك بصورة تكاد تكون متماثلة بين الوجد الصوفي والإبداع الشعري ، كما أنه تأثر برموز الرومانسية العربية ، وبخاصة جبران خليل جبران الذي يعده « قائد » رحلته ،وتأثر أيضا بخصائص الرومانسية الفنية متمثلة « بموسيقاها الرقيقة وقاموسها العفوي المنتقى ، الذي تتناثر فيه الألفاظ ذوات الدلالة المجنحة والإيقاع الناعم » ولكنه تجاوز هذه الرؤية وتجاوز إبداع القصيدة الغنائية التي تنثال فيها « الخواطر والأحاسيس انثيالا عفويا تلقائيا ، بحيث لا يربط بينها إلا التداعي » إلى تشكيل لغوي .

وإذا كانت الرومانسية تعلي من أهمية الذات بوصفها مركزا أساسيا للمعرفة والإبداع فإن صاح عبد الصبور يؤكد عليها من جوانب متعددة ، إذ يرى أن « معرفة النفس » تحولا في مسار الإنسانية ،ومن ثم فإن الإنسان الفرد هو المعبر هذه الذات ، ولذلك تحددت في ضوئها طبيعة المجتمع وحركة التاريخ ، وماهية الفن ، لأنه حين تتناغم آحاد الإنسان يتكون المجتمع وتتشكل حركة التاريخ من حراكه ، ويتولد الفن من لحظات نشوته .

 

          ولم يكن الإنسان أساسا لتحديد طبيعة المجتمع والتاريخ والفن فحسب ، بل انه مركز الكون أيضا ، لأن الكون « قوة عمياء ... و الإنسان هو عقله ووعيه ، وعظمة ذلك العقل انه يستطيع ان يعقل ذاته » ، ويتميز الإنسان ـ هنا ـ بقدرته الفائقة على وعي ذاته ووعي العالم الذي يعيش فيه ، أو على حد تعبير عبد الصبور « انه يجعل من نفسه ذاتا وموضوعا في نفس الآونة ، ناظرا ومنظورا إليه ، ومرآة ينقسم ويلتئم في لحظة واحدة ».

          إن الإدراك لا يتحدد بانعكاس صور الأشياء في الذهن ، أو تجادلهما معا ، بمعنى أنه ليس تأملا فيما يقع خارج الذات الإنسانية ، بل على العكس من ذلك  ، إن الإدراك لديه ينشأ من خلال النظر إلى الذات ومهما يتحقق الوعي ، ولذلك فإن « نظر الإنسان في ذاته هو التحول الأكبر في الإدراك البشري لأنه يحيل هذا الإدراك من إدراك ساكن فاتر إلى إدراك متحرك متجاوز »  ، وليس الإدراك هنا مجرد انكباب على النفس وانطواء عليها ، ولكن الذات تصبح مركز للكون ومحورا لصوره وأشيائه ، ويتحدد الإدراك في ضوء ثلاثية أخرى ولعلها تمثل الوجه الآخر لثلاثية الإنسان التي حددت حركة المجتمع والتاريخ والفن ، وتنحصر هذه الثلاثية ـ هذه المرة ـ في ثلاثة أركان تمثل الذات ركنيها الأساسيين ،وتمثل الأشياء الركن الثالث ، فالمعرفة والوعي يتحددان عند عبد الصبور في نوع من الحوار الثلاثي بين ذاته الناظرة ، وذاته المنظورة ، والأشياء ،بمعنى أنه يجعل من ذاته ذاتا وموضوعا في آن ، ويتبادلان المواقع ، إضافة إلى الموضوع المحدد في الأشياء الكائنة خارج الذات المدركة .

  

          وينطلق صلاح عبد الصبور من العام إلى الخاص ، أي أنه تحكمت فيه ثلاثية الإنسان  (المجتمع ـ التاريخ ـ الفن ) ، وثلاثية الوعي ( الذات الناظرة ـ الذات المنظورة ـ الأشياء ) لينتقل بعد ذلك إلى كيفية تخليق القصيدة التي تتحكم فيها هي الأخرى ثلاثية ، تلتقي فيها أبعاد الرومانسية الصوفية ، وكيفيات تخليق القصيدة الشعرية .

ويمر إبداع القصيدة لديه بمرحلتين : لا واعية سابقة ـ تشتمل على مكونين من مكونات ثلاثية تخليق القصيدة ـ وواعية لاحقة ، وتتجلى في المرحلة اللاواعية ابرز مقومات النـزعة الروماسية الصوفية بملامحها المثالية التي ترجع في بعض جذورها إلى التفكير الأفلاطوني ،وترتد جذورها الأخرى إلى التصوف الإسلامي ،وليس هناك من تعارض بين التصورين لدى عبد الصبور لأن الذي يشغل تفكيره انهما ـ المثالية الأفلاطونية والتصوف ـ يعبران عن الداخل ويصدران عنه .

          ويتحدد تخليق القصيدة في المرحلة اللاواعية عبر خطوتين ، تمثل الخطوة الأولى ما أيطلق عليه « الوارد » الذي حدده مرة « بخاطرة » « هابطة من منبع متعال عن البشر » وكونها « تفد إلى الذهن » أو « تبزغ فجأة مثل لوامع البرق »  ، وهي ـ في كل الأحوال ـ تأتي من غامض شأنها شأن الشيء الحزين الذي قال فيه صلاح عبد الصبور :

هناك شيء في نفوسنا حزين

قد يختفي ولا يبين

لكنه مكنون

شيء غريب .. غامض .. حنون

ويضفي عليها أحيانا ـ توصيفات طبيعية أو ذاتية ، فهي « تهبط » كالإلهام  ، أو وحي من «منبع » متعال عن البشر ، وفي كل الأحوال لا وجود للجهد الإنساني في تشكيل القصيدة ، أو تخليقها ،لأنها متأتية من مكان آخر إلهامي ، وتنحدر في هبوطها من أعلى غامض إلى أدنى في الذات الإنسانية ، أو انها متدفقة من منبع ، وهو توصيف يذكرنا بالنبع الذي يتدفق من داخل الأرض ،ويحمل كل سمات الداخل، ويستكمل عبد الصبور توصيفها بحدوثه فجأة ، ويستخدم توصيفا طبيعيا وذلك لم بحدوثها فجأة ، فالوارد ـ هنا ـ خاطرة تبزغ فجأة مثل لوامع البرق والبزوغ المفاجئ ،وكونها لامعا يؤكد المعنى السابق في أن عملية الإبداع لا تتأتى بفعل الجهد الإنساني قدر ما هي هبة تقد من مكان آخر ،وتلد فجأة ومضا أو برقا تأكيدا لمثالية الإبداع ووجدانيته المطلقة .

ويضفي سمات معرفية على الوارد الإبداعي حين يتخلق لديه بوصفه فكرة « نابعة من الذات الإنسانية  » وهنا يكرر توصيف النبع الذي يؤكد داخلية الإبداع لا خارجيته ،بمعنى أن الإبداع لا يتخلق بسبب مثير خارجي يولد انفعالا في الذات بل على العكس ينبع أو يتدفق من الذات الإنسانية ، وان هذه العلمية تحقق للذات وعيها لنفسها ، فكأن التدفق والبزوغ من الداخل إنما هو شكل من أشكال الفيض الإشرافي الذي يحقق للذات وعيها لنفسها، ثم القبض على العالم لإدراكه ، ومن ثم فإن وعي الذات ووعي الموضوع ( العالم ـ الأشياء ) يتم بفيض ينبع من الداخل .

ويشبه عملية التخليق هذه في ضوء حركة مستقيمة ،تماما كحركة الوقت الذي ينتقل بشكل أفقي تتالى فيه أحداثه كذلك تخليق القصيدة ينتقل من السكون إلى الدوامة ثم إلى التشكيل :

سكون ــــــ دوامة ــــــ تشكيل

ويمثل السكون المرحلة السابقة للوارد ، وتأتي الدوامة  التي يتجلى فيها الوارد « خاطرة ـ أو فكرة ـ أو فيضا » من النفس ، وعليها وعلى الوجود .

ويتكئ صلاح عبد الصبور في تحديد ماهية الوارد على المعجم الصوفي الذي يتضمن « الباده والعارض والوهم » وغيرهما ،ويتوقف للمقارنة فين مصطلحي الباده والوارد ، إذ يمثل الأول « مقدمة للوارد حين يبده القلب ويفجؤه ... ويفتح الطريق للوارد » أما الوارد فإنه « يستغرق القلب وأن يكون له فعل  ».

ويعقد عبد الصبور مقارنة بين الوارد الصوفي والحس البرجسوني ، إذ يرى أن الحدس على الرغم من طبيعته المخالفة للتفكير العقلي فإنه يتكئ تماما على المقدمات العقلية ، ويتأسس في ضوئها ، فهو ينبثق في ضوء « المواد الألوية التي يرتبها العقل في وحدة وتناسق » ومن ثم فهو صالح لتفسير الوثبات الفكرية لأنه « قمة عقلية لنشاط عقلي » ويعجز من ثم في تفسير « الوثبات الوجدانية » التي يتمكن الوارد من التعبير عنها.

وفي ضوء هذا يبتعد الوارد كثيرا عن العقل ، ويقترب إلى حد كبير من التصورات الأفلاطونية ، فهو يتشكل بوصفه وافدا ، أو ومضة ، أو فيضا من النفس ، .إن إبداع الشعر عند أفلاطون وصلاح عبد الصبور لا يتم إلا تحت وطأة تأثير قوة غيبية ، يفقد فيها الشاعر وعيه وصوابه ،ولذلك يكشف أفلاطون عن تصوره في عقد المقارنة م كهنة كوبيلا الذين لا يؤدون طقوسهم في الرقص إلا إذا فقدوا صوابهم ، ويرى أن الشعراء ـ الغنائيين بخاصة ـ « لا ينظمون أشعارهم وهم منتبهون ، إذ حينما يبدأون اللحن والتوقيع يأخذهم هيام عنيف ،وينـزل عليهم الوحي الإلهي ».

إذن هناك حالة لا وعي تمكن الشاعر من إبداع الشعر وان الإلهام قذف والقاء في روع الشاعر وليس الشاعر سوى وسيط لنقل ما يلقى إليه ، وان عمله يماثل حالة اللاوعي التي يمارسها كهنة الإلهة كوبيلا ، والصورة نفسها لدى عبد الصبور ، إذ تتخلق القصيدة ـ أساسا ـ في حالة لا وعي يعيشها الشاعر ، وان هناك واردا يفد إليه ، وليس الشاعر سوى ناقل لهذا الوارد ،وان هناك تماثلا بين حالة إبداع الشعر ووجد الصوفي ، وكلا العملين يتم بحالة الاتحاد بقوة غيبية تفيض على الذات وتؤثر فيها .

ويتم تشكيل القصيدة بطريقتين ، الأولى : يرفضها عبد الصبور لأنها توجد بعيدا عن دور الوارد وتأثيره ، والثانية : يتبناها ، وهي « القصيدة ـ الوارد » ويرى أنها تتكون « حين يرد إلى الذهن مطلع القصيدة ، أو مقطع من مقاطعها بغير ترتيب بألفاظ مموسقة ،لا يكاد الشارع يستبين معناها » ، ولا يتحكم الشاعر في بدء تشكيل القصيدة ولا في زمان تدفقها ، أو مكان تشكيلها ،وأخطر من هذا أنه لا يتبين معانيها ، أو الوعي بسماتها وخصائصها ، إنه فعل يشبه فعل الوجدان الصوفي الذي يتلبس الصوفي .

وتمثل « القصيدة كوارد » الخطوة الأولى من مرحلة اللاوعي في تخليق القصيدة ، وتمثل « القصيدة كفعل » الخطوة الثانية ،وهاتان الخطوتان متتاليتان ، وترتبط الثانية بالأولى ارتباط المعلول بعلته . إن الشاعر في الخطوة الأولى في حالة تلق سلبي مطلق إزاء  قوة غيبية خارجية ، وهو في حالة لا وعي ،ويستمر في حالته الواعية في الخطوة الثانية ، ويرافقها تعب وجهد وقلق ،أو على حد تعبيره ان الشاعر « يدفع بنفسه إلى رحلة مضنية في طريق قلق » ، ويتأتى هذا كله لأن الشاعر يحاول استحضار الوارد ، بمعنى أنه يتصيده ، ويحاول التعبير عنه بالكيفية نفسها التي عاشها وجدا صوفيا ، ويتكئ الشاعر على عبارات وجدانية صوفية لتوصيف هذه الحالة التي يختلط فيها اتحاد الذات وانفصالها ، واقترانها بالوعي « إن الشاعر يستطيع ان يتقدم خطوات محو هذا المنبع حتى يتصل به ».

ويمثل ما يلف الصورة المثالية لإبداع القصيدة غير أن الشاعر يحدثنا عن العلاقة بين الشاعر والوارد ، بحسب أصول تذكرنا بتقسيمات ابن قتيبة لضروب الشعر ،فحين يتحدث عن إخفاق القصيد يرجع ذلك إلى :

قوة العواطف واحتدامها مع ضعف الشاعر .

قوة الشاعر وممانعته الذاتية فلم يستطع ان ينسلخ عن ذاته بحيث يدع القصيدة تسيطر عليه .

ضعف إحساس الشاعر إزاء ما يرد عليه من خاطر .

أما المرحلة الواعية من إبداع القصيدة فهي عودة الشاعر إلى حالته العادية قبل ورود الوارد إليه « وحياً وقصيدة » وهنا يقوم الشاعر بتنقيح قصيدته بحيث يثبت لفة ، ويمحو أخرى ، أو يقدم أو يؤخر ، ويستبدل شطرا بشطر آخر ، ويبدو أن  تنقيح القصيدة هو آخر عمليات الإبداع في القصيدة ، وبذلك يكرر صلاح عبد الصبور بعض أفكار ابن طباطبا العلوي التراثية ،وكذلك بعض أفكار  إليوت .

 

 

 

فناء في سجون الغربة

قراءة نقدية لقصيدة

للشاعر جودت القزويني

 

                    1

السجون .. الضباب .. السجون

وحفنةٌ من الترابِ في العيون

وبارقٌ من الوجوه

يرجعُ الحلاجَ من جديد

الى السجون

كفهُ يملأها الحديد

.... ياطريد

غربتُك الممحاةُ تبعثُ الرؤى في الزمن الشريد

 

                   2                

 

علَّمني الحلاجُ أنْ أكونَ بين كلِّ تائهٍ عصاه

وأنْ أكونَ بين كلِّ شفةٍ ظمأى كؤوسا

مشردٌ يضحكُ منك الليلُ والمتيه

ويُشعلُ الزمانُ عارضيك

وأنتَ تُوقدُ الحياة

تعرفُك الفلاةُ

والنجمُ في سمائهِ يهوي اليك

 

                   3

يا حلاجُ من تكون ؟

من أكون ...

السجون .. السجون ..

الزمان .. المكان .. الحضور .. الغياب

الضباب

من تكون ؟

يحضنك الزمانُ والمكانُ يشتريك

ترفضُ قيدين

وانت تبقى اللغزَ في انكفاءة القطبين ..

كيف دنوت للفناء                 

وكيف أبعدتَ الصدى عن عالمِ الذوات .

علمني فناؤك ـ الوجود ـ كيف احتويك

كما احتوى القديمَ روحُك الغريب

واسمع النداء ... يانداء ... يا أنا ..

 نحن روحان حللنا بدنا .. بدنا .. بدنا

أنا من أهوى ومن أهوي أنا

أنا .. أنا

 

                   4

 

تعششُ السنينُ في ضلوعي العتيقه

ينامُ كلُّ الجائعين في جفوني الحريقه

اسمعُ أصواتاً تصيح

أحملُها في داخلي

تقولُ إنك الغياب ..

وإننا في صدرك الحضور ..

يا حلاجُ كيف أدركُ الفناء .. ؟

وكيف اعرفُ الوجود ؟

 

                   5

يحملني المستنفعُ الفكريُ للفراغ

التهمُ الغربةَ والاحجار

والأمل المضحك قيثار

يشربني السكون ..

من أكون ؟

 

          جودت القزويني شاعر عراقي عاصر جيل الستينات، وقدم نتاجه الشعري في السبعينات، وصدر له ديوانان، أولهما : قصائد الزمن القديم، وقد قال عنه الناقد المصري الدكتور علي عشري زايد إن « الأبعاد الشعورية لرؤية الشاعر في هذه المجموعة كثيرة ومتنوعة، وإن كان يغلب في مجملها الحس الأسوان الحزين، وقد تنوعت اللغة بتنوع هذه الأبعاد، فهي تارة تفخم وتجزل حتى تحس القاريء بأنه أمام واحد من الأجيال الأولى في تاريخ الشعر العربي . وتارة ترق وتشف حتى تكاد تذوب عذوبة »  . والثاني « أشعار مقاتلة » ويعمد فيه الشاعر الى توظيف الشخصية التراثية، بحيث تعبر عن الملامح الفكرية التي يسعى الى التعبير عنها .

          وقصيدته « فناء في سجون الغربة » واحدة من قصائد ديوانه « للضوء ألوان أخرى »، وتتجلى فيه رؤية الشاعر الأخذة بالنمو والتطور والتبلور . وتثير قصيدة «فناء في في سجون الغربة » قضايا نقدية عديدة، تتجلى من خلالها قدرة الشاعر الفنية في تعامله مع اللغة وكيفية تشكيلها في نص شعري، وفي كيفية تعامله مع التضمين الشعري وكيفية توظيف القناع .

 وحين نتوقف امام التضمين ينبغي أن نميز بين دلالتيه القديمة والجديدة، لأن التضمين في القصيدة التقليدية يبقى مقتصراً على اقتباس نصي من قصيدة آخرى، شريطة أن يتدخل الاقتباس النصي في نسيج القصيدة التقليدية، سواء أكان التضمين بعض بيت، أم بيتاً، أم أبيات، وتبقى خصائص الاقتباس كما هي عليه في الغالب، كما أن القصيدة المضمنة ينبغي أن تكون من ذات الوزن والقافية التي عليها النص المقتبس غالباً وهذا يعني أن التضمين في هذه الحالة انما يمثل توكيداً لفكرة أراد الشاعر التعبير عنها، أو تعارضاً لها، بحيث لا يتجاوز التضمين عملية خلق جديد للنص المقتبس شيئاً، أو تعيد خلقه من جديد، كما أنه هو الآخر لا يضفي على القصيدة التي تضمنته كبير دلالة .

 ويمثل التضمين في القصيدة الحديثة ملمحاً جديداً يتكيء عليه الشاعر فيستغله دلالياً وجمالياً، ويسعفه في التعبير عن تجاربه المعقدة، ويتجاوز المفهوم الضعيف للتضمين القديم لأن التضمين في مفهومه التقليدي يتجاور ـ على أحسن الأحوال ـ مع تجربة الشاعر، فتصير جزء من طبيعة التشكيل اللغوي للقصيدة، بمعنى أن الشاعر الحديث حين يعمد الى التضمين فإنه يتجاوز الاقتباس النصي الى تفاعل يوظف فيه التجربة القديمة ويعيد خلقها من جديد في اطار تجربته هو، فقد تكون القصيدة الحديثة تشكيلاً جمالياً ينطوي على تجربة قديمة لشاعر ما، وقد تكون استلهاماً لما توحيه بعض ملامح تجربة الشاعر، مع اعطاء حرية مطلقة للشاعر في الخلق والتكوين ليتواءم التضمين مع التجربة، بحيث يتحول الى خصيصة جوهرية في بناء القصيدة وقد تنطوي القصيدة الحديثة على اقتباس نصي يخضع في تشكيله لتجربة الشاعر الحديث تلويناً وأداء دلالياً وجمالياً.

 إن التضمين في القصيدة الحديثة يتجاوز الأبعاد المحدودة الى أداة رمزية ثرية يوظفها الشاعر للتعبير عن رؤية، سواء أكان التضمين جزئياً في سياق القصيدة بحيث يثري دلالتها وتشكيلها الجمالي، أم شمولياً بحيث يحتوي التجربة الشعرية في القصيدة كلها .

 والتضمين من هذه الناحية تحكمه عناصر جديدة بسبب تراكيبه وتعقيده، ومن هذه العناصر ما يتصل بطبيعة التجربة الشعرية، وكيفية التعبير عنها بهذه الأداة البالغة التعقيد ومنها ما يتصل بالتشكيل الجديد الذي أراده الشاعر من هذا التضمين .

 إن التضمين كأداة بمقدار ماله من جوانب ايجابية ثرية يمكنها أن ترفد التجربة الشعرية، وتثري النص الشعري معرفياً ودلالياً، فإنها يمكن أن تعيق هذه التجربة وتحد من ثرائها وغناها، لأن التضمين المقحم على التجربة الشعرية يقطع تدفق القصيدة، وينبيء عن انفصام حاد بين الشاعر والتضمين . أن التضمين يتحول الى قيمة ثرية معرفياً وفنياً حين يلتحم بالتجربة الشعرية ويتوحد بها .

 وفي قصيدة « فناء في سجون الغربة » يمثل التضمين ملمحاً جمالياً استطاع الشاعر جودت القزويني أن يحوله الى تجربة جديدة، وقد تمكن الشاعر من التوحد مع التجربة الشعرية المضمنة وتوظيف أبرز دلالاتها الشعرية، حيث ضمن بيتاً شعرياً لصاحب التجربة القديمة، ولكن تضمنه يتجاور التضمين التقليدي، لأنه حوله الى جزء من تجربته الخاصة، وبهذا تكون التجربة الجديدة ذات ملامح متعددة وقد انطوت على تضمين تجربة شعرية قديمة ذات موقف محدد، وحولها الشاعر الحديث الى تجربته الخاصة على الرغم من أنه يجرد نفسه مرة ويخاطبها مرة، أو يستخدم «لقناع » التاريخي للتعبير عن التجربة الحديثة في ضوء اسقاطاته المعاصرة على الماضي .

 إن الشاعر في هذه القصيدة يستوحي من التراث تجربة فريدة لثائر وشاعر، وهو لا يحافظ على خصائص هذا الثائر الشاعر، وإنما يجرد شخصيته من بعض ملامحها المعروفة ليضفي عليها ملامح جديدة، فهو من هذه الناحية يحكم تجربة الثائر القديم ويحكم شاعريته أيضاً في سياق تجربته المعاصرة الخاصة .. ومن ثم يحاول إعادة الماضي في ضوء الحاضر، أو إعادة الثائر والشاعر القديم الذي تمرد على القيم والتقاليد ويحاول إعادة في تجربته الخاصة ثائراً على قيم وتقاليد أخرى .

 إن الحالة التي يعيشها جودت القزويني من عتمة قاتمة وغربة قاتلة في رحلته الخاصة المتأزمة أعادت اليه في الوعي تجربة شاعر آخر ـ في الماضي ـ عاش الغربة بسجونها ومعاناتها، وبهذا تسترجع التجربة الحديثة صورة الماضي وتعيد تشكيل شخوصها ورموزها من جديد، غير أن هذه الإعادة ليست على غرار إعادة الحدث القديم ووصفه، لأن السياقيين التاريخي والاجتماعي مختلفان، ولكن بعداً مشتركاً يدفع الى هذه المماثلة في التجربة بين الماضي والحاضر، تمكن الشاعر من وعيها فاتكأ عليها على شكل «قناع» من أجل التعبير عن تجربته الشعرية الخاصة .

 ولقد كان توظيف شخصية الحلاج في الشعر الحديث ينمو ـ غالباً ـ في اتجاهين : أحدهما أن يخلع الشاعر على الحلاج بعض ملامح المسيح، والثاني : توظيف شخصية الحلاج لتقديم ملامح سياسية معينة أراد الشاعر اسقاطها  . وكان جودت القزويني يعي أن الحلاج ثائر ومتمرد ضد ضبابية الوعي والسعي نحو نور اليقين، ويعي أيضاً تمرده ضد السجون : سجون الغربة، وسجون الضياع، ولذلك اتخذ من الحلاج قناعاً يتحدث فيه عن تجربته الخاصة ومعاناته في واقع مليء بالمآسي، وقد اسعفه الحلاج في تأدية وظيفته هذه لثراء في شخصيته ومواقفه وشاعريته. إن هناك تماثلاً بين الشاعر والحلاج، كلاهما متمرد، وكلاهما شاعر، هذا يفنى في سجون غربة الحاضر، وذاك قد عانى من سجون الغربة فأفنى ذاته في انعتاق من الجسد، فالحلاج لدى جودت القزويني ـ لو استعرنا لغة إليوت ومصطلحاته ـ « المعادل الموضوعي »  . اذن فهو يعيد تجربة الحلاج بوصفه « قناعاً » يعبر عن تجربة حديثة .

           إن تجربة الشاعر تتكيء على مفردات الضياع، سواء أكانت ضياعاً في سجن، أم ضياعاً في ضبابية الوعي، ولكنها على كل حال ترجع الحلاج القديم في صورة الشاعر الحديث لتزج به من جديد بالسجن، وكأن الثائر المتمرد نمط متكرر يعيد التاريخ إحداثه، ولابد أن تكبل يداه بالحديد، وكأن هذه سنة تاريخية يتحتم حدوثها في كل مكان وزمان:

 السجون .. الضباب .. السجون

 وحفنة من التراب في العيون

 وبارق من الوجوه

 يرجع « الحلاج » من جديد

 كفة يملأها الحديد

 واذا كان الشاعر قد عمد ـ هنا ـ الى تجربة ذاته عن تجربته، على الرغم من أن الحلاج إنما هو قناع الشاعر، بل هو الشاعر نفسه، فتحدث عنه بضمير الغائب، ولكنه من أجل أن يجعل للحلاج، أو لقضيته حضوراً أقوى، انتقل الى مناداته ومخاطبته :

 ياطريد

 غربتك الممحاة تبعث الرؤى في الزمن الشريد

 وينجح الشاعر في توحده مع « قناعه » والتوحد ينبيء عن تماثل في توحد التجربة، ومحاولة خلق تجربة جديدة، كما أن الشاعر يتجرد في قناعه، يحاوره، ثم يرجع ليتوحد به من جديد . ففي المقطع الأول من القصيدة يتوحد الشاعر مع الحلاح بحيث لا ندري أيهما الشاعر وأيهما الحلاج، فالحلاج يعود من جديد في إهاب الشاعر، فيزج به، أو بهما معاً في السجن : « طريد كفه يملأها الحديد » وتضفي غربته على الواقع معنى، وتبعث الوعي في زمن غريب، والشاعر في المقطع الثاني يتحول إلى راوٍ يتحدث عن تجربته الخصبة، وتلمذته لهذا الثائر المتمرد، ثم يعمد الى مخاطبة هذا الثائر بذكر خصاله وصفاته .

 إن الشاعر القزويني يتحدث عن الوعي الذي علمه إياه الحلاج، وهو ـ في الحقيقة ـ يتحدث عن نفسه، فليس الحلاج سوى قناع يوظفه الشاعر ليكسر به حدة الغنائية، وليضفي سمات موضوعية على تجربته الشعرية، وقد أكد هذا الملمح عبد الوهاب البياتي في أثناء حديثه عن القناع حيث يقول « إن الشاعر يعمد الى خلق وجود مستقل عن ذاته، وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية »  . ولذلك فإن الشاعر جودت القزويني في ضوء ادراكنا لقناعة هو الدليل والمرشد الذي يقود العميان . في زمن يقل فيه أصحاب الوعي، وأن يبل ظمأ العطشان، فيتحول مرة إلى عصا تقود التائهين، ويتحول مرة الى كأس يرتوي منه الظامئون، أي أنه يتحول الى أداة ولكنها في كلتا الحالتين ليست سوى أداة معرفية لأن عصا الأعمى هي التي تبصره في واقع معتم، هذا إذا أدركنا أن الشاعر لا يتحدث عن العميان وإنما يتحدث عن التائهين، إذن فوظيفة الشاعر في الوعي أساسية وجوهرية، وبالامكان تفسير قضية الكأس بوصفها كأس المعرفة التي تدل وترشد .

 أما الخصائص التي يخلعها الشاعر على الحلاج فهي ليست سوى خصائصه هو، وبذا يمتزج الموضوعي بالذاتي، وليست بدعة هذا الامتزاج، فإن اغلب شعراء الحركة الشعرية الحديثة « يمزجون فيما يستخدمون من رموز ونماذج اسطورية الذات بالموضوع»  فالشاعر هو المشرد الذي يضحك منه زمان الغربة وعلى الرغم من أنه يوقد الحياة بالمعرفة والوعي فإن عارضيه يشعلهما الزمان، ربما يشتعلان شيباً، عمقاً زمنياً في الحياة وإدراك كنهها :

 علمني الحلاج أن أكون بين كل تائه عصاه

 وأن اكون بين كل شفة ظمأى كؤوساً

 مشردٌ يضحك منك الليل والمتيه

 ويشعل الزمان عارضيك

 وانت توقد الحياة

 تعرفك الفلاة

 واالنجم في سمائه يهوي اليك

 وتستهوي الشاعر حالة التوحد والانفصام بقناعه، فهو يوهم المتلقي أنه يتحدث عن (( القناع )) أي عن الأخر، ولكنه يوظف الأخر تعبيراً عن الأنا، وتتجلى صور التوحد والانفصام في تضمين الشاعر لبيت الحلاج لتعبر عن حالة التوحد المطلقة بـ «الحلاج ـ القناع » فيتكيء على الموروث الصوفي في بعض مفرداته وغموض تجربته، فتشف تجربة الشاعر، وتتعالى في غموض المفردات والتراكيب، ويسبق هذا سؤال عن ماهية الأنا، مرتين، ـ أي سؤال عن وعي الذات ـ ماهية : « الأنا ـ الشاعر » وماهية « الأنا ـ القناع » في اطار الحديث عن الأنا والآخر، فبعد أن عرفنا أن الحلاج الاستاذ قد علّم تلميذه الوعي والمعرفة وأن التلميذ قد وعى الدرس وطبقه، يثور التلميذ على القناع ويرجع فيتحد به، يسأله عن ماهيته بوصفه « أنا » ويسأله عن ماهيته بوصفه « الآخر »، وتتدفق المفردات تحت تأثير تجربة شعرية صوفية، ويتحول السجن الى واحدة من هذه المفردات التي تتجلى فيها الثنائيات الضدية : الزمان والمكان قيدان يحيقان بالانسان ووعيه وتجربته، ثم التطرق لأخر التجارب الصوفية « الفناء »:

 ياحلاج من تكون ؟

 من اكون ..

 ......

 من تكون

 يحضنك الزمان والمكان يشتريك

 ترفض قيدين

 وانت تبقى اللغز في انكفاءة القطبين

 كيف دنوت للفناء

 وكيف أبعدت الصدى عن عالم الذوات

 إن الحلاج كان يتسامى بتجربة صوفية، ويركز الشاعر جودت القزويني على أحد مكوناتها، وهي محاولته توحيد الأنا بالآخر، أو إبعاد الصدى عن عالم الذات، والفناء ـ دون شك ـ حالة توحد بالآخر، بمعنى الغاء للأنا لتصبح هي الآخر، هذا الفناء يمثل وجوداً حقيقياً، وليس ظلاً ـ لأنه توحد بالمطلق، فالحلاج قد توحد بالمطلق، وقد انبهر الشاعر بهذا الفناء لأنه يمثل لديه الوجود الحقيقي، ولكنه لا يريد تجربة صوفية تماثل تجربة الحلاج في توحده بالمطلق، بل يريد جودت القزويني أن يتوحد بقناعه أي أن يتوحد بحلاجه الكائن في ذاته، أن محاولة التوحد ـ هذه ـ إحتواء لآخر ووعي له في آن .

 إن الشاعر تحت وطأة العيش في الواقع يفيض بالمعاناة، يريد أن يحتوي عالمه الداخلي، وأن يتوحد مع ذاته، فحالة الانفعال بالتجربة شطرت الشاعر الى بعدين « أنا ـ وآخر » و « تلميذ ـ واستاذ » و « جودت ـ وحلاج » ويتبدى هذا التوحد في التضمين الشعري الذي يصوغه الشاعر في إطار تجربته الجديدة في نداء يأتيه من الآخر ليصوغه في أنا متضخمة تتحسس الوعي بالأنا أولاً، وبالبدن ثانياً .

 واسمع النداء .. يانداء .. يا أنا

 نحن روحان حللنا بدنا .. بدنا .. بدنا

 أنا من أهوى ومن أهوى أنا

 أنا ... أنا

 ويتجلى من خلال تتبع القصيدة أن الذي يقض مضاجع الشاعر، ويلح عليه في هذه التجربة الشعرية انما هو وعي ذاته وادراك الفناء، ووعي الوجود .

 ياحلاج من تكون

 من أكون

 أو :

 ياحلاج كيف أدرك الفناء

 وكيف اعرف الوجود

 وعلى الرغم من أن هذه الابعاد فلسفية الطابع والغاية، ولكنها تمثل جزءً أساسياً من تجربة الشاعر، فهو لا يفتعل هذا لمجرد رغبة عابرة في التفلسف، وإلا لسقطت التجربة والقصيدة، ولكنها ـ جميعاً ـ تتحول بسبب معايشته لها الى تجربة شعرية تتوقد في أعماقه ويضعها أمام المتلقي كواحدة من معاناة معاصرة . ولا يعني هذا أن الشاعر يستخدم الفاظه استخداماً منطقياً، وإنما يختار الفاظه لتتخذ موقعها المناسب في بناء القصيدة ، أو على حد تعبير أدونيس « علي أحمد سعيد » « إن لغة الشعر هي اللغة ـ الاشارة، في حين أن اللغة العادية هي : اللغة ـ الايضاح » ، ولقد تركت التجربة الصوفية للحلاج آثارها في رؤية الشاعر، وما دامت التجربة الصوفية تتجاوز «التجريد أو التعالي بالمعنى التقليدي الديني، وتغير تبعاً لذلك مفهوم العالم » ، ولهذا فإن رؤية الشاعر القزويني تجعله يبصر الأشياء بكيفية أخرى، فهو يحول العالم الى خصيصة ذاتية يسقط عليها أفكاره وتصوراته ويتكيء على انماط استعارية تسهم في تشكيل صوره الشعرية في إطار تجربته الشعرية كلها التي تمثل استعارة كبرى، فالسنين وهي بعد زماني تتحرك في مكان يعيش فيه الشاعر فهي تعشش في ضلوعه، كما أن الجائعين ينامون في عيونه، وأن أصواتاً تصرخ في أعماقه :

 تعشش السنين في ضلوعي العتيقة

 ينام كل الجائعين في جفوني الحريقة

 أسمع أصواتاً تصيح

 أحملها في داخلي

 إذن فالشاعر يعي صيرورة الزمن وحركته، ويتمثلها في تجربته وفي عالمه الداخلي المضطرب، ويبصر أحزان الجائعين التي تعلق في باصرته لا تفارقها، وهذان البعدان يعنيان أن الزمن يؤكد جانباً وجدانياً ازاء القلب، ليعني أن حركة الزمن تحتوي جانباً ذاتياً، كما أن نيام الجياع في جفون الشاعر تؤكد خاصية الباصرة في تمثل صورة مكانية تتشكل بطريقة ما، ومن أجل أن يستكمل هذه الصورة يرفدها ببعد يصرخ فيه، ويحول هذا كله الى قضية وسؤال .

 أما القضية فإنها تقترن بثنائية ضدية يتبادل فيها « الأنا » و « الآخر » الموقع والأدوات، وتتكيء على تجربة صوفية : الفناء، والغياب، والحضور، ونحوها . فالحلاج الذي كان في اثناء تجربة الشاعر كلها يعيش حضوراً حقيقياً في القصيدة يتحول الى « غياب »، ولكن هذا مجرد ايهام للمتلقي، لأن الشاعر يعيد الحلاج، وإنّ شئت قلت يعيد خلق الحلاج من جديد من خلال « أنا » فإذا كان الغياب هو الماضي أو القديم فإن الأنا أو النحن إنما يمثلان الحضور تحت القناع التاريخي المتمثل في الحلاج، أو على وجه التحديد في المنطقة التي تنطوي على أرقى درجات الصفاء والنقاء في « صدر » الحلاج حيث عالمه الداخلي :

 اسمع أصواتا ًتصيح

 تقول إنك الغياب

 وإننا في صدرك الحضور

 وإذا كانت القضية التي يطرحها الشاعر تتأسس على ثنائية ضدية يتبادل فيها الادوات الأنا والآخر، والحضور والغياب، والوعي واللاوعي، فإن السؤال أكثر وضوحاً وقرباً، فإنه يخاطب الحلاج، بل يخاطب عالمه الداخلي ـ عالم الشاعر ـ ويسأله عن ازمته الروحية ومعضلته الخطيرة التي تحتوي القصيدة كلها :

 ياحلاج كيف أدرك الفناء

 وكيف أعرف الوجود

 وإذا كان الشاعر قد بدأ قصيدته بالسجون والضباب، أي في هذه الحالة القائمة من العتمة في الرؤية سواء في رؤية الأشياء أو رؤية الأنا والآخر، فإنه ينهي قصيدته بذات العتمة ولكنها هذه المرة عتمة « الأنا » من أكون، ولكن الفرق كامن في أن العتمة كائنة في اول القصيدة في العالم الخارجي، ولكنها في آخرها كائنة في العالم الداخلي في الأنا، ولذا فنحن إزاء حركة يتردد فيها الشاعر بين الذات والواقع، وتتكرر التجربة، وكأن الشاعر يريد القول إن القصيدة لا تنتهي، وإنما تعود من جديد رؤية وايقاعاً:

 السجون .. الضباب .. السجون

 وحفنة من التراب في العيون .

 

 

 

موســم الهـجرة إلـى الـشمال

 

 

      يلتقي الشرق بالغرب وتتأزم حدة اللقاء فتتولد مشكلة ، ويعود هذا إلى ظروف وتراث ومواقف .. يختلف فيها الشرق عن الغرب ولم يكن اللقاء مجرد ذهاب شرقي يقطن في الغرب مدة من الزمن ، ليعيش المشكلة وحده مهما كان عنفوانها ، بل هو صراع الحضارات بما تحمله من فكر معاصر وتراث . وما تتسم به الحضارتان الشرقية والغربية من خصائص قديمة ضاربة الجذر في التاريخ ، وحديثه هي نتاج العصر الحديث .

      ولا يمثل الشرقي نفسه باصطدامه بالحضارة الأوربية ، بل إنّه يمثل جيلاً ... يمثل أمةً .. ويطرح الروائي علاجاً لهذه المشكلة لأنها لا تمثل مشكلة الفرد ، وإنْ كانت في ظاهرها مشكلة أفراد .. فتكون معالجته أصيلة أو باهية .

      ومسرحية (( عطيل )) لشكسبير تمثل لقاءاً حضارياً حاداً . ورواية (( القريب )) لكامو تمثل لقاءاً آخر .. وطرحت الرواية العربية أبعاد المشكلة ووضعت العلاجات لها في مجموعة من النتاجات الروائية .. (( أديب )) لطه حسين ، و (( عصفور من الشرق )) لتوفيق الحكيم  ، و (( قنديل أم هاشم )) ليحيى حقي  ، و (( الحي اللاتيني )) لسهيل ادريس .. ولكل رواية من هذه الروايات موقف من اللقاء ومعالجة للمشكلة من رؤية خاصة محددة . أراد الروائي ابراز مشكللته والخروج بالحل .

      ونلتقي بمواقف هشّة وعرض للقاء ساذج في بعض هذه الروايات ، غير أنّ (( موسم آلهجرة إلى الشمال )) تضع الناقد والقاريء على محك صعب المشكلة ، وطبيعة تناولها .. وما فيها من رموز وأداء فنّي .

      و (( موسم الهجرة إلى الشمال )) تمثل أزمة حضارية معاصرة . أزمة اللقاء الحضاري بما يحمله من عنف وتشنج ، وتعرض ممثلين لهذه الأزمة يتفاوتون في المواقف ، ويختلفون في الأفكار ، ويمثلون أجيالاًوأمماً وحضارات ، وتطرح الرواية علاجا لهذه الأزمة ، ولفهم هذه كله لابدّ من تتبع حركة الأجيال المتعاقبة التي تعيش الصراع وهي :

      جيل ما قبل الحرب الذي يمثله : جد الراوي ومسترروبنسن وزوجته اليزابيث وأم مصطفى سعيد .

      وجيل الحرب والعنف الذي يمثله : مصطفى سعيد وجين مورس  وآن همند وشيلا غرينود وايزابيلا سيمور وأخيرحسنة بنت محمود .

      وجيل ما بعد الحرب الذي يمثله : الراوي ومحجوب .

ولكل جيل من هذه الأجيال موقف فكري تمثله طبيعة المرحلة ، الثقافة والظروف التي تفرض نفسها في تحديد الموقف ..يضاف إلى كل هذا فهم كل جيل لحركة التاريخ وسيره الحثيث .

      وجيل ما قبل الحرب يمثلانه أثنان من السودان أم مصطفى سعيد وجد الراوي ، وأم مصطفى سعيد قناع مكثف غامض ..ورغم هذا فهي تمثل العنصر الطيب في البيئة السودانية والعربية ، وتمثل المرأة التي تعيش في بيئة فرضت عليها ظروف معينة أن تكون بهذه الصورة .. ولكنها تحمل في أعماقها صلة وثيقة بالأرض والبيئة والتراث .. وإنْ كانت نظرتها مشوشة وغير محددة المعالم ، وهذا عائد بطبيعة الحال لما يعانيه المجتمع من حرمان ثقافي وفكري محدد لم يفسح المجال لها من تفجير طاقاتها . والجد .. جد الراوي يسير في الإطار الضيق نفسه الذي سارت فيه أم مصطفى سعيد طيبة ونقاوة وصفاء ، والجد لم يكشف غوامض الحياة ، ولم يحدد أفكاره في ضوء حركتها وحركة التاريخ ، وهو وأم مصطفى سعيد يحددان موقفاً أصيلاً إنطلاقاً من إحساس فطري ونظرة حدسية لم تكن قائمة على وعي ودراسة وموقف فكري واضح ورقيق .. ولذلك لم يقعا فيما وقع جيل الحرب ، والجد يعرف السر الذي سقط فيه جيل الحرب ، ولكنه لا يستطيع تحديد ما هيته ، ولا يقوى على تحديد أبعاده الفكرية . غير أنّ الحياة السهلة التي عاشها الجد دون أن تعصف بها مظاهر الحياة والصراع النفسي الخانق إزاء اللقاء الحضاري بعد قطع الجذر بالتراث (( فالشجرة تنمو وجدك عاش ويموت ببساطة ))  وإنّ جد الراوي لا يحدد ماهية الشيء الذي وقع فيه جيل الحرب ولكنه عاش فيه (( انه يحمل رائحة فريدة هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة ... ورائحة الطفل الرضيع )) .

      ومستر روبنسن وزوجته نموذج آخر يمثلان جيل ما قبل الحرب ، ولكنهما من أوربا .. وسعيا للتقارب بين الحضارات ، وكان موقفهما محدد بوعي ونضج . ولم يأتيا للشرق للتهديم والاستغلال بقدرما سعيا للانتقال من الشرق بما يحمله من سحر ونقاوة وعمدا إلى التراث الذي عاش عليه الشرق ردحا طويلاً من الزمن لاكتشاف مواطن قوة حضارات الشرق واحتضنا الجيل الجديد ، ورعياة برقة وحنان خشية الضياع ، غير أن الجيل الجديد كان يفكر بأبعاد مادية فيها الجنس ، وفيها الطمع ، ولا يعرف سر اهتمام الجيل السابق به ، بل إنّه يعجب من ذلك .

      واهتمام جيل ما قبل الحرب بالجيل اللاحق متأت من خشية الضياع لهذا الجيل الذي بدأت بوادر العنف تعصف به ، ويبدو أنّ جيل ما قبل الحرب يتحسّس أثر الحرب وما تتركه من بصمات قاسية على الأجيال . لأنه ليس من المنطق أن ترجع ملايين الجنود من الحرب الطاحنة التي شاركت فيها فتعود ألى حالتها الطبيعية دون أن تترك آثارها العنيفة على المجتمعات التي تحل فيها ، ولكن المنطق أن تترك هذه الجيوش آثارها السلبية .. تأثيرا عنيفا ذ... مباشرا مرة ، وغير مباشر يسري بهدوء في أوصال المجتمع مرة أخرى ، ولذا ولدت هذه الملايين في المجتمع الأوربي موجة عنيفة صارخة هي أول ردود الفعل للحرب وآثارها في المجتمع ، ومصطفى سعيد يذهب إلى أوربا وهي خارجة لتوّها من وطأة الحرب فيتم اللقاء العنيف الحاد بين قيم الحضارة الأوربية التي أنهكتها الحرب وقيم مصطفى سعيد الشرقية ومشاكله وغربته فضلا عن الوعي الجماعي المخزون في إعماقه .

      إن مصطفى سعيد لم يعرف الاستقرار في حياته ، ولم يكن اضطرابه طارئاً على شخصيته ، بل هو صفة متأصلة في أعماقه لأنه يعيش غربة داخلية عنيفة كانت سببا في توليد كل هذا الحب العنيف للتطواف في العالم ، وهذه الغربة الداخلية صيّرته فردا غامضا شاذاً أينما حلت به الرحال ، حتى في بلده السودان . بل وفي عمق السودان في قرية . ولكنه في أوربا التي عاش غربة خارجية فرضتها عليه ظروف البيئة وطبيعتها والظروف الاجتماعية ولم يستطيع مصطفى سعيد التأقلم حتى في بلده السودان ، وقد رفد الغربتين الداخلية والخارجية روافد أخر بالغة الأثر في شخصية مصطفى سعيد أبرازها مشكلة اللون التي مسّها الطيب صالح مسا خفيفا ، ولكن كان لها أثر فاعل في حدّة الموقف وعنفه    (( إذا جاءت أحدهم تقول له إنني سأتزوج هذا الرجل الأفريقي ، فسيحس حتما انّ العالم ينهار تحت رجليه ))    (( أمّي ستجن وأبي سيقتلني إذا علما أنني أحب رجلاً أسود ))  ولم تكن مشكلة اللون السبب المباشر في تفجير اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب بل إنّ حدة اللقاء متمثلة بالمستعمر الأوربي المسيطر على السودان والعالم العربي ، ومصطفى سعيد بوضوح في محاكمته (( صليل سيوف الرومان في قرطاجة ، وقعقعة سنابل خيل اللبنى وهي تطأ القدس . البواخر مخرت عرض البحر أو النيل أول مرة تحمل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز ، وسكك الحديد أنشئت أصلاً لنقل الجنود ، وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول (( نعم )) بلغتهم إنّهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوربي الأكبر ))    .وهذا يعني أنّ الاسّتعمار قديم منذ الرومان ، وأن الاستعمار الحديث يدعي التمدن والتحضّر ولكنه لغاية معينة . والطمع أساس في لقاء الغرب بالشرق .. البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع .. لا الخير !! .

      كان مصطفى سعيد يبث جرثومة في النساء الأوربيات ، فتموت المرأة أو تنتحر ، ولكنه في المرة الأخيرة مع (( جين مورس )) يأخذ طابعا جديداً حيث يأخذ سلاحه ليقتل ويتلذّذ منتقما ، والانتقام بعدً بارز في المحاولة ، لأن مصطفى سعيد يشعر في أعماقه أنه يعيش حرباً صروساً مع خصومه وأعدائه الذين سيطروا على أرضه ، واستغلوا ثمارها ، وتركوا أبناءها يعيشون في حالة من الضياع . ولذلك تتضح علاقة مصطفى سعيد بـ (( جين مورس )) بهذه الأبعاد ، ألا انهّا لا تخلو من حالات مرضيّة شاذة ، فعلاقته بها شاذة ، وهي لا تقل عنه شذوذاً، إنّ الصراع الحضاري بين الشرق والغرب يمثل في هذا الجيل مثلاً العنف . وهناك تقارب بين مصطفى سعيد و (( ميرسو )) بطل رواية (( الغريب )) لالبير كامو . إنّ (( ميرسو )) يقتل العربي الأفريقي لأنّ الأخير حمل المدية التي تمثل بوادر النهوض عند العرب ، وأنّ المدية تحرك في لا وعي الأوربيين السلاح .. القوة .. الفكر .. الذي دحرت به أوربا من قبل . وغريب البير كامو جاء غازياً الشرق    ، ومصطفى سعيد غريب آخر يذهب إلى أوربا ، ويحمل سكيناً ويقتل . الفرق انّ هناك لقاءاً حضارياً من وجهة نظر غريبة ، وهنا لقاء حضاري من وجهة نظر عربية شرقية .. مصطفى سعيد قبّل السكين ولثمها لأنها تمثل السلاح الذي رافق مسيرة العرب في إنتضارتهم وحروبهم .. في عزّهم ومجدهم ، ولذا أحسّ الروائي انّ الشرق سينهض من خلال مصطفى سعيد .. فأعطاه سلاحاً ودعاه لغزو أوربا لإحداث الاخصاب والتلاقح الحضاري والقتل ..وهو يشير من جهة أخرى إلى شدة العنف في جيل الحرب الذي تركت الحرب بصماتها عليه .

      وسعى الطيب صالح إلى توظيف (( جين مورس )) توظيفاً حضارياً .فهي تمثل الحضارة الأوربية بما تحمله من تشنّج وعنف وشذوذ . وتتأزم أجيال الحرب في الصراع بين الحضارات ـ نفسياً وفكرياً وسلوكياً ، ويصل الصراع حدّاً من العنف ، إلى درجة الخلاص من الخصم بالقتل (( وصرخت فيها : أنا أكرهك أقسم أنني سأقتلك يوماً ما ))    وهي لا تقل عنه خطورة وشذوذاً (( أنا أيضاً أكرهك حتى الموت )) 

      إنّ (( جين مورس )) تمثل الهلاك لمصطفى سعيد ، والالتحام الحضاري بين الشرق والغرب ، عند أجيال الحرب ، يعني الدّمار النهائي لكليهما . غير أنّ هذا الدمار ممزوج بنشوة ولذة منحرفة خطيرة . أثارتها كوامن عديدة .. منها الضارب الجذر في التاريخ .. ومنها وليد العصر والحضارة الحديثة والحرب .. (( أخرجت السكين من غمده ، جلست على حافة .. السرير أنظر إليها ، نظرت في عينيها فنظرت في عينيّ .. وتماسكت نظراتنا واشتبكت ، فكأننا فلكان اشتبكا في ساعة نحس ))    

      هذا اللقاء الحضاري لقاء دموي حاد عنيف ، ومصطفى سعيد يتنبه إلى أهمية السلاح ، السكين التي يقبلها ، وهي رغبة لا شعورية في العودة إلى السيف الذي كان وما زال رمزاً للقوة .. واللقاء بين الحضارتين سبقته لحضات تألّم . ثم كان اللقاء الدموي العنيف . اعترف كل منهما بحبه للآخر ، واجتمع الماضي والحاضر والمستقبل في نقطة واحدة .

      واللقاء مهما كان ساذجا ، أو جنسياً فإنّه يحرك في أعماق مصطفى سعيد كوامن خاصة .. يذكره بالغزاة والطامعين .ويعود به إلى أيام عز الأمة وانتضارتها .. فمجرد ذكر اسبانيا يذكره بلقاء الجنود العرب في الأندلس . ورحلة مصطفى بالرغم من أنها رحلة معاصرة إلا أنّها غوص في أعماق التاريخ وتفسير لبعض غوامضه ثم العودة بالحل .

      ومصطفى سعيد رغم تهالكه على الجنس إلا أنّه يرفض أن يتحول هذا اللقاء إلى حب .. الجنس وحده عملية ممقوتة .. أمّا في حالة الامتزاج فإنه يوظف وظيفة خطيرة تعني انهيار الشخصية العربية وتحطيمها .. (( وسمعتها تقول لي بصوت مستسلم متضرع (( أحبك )) فجاوب صوتها هتاف ضعيف في إعماق وعيي يدعوني أن أقف ))    ولذلك قرر مصطفى سعيد أن يحقق مع الجنس بديلا آخر غير الحب وهو القتل .

      إنّ النساء اللاتي إلتقى بهن مصطفى سعيد يمثلن الحضارة الأوربية التي هي نفسها الحضارة القديمة ، والتي ظهرت قبل ألف عام ، وحملت وما تزال جرثومة العداء والحقد والاستغلال والقتل .

      إنّ آثار العنف بقيت ملاحقة لشخصية مصطفى سعيد ، ولم يقف تإثير جرثومته عند حدود الأوربيين ، بل استمخر في مجتمعه السوداني ولكنّه شرع ينفث آثاره ببطء وهدوء في مجتمع اعتاد الاستقرار . غير أنّ تفث جرثومة العنف الأوربي كانت عميقة الغور في المرأة التي عاشرت مصطفى سعيد في السودان فترة زمنية طويلة ، وهي زوجة حسنة بنت محمود . ولقاء مصطفى سعيد بزوجه كان من أجل التلاقح والاخصاب الجنسي والفكري معاً . وكانت حسنة (( رمزاً طيباً لتقبل عنصر التجديد والاسهام في رفع عجلة التطور إلى الأمام وذلك لقابليتها للتجديد واستعدادها الفطري له ))    . وحسنة بنت محمود بما تحمله من صفات وخصائص ترمز إلى البيئة والأرض أو تعني السودان والشرق التي تسعى إلى تلاقح جنسي وفكري معاً ويدفعها إلى الأمام (( انها تريد أن تخطو إلى الأمام دوم أن تنتزع جذرها من الأرض ))    .

      وكانت حسنة بنت محمود رغم بسطتها ، تحس إحساساً فطرياً عميقاً بتفهم هذه الشخصية الوافدة التي لم تعرف عنها شيئاً .. واندفعت مع مصطفى تتزود منه بهدوء .ولكنه عداها بجرثومة مرضه ، العنف ... التمرد .. الرفض .. وسعت حسنة إلى الاقتران بالرواي الذي يمثل البديل (( الامتداد الحقيقي المقبول لمصطفى سعيد ))    .. لأنّ مصطفى سعيد بداية مشوهة فيها شذوذ ، ولذلك أنهى الطيب صالح حياة مصطفى سعيد بالموت ..ويكون الراوي الامتداد الطبيعي لممارسة الحياة ... ولذلك وبعد أن رضيت حسنة بنت محمود بالبداية المشوهة .. رفضت أن تتزوج رجلاً كهلاً يمثل التهاوي والخمول ، ويحمل عقلية متخلفة ، لا تفرق بين شراء حماره أو الاقتران بإمرأة وانتهى زواجها بهذا النمط البالي المتخلف بالقتل ، قتلت ود الريس ، زوجها الجديد ، وقتلت نفسها . (( وبذلك تكون (( حسنة )) قد قتلت التقاليد القديمة التي تعودت أن تجعل من المرأة شيئاً من المتاع المادي ، وليست (( إنسانة )) ذات عاطفة مستقلة ، إنهّا قتلت رمزاً من رموز الماضي بتقاليده ونظرته الخاطئة إلى الحياة ، وأحدثت بهذه ( الجريمة ) صدمة مفجعة لمجتمع قريتها الأفريقي الهاديء البسيط ))    هذه الصدمة العنيفة ولدت موقفاً معيناً . وأفاقت القرية السودانية على مولد جديد زرع بذوره مصطفى سعيد . ترى هل هذه الجريمة امتداد للجرثومة القديمة التي بدأت آثارها في أوربالأسباب معينة اشرنا إليها . فامتدت لتشمل السودان والشرق .. ? !! .. (( لقد كان مصطفى سعيد يحمل الجرثومة التي أصابت القرية وجعلتها تنظر إلى مستقبلها بقلق وخوف ))     .

      ومسألة أخرى ينبغي أن نلتفت إليها . تلك غرفة نوم مصطفى سعيد في أوربا التي كانت تدور فيها معاركه الضارية مع الحضارة الأوربية . وكان الروائي يصر على رائحة الصدل والند.. هذه الرائحة الخانقة القاتلة ..ما إن تستنشقها امرأة جاءت لتطأ فراشها حتى تكون نهايتها الموت .. (( غرفة نومي مقبرة .. تعبق من الغرفة رائحة الصندل المحروق والند .. غرفة نومي كانت مثل غرفة عمليات في مستشفى .. أقضي الليل ساهراً أخوض المعركة بالقوس والنبل والسيف والرمح والنشاب ..فأعلم أني خسرت الحرب مرة أخرى ))    ... هذه الغرفة محاطة بسر غامض ورائحة الصندل والند ...تذكرنا بالمتصوفة . وغرفة أخرى مغلقة باسرار . برائحة الصندل والند .. غرفته هذه المرة في السودان ..في قرية وصدمت الراوي روائح الغرفة . وكاد يموت أو ينتحربعد خروجه منها لولا خلفية فكرية ضارية الجذر بالتراث والأرض . هاتان الغرفتان أو هذه الغرفة التي فتح الراوي النوافذ عليها فلم يدخل من الخارج سواى مزيد من الظلام .. ?    ماذا تعني هل هي غرفة أودعها أسراره ، وما السر في كونها قاتله لمن دخلها .. ? !! ولماذا لم يسمح مصطفى سعيد لزوجه الدخول إليها منذ زواجه منها .. وحتى وفاته ? ! ولماذا كان الراوي يصر على أن تظل الرائحة حبيسة .  فيها وحرق محتويتها . كي لا تتسرب روائحها القاتلة .

      ويبدو لي انّ هاتين الغرفتين تمثلان اعماق مصطفى سعيد بما تحمله من غرفة داخلية وخارجية . والتي تصطرع فيها كل المواقف الغامضة وتدور فيها الحرب والصراع الحضاري ، وهي مغلقة بهذا الغموض والصوفية .

      أما الجيل الثالث الذي يمثله الراوي ومحجوب .. فهو يمثل عنصر المصالحة مع الحضارة الأوربية ، والراوي يذهب إلى أوربا ولكنه لم يصطدم بها كما حدث لمصطفى سعيد لأسباب عديدة .. إنه من جيل آخر غير جيل مصطفى سعيد . جيل عاد إليه الهدوء نسبياً . وأصبح فيه الاستعمار تاريخياً . أو قل تأثيره . وإنّ الراوي يشعر أنّ هناك جذوراً كثيرة إلى بيئته وتجذبه إليها .. (( نظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في دارنا . فعلمت أنّ الحياة لا تزال بخير . انظر إلى جذرها القوي المعتدل وإلى جذورها الضارية في الأرض ، وإلى الجريد الأخضر المتهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة ، أحس أنني لست ريشة في مهب الريح ، مخلوق له أصل ، له جذور ، له هدف ))    .إنّ الراوي يشعر أنّ هذه الجذور تشده بعنف وقوة إلى الأرض والبيئة ، والجد جزء آخر يشده إلى البيئة والأرض شداً عنيفاً (( وحين اعانقه ـ أي الجد ـ استنشق رائحته الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة ورائحة الطفل الرضيع ))    

      وبموت مصطفى سعيد تتولد أشياء جديدة في القرية ، ويبدو أنّ جرثومة المرض انتشرت في المجتمع ، ويتحول الراوي إلى غريب وطالب ثأئر من مصطفى سعيد ، ويسعى بكل جهده لمواجهته ولكنه يشعر أنّه ابتدأ من حيث انتهى مصطفى سعيد ، والذي نراه ، أنّ الراوي يتصور أنه يرى صورة مصطفى في غرفته المعلقة في غرفته في السودان . ولكنه في الحقيقة كان يرى نفسه في المرآة ، وتداخل الشخصيتين بهذه الشكل يعني أنّ جرثومة المرض قد سرت إلى الراوي ، ولذلك فكر الراوي أن يرحل كرحلة مصطفى سعيد إلى الشاطيء الشمالي ، وفي هذه الرحلة الموت .. الغربة .. والألم .. ولكنه قرر الحياة فاتجه نحو الجنوب الذي يمثل الأرض .. ، وتحددت علاقة الراوي بالنهر وهو طاف فوقه وليس جزءاً منه .. النهر الذي يعني الحركة .. بل يعني الزمن .. (( إنّ حياة القرية رهن لعطاء النهر .. والنهر يرتبط بحياة أهل القرية منذ طفولتهم ))    ... (( فكرت أنّني إذا من تلك اللحظة فإنني أكون قد متّ وكما ولدت دون ارادتي ، طول حياتي لم اختر ولم أقرر ، إنّني أقرر الآن ، انّني اختار الحياة     ((

      أراد الراوي لمصطفى سعيد الذي يمثل جيل الحرب أن ينتهي وأنْ لا يسود . فأوصله إلى تلك النهاية المفجعة ، وإن بدا هذا الأمر في الظاهر اختياراً إرادياً لمصطفى سعيد .. والهلاك والموت لجيل الحرب مسألة محتمة تفرضها حركة التاريخ . غير أنّ اختيار الراوي عن وعي وادراك ، فاختار الحياة ، وقرر أن يحدد موقفه منها ، فرفض الرحلة إلى الشمال كي لا تتكرر المأساة في جيل جديد ، جيل الأكذوبة في حياة مصطفى سعيد .

      إنّ الراوي يمثل جيل ما بعد الحرب ، جيل هاديء مستقر ، تؤثر فيه مظاهر العنف الأوربي ، والراوي ومحجوب يمثلان عنصر المصالحة والحل بين الحضارات ، وهو لقاء قائم على التفاهم والحل والوعي والتأمل (( واذا كان مصطفى امرءاً يستبد به الشوق إلى كل جديد وغريب ، فأنّ الراوي لا يستريح إلى الغريب حتى يرى تشابهاً من المألوف ، الناس عنده هم الناس في كل مكان ))    . ولذلك فهو يقول (( إنّ الاوربيين مثلنا تماماً .. يولدون ويموتون ))    والراوي (( وإنّ أشبه مصطفى سعيد في كونه مثقفاً سودانياً أقام في بلاد الانجليز سنين طويلة وتشرب ثقافاتهم فهو يختلف عنه اختلافاً أصيلاً من حيث الانتماء إلى الأرض ))    .

      أما محجوب فهو يمثل الشخصية الفلاحية الواعية المرتبطة بالأرض . والممثلة لمصالح هذه الفئة من الناس يوعي ونضج . ولا خلاف انّ محجوباً شخصية إيجابية تمثل الجمهور الواسع من المجتمع السوداني . غير أنّ محجوب والراوي إقتتلا في قضية تتصل بمصطفى سعيد (( الذي حدث بعد ذلك ليس واضحاً تماما في ذهني . ولكني أذكر .. يدي مصبقتين على حلق محجوب . وأذكر حجوظ عينيه وأذكر ضربة قوية في بطني ، وأذكر محجوب جاثماً على صدري ... ))  .

      الموت سر ملغز في الرواية . وهو إستجابة أو ردود فعل طبيعية لحدة العنف الأوربي الذي بذرته أوربا في نفس مصطفى طيلة الفترة ( ثلاثين عاماً ) التي قضاها هناك .. ورغم تشرب العنف في نفسه إلا أنّه وقف في وجه الحضارة الأوربية محارباً وغازياً لها بأساليب سلبية ، وإنْ كانت تحمل في اللاوعي بعداً عميقاً ضارب الجذر في الصراع بين الحضارات الانسانية .

      إنّ الراوي في نهاية الرواية أوشك على الموت وصرخ .. (( النجدة .. النجدة ))  . وهذا يعني أنّ الجيل المثقف الجديد ... جيلنا المعاصر به حاجة إلى نجدة وإنقاذ خشية الذوبان ..إنّ الراوي قد اختار ، ولكنه الاختيار وحده لا يضمن النجاح ، إذ لابدّ من وقاية لهذا الجيل .

      أمّا أسلوب الطيب صالح ، فقد وصفه الغربيون بأنه (( فنان من الشرق ـ فيه طعم الشرق وسحره وجنونه وصوفيته ، ولكن بثياب أوربية ))    .

      ولعل أبراز السمات التي اتسم بها أدبه هي صوفيته التي ما تناول ناقد روايته إلا أشار إليها ، وأرى إصراراً عند بعض النقّاد السودانيين أنّ سبب هذه الصوفية عائد إلى نشأة الطيب صالح في القرية    ومهما قيل في أسبابها ، فإنّها بارزة في الرواية توحي بأجواء شرقية فيها السحر والخيال والصوفية . هذه أتاحت للروائي القدرة العجيبة في نزع الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال .. الحلم والواقع ، والشخصيات منسوجة بشكل لا حدود له ، وممزوجة بعوالم واسعة ومواقف متعددة .. وتتداخل جميعها بين الواقع والحلم والصوفية المكثفة .

      ويخالطك شك في أن المرافعة والمحكمة حدثت فعلاً ويبدو أنها من خيال البطل ، وهي جزء من الـ flash lsack  ))    في تركيبة الرواية عند الطيب صالح .

      ويعتمد الروائي في عرض الأحداث (( طريقتي السينما .. المألوفتين : عرض أحداث مختلفة في أمكنة مختلفة وزمان واحد ، وطريقة الرجوع بالأحداث في لقطات متسلسلة ، وهو جريء في قطع المشهد ، والانتقال إلى مشهد آخر ، بالتمهيد حيناً ودون تمهيد حيناً آخر ))    

      والطيب صالح لا يحفل بالترتيب الزمني ، إذ يدمج الحاضر بالماضي ويجمع الأزمنة الثلاثة في لحظة واحدة تحت تأثير تكنيك خاص إعتمده في الرواية ، وهو التذكر وتداعي الأفكار .. ولا يعطينا الروائي كل شيء بل يترك فسحة للمتلقي ليسهم في الرواية بإضافة أفكاره من خلال التخيّل ، وتأثير الفكرة وإلحاحها عليه ، وعلى هذا الأساس اعتمد تكتكياً خاصاً يتكيء فيه على ومضات ساطعة مرة أو خافتة مرة أخرى ، وقد تكون الومضة كشهاب يطول احتراقه ، أو لمعه بارقة ، وتتكرر الومضات من جديد في الرواية باستخدام (( تيار الوعي )) ولكن بلمعان جديد أو إضافات أخر تأخذ أبعاداً جديدة .. (( لغز الموت هذا هو الذي يلقى بطله على جو الرواية فتصبح مع المؤلف كأننا نسير في سرداب مظلم يضيء مصباحه اليدوي في أيّ مكان شاء ، فنرى قطعة من الاحداث ثّم يعاودنا الظلام والضياع ..)) 

      والراوي هو الذي يروي الرواية مرة ، ومرة مصطفى سعيد ، مع عدم إلتزام التسلسل الزمني والمكاني في سرد الحوادث ونمو الشخصيات ، وتتداخل المواقف تحت تأثير التذكر وتداعي الأفكار بمزج الخرافة بالحقيقة والواقع بالأسطورة .

      ومهما قيل في أنّ تكنيك الرواية تجريبي ، وأنه لا يعتمد أسلوب الأداء التقليدي الذي يعتمد على نمو الحدث والشخصية بطريقة تطودية ، وتتماسك تماسكاً عضوياً ، وأنه يعتمد في بعض فصول الرواية على (( تيار الوعي )) . فهي رواية تعتمد على التداعي واجترار الذكريات مع إتكاد الروائي على المنولوج الداخلي ليضفي على الرواية مزيداًمن الغموض والجمال .

 

 

صورة الولي في الرواية العربية

قنديل ام هاشم انموذجا

 

 

 

تجد فكرة « الولي » وكراماته الخارقة ذيوعاً وانتشاراً في المجتمعات الزراعية، وفي الشرائح الاجتماعية المنحدرة منها الى المدن. ويكشف الإيمان بالولي وبكراماته عن تصور فكري واجتماعي يحكم علاقة الانسان بالمطلق من ناحية، وبالواقع من ناحية أخرى، وبكيفية إحداث التغير في الواقع الاجتماعي من ناحية ثالثة. وتحكي فكرة « الولي » أنَّ هناك انساناً ما رجلاً أو امرأة امتلك بفعل تقواه قدرات خارقة وكرامات متعددة، تتناقلها الأجيال، وتتضخم صفاتها في الوجدان الشعبي، وتصبح للولي عادة قيمة كبرى بعد وفاته، ويتحول قبره الى ضريح يؤمه الزائرين، يتبركون بالمكان، وينتظرون منه تحقيق المعجزة في تلبية دعواتهم، ويتحول المكان أي قبر الولي الى مركز له قيمة و قدسية، ويصبح مركزاً لجذب اجتماعي وفكري وثقافي .

 وترافق فكرة الايمان بالولي تقاليد وطقوس ذات ملامح دينية، يقدسها المجتمع، ويتباهى الكبار والصغار في تقديسها وحمايتها، لدرجة يعد من يخرج عليها مارقاً على الدين وقيمه، وهذا يعني أنّ « الولي » سواء أكان انساناً حياً، أو مكاناً تؤمه الناس بالزيارة والتقديس، انما يشتمل على فكرة خلعها المجتمع عليه لأنَّ المجتمع يجد فيه منقذاً ومخلصاً، يساعده على تحقيق أحلامه التي عجز عن تأديتها في الواقع .

          إنّ « الولاية » فكرة تتجسد في الانسان الفرد، ومن ثم يتحول قبره الى مكان تتجسد فيه روح الفكرة التي يؤمها الناس، وفكرة « الولاية » بحد ذاتها من صنع المجتمعات التي تبحث عن المطلق القادر على صنع المعجزات الخارقة، ولما كانت المجتمعات الزراعية متدينة بطبعها، فقد خلعت على بعض الأفراد المتميزين بالتقوى والإيمان، فكرة الولاية، وأضفت عليه كرامات أخذت تنمو وتتبلور وتتطور بفعل شوق الوجدان الاجتماعي إلى المعجزة .

 إن « الولاية » فكرةً، وانساناً، ومكاناً، تنبىء عن تصورات اجتماعية معينة، يمثل فيها المجتمع كتلة ذات طبيعة واحدة متماسكة، وتخضع لقوانين صارمة غير قابلة للتغير والتفاوت . وتتولد فكرة « الولاية » من حالات القهر الاجتماعي التي تعيشها المجتمعات الزراعية بخاصة، إذ تجد في انسان ما فكرتها، حين يكون حياً، وتخلع على قبره قدسية ما حين يكون ميتاً . وبهذا يكون المجتمع كله في ناحية، والولي في ناحية أخرى، جماعة يقابلها فرد، أوجماعة عاجزة يقابلها فرد اسطوري خارق قادر على خلق الفعل وإحداث التغير . وهي صفة، أو كرامة، تخلعها الجماعة عليه . ومن ثم فإنَّ الاتصال بالمطلق قد يهب الفرد في المجتمع شيئا من كرامته فتحل به البركة، ولذا كانت زيادة الأولياء أحياء من الأمور النادرة، اما الى القبور فهي الغالبة من أجل أن تحل البركة بالانسان . أما فعل الولي فهو لا يخضع لقانون اجتماعي، وانما هو مطلق قدري اسطوري، خارق للعادة، وللناموس أيضاً .

 إنّ المجتمع الذي يؤمن بفكرة الولي مجتمع تحكمه قوانين صارمة، وهو غير قابل للتغير والتطور بسهولة، وفيه درجة عالية من التماسك والثبات . وتعطل في هذا المجتمع قدرات الانسان الفرد، ويعلى من شأن حركة الجماعة . فلا بد من الرضوخ لقيم الجماعة وتقاليدها . ولا بد من التسليم بطقوس الجماعة التي تؤدي بشكل جماعي، ولذا فإنَّ على الانسان الفرد أن يسلم بإفكار الجماعة ومعطياتها . اما محاولة التغير في الواقع، وهو حلم يطمح اليه الانسان المقهور، فهي لا تتم بوعي قوانين الواقع الاجتماعي، وإحداث التغير فيها بفعل الانسان، وانما يتم ذلك بالتوسل بالولي، انساناً، وفكرةً، وضريحاً، لاحداث هذا التغير . وهو يتم بقوة خفية غامضة . وتفسر أحداث المجتمع سلباً وايجاباً في ضوء هذا الفهم . ولئن لم تؤت الدعوات التي ينثرها زائرو الأولياء والنذور التي يقدمونها أكلها، فلأنَّ خللاً ما في الانسان يحول دون تحقيق معجزة الولي فيه .

 ونخلص من هذا الى أن « الولاية » مفهوم تخلعه الجماعة على الانسان الفرد الذي يتميز بخصائص فردية معينة. فوجود الولي قرين بعدين : أحدهما : فردي تضخمه الجماعة بمرور الزمن بسمات اسطورية خارقة . وثانيهما : الجماعة التي تجد في الولي محط أحلامها وطموحها وأمانيها، إذ تجد فيه الانسان الكامل الخارق، فهو المنقذ والمخلص الذي تخلقه الجماعة بسبب احباطها في حركة الواقع القاسية .

 وتتجلى ملامح « الولاية » في قصة قنديل ام هاشم ليحيى حقي . وأم هاشم هي السيدة زينب بنت الامام علي، ولها ضريح مهيب في القاهرة . ويمثل ضريحها محوراً جوهرياً تدور بجواره أغلب احداث القصة . وهو في الأصل مركز جذب اجتماعي، لأن القيمة ليست بالمكان، وانما بالروح التي حلت بالمكان. فميدان السيدة زينب مهما أحدثت فيه من تغير، بالهدم والتحطيم، فإن ما يطيش هو المعول، وتبقى للميدان روحه : « طاش المعول وسلمت للميدان روحه، إنما يوافق في المحو والإفناء حين تكون ضحاياه من حجارة وطوب » .

 ويمثل ضريح السيدة زينب لأسرة بطل القصة مركز الحياة، فالأسرة كلها تعيش في رحاب السيدة زينب وفي حماها، وان أعياد السيدة زينب ومواسمها إنما هي أعياد الأسرة ومواسمها، وأن حركة الحياة في البيت تابعة للضريح والمسجد، فمؤذن المسجد ساعة الأسرة .

          وتمثل السيدة زينب لأسرة بطل القصة المنقذ الروحي الذي تلوذ به . وانّ كراماتها تعم المكان، وتوسع الرزق، وتحرس الأبناء،  فاتساع متجر جد البطل من كراماتها، وان «اسماعيل » بطل القصة نشأ في « حراسة الله ثم أم هاشم »  وإن ضريح السيدة خير كله، يؤمه التقي والآثم .

 ويقترن ذلك كله بأنوار السيدة نفسها، بوصفها رمزاً، او الأنوار بوجودها المادي، وبخاصة « القنديل » الذي يتميز بخصائص اسطورية اكتسبها من صاحبة المكان والضريح، فهو نور لا يخضع لقوانين الطبيعة لأن « كل نور يفيد اصطداماً بين ظلام يجثم وضوء يدافع، إلا هذا القنديل فانه يضيء بغير صراع ! لا شرق هنا ولا غرب، ما النهار هنا والليل، لا أمس ولا غدا »  .

واذا كان لقنديل أم هاشم خصائص روحية وضاءة باللون، فان زيت القنديل لا يقل أهميةً وتأثيراً . فهو يستخدم لعلاج عيون الزوار .غير أن قانون العلاج هو الآخر اسطوري، لأنه يتصل بالتقوى القارة في أعماق الانسان، « يشفى بالزيت المبارك من كانت بصيرته وضاءة بالإيمان، فلا بصر مع فقدان البصيرة . ومن لم يشف فليس لهوان الزيت، بل لأن أم هاشم لم يسعها بعد أن تشمله برضاها، لعله عقاب آثامه، ولعله هو لم يتطهر بعد من الرجس والنجاسة، فيصبر وينتظر ويتردد على المقام . فإن كان الصبر أساس مجاهدة الدنيا، فإنه أيضا الوسيلة الوحيدة للآخرة »  .

 وينبعث من القنديل لألاء يخطف الأبصار، وبخاصة في ليلة الحضرة حين يجتمع الأولياء « وتنعقد محكمتهم وينظرون في ظلامات الناس، لو شاؤوا لرفعوا المظالم جميعاً . ولكن الأوان لم يئن بعد، فما من مظلوم إلا هو ظالم، فكيف الاقتصاص له ؟ »  ويحكي خادم الضريح لبطل القصة اسماعيل يقول : « هذا القنديل الصغير الذي تراه فوق المقام، يكاد لا يشع منه عندئذ لألاء يخطف الأبصار . . . إنني ساعتها لا أطيق أن أرفع عيني اليه . زيته في تلك الليلة فيه سر الشفاء . فمن أجل ذلك لا أعطيه إلا لمن أعلم أنه يستحقه من المنكسرين »  .

 ومن الجدير بالذكر، أن نشير هنا، الى أنّ قصة « قنديل أم هاشم » تمثل واحدة من النتاجات التي تعرضت لأزمة اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب، ويظهر أنَّ التأكيد على الجانب الروحي متمثلا في الولاية والضريح، ليس غريباً أو بعيداً عن هذا الصراع الحضاري . ولذا فليس صدفة أن نجد توفيق الحكيم يهدي روايته « عصفور في الشرق » وهي تتعرض لقضية الصراع نفسها الى السيدة زينب، بطريقة تعبر عن نـزعة موغلة في التصوف، فالسيدة زينب حامية الأديب التي يلوذ بها . . هكذا . « الى حاميتي الطاهرة السيدة زينب » .

 وحين يصف توفيق الحكيم اجواء باريس، يقارن ذلك احياناً باجواء القاهرة، ويسلط الأضواء على منطقة السيدة زينب . فحين يقف في ميدان « الكوميدي فرانسيز » بنافورته المتدفقة بالمياه، يستعيد صور وأجواء منطقة السيدة زينب بقوله : « إني اتخيل نفسي الآن في ميدان المسجد بحي السيدة زينب . . . واتخيل هذه النافورة . . .ذلك «السبيل » بنوافذه ذات القضبان النحاسية »  . وحين يدخل كنيسة، وتبهره بآثارها الروحية يحس « الخشوع وعين الشعور، الذي كان يهز نفسه كلما دخل في القاهرة مسجد السيدة زينب ! . . .هنا ايضا عين السكون، وعين الظلام في الأركان، وعين النور الضئيل الهائم كالأرواح في جو المكان ! . . .إن بيت الله هو بيت الله في كل مكان وزمان »  .

 ويتكرر الأمرنفسه، وإن كان بشكل مختلف نسبياً مع الطيب صالح في روايته « موسم الهجرة الى الشمال » وهي ترصد قضية الصراع الحضاري بين الشرق والغرب إذ يضفى الطيب صالح على شخصية جد الراوي بعض الخصائص الخارقة الغامضة، لدرجة نقربه من الولي، إذ يذكر على لسان الراوي قوله : وتمهلت عند باب الغرفة وانا استمريء ذلك الاحساس العذب الذي يسبق لحظة لقائي مع جدي كلما عدت من السفر . إحساس صاف بالعجب من أن ذلك الكيان العتيق ما يزال موجوداً أصلاً على ظاهر الأرض . وحين اعانقه استنشق رائحته الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير ورائحة الطفل الرضيع » .

 إن الملامح الخارجية لطبيعة المجتمع لقصة « قنديل أم هاشم » لا تتجاوز كون أفراده مجرد « اشباح صفراء الوجوه، منهوكة القوى، ذابلة الأعين، يلبس كل منها ما قدر عليه، أو إن شئت فما وقعت عليه يده من شيء فهو لابسه »  .

 ومن نماذج المجتمع الشحاذ الذي يطوف طالبا لقمة العيش، حاملا على كتفه «كيس اللقم يثقل ظهره ينادي : لقمة واحدة لله يا فاعلين الثواب » ومن نماذج المجتمع ايضا « الشابة التي تنبت فجأة وسط الحارة عارية أو شبه عارية . . . صوتها الصارخ يجذب الوجوه إلى النافذة، وعيناها الساحرتان تستهويان المطلات فتمطر عليها أكوام من الخرق ورث الثياب . في لحظة واحدة تذوب وتختفي، فلا تدري أطارات أم أبتلعتها الأرض فغارت »  . ومن نماذج المجتمع بائع الدقة الأعمى « الذي لايبيعك إلا اذا بدأته السلام واقراك وراءه الصيغة الشرعية للبيع والشراء »  .

 وهذا النماذج المطحونة تقابلها نماذج مطحونة أخرى كأولئك الذين يخرجون من الخمارة هائجين ويتعرضون للمارة . وبعض هذه النماذج « صفوف تستند الى جدار الجامع، وبعضهم يتوسد الرصيف، خليط من رجال ونساء وأطفال، لاتدري من أين جاءوا، ولا كيف سيختفون، ثمار سقطت من شجرة الحياة فتعفنت في كنفها »  .

 واذا كانت الملامح الخارجية تشي بحالة من الضعف والخور، فان العالم الداخلي لهذه النماذج الاجتماعية يدل على استسلام مطلق للقدر، ورضا وقناعة يتجاوزان الوصف . . « ليس في الدنيا هم، والمستقبل بيد الله » .

 ان مجتمعاً بهذه الخصائص . . لابد له من منقذ أو مخلص . ان بطل قصة «قنديل أم هاشم » يمثل « المنقذ » أو « المخلص » فلقد تجلت فيه ملامح النجابة منذ صغره، فهو يعامل معاملة الكبار، وهو لم يزل صبياً، وينادى بالسيد اسماعيل أو اسماعيل افندي، وله أطيب ما في الطعام والفاكهة، ويمثل بالنسبة لأسرته مركز حياتها ووجودها . فحين يجلس اسماعيل للمذاكرة « خفت صوت الأب، وهو يتلو أوراده، الىهمس يكاد يكون ذوب حنان مرتعش، ومشت الأم على أطراف أصابعها، وحتى فاطمة النبوية بنت عمه، اليتيمة أباً وأماً تعلمت كيف تكف عن ثرثرتها وتسكن أمامه في جلستها صامتة كأنها أمة وهو سيدها »  .

 وتكون الأسرة مشغولة وساهرة في خدمة المنقذ لتهيئته لأداء دوره المستقبلي . وحين يأوي البطل الى فراشه فعندئذ « تشعر الأسرة أنَّ يومها قد انقضى، وتبدأ تفكر فيما يلزمه في الغد، كل حياتها وحركتها وقف على توفير راحته، جيل يفني نفسه لينشأ فرد واحد من ذريته »  .

 إنّ اسماعيل فرد واحد تصنعه الجماعة وتسهر وتشقى وتفنى من أجل صنعه وخلقه . إنّ المنقذ لا ينأى بعيداً عن الجماعة، فهي التي تدور في فلكه، تصنعه، ثم تقدسه . فهو فرد بازاء الجماعة . والجماعة تسقط أحلامها عليه .والبطل « خبير بكل ركن وشبر وجحر، لا يفاجئه نداء بائع ولا ينبهم عليه مكانه . تلفه الجموع فيلتف معها كقطرة المطر يلقمها المحيط . صورة متكررة متشابهة اعتادها فلا تجد في روحة أقل مجاوبه .لا يتطلع ولا يمل، لا يعرف الرضا ولا الغضب ،إنه ليس منفصلاً عن الجمع حتى تتبينه عينه »  .

 إنّ الأسرة التي كانت تهيء « أسماعيل » ليؤدي دوره منقذاً ومخلصاص، كانت ترى أن العلم هو الطريق الجديد للتقدم . واذا كان هناك منقذ ومخلص قديم يتنفس في أجواء التراث وينهل من روح التصوف، فإن المنقذ الجديد تصنعه الجماعة أيضاً، وتمهد الطريق له للإغتراف من العلم، وبخاصة في رحلة الى عالم العلم الحديث في الغرب، وكان لا بد من التضحية باللقمة والمال، كي يرحل « اسماعيل » لتلقي العلم في الغرب، ولكل رحلة مخاوفها ومخاطرها، تماما كرحلات السندباد، تكتنفها العجائب والغموض والأهوال . وكانت فاطمة النبوية ابنة عم اسماعيل أول من استشعر الخطر، فهي تخشى من هذه الرحلة لأنها تسمع « انّ نساء أوروبا يسرن شبه عاريات، وكلهن بارعات في الفتنة والإغراء، فاذا سافر اسماعيل فلا تدري كيف يعود إن عاد » .

 ولعل فاطمة النبوية ترمز الى الشرق، فهي تنظر عودة المخلص عالماً وقادراً ومحباً، ولذلك أكد الأب في وصيته : « اعلم أنَّ امك وانا قد اتفقنا على ان تنتظرك فاطمة النبوية، فأنت أحق بها وهي أحق بك، هي بنت عمك وليس لها غيرك، وان شئت قرأنا الفاتحة معاً يومنا هذا، عسى أن يصحب سفرك البركة واليمن »  .

 واسفرت رحلته الى الغرب عن تغير في كل شيء، تغير في قدراته العلمية، وتغير في ذوقه وأسلوب حياته، ومن الجدير بالذكر أنّ هناك ثنائيات ضدية تنبيء عن هذا التغير، فلقد تحول اسماعيل من جهة السلوك الاجتماعي والأخلاقي « كان عفا فغوى، صاحيا فسكر، راقص الفتيات وفسق »، كما تعلم شيئا آخر في تذوق الجمال : « تعلم كيف يتذوق جمال الطبيعة، ويتمتع بغروب الشمس كأن لم يكن في وطنه غروب لا يقل جمالا ويلتذ بلسعة برد الشمال »  .

 واذا كانت فاطمة النبوية الفتاة المستسلمة البسيطة التي ترى الحياة بحدسها ومن خلال عيني ابن عمها، تمثل الشرق، فان « ماري » زميلة اسماعيل في الدراسة في أوروبا، تمثل الغرب، وهي التي قلبت حياته رأساً على عقب، أو على حد تعبير يحيى حقي : « هي التي فضت براءته العذراء . أخرجته من الوخم والخمول الى النشاط والوثوق، فتحت له آفاقاً يجهلها من الجمال : في الفن، في الموسيقى، في الطبيعة، بل في الروح الانسانية أيضاً » . وقد تمكنت من تحويل عالمه الداخلي الى خراب : « بدا له الدين خرافة لم تخترع إلا لحكم الجماهير، والنفس البشرية لاتجد قوتها ومن ثم سعادتها إلا اذا انفصلت عن الجموع وواجهتها، اما الاندماج فضعف ونقمة » .

 ولاريب أن الدلالة الرمزية واضحة في المقابلة في أفكار اسماعيل الشرقي و«ماري» الغربية سواء في النظرة الى الحب أوالزواج أو الحاضر أو المستقبل، أو القيود والحرية . فالدين لدى اسماعيل مثلا يمثل شيئا كائنا في الخارج، مثل المشجب، تماماً، أما المعيار عند ماري فانه في الداخل من الذات، والحياة حركة جدلية متجددة، وليست قانونا ثابتا ،« يقول لها : « تعالي نجلس » فتقول له قم نسير، يكلمها عن الزواج، فتكلمه عن الحب . يحدثها عن المستقبل فتحدثه عن حاضر اللحظة . . . إنّ أخشى ما تخشاه هي : القيود، وأخشى ما يخشاه هو : الحرية »  .

 ان هذا التحول جعله ينظر إلى الحياة بمنظار آخر ولكن هذا لم يمنعه من حب وطنه وشوق العودة إليه . وكان لا بد من العودة الى أهله وليس من قبيل الصدفة أن يجعل بطل قصته متخصصا بطب العيون، وكأنه يشير الى بعد رمزي يهدف الى أن يفتح عيون مجتمعه وينقله الى الجديد . وقد أكد ذلك على لسان الأستاذ الغربي الذي تتلمذ عليه اسماعيل، أو الدكتور اسماعيل، حين قال له « اراهن أن بلادك في حاجة اليك، فهي بلد العميان »  وعاد اسماعيل الى وطنه، بلد العميان، وكان « كلما قوي حبه لمصر زاد ضجره من المصرين، ولكنهم أهله وعشيرته والذنب ليس ذنبهم، هم ضحية الجهل والفقر والمرض والظلم الطويل المزمن »  . وكأن المنقذ يرى مساويء بلده لأول مرة، فالريف المصري «كأنما اكتسحته عاصفة من الرمل فهو مهدم معفر متخرب،  الباعة على المحطة في ثياب ممزقة تلهث كالحيوان المطارد وتتصبب عرقاً ولما سارت العربة من المحطة، ودخلت شارع الخليج الضيق الذي لا يتسع لمرور الترام، كان أبشع ما يتصوره أهون مما رآه : قذارة وذباب، وفقر وخراب، فانقبضت نفسه، وركبه الوجوم والأسى، وزاد لهيب الثورة في قرارة نفسه، وزاد التحفز »  . وقد بدا له المجتمع المصري متخلفا على كل المستويات العلمية والصحية « هؤلاء المصريون : جنس سمج ثرثار، أقرع أرمد، عار، حاف، بوله دم، وبرازه ديدان، يتلقى الصفعة على قفاه الطويل بابتسامة ذليلة تطفح على وجهه. ومصر؟ قطعة « مبرطشة » من الطين أسنت في الصحراء، تطن عليها أسراب من الذباب والبعوض، ويغوص فيها الى قوائمه قطيع من جاموس نحيل »  .

 وكانت المواجهة ساخنة بين اسماعيل بوصفه منقذاً ومخلصاً وبين مجتمعه، وابتدأ الصراع منذ أول يوم وصل فيه الى أهله، حين شاهد أمه تقطر في عيني ابنة عمه فاطمة النبوية قليلاً من زيت قنديل السيدة زينب . وكان أن « قفز اسماعيل من مكانه كالملسوع . أليس من العجب أنه وهو طبيب عيون، ليشاهد في أول ليلة من عودته، بأية وسيلة يداوي الرمد في وطنه »  .

 انّ المعارضة بين العلم من جهة والتصوف والجهل والخرافة من جهة أخرى دفعت اسماعيل الى شن حملة شعواء ضد كل ألوان الخرافة، مؤكدا لأمه : « سترون كيف أداويها فتنال على يدي أنا الشفاء الذي لم تجده عند الست أم هاشم ». أما أمه فقد شككت في عقل ولدها، مؤكدة أنّ هذا الزيت هو الذي يحل به الشفاء بسبب بركة أم هاشم، وأما ابوه فقد اتهم ولده بالكفر« وسمع صوت أبيه كأنما يصل إليه من مكان سحيق : ماذا تقول ؟ هل هذا كل ما تعلمته من بلاد بره ؟ كل ما كسبناه منك أن تعود الينا كافراً »  .

 وكان لابد أن يحطم اسماعيل مركز الخرافة والجهل، متمثلاً في هذا القنديل الاسطوري، وتوجه الى ضريح السيدة زينب «لم يملك اسماعيل نفسه . . . فقد وعيه وشعر بطنين أجراس عديدة، وزاغ بصره، ثم شب، وأهوى بعصاة على القنديل فحطمه، وتناثر زجاجه » ومن الجدير بالذكر أن التمرد على الجهل والخرافة ومحاولة تحطيمه تتم بعد أن يفقد البطل وعيه .

 وأخذ الأب يلعن اليوم الذي أرسل فيه ابنه الى أوروبا وأخذ يكرر مع نفسه ومخاطباً ولده : « ليتك ظللت بيننا ولم تفسدك أوروبا فتفقد صوابك، وتهين أهلك ووطنك ودينك »  .

 واذا كان ما سلف يمثل الجانب السلبي في مكافحة الجهل والتخلف، فان الفعل الايجابي أن يعمد اسماعيل الى انقاذ مريضته فاطمة النبوية ابنة عمه ورمز الشرق، ولا بد أنْ يستخدم أدواته العلمية ومهاراته الفائقة كلها، وحاول ذلك بكل ما يستطيع غير أن فاطمة مريضته وضحيته تفقد كل يوم بصرها، حتى « انكفأ آخر بصيص تتعزى به »

 وأراد يحيى حقي أن يوازن بين بعدي العلم والايمان كي تتحقق المعجزة، لأن خرافة زيت القنديل لم تحل معضلة العمى. كما أنّ العلم وحده لم يشف المريضة من عاهتها، ولذلك كان لابد من الجمع بين العلم والايمان، غير انّ يحيى حقي قد جمع بين العلم والخرافة متمثلة في زيت القنديل. وقد عاد البصر الى عيني فاطمة النبوية حين جمع بين العلم الحديث وزيت القنديل . وهذا يعني « أن العلم من غير ايمان لاقيمة له، ولأنه أراد أن يشفي فاطمة بعلمه وحده اصيبت بالعمى، ولم تستعد بصرها الا حين استعاد ايمانه »  .

 أنّ قصة « قنديل ام هاشم » تقيم تعارضا بين روحية الشرق وعلمية الغرب، ويتجلى في هذا التعارض أبعاد رمزية، تمثل فيه فاطمة النبوية رمزا لمصر وللشرق . وقد اسهمت في اعداد المنقذ والمخلص، وبقيت ترقب عودته، وكان أن وصل بها الأمر حداً من مرض كاد يفتك بعينيها، وكانت تعالج بأساليب القدامى القائمة على الخرافة والجهل.

 وتستسلم فاطمة النبوية لتمرد المنقذ وكسره زجاجة الزيت وقنديل أم هاشم، وتستسلم لعلمه أيضاً، لكنها لا تريد أن تتخلى عن روحية الشرق . فلا يفلح الطبيب الحاذق إلا حين يجمع بين بعدي الطب الحديث ورمز الروحية متمثلا بزيت القنديل، على الرغم من أنه يشتمل على الخرافة .

 واذا كانت السيدة زينب تمثل المنقذ والمخلص القديم في أحد جوانب الوعي في المجتمع العربي فان يحيى حقي يعرض في قصة « قنديل أم هاشم » بطلة « اسماعيل » بوصفه المنقذ الجديد . وهو منقذ تمتد تطلعاته في الحاضر وتستشرف المستقبل . ويتجلى ذلك من خلال تتبعه العلمي في مظانه المعاصرة، وفي المجتمع الغربي على وجه الخصوص، وهي في الوقت نفسه تمتد جذوره في عمق الماضي، وما يكتنفه الوجدان الشعبي. هذا ما كان يريد التأكد عليه، محاولة المزج بين العلم والايمان. فان الحياة لا تتم بدونهما، صحيح أنّ يحيى حقي تنكب الطريق حين جعل الخرافة معبرة عن الايمان والدين، لأن زيت قنديل أم هاشم لايعبر عن الدين، وانما يعبر عن الجانب السلبي والسطحي لفهم شعبي خاطيء للدين .

 أنّ المنقذ القديم انساناً أو فكرةً أو مكاناً انما يمثل حركة المجتمع، ويدور المجتمع حوله . وإنّ المنقذ الجديد « الانسان » بوصفه بطلا، تدور حوله حركة المجتمع . فالولي القديم ينقذ المجتمع بمعجزة، ولايتم ذلك إلا بتواصل بين الولي والانسان، وبخاصة أنّ الأخير يؤمن ببصيرة وقدرة الولي واعجازه . وأصبح « اسماعيل » المنقذ الجديد يؤدي دوره الطبي في شفاء الفقراء والبائسين بأساليب تقترب من المعجزة الخارقة، و « كم من عملية شاقة نجحت على يديه، بوسائل لو رآها طبيب اوروبا لشهق عجبا . استمسك من علمه بروحه وأساسه، وترك التدجيل والمبالغة في الآلات والوسائل . اعتمد على الله ثم على علمه ويديه فبارك الله له في علمه وفي يديه »  .

 وتتجلى الملامح الاسطورية في المنقذ الجديد، اذْ كان ملتحماً بالجماعة، تماماً كما تكون الجماعة ملتحمة به، فهو يستقبل المرضى في بيته وكأنه يشبه الضريح الى حد انّ هذا المنـزل « يصلح لكل شيء إلا لاستقبال مرضى العيون . الزيارة بقرش واحد لايزيد »  . وتتجلى ملامح البساطة والزهد في زيه ومظهره، على الرغم من أنه « كان في آخر أيامه ضخم الجثة، أكرش، أكولاً نهماً » وكانت ملابسه مهملة « على أكمامه وبنطلونه آثار رماد سجائره التي لا ينفك يشعل جديدة من منتهية »  . واذا كان المنقذ القديم يعيش في وجدان الشعب، فان اسماعيل هو الآخر بقي بعد رحيله « يذكره أهل حي السيدة بالجميل والخير ثم يسألون الله له المغفرة »  .

تقنية المكان في قصة ( الثعبان )

 

 النص

الثعبان

القاص الليبي :  علي الجعكي

كثيراً ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل .. أمعن النظر في لمعان تفاصيله ... في خطوطه ودقة صنعه ... في انعكاس الضوء على هيكله .. في شموخه بين الأغصان المرتعشة .. كل مساء أجدني منساقاً إلى تلك الحديقة التي تحضنه، كانت تقع في الشارع الخلفي لمحطة القطار الرئيسية، حيث أقطن فندقاً يعج بالمسافرين .. نافورة قديمة تتربع تحت قدمي التمثال الشاهق .. رذاذ الماء البارد يغسل القدمين الرخاميتين، ويندلق عبر القاعدة ليرجع إلى حوض النافورة .

 

تتناثر قطرات الماء إلى نعومة الساقين الجميلتين، وتتكسر مع شعاع القمر في شكل نقط ضوئية .. نهدان بكران يشمخان عالياً .. كأن لبن الحياة يسري فيهما، ويقطر على البطن ليستقر في السرة المحفورة بدقة .. شعاع خاطف ينطلق من عينيه ليخترق أضلاعي .. زاويتا الفم الصغير تنفرجان عن بسمة تترك أثراً غامضاً في نفسي .. تشقّ أخدوداً عميقاً في صدري .. لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أُقم أية رابطة مع الذين يترددون بشكل يومي على الحديقة .. كان بعضهم يتخذ من الكراسي الحجرية أسرّة لهم، يقضون الليالي الطويلة بين أحضانها، مع زجاجات الخمر وإلقاء السباب والشتائم على الحياة .. لكني كنت منشغلاً مع حُلمي الخرافي .. أعيش لحظاتي المتصوفة على طريقتي الخاصة .. مع خمرتي التي تنعشني .. تشعل حريقاً هائلاً في حطامي .. في هذا الجو الليلي مع الأضواء الشاحبة المنعكسة على الرخام .. كنت أعيش حالات ملونة من المتعة الوحشية التي تخترق صلادة الرخام .. إزميلها الحاد يمزقني بلذة، ينحت مسارب مجهولة بداخلي .. كنت أتألم دون أن أعرف لماذا .. أتأوه دون أن أفتح فمي .. أتقوّض كبنيان قديم تجتاحه مخلوقات أسطورية مدمرة .. عناكب هائلة تسكن زواياه المظلمة الرطبة .. لم أتناول عشائي هذه الليلة، بل دلفت إلى سريري بكامل ثيابي ... أنين مفصلات الأبواب، وصراخ المخمورين تختلط بجلبة السكان ، والأحذية الثقيلة على درجات السلم الحجرية .. بخرير النافورة القديمة ورنين الصحون المعدنية تحت رذاذ الماء .. بزعيق السيارات تخترق الأسفلت بجنون، لترسم لوحة من الفسيفساء على طبلتي أذنيّ .. إبرٌ حادة تخترقني من كل أطرافي .. شواظ من النشاز يشعل جلدي .. يمزقني... يفجر دمي .. يحملني عالياً حتى السقف .. الوجه الصنمي بنظرته الخاطفة .. ببسمته الهادئة على جانب فمه يطل من وراء زجاج النافذة .. الشعاع الغامض يخترق ألواح الزجاج ... يحرقني .. يتغلغل عبر جسدي المحموم .. أتأرجح بين الأغصان .. بين ذراعي التمثال الصخري .. أتحول إلى ورقة مهترئة .. الجفاف يغزوني .. أصبح هشاً كالرمل .. كالرماد .. أنزلق حول الساقين الجميلتين .. حول النهدين .. أغوص في السرة المحفورة بنعومة .. الأوراق الطرية يحركها الهواء .. سريري يتأرجح كالموج .. مصباح الغرفة يرتفع إلى السماء .. يخبو .. يصبح كنجمة خافتة .. جلجلة الساعة الضخمة بالمحطة تخترق الكون .. توقظني من حالتي . الدقة الخامسة ... السادسة ... السابعة .. الزحام يحيطني من كل جانب .. أكتشف أني أسير حافياً .. أترنح عبر الشارع برأس مثقل .. كانوا يسرعون .. يهرعون في اتجاهات مختلفة .. أسيل بينهم .. أتدحرج بفوضى عبر الشوارع المكتظة .. أصطدم ببعض الأجساد الرخوة .. الناعمة .. أعترض وجوهاً حليقة لامعة .. وأخرى مصبوغة تعبق بألوان طيفية .. أغرق في لجة اللحم الهائلة .. أنغرز بين الزوائد المتهدلة، المترجرجة ... بين القامات الشاهقة المرسومة بعناية . بين خضم اللون والروائح المختلفة أضيع .. أتوه ... أجدّف صوب نقطتي الوحيدة .. صوب المرفأ المتربع في عمق الحديقة .. أضرب الأمواج بلا كلل ... كانوا ينظرون في عينيّ ببرود .. إلى قدمي الحافيتين .. في اضطراب خطواتي .. أتعثر كالجريح .. كمن يصعد سلماً لا نهاية له .. أنحدر عبر الشارع الجانبي المؤدي إلى الحديقة .. إلى المرفأ .. أجتاز البوابة المشرعة .. طريق النافورة يبدو دائرياً عبر الشجيرات المزهرة .. الطريق مغطاة بالحصى المبلل والأوراق الجافة .. رطوبة الصباح تنعش المكان .. تدثر الأوراق بضباب دخاني .. أتخذ نفس الوضع على حافة الحوض .. لا أهتم بالبلل . قبالتي الرخام الناصع، تغطيه غلالة شفافة من البخار .. الأقدام دائماً مبللة . الرذاذ حول الساقين يتكسر وترجع قطراته إلى القاعدة .. البخار يتكاثف حول الصنم .. يتحول لونه إلى الرصاصي الداكن .. إلى غابة من الأصباغ ... أكتشف أنه يخرج من السرة وينتشر حول الجسد .. يلتف في حركة لولبية يتحول إلى جسم اسطواني لين .. تظهر بقع داكنة على جلده .. شقوق عميقة تظهر على القاعدة الصخرية .. حول القدمين العاريتين .. بريق العينين يزداد توهجاً .. تنطبق الشفاه بقوة .. ثعبان ضخم يتلوى حول النهدين .. يلتف حول العنق المرمري، عضلاته تنفر بقوة ... تجحظ العينان .. تتحرك القدم المحررة صوب النافورة .. يلتف الذيل الهائل حولها بقوة .. تتحطم الأضلاع تحت الضغط الرطب .. حشرجة مبحوحة تخرج من الشفاه المطبقة .. الرأس الوحشي يلعق الأنف، الأذنين ... الوجنتين الباردتين .. ينحدر إلى العنق فيغرز أنيابه في اللحم . في الرخام .. في الحنجرة الناتئة .. تصفر الحشرجة من خلالها .. ينبثق الدم من العنق .. يسيل عبر الصدر .. يرسم خطوطاً حمراء على الجسد الرخامي الأبيض .. ينسكب اللعاب الحارق إلى صدري .. إلى جوفي، فينتشر الحريق في كل مكان .. أتحول إلى كثيب من الجمر .. الجحيم اللاهث والفحيح .. العطش يشقق لساني .. يفتت لحمي كالطين المشوي .. أنكب على وجهي في الحوض .. أترنح تحت الماء .. أجدّف إلى النبع ... أمتلئ حتى الحافة، لكن الحرائق تشتعل بداخلي .. تحولني إلى رماد .. إلى كومة من الحجر المحروق .. إلى أطراف متفسخة تذوب تحت الرذاذ الرخامي الجميل .

 

 

الدراسة

 (1)

 إنّ عالم القصة عالم تخيلي، وهو عالم ناجز قبل شروع المتلقي في قراءته، ولكنه لا يتجسد ـ في الحقيقة ـ إلاّ من خلال قراءته، ويمكن القول: أن عملية القص تكتنفها ثلاثة أركان جوهرية متداخلة: الزمان والمكان والشخصية، ولا يمكن أن يتجلى حضور الشخصية بعيداً عن الزمان والمكان، كما أنّ الزمان لا يمكن له أن يكون حاضراً بعيداً عن مقابله  المكان .

وإنّ تقنيات الزمان والمكان والشخصية لا تقتصر على عرض العالم المتخيل، وإنما تعرض بكيفية معينة رؤية القاص للعامل، وتكشف عن موقفه من الحياة.

وفي هذه المجموعة القصصية ( سرّ ما جرى للجد الكبير ) للقاص علي محمد الجعكي يتبدى المكان بوصفه تقنية بالغة الأهمية تقتضي وقفة وتأملاً، وليس بالإمكان دراسة المكان في المجموعة بأسرها، لتعذر ذلك في هذا التقديم، غير أنّ دراسة المكان في هذه القصة تقتضي الإشارة إلى أمور لها أهميتها .

يتجسد المكان في الأعمال القصصية بطريقتين:

الأولى: تقديم صورة حسية أمينة تعرض للمشهد الحسي الذي تتحرك فيه الشخصيات، بحيث يتوازى المكان أو يتجاوز مع الشخصية، ولا يعدو أن يكون مجرد خلفية للشخصية وأحداثها .

والثانية: تقديم صورة المكان ليس بوصفه وجوداً مستقلاً عن الشخصية، ولكن حضوره يتم من خلالها، وبها، بمعنى أنّ المكان يسهم في بلورة طبيعة الشخصية وعوالمها وتحديد رؤيتها وموقفها من الحياة، تماماً كما أنّ الشخصية ـ هي الأخرى ـ تسهم في تحديد المكان وكيفية تأثيره في المتخيل، غير أنّ الزمن ليس منفصلاً عن ذلك كله ولكنه يتفاعل معهما على نحو من الأنحاء .

ولمّا كان من العسير تلخيص عمل أدبي، وبخاصة القصة القصيرة، لأنّ تلخيص العمل القصصي يعني أننا نتحدث عن الحكاية لا الحبكة، إذا علمنا أنّ الحبكة ـ كما يرى الشكليون الروس ( هي التنظيم الفني للأحداث التي تصنع قصة, إنّ الحبكة هي التي تنفرد وحدها بالخاصية الأدبية، أما الحكاية فهي مجرد مادة خام تنتظر يد الكاتب البارع الذي ينظمها )[1]، ولذلك فإنّ حديثنا عن قصة    ( الثعبان ) يقتضي التحرك على محوري: زمن اليقظة، وزمن الحلم .

إنّ زمن اليقظة يبدأ بعبارة  ( كثيراً ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل) وهي عبارة لافتة تؤكد إلفة الحدث وتكراره وكثرته، وتبرز الشخصية مؤدية وظيفة السرد، ومؤدية فعل الاختلاء بالتمثال، وكأن الوظيفتين القولية، السردية والاختلاء تؤديان عملاً طقوسياً عبادياً، أو دوراً تناسلياً خاصاً، أو كليهما معاً، إذ لا فاصل بين الطقوسية والتناسلية في هذه القصة .

ولذلك فإن القاص يؤكد عبر استنطاق شخصيته بقوله: ( أمعن النظر في لمعان تفاصيله ... في خطوطه ودقة صنعه ... في انعكاس الضوء على هيكله .. في شموخه بين الأغصان المرتعشة ) .

وإذا كان بجماليون يريد خلق جمال المرأة عبر تمثال يصنعه  ثم تدبّ فيه الحياة كما تشير إلى ذلك الأسطورة فإنّ القاص يعيد من جديد خلق أسطورة بجماليون وتمثاله العاجي بطريقة تناصية خاصة .

ويعرض القاص للمكان من خلال الوصف المتناوب بين الجزئي والكلي، ولا يقدم ذلك كله مرة واحدة مستقلة عن تطور الشخصية ونموها النفسي والانفعالي، ويمكننا التحدث عن وصف المكان خارج الشخصية، بمعنى أنّ لكل من الشخصية والمكان وجوداً لا يؤثر أحدهما على الآخر، وإن كان هناك من تأثير فهو تأثير باهت ضعيف:

1.    وصف التمثال وملامحه الخارجية:

( كثيراً ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل ... أمعن النظر في لمعان تفاصيله .. في خطوطه ودقة صنعه ... )

2.    وصف الحديقة التي يقع فيها التمثال، ووصف المدينة:

( كل مساء أجدني منساقاً إلى تلك الحديقة التي تحضنه، كانت تقع في الشارع الخلفي لمحطة القطار الرئيسية، حيث أقطن فندقاً يعج    بالمسافرين ... ) .

إنّ القاص ينتقل في الوصف من الجزئي إلى الكلي بطريقة تكاد تكون أفقية على النحو التالي:

 

ومن الجدير بالذكر أنّ التحديد المكاني للمدينة بما تشمل عليه ( محطة القطار والفندق ) يدل على الصيرورة والتغير، ويكون الزمن عاملاً مهماً فيهما، فالفندق والمحطة على الرغم من كونهما بنائين ثابتين، فإن من يحل فيهما لا يعرف الثبات والاستقرار، ولقد أكد القاص ذلك، وبخاصة في حديثه عن ساعة المحطة الضخمة وجلجلتها التي تخترق الكون .

ويمكن التحدث أيضاً عن وصف المكان وقد أصبح جزئية مؤثرة في الشخصية، أو بتعبير أدق، تأثير أحدهما بالآخر ويتبدى ذلك من خلال الافتتان بملامح جمال التمثال وآثار ذلك على الشخصية، وتبرز أوليات آثار شهوانية تقود إلى شبقية واضحة في القسم الثاني من القصة، أعني زمن الحلم، يقول: ( تتناثر قطرات الماء على نعومة الساقين الجميلين، وتتكسر مع شعاع القمر في شكل نقط  ضوئية .. نهدان بكران يشمخان عاليا... كأن لبن الحياة يسري فيهما ، ويقطر على البطن ليستقر في السرة المحفورة بدقة   .. شعاع خاطف ينطلق من عينيه ليخترق أضلاعي .. زاويتا الفم الصغير  تنفرجان عن بسمة تترك أثراً غامضاً في نفسي .. تشق أخدوداً عميقاً في صدري ) .

وينتقل القاص ـ هنا ـ من البسيط إلى المركب، أي من حالة الاندهاش والانبهار للتمثال إلى التماهي معه، ويعمد القاص في طريقته السردية الخاصة إلى الفصل بين المرحلتين بحالة انتقالية تضيء جانباً من المكان وتعبر عن العالم الداخلي للشخصية .. إذ ليس المكان خالياً .. ولكنه يضجّ بالناس ويعيشون حالات إنسانية اجتماعية واقعية مادية، بخلاف الشخصية القصصية المثالية البيجمالونية التي تحلم على طريقة المتصوفة ... يقول: ( لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أقم أية رابطة مع الذين يترددون بشكل يومي على الحديقة، كان بعضهم يتخذ من الكراسي الحجرية أسرّة لهم، يقضون الليالي الطويلة بين أحضانها، مع زجاجات الخمر وإلقاء السباب والشتائم على الحياة ) .

إنّ الشخصية القصصية تتماهى ـ في زمن اليقظة ـ مع التمثال بطريقة خاصة، وتحيل المفردات إلى عوالمها، فالتماهي مع التمثال يتحول لدى الشخصية إلى لحظات وجد صوفية، أو خمرة (صوفية) تنعش الشخصية، وإذا كان هذا يمثل الجانب الإيجابي من التماهي فإنّ الجانب السلبي المدمر يشعل حريقاً في الشخصية وسط أضواء شاحبة، ويختلط من ثم السلبي والإيجابي معاً ويندمجان، ويثيران دلالات شبقية، وربما سادية. ( أعيش لحظاتي المتصوفة على طريقتي الخاصة. مع خمرتي التي تنعشني ... تشعل حريقاً هائلاً في حطامي .. في هذا الجو الليلي مع الأضواء الشاحبة المنعكسة على الرخام .. إزميلها الحاد يمزقني بلذة، ينحت مسارب مجهولة في داخلي ) .

ويتبدى من خلال ما سلف في دراستنا لزمن اليقظة في هذه القصة أنّ القاص يتكئ في تقنيته الفنية على أمرين:

1.    أنه يهب الشخصية القصصية وظيفة ساردة، فالشخصية هي التي تسرد العمل القصصي .

2.    اعتماد القص المونتاج السينمائي، والعناية الفائقة بالجزئيات الصغيرة .

    ولذا تنتقل اللقطة من مشهد إلى آخر على النحو التالي:

-       التمثال ( الجسد، والخطوط، ودقة الصنع ... ) .

-       الحديقة ( الأشجار، والكراسي الحجرية، والنافورة، والرذاذ ... ) .

-       المدينة ( الفندق، محطة القطار، المسافرون، الساعة  ... ) .

ومن الجدير بالإشارة أنّ لقطات المونتاج السينمائي هنا ذات إيقاع بطيء تنساب بهدوء وتلقائية، وتتميز الجمل: بطول نسبي، والاعتماد على الوصف بشكل لافت للنظر ( الجسد الرخامي الجميل، التمثال الشاهق، نعومة الساقين الجميلتين، المتعة الوحشية، مخلوقات أسطورية مدمرة ... ) .

 

(2)

 يتبدى مما سبق أنّ زمن اليقظة له خصوصيته في السرد وتحديد المكان ونمو الشخصية وتطورها، ولا ريب أنّ الشخصية تعاني قدراً من الحرمان نحو التمثال والجمال المتجسد فيه وتتخلل ذلك آثار رغبات غريزية معينة، غير أنّ زمن الحلم يمهد له القاص بحرمان واضح فرضته الشخصية على نفسها تعبيراً عن جوع ودفء ( لم أتناول عشائي هذه الليلة ) فهي ليلة مخصوصة (زمن) وحرمان يتجلى في الجوع، وربما بمفهومه العام، ومنذ اللحظة الأولى للولوج في زمن الحلم يتكئ القاص على المونتاج السينمائي المتسارع والمتقطع، وتتداخل مشاهد الصور المتراكمة بين الحديقة والفندق ( أنين مفصلات الأبواب، وصراخ المخمورين تختلط بجلبة السكان، والأحذية الثقيلة على درجات السلم الحجرية .. بخرير النافورة القديمة ورنين الصحون المعدنية تحت رذاذ الماء .. بزعيق السيارات تخترق الأسفلت بجنون، لترسم لوحة من الفسيفساء على طبلتي أذني )، كما أنّ وصف المكان يلتحم بعالم الشخصية ( أتحول إلى ورقة مهترئة .. الجفاف يغزوني ... أصبح هشاً كالرمل ... كالرماد ... أنزلق عبر قطرات الماء إلى حوض النافورة ... أتلوى حول الساقين الجميلتين ... حول النهدين ... أغوص في السرة المحفورة بنعومة .. الأوراق الطرية يحركها الهواء ... سريري يتأرجح كالموج .. مصباح الغرفة يرتفع إلى السماء .. يخبو ... يصبح كنجمة خافتة ... جلجلة الساعة الضخمة بالمحطة تخترق الكون .. توقظني من حالتي ... ) وإذا كانت الجمل في زمن اليقظة ذات إيقاع بطيء منساب بهدوء وتلقائية، فإنّ الجمل في زمن الحلم ذات إيقاع متسارع .. عنيف ... يتميز بالصخب والحركة والضجيج، ويتجلى من خلال جمل قصيرة، كما يتكئ القاص على تكرار الإيقاع بأداة تشبيهية مرة مثل الكاف ( أصبح هشاً كالرمل ... كالرماد ... )، أو تكرار كلمة مثل:     ( أتلوى حول الساقين الجميلتين ... حول النهدين ) وهذا ملمح أسلوبي يتجلى بوضوح في المجموعة بأسرها .

ولكنّ القاص لا يتخلى عن طريقته في السرد القائم على الصفة .. ( اصطدم ببعض الأجساد الرخوة الناعمة .. أعترض وجوهاً حليقة لامعة .. أنغرز بين الزوائد المتهدلة، المترجرجة .. بين القامات الشاهقة المرسومة بعناية .. بين خضم اللون والروائح المختلفة أضيع .. أتيه .. أجدّف صوب نقطتي الوحيدة ..).

وإذا كانت الشخصية تتماهى في التمثال في زمن اليقظة، فإنّ زمن الحلم يمثل تماهياً من نوع آخر، إذ بمجرد أن تفارق الشخصية التمثال فإنها سرعان ما تعود إليه في الحلم، وتتماهى الشخصية هذه المرة مع ( الثعبان ) الذي يحقق رغبة الشخصية في التواصل والتلاحم الجسدي المادي مع التمثال، الذي يفقد خصائصه الحجرية الباردة إلى كائن يتحرك ... يتألم ... وينزف دماً .. ويصرّ القاص في التحدث عن الثعبان ( ثعبان ضخم يتلوى حول النهدين ... يلتف حول العنق المرمري، عضلاته تنفر بقوة ... تجحظ العينان .. تتحرك القدم المحررة صوب النافذة .. يلتف الذيل الهائل حولها بقوة ... تتحطم الأضلاع تحت الضغط الرطب ... حشرجة مبحوحة تخرج من الشفاه المطبقة .. الرأس الوحشي يلعق الأنف، الأذنين ... الوجنتين الباردتين ... ينحدر إلى العنق فيغرز أنيابه في اللحم .. في الرخام .. في الحنجرة الناتئة ... تصفر الحشرجة من خلالها ... ينبثق الدم من العنق ... يسيل على الصدر ... يرسم خطوطاً حمراء على الجسد الرخامي الأبيض ... ) .

إنّ الثعبان هنا دال يعبر عن فاعلية الذكورة، ولذا جاء الحديث عنه بصيغة المذكر، إذ لم يقل القاص ( أفعى، أو حيّة ) فضلاً عن الفعل الذي يؤديه وسط مونتاج سينمائي لاهث ويتجلى في المقطع أنّ القاص يصف ذلك بتراكم كبير وواضح للأفعال ... ( يتلوى، ويلتف، وتنفر، وتجحظ، وتتحرك .... الخ ) .

إنّ الشخصية القصصية تتماهى مع الثعبان لتأدية فعل شبقي لم تستطع تحقيقه في زمن اليقظة، فسعت إلى التعويض في تحقيقه في زمن الحلم، وإذا كانت الرغبة المكبوتة الجارفة حين تجد فرصة للتحقق في الحلم فإنها تتحقق عبر أبعاد رمزية .. وبعد أن يتحقق ذلك ... تتلاشى وتذوب ...ولكنها لا تختفي ... بل تتجدد مرة أخرى ... وكذا الأمر مع الشخصية القصصية فإنها تتلاشى مع الرغبة المكبوتة ... وتذوب ... ( ينتشر الحريق في كل مكان ... أتحول إلى كثيب من الجمر .. من الجحيم اللاهث والفحيح ... العطش يشقق لساني ... يفتت لحمي كالطين المشوي ... ) .

وأخيراً فإن تفتيت الشخصية وتحطيمها ... يعدّ هدفاً تسعى إليه القصة ..إنّ الشخصية القصصية هنا .. شأن أغلب الشخصيات في المجموعة القصصية تعاني تفتتاً وتمزقاً وتكسراً وإحباطاً ... ويعمد القاص إلى تحطيم الشخصية .. إنه يشظّيها ... وهي في كل الأحوال تعبر عن قدر من الإخراج والإظهار ..، إخراج الداخل إلى الخارج .. البوح ... التقيؤ ... والرغبات المكبوتة ... تماماً كما أنهيت هذه القصة ... ( أنكبّ على وجهي في الحوض ... أترنح تحت الماء ... أجدّف إلى النبع ... أمتلئ حتى الحافة ... لكن الحرائق تشتعل بداخلي ... تحولني إلى رماد .. إلى كومة من الحجر المحروق ... إلى أطراف متفسخة تذوب تحت الرذاذ الرخامي الجميل ) .

بدر شاكر السياب ناقداً قصصياً

مقالتان نادرتان للسياب

 

 

أسهم الشاعر الراحل بدر شاكر السياب ( 1926م ـ 1964م ) في نقد القصة القصيرة ، فلقد نشر مقالتين تناول فيهما بالنقد مجموعتين قصصيتين ، الأولى : « مهدي عيسى الصقر والمجرمون الطيبون » تعنى بنقد « المجرمون الطيبون » مجموعة مهدي عيسى الصقر القصصية ، وقد نشرت هذه المقالة في جريدة الشعب « العراقية» العددالاسبوعي 3869 / 29 حزيران / 1957 ، والثانية : « عبقرية لم تعرف حقها من التقدير » وهي تعنى بنقد « نشيد الأرض » مجموعة عبد الملك نوري القصصية ، وقد نشرت هذه المقالة في جريدة الشعب « العراقية » ، العدد الأسبوعي : 3876 / 6تموز / 1957 .

وهاتان المقالتان لهما أهميتهما التاريخية إذ تزيحان النقاب عن نصين يكشفان عن إسهامات الشاعر بدر شاكر السياب ، إذ لا يعرف هذا إلا قليل جدا من الدارسين ، ولقد اطلعت على هاتين المقالتين في المكتبة الوطنية في بغداد ، في أثناء دراستي لنقد القصة القصيرة في العراق منذ زمن ليس بالقصير ، ويبدو أن الاطلاع عليهما يبدو صعبا على الكثيرين ، وتقديرا مني لأهميتهما التاريخية فلقد أدرجتهما في كتابي المخطوط «مصادر نقد القصة القصبرة والرواية في العراق ، وثائق وبيبلوغرافيا » ، وارى اليوم أهمية نشرهما ليطلع عليهما الدارسون ، وبخاصة بعد الحرق المتعمد للمكتبة الوطنية في بغداد ، التي اشتملت على وثائق وصحف ومجلات عراقية بالغة الأهمية في الفكر والتاريخ والآداب .

وتسهم هاتان المقالتان في الكشف عن طبيعة النقد الأدبي في العراق في الخمسينات ، وتشتملان على تصورات نقدية ، إذ تتعرضان لموقف السياب من الشخصية القصصية التي يرى ضرورة التوازن بين عالمها الداخلي وملامحها الخارجية ، كما يؤكد طبيعة حوارها الذي ينبغي أن يعبر عن عالمها الداخلي من ناحية ، ومستواهما الطبقي من ناحية أخرى ، ولذلك يرى أن القاص قد استخدم الحوار العامي للشخصيات القروية والحوار بلغة هي بين العامية والفصحى لشخصيات الطبقة الوسطى ، ولست في سياق مناقشة آراء السياب في شأن الحوار من حيث طبيعته الفنية أو واقعيته اللفظية فهذا أمر تناولته بالتفصيل في موطن آخر.

وعلى الرغم من أن بدر شاكر السياب كان ينقد قصصا فإنه كان ينهل بعض تصوراته من الشعر ونقد الشعر ، ولذلك فإنه يقتبس بعض أفكاره من ستيفن سبندر ، ويشير إلى قصيدة « الرجال الجوف » لـ ت . س . إليوت ، أو يتحدث عن ملامح هاملتية في الشخصيات القصصية .

 

 

المقالة الأولى :

نشرت في جريدة الشعب ، العدد : 3869 / 29 حزيران / 1957 ـ العدد الاسبوعي .

مهدي عيسى الصقر والمجرمون الطيبون

بدر شاكر السياب

 

سوق الهرج في البصرة ... والشيخ هاشم الجواهري ، في مكتبته الصفراء يتحدث من خلال لحيته البيضاء عن البرزخ الذي تعيش فيه الأرواح قبل يوم الحساب وعن حوريات الجنة ولكن الشاب النحيف الجالس قبالته لا يستمع إليه . فأولى به أن يعرف كيف يعيش الأحياء في هذه الأرض .

وأبناء الريف يحملون معهم إلى المدينة زاد الشتاء المطل .. وزاد ليالي الشتاء ألف ليلة وليلة وقصة عنترة ، والمقداد والمياسة ، والشيخ الملتحي لا يتساهل في أسعار الكتب ... ومهدي عيسى الصقر ، يتطلع في وجوههم ويحلم بقصص يكتبها هو لهؤلاء وعن هؤلاء .

أبطال قصصه يبحثون عن الحب خلال بحثهم الدؤوب عن الخبز ... عن الحب الذي لا يكلف مالاً ولا وقتا ، عن حب يومي كالخبز اليومي . هذا « حنتوش » في ذلك الحي المظلم المزدحم بصرائف الطين ، المعروضة للبيع ليس في جيبه غير درهم . واستقبلته امرأة ذاوية بابتسامة لا روح فيها « أهلا بالشباب . تفضل » فيسأل « أول بيش ؟ » وحين تقول «درهمين » يحدق حنتوش فيها فلا يجد ما يغري سوى بياض بشرتها ويساومها وتساومه حتى تقول « سبعين أي ابن الحلال أكو واحدة تنطيك نفسها بأقل من سبعين فلس ؟ » وهذا ( علي ) الحلاق يشيع رأس الفتى ذي الشعر اللامع المصفف حتى يختفي في الزحام ، ثم يلتف إلى الصغير الذي كان ينظف بلاط الدكان مما تساقط عليه من شعر الزبون .

ويسأل « ليش تأخرت اليوم ؟ » فيرفع كاظم عينيه في شيء من الخوف ، ويجيب «أبوي ضرب أمي » ويثير هذا الجواب فضول الحلاق ، فلا يسأل عن العلاقة بين تأخر الصبي وبين ضرب أبيه لأمه ، وحين يعرف أن « هندال » ضرب زوجته لأنه كان سكران ... يسترسل في حلم طويل ، يتمنى فيه ويشتهي ، ويتذكر .. وتلح صورة أم كاظم عليه ، جسدها المكتنز ، والخرق الصغير في ثوبها الرث يكشف عن لحم كالحليب ، شدت إليه عيونه . كان قد اضطر إلى استبقاء كاظم في الدكان إلى ما بعد الثامنة ليلا ... فجاءت أمه قلقة تسأل عنه والليلة ، الليلة سيستبقي الصغير إلى ما بعد الثامنة علّها تأتي ...

وحتى « عوفي » الذي يقبع هو وخرافه الخمسة في ظلمة الليل والضباب في انتظار « قطار الحمل » ... حتى « عوفي » يبحث عن الحب في أثناء انتظاره للقطار . جاء قطار الركاب ، ووقف في المحطة . وكانت العربة التي أمامه من عربات الدرجة الأولى ومن خلف زجاج النافذة تراءى لعوفي وجه فتاة فاتنة .. وعوفي يحدق فيها بشراهة . وصرخ القطار ، فتنبه عوفي وراح يشبع نظره من هذه الحسناء...

ومهدي عيسى الصقر مخلص لفنه لا يكتب إلا وهو ممتلئ أن أشخاص قصصه هم الذين يفرضون عليه أن يكتب كأنهم ينضجون من أعماقه فيوشك ان يختنق إن لم يكتب . وهو يعيش كل لحظة من حياته يقرأ ويلتقط ، ويختزن التجارب والملامح ، والأحاديث والعواطف .

كان منذ بضع سنوات يملك دكانا صغيرا يبيع الأقمشة فيه ويكتب القصص فيه أيضا . كان الزبون ، في نظره نموذجا بشريا قد يصبح بطلا لقصة ... وليس مشتريا لم يكن يصبر على مساومة الزبائن ، إلا الذين يخمن من مظاهرهم ، ان فيهم زادا يتزود منه القصاص فيه لا التاجر ، وخسر تجارته ولكنه ربح نماذج لقصص منها ما ظهر ومنها ما سيظهر ذات يوم .

يوازن في قصصه بين العالم الداخلي والعالم الخارجي فهو يجمع في قصصه القصيرة بين طريقتي دستوفسكي وتولستوي في كتابة الرواية ولكنه لا يهتم بوصف ملامح أبطاله الخارجية وانما يقصر اهتمامه على وصف حركاتهم ، والاطار الذي يتحركون فيه ولعل هذه حسنة من حسناته ، وليس عيوبه لأنه لا يترك المجال مفتوحا أمام القارئ ليختار الملامح التي يريدها لهذا البطل أو ذاك ، بعد أن عرف مهنته ومنزلته الاجتماعية ، وأسلوبه في التحدث ..

وبعد أن عرف انفعالاته وردود أفعال الآخرين إزاءه .

أكثر شخصياته من الفئة الريفية الفقيرة النازحة إلى مدن يراها هؤلاء القرويون مدنا بالقياس إلى الريف .. أو من عمال المدن

ويكتب عن تجاربه هو أحيانا ، فيكون البطل من الطبقة الوسطى ، من سكان المدينة وبما اجتذبته حياة اللهو فيها فترة من حياته ، ولكن الريفي كامن في أعماقه في النهاية ... وتنتصر الحياة الزوجية المستقرة ، بين بكاء الأطفال وضجيجهم الحلو هذه هي الحياة التي يعرفها القرويون ويؤثرونها أكثر مما يعرفها ويؤثرها أبناء المدينة .

والحوار في قصصه تبعا لهذا باللغة الدارجة إذا كان الأبطال من الفئة الأولى ، وبلغة هي بين العامية والفصحى ، إذا كانوا من الفئة الثانية ، ومهدي عيسى الصقر متمكن من السيطرة على الحوار ... فهو ينبض بدفء الحياة ولا تشعر فيه بتكلف ولا اصطناع ، فلنقرأ هذا المقطع من قصة الضباب :

« ويدس عوفي يده في جيب سترته الممزقة ويخرج بضعة دنانير هي ثمن الخراف الخمسة التي باعها في المدينة ويعد النقود للمرة العاشرة وتنظر إليه « نوفة » من طرف الكوخ وتحك بأظافرها الطويلة رأسها الاشعث ، ثم تسأله

ـ عوفي موش تريد تبيع الهايشة ؟

ـ ولج الهايشة نافعتنا نبيعها ونسكت ؟ شلون ؟

ـ اذا ما تبيعها يكتلها الغطار مثل ما كتل هايشة بيت زاير فرهود »

ولنقرأ بعد ذلك ، هذا المقطع من « بكاء الأطفال » انه يود لو قام القطار قبل موعده لتهدأ قليلا لكن ابنه لا يزال يبكي ، فالتفت إلى زوجته :

ـ اشغليه بحق السماء

ـ بماذا اشغله

ـ ضعيه على صدرك

ـ قلت لك ليس فيه لبن

ـ اعلم ذلك ، دعيه يمتص لعله يسكت .

ـ والى متى ؟

ـ إلى أن ينقطع نفسه ، أو ينقطع نفسي

لم يصدر مهدي عيسى الصقر سوى مجموعة واحدة من قصصه هي « مجرمون طيبون » التي طبعت عام 1954 . في هذه المجموعة تسع قصص كانت أحسنها « الطفل الكبير » و «الضباب » و « عواء الكلاب » و « هندال » و « بكاء الأطفال » و « الطفل الكبير » أحسن هذه القصص الخمس وفي هذه المجموعة قصتان فاشلتان هما « مجرمون طيبون » و « القطيع القلق » .

وندرك من التسلسل الزمني لقصص هذه المجموعة ومن القصص التي نشرها في مجلتي «الآداب » و « الأديب » بعد صدورها ، ان هذا القصاص النابغ يتطور بسرعة عجيبة .

ومهدي الصقر ، يعد من بين كتاب القصة القصيرة اليوم في العالم العربي كله .

ويعكف مهدي الصقر الآن على كتابة قصة طويلة « رواية » قضى أربع سنوات من حياته وهو يعيش مع أشخاصها وتدور حوادثها في « الفاو » في أقصى جنوب العراق ، حيث تتصارع بقايا الحياة القروية مع طلائع حياة المدينة ، التي تغزوها مع النفط وعماله .

 

 

 

المقالة الثانية :

نشرت في جريدة  الشعب ، العدد : 3876 / 6تموز / 1957 ـ العدد الاسبوعي .

عبقرية لم تعرف حقها من التقدير

 

بدر شاكر السياب

 

يقول الناقد ، الشاعر ، الانكليزي « ستيفن سبندر » إن شعراء العصر الاليزابثي الذين كتبوا المسرحيات الشعرية وعلى رأسهم شكسبير ، ليكونوا من كتاب الرواية ، القصة الطويلة ، لو أنهم عاشوا في عصرنا هذا . ويقسم سبندر الرواية إلى قسمين شعرية و نثرية . ولا يقصد بالرواية الشعرية التي تكتب بكلام موزون ومقفى ، أو غير مقفى ، بل التي تكتب بأسلوب شعري ، وأن يكون أبطالها رموزا لفكرة من الأفكار ، وأشخاصا من لحم ودم في آن واحد ، وأن يكون جوها شعريا .

واذا كانت الروايات الشعرية التي ظهرت حتى الآن قلية العدد فان القصة القصيرة أخذت اليوم تقترب من القصيدة الشعرية بصورة ملموسة ، وشواهدها كثيرة .

ومن القصاصين ـ الشعراء ، وهم قلة في أدبنا العربي حتى الان ، عبد الملك نوري ، بل لا أغالي إذا قلت إنه خيرهم ، واغناهم فنا وشاعرية . فهم عبد الملك نوري الواقعية كما لم يفهمها الا القليلون من الأدباء ، شعراء وناثرين ، ومن الفنانين رسامين ونحاتين ، وتحول هذا الفهم عنده ، إلى عمل ، إلى قصص قصيرة ، كما لم يتحول الا عند قلة من هذه القلة، كل قصة من قصصه الناجحة ، وهي تكاد تكون ناجحة كلها ، جديرة بدراسة تخصص لها .

أقول الحق الصراح ، الذي لا يجامل ولا يجحد ، ان مجموعته القصصية الرائعة « نشيد الارض » سدت الفجوة الواسعة بين القصة القصيرة في الأدب العربي ومثيلاتها في الآداب الاوربية ، وألحقت ركبها المتأخر أجيالا ، بركب القصة القصيرة التي تخطت القرن العشرين بأعوام سبعة .

في قصص عبد الملك القصيرة أحسن ما في روايات دستويفسكي من ميزة : ان المسرح الذي تدور فيه اكثر « احداث » القصة هو نفس البطل ، أو ذهنه أو ضميره سمه ما شئت !! إنه العالم الداخلي . والأحداث التي نسميها كذلك مجازا هي حشد من الذكريات والتمنيات ، والأحلام ، والهواجس . وقليل من أحداث القصة فحسب يحدث في العالم الخارجي ذلك أن أبطال عبد الملك نوري أبطال منهزمون ... كان الواقع ، بكل تعقيداته ومنطقه الذي هو ليس منطقا ، أقوى منهم ، أقوى من امكانياتهم كأفراد ، فهربوا إلى « العالم الآخر » إلى نفوس يلوذون بها من الواقع الذي خيبهم .

أبطاله شخصيات « هاملتيه » يتكشف ضعفها أمام اعينها وأعين الناس حين تعمل ، وهي تدرك هذا في أكثر الاحيان ، ولذلك تنفر من العمل ... المضطرة إليه .

المونولوج الداخلي عند هذا القصاص العبقري عنصر أساس من عناصر القصة ومن عناصر الشعر فيها ، بل لعله عنصرها الأهم .

وينفرد عبد الملك بين كتاب القصة القصيرة في الأدب العربي جميعا بأنه يستخدم « الرمز » في قصصه ، وينجح في ذلك نجاحا يكاد لا يجاري .

أهناك شبه بين أبطال عبد الملك نوري وبين « الرجال الجوف » كما صورهم الشاعر الانكليزي ت . س . اليوت في قصيدته الرائعة عنهم ؟ ! لا أدري . ولكن « الظل » أو الستار الذي تحدث عنه « الرجال الجوف » مائل في كثير من قصصه :

بين الفكرة والواقع

بين الحاضر والعمل

يسقط الظل

والستار ، الظل ، أو الحجاب ، بين إرادة الشخصيات « الملكنورية » نسبة إلى عبد الملك نوري ـ وبين الواقع ، لا يسقط لان الملكوت ـ حسبما نقرأ في « الرجال الجوف » ولكنه يسقط لأنه لغير الله ، لله تعالى .

بين الفتاة في قصة « العاملة والجرذ والربيع » أو بالأحرى ، بين أحلام الفتاة وأمنياتها ، وبين الواقع ، يقوم سياج الحديقة الذي اتكأت عليه تصغي إلى الأنغام الموسيقية العذبة المنبعثة من ابهاء القصر ، وتحلم بعالم « سندرللا » وبين السكير الكهل في قصة « الجدار » وبين ابنه الشاب ، يقوم الجدار .

وبين الشاعر الحالم في « قصة غثيان » وبين جسد المرأة العارية ، يسقط ظل عينيين كأن ظل « سينارا » في قصيدة داوسن الرائعة « البارحة ، آه من ليلة البارحة ، فبين شفتي وشفتيه سقط ظلك ياسينارا » .

ولكن الشاعر في قصة عبد الملك اصيب بالغثيان وسقط الظل بينه وبين المرأة قبل أن يقبلها .

وفي بعض الأحيان ، يعجز أبطال عبد الملك نوري حتى عن تحقيق أمنيات بسيطة للغاية . فالديك النذر الذي تحمله المرأة الريفية في « قصة ريح الجنوب » إلى ضريح الشيخ محيي الدين ، يفر من يديها وهي في القطار .

قصة واحدة من قصص هذه المجموعة ، فيها شيء من الأمل ، فيها انتصار وقتي على الواقع ، هي « نشيد الارض » ... انه مجرد حلم ، لا يغير من الواقع شيئا . ولكنه انتصار على كل حال .

وبعد فهذه مقدمة قصيرة لدراسة واسعة لقصص هذا الكاتب العربي العبقري انوي تقديمها في فرصة سانحة .وان لمما يخجلنا ، كنقاد للأدب ، أو متذوقين له ، أن تقوم بيننا عبقرية كعبقرية عبد الملك نوري ، دون أن نوفيها حقها من التقدير .

 

الدرس الادبي في الجامعات

الواقع و الافاق

 

 

يهيمن التفكير التقليدي و الاستخدام السيء للمنهج التاريخي على جل مقررات الادب و النقد الادبي من حيث تصنيف هذه المقرارت و توصيفها وآليات تحليلها في الجامعات العربية بعامة و العراقية بخاصة . إذ يعمد التفكير التقليدي الى تثبيت المعرفة او اكتشاف ما هو مكتشف ، ويهدف الى إعادة صياغة الحاضر في ضوء معطيات الماضي , الامر الذي يقود الى تنميط آليات التحليل, وبذا تفقد العملية التعليمية اهميتها و جدواها , اذ هناك طريق فاعل يقدم معرفه جاهزة معروفة و متلقٍٍ سلبي يحفظ هذا المادة و يعيد مفاهيمها و تصوراتها , و حتى المحاولات الخجولة التي يحاول التفكير التقليدي إدخالها تبدو هزيلة و مقحمة و عشوائية .

ولقد توافق مع هذا المنجز الجاهز استخدام سيء للمنهج التاريخي ,و يتجلى ذلك  واضحاً في مقررات الدرس الادبي , وتصنيفها على اساس زماني : جاهلي , اسلامي عباسي ....., دون وعي حقيقي لطبيعة المراحل و تطورها ... ولقد كانت العناية فائقة بدراسة الشعر لانه  ديوان العرب , و اغفال يكاد يكون تاماً للنصوص النثرية في مجمل التراث العربي و الحديث منه ايضا , هذا فضلا عن احكام مسبقة تكتنف الدرس باسره.

ويكفي ما سبق ذكرة حديث عن الجانب الخارجي من ازمة الدرس الادبي اما الازمة الحقيقية فتمكن في ما يأتي :

1-    تعدد ازمنة قراءة النص الادبي .

2-    ميكانيكية التفاعل مع التراث والاخر .

3-    دراسة النص الادبي بوصفه منسلخاً عن بنيته و منظومته الاجتماعية  والتاريخية .

 

و اعني بتعدد الازمنة قراءة النص في الجامعات او قارئ النص: استاذا او طالباً انما يعيش جسدياً في هذا العصر ولكن ما يتلقاه من معرفة وما يمارسه من انماط السلوك يؤكد هذه الازمنة , فهو في اغلب حالاته يعايش حضارتة القديمة , يحاكيها و يقلدها , ويحاول استحضارها من الماضي و من ثم يتفاعل معها بكيفيات متعددة، وهو في الوقت نفسه يعايش الحضارة الغربية بمعطياتها المعرفية والمادية، ومن ثم فانه يجاور بين أبعاد زمانية مختلفة، وتتضمن رؤى وتصورات متعارضة ولا تعبر عن نسيج ثقافي موحد.

اما ميكانيكية التعاطي مع التراث والآخر فإن قارئ النص يقع تحت آلية التلقي السلبي للتراث أو للآخر، مؤكداً هنا على التلقي السلبي لأن القراءة الممكنة للتراث والآخر تعني فهمه في إطار سياقاته التاريخية والاجتماعية، بحيث تكون مولدة للمعاني وكاشفة للوعي الذي يتضمنه النص في إطار سياقاته، لأن قراءة النص ليست إحضاراً للنص أو نقلاً له وإنا يضفي القارئ على المقروء رؤيته ومنهجه وذاته وخصوصيته.

ولقد عانى الدرس الأدبي كثيراً من إسقاطات تراثية تجعل الحقيقة كامنة في الماضي بإطلاق، كما عانى كثيراً من اسقاطات معاصرة تجعل المرجعية كائنة في منجز الاخر الادبي و النقدي  , ان دراس الادب هنا يتماهى مع احد بعدين بطريقة شكلية , للتراث مرة  وللمعاصرة الغربية مرة اخرى .

 ان هذة المكونات الثلاثة قد اسهمت بشكل وبآخر في تنميط الدراسة الادبية، و جعلها مجرد تلق سلبي للمعرفة او مجرد عرض بانورامي يهدف الى سرد المعلومات او الاكتفاء بالوصف الخارجي .

إ ن هذه  الوريقة التي اعرضها امام حضراتكم لا تهدف الى طرح حلول ناجعة , إذ ليست هناك اجابات نهائيا , و انما هناك وجهات نظر , ورؤى مختلفة , و مناهج متعددة كلها تسهم في تأمل المآزق و المعضلات ... ولعل هذا تثير تساؤلات تساعد في تجاوز الدرس الادبي ازمته .

بقيت ملاحظة اود ان اشير اليها في هذا السياق تلك التي تتصل بمؤثرات خارجية قاهرة و قاتلة عاش فيها الدرس الادبي في الجامعات يتصل بعضها بطالب هزيل المعرفة  و الزاد و الرغبة , لا يدرس من اجل المعرفة و إنما من اجل الحصول على شهادة كزينة خارجية .... و عانى الدرس الادبي ايضا من استاذ تم تخريجه على وفق معطيات غير علمية على مدى سنوات الارهاب الفكري و القمع العلمي ولقد تجلت اثار هذا الظاهرة السئية بشكل واضح في العقد الماضي , وبخاصة بعد ان رحل او توقف كبار الاساتذة .... وتم تهميش اساتذة حقيقيين بالتغيب من الداخل او بالنفي الى الخارج .... وفي زمن تقدمت فية ايديولوجيا  السلطة على المعرفة و الكفاءة هذا فضلا عن حصار معرفي عانى منة الكادر العراقي  والثقافة العراقية.

 

 واخير اود التأكيد :

1-  العناية الخاصة بتاريخية المقروء و سياقاته الاجتماعية , فلقد تحولت كثير من الدراسات و محاولات التعليم الى مجرد استعراض لتقابلات منطقية و خطاطات لاهدف لها سوى افتراضات عجائبية لم يتضمنها النص و لاتوحي به سياقاته و منظوماته اللغوية و الفنية .

 ولابد من التأكيد في هذا السياق ايضا على تجاوز المعايير و الاحكام المسبقة القائمة على اسس تقليدية وتتكئ على مرجعيات معرفية نقلية غالباً.

2-  دراسة النص بوصفه جزءا من بناء معرفي اشمل و كونة جزءا من منظومة و ينبغي فهمه في اطار منظومته , لان اجتزاءه عن منظومة يعني فهماً مخلاً بطبيعته وو ظيفته على السواء .

3-    تجاوز القراءة الانطباعية الى قراءة تتأسس على عقلانية منهجية تؤكد اهمية النظر و تعلى من شأن التحليل و التعليل .

  

ورقة قدمت الى اتحاد الادباء العراقيين .