مصادر

نقد القصة القصيرة والرواية

في العراق

 

 

الأستاذ الدكتور

 كريم الوائلي

 

 المقدمة

 

 لا ريب أن الحركة الأدبية الحديثة في العراق حافلة ومتشعبة من جهتي الإبداع والتأصيل النقدي، سواء أكان هذا في الشعر وما أثاره من حركة نقدية، أم في الأنواع الأدبية الأخرى، وما تركته من تصورات نقدية، فلقد عرف العراق القصة القصيرة والرواية منذ مطلع القرن العشرين، وأسهم أدباء العراق في إبداع هذين النوعين الأدبيين، كما قد أسهموا في الوقت نفسه في إبداء آرائهم وتصوراتهم النقدية حولهما، وتمخضت عن هذا كله حركة نقدية تجاذبتها تصورات وآراء ومواقف متعددة، وكلها تدور حول القصة ـ قصيرة أو رواية ـ بوصفها إبداعا أدبيا جديدا .

 وإذا كان النشاط النقدي يمثل واحدا من أوجه الوعي فإن تسليط الأضواء عليه إنما يعني ـ في أحد أبعاده ـ كشفا عن حركة الثقافة واتجاهاتها من ناحية، وكشفا عن مدى التطور في أنساق الفكر من ناحية أخرى، هذا فضلا عن القيم الفنية والمعرفية التي يشتمل عليها.

 ويعنى هذا الكتاب بتسليط الأضواء على ما أثارته القصة القصيرة والرواية من أوجه النشاط النقدي في العراق، وهو ينقسم إلى قسمين:

 أولها : وثائقي : يعرض نصوصا نقدية لها أهميتها وقيمتها التاريخية والفنية والمعرفية في مرحلة زمنية تمتد منذ مطلع القرن العشرين، وتتوقف في نهاية سنة 1967 .

 وثانيهما : بيبلوغرافي : يرصد النشاط النقدي الذي أثاره النوعان الأدبيان ـ القصة القصيرة والرواية ـ في مظانه الأساسية في الكتب والصحف والمجلات في المرحلة الزمنية آنفة الذكر . وكان توقفنا عند نهاية سنة 1967 ـ وثائقيا وبيبلوغرافيا ـ يرجع إلى أن هذه المرحلة الزمنية التي تزيد على نصف قرن تمثل مرحلة دقيقة من مراحل النشاط النقدي في العراق، اتسمت بخصائص وميزات، واشتملت على مواقف نقدية متغايرة، ولدت، وتبلورت، وتكاملت، في هذه المرحلة، وفي ظني أن الحركة النقدية بعد سنة 1967 أخذت طابعا له خصائص أخرى، لسنا بصدد التعرض لها الآن.

 

 الوثائق

 

 وتتجلى أهمية الوثيقة النقدية لأنها تكشف عن التصورات النقدية في ضوء سياقاتها التاريخية من ناحية، ولأنها تنطوي على قيمة معرفية وفنية من ناحية ثانية، ولأنها تكشف عن مدى التطور في أنساق الفكر في مرحلة تاريخية معينة من ناحية ثالثة .

 وكان اختيارنا للوثائق النقدية يخضع لمجموعة من الضوابط والأبعاد وهي :

 أولاً : ضرورة التعبير عن مدى التطور النقدي في العراق في المرحلة التاريخية التي تمتد من مطلع القرن العشرين وتتوقف عند نهاية سنة 1967، فلقد تتابعت في هذه المرحلة تطورات عديدة على مستويات مختلفة، سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ولقد تأثر النشاط النقدي بأسره بهذه المتغيرات، وانعكست آثارها بشكل أو بآخر على الأدباء والنقاد وعلى نتاجاتهم الفنية والفكرية .

 ثانياً : ضرورة الكشف عن المواقف النقدية والاتجاهات الأدبية المختلفة، ونستطيع القول إن نقد القصة في العراق مر بثلاث مراحل أساسية هي :

 أ ـ مرحلة محافظة : يُغلّب فيها الناقد الموضوع على الذات، ويجعل العقل متحكما في مجمل النشاط النقدي وقضاياه الأساسية، وقد تجلت هذه المرحلة في مطلع القرن العشرين.

 ب ـ مرحلة ذاتية « رومانسية » : يُغلّب فيها الناقد الذات على الموضوع، ويجعل الخصائص الذاتية متحكمة في تحديد طبيعة القصة وبنائها وأداتها، وقد أخذت ملامح هذه المرحلة تتضح بعد الحرب العالمية الثانية.

 ج ـ مرحلة حاولت التوفيق بين الذات والموضوع مع اختلاف كيفي في نوعية التوفيق، وقد تزامنت في هذه المرحلة مواقف نقدية متعددة وهي : الوجودية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية . وقد تجلت ملامح هذه المواقف في الخمسينات حتى سنة 1967.

 ثالثا : ضرورة التعبير عن أبرز القضايا الفنية، ولست بصدد الحديث الشامل عنها، قدر ما أريد تأكيد قضية شغلت الناقد العراقي كثيرا، وهي « التشكيل اللغوي » من جهتي السرد بعامة والحوار بخاصة، وكانت مشكلة الحوار بين العامية والفصحى واحدة من أبرز القضايا التي واجهت الناقد الأدبي ومحاولته تجاوزها عبر لغة قصصية .

 وإذا كانت الأبعاد السابقة قد أسهمت في تحديد أساسي لنوع الوثائق التي ينطوي عليها هذه الكتاب فإنه من الجدير بالذكر تأكيد دور مبدعي القصة وإسهاماتهم النقدية في هذا المجال ابتداء من جيل الرواد وانتهاء بجيل الستينات، وهم على سبيل المثال لا الحصر محمود أحمد السيد، وذو النون أيوب، وجعفر الخليلي، وفؤاد التكرلي، وغائب طعمة فرمان، وعبد الرحمن الربيعي، فلقد كان لمبدعي القصة هؤلاء ـ وغيرهم ـ إسهاماتهم النقدية التي تزامنت مع إبداع القصة وعبّرت عن المشكلات التي تعانيها الحركة الأدبية إبداعا ونقدا .

 ومن اللافت للانتباه أن شعراء عراقيين مبدعين أسهموا بشكل فاعل في حركة الشعر الحديث ـ إبداعا ونقدا ـ في العراق والوطن العربي، كانت لهم إسهاماتهم النقدية في ميدان القصة، ويعد هذا أمرا مجهولا لدى العديد من المعنيين بالحركة الثقافية والأدبية، فلقد كان لبدر شاكر السياب، ونازك الملائكه، وبلند الحيدري، إسهاماتهم في نقد القصة، مما يضفي أهمية خاصة على طبيعة نقد القصة، ومدى تأثره بأدوات نقدية خاصة بالشعر .

 إن هذه الأبعاد كانت نصب أعيننا ونحن في سياق اختيار الوثائق النقدية لتعبر عن هذه المعطيات، ولتقدم صورة عن طبيعة نقد القصة في العراق . ولذلك عمدنا إلى عرض الوثائق النقدية مرتبة ترتيبا تاريخيا بحسب نشرها في الصحف والمجلات .

 ولم نشأ أن نثقل هذا العرض الوثائقي بنصوص مستقاة من كتب نقدية في المرحلة الزمنية التي نعنى بها، إيمانا منا بإمكانية الاطلاع عليها مادامت هي في متناول الأيدي، على الرغم من أن بعض مؤلفيها لهم دورهم النقدي المعروف تاريخيا وفنيا مثل جعفر الخليلي في كتابه « القصة العراقية قديما وحديثا » وعبد القادر حسن أمين في كتابه « القصص في الأدب العراقي الحديث » وعلي جواد الطاهر في كتابه « في القصص العراقي المعاصر »، كما لم نشأ التدخل في الوثائق النقدية إلا تصحيح ما رأيناه خطأ مطبعيا .

 آمل أن يكون اختياري موفقا لهذه النصوص النقدية وآمل أن يقدم صورة تامة عن طبيعة الحركة النقدية في العراق من حيث مواقفها ومشكلاتها وقضاياها الفنية .

 

 البيبلوغرافيا

 

 ترصد « بيبلوغرافيا نقد القصة في العراق » كل ما نشر من أنشطة نقدية أثارتها القصة القصيرة والرواية ـ في المرحلة الزمنية الممتدة من مطلع القرن العشرين حتى نهاية سنة 1967، ورأيت أن أقسم العمل البيبلوغرافي إلى قسمين :

 القسم الأول : بيبلوغرافيا نقد القصة القصيرة، ويشتمل على :

 1 ـ نقد القصة القصيرة « النقد النظري » .

 2 ـ نقد القصة العراقية القصيرة .

 3 ـ نقد القصة العربية القصيرة .

 4 ـ نقد القصة الأجنبية القصيرة .

 

 القسم الثاني : بيبلوغرافيا نقد الراوية، ويشتمل على :

 1 ـ نقد الرواية « النقد النظري »

 2 ـ نقد الرواية العراقية .

 3 ـ نقد الرواية العربية .

 4 ـ نقد الرواية الأجنبية .

 

 إن الأساس الذي اعتمدته البيبلوغرافيا هو الدوريات العراقية من الصحف والمجلات، ولكنها لم تقتصر عليها دون غيرها، بل تجاوزتها إلى دوريات عربية كالآداب والأديب والعلوم وغيرها .

 ولم يقتصر العمل البيبلوغرافي على المقالات المنشورة في الصحف والمجلات، بل عمدت إلى تناول المقالات المنشورة في الكتب، وكذلك مقدمات القصص والروايات، ورأيت تقديم هذه المقدمات والمقالات بقسميه اللذين أشرت إليهما سالفا .

 ورتب العمل البيبلوغرافي على أساس تاريخي يرتب فيه المقال، واسم كاتبه، والدورية ـ جريدة أو مجلة ـ، وعددها، وتاريخها، والسنة . وقد وضعت فهرسا للأعلام رتبته ترتيبا هجائيا، وبجنب كل علم أرقام المقالات العائدة إليه، كي يتسنى للباحث والقارئ معرفة الكتاب الذين الذي أسهموا في النشاط النقدي في العراق .

 ووجدت من الفائدة عمل فهرس للصحف والمجلات الواردة في البيبلوغرافيا، مع الإشارة إلى أرقام المقالات التي وردت فيها، ليرى الباحث والقارئ الصحف والمجلات التي ساهمت بنصيب أو في من الاهتمام النقدي دون غيرها، ورأيت من الفائدة أيضا الإشارة إلى كل جريدة أو مجلة ان كانت عراقية أو غير عراقية « لبنانية أو مصرية أو غيرها » ليتمكن القارئ من معرفة الدوريات العربية التي كان النقاد العراقيون ينشرون مقالاتهم فيها، وما هي المنابع النقدية التي كانت ترفد العراق بكتابات أبنائه.

 ويحدث أن ينشر كاتب مقالا في جريدة أو مجلة ثم يعيد نشره في دورية أخرى في فترة زمنية أخرى، أو أن ينشر مقالا أو مقالات عديدة في جريدة أو مجلة ثم يعيد نشرها في كتاب، ورأيت من الفائدة الإشارة إلى ذلك في الهامش لتنبيه القارئ فيما إذا أضاف الكاتب شيئا إلى مقاله أو حذف منه أو تركه دون تغير، وفي حالة نشر مقال في دورية ثم إعادة نشره في دورية أخرى أو في كتاب أثبت النشر السابق وأشير بالهامش إلى الدورية الأخرى أو الكتاب بالتفصيل دون ذكرها من أصل البيبلوغرافيا منعا من التكرار .

 ومن الأمور التي ينبغي التنبيه إليها أن الدوريات العراقية كانت تعاني من مشكلات عديدة منها ضياع أعداد منها، وان قسما ـ وان كان قليلا ـ ملك لأشخاص، وما يزال بعضها متناثرا في مكتبات عامة، ويتعذر الحصول على بعض أعدادها، كما أن قسما منها مفقود بسبب الإهمال أو غيره ولقد بذلت قصارى جهدي من أجل متابعة الصحف والمجلات، وحاولت جهدي أن يكون هذا العمل أقرب إلى الكمال .

 وأود أن انبه إلى الكمية الضخمة في الدوريات العراقية التي يصدر بعضها لفترات قصيرة ثم تتوقف ليصدر بعضها بأسماء جديدة، وكان قسم منها يغلق لأسباب سياسية بفعل مواقفها أو بسبب الاضطرابات السياسية المتلاحقة في العراق، ونستطيع تلمس هذا في الأقل على صعيد الكم من خلال «كشاف الجرائد والمجلات العراقية »  فهو يعطي صورة واضحة لهذا الكم الذي رصدت فيه صاحبته الصحف والمجلات العراقية، ذاكرة اسم الجريدة أو المجلة ومحررها وتاريخ صدروها ومكان وجودها إن كانت موجودة، ويقع هذا الكشاف في مجلد كبير .

 ومن الجدير بالذكر والإشادة أن أشير إلى أن الصديق الدكتور عباس توفيق كان قد أعد عملا بيبلوغرافيا للنقد الأدبي في العراق يبدأ من سنة 1920 ويتوقف عند « 14 تموز ـ 1958 » وقد أعطاني متفضلا ومشكورا ـ فيما يخص موضوعنا ـ نسخة خطية من عمله هذا الذي رتب فيه المقالات النقدية تحت أسماء أعلامها، دون تخصيص لطبيعة هذه المقالات فيما إذا كانت مخصصة لنقد القصة القصيرة أو لنقد الرواية، سواء أكانت عراقية أم عربية أم أجنبية

 وعلى الرغم من ان عملنا يسبق عمله ويتجاوزه زمنيا فإننا قد استدركنا علية مجموعة من المقالات النقدية قد فاته حصرها في المرحلة الزمنية التي عني بها، وقد أشرنا إلى أرقامها في آخر فهرس الأعلام من هذا الكتاب .

 آمل أن يقدم هذا الكتاب بشقيه الوثائقي والبيبلوغرافي صورة عن طبيعة الحركة النقدية في العراق وأن يسهم في الكشف عن معطياتها وخصائصها، وأن يسهم في تسهيل مهمة الباحثين والدارسين ..

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

 

 

أ . د .كريم عبيد هليل الوائلي

 

 

 

 

 الرموز المستخدمة

 

 ج = جريدة

 

 م = مجلة

 

 ك1 = كانون الأول

 

 ك2 = كانون الثاني

 

 ت1 = تشرين الأول

 

 ت2 = تشرين الثاني

 

 ـ    = الكاتب مجهول  

 د .ت = دون تاريخ

 

 د . م = دون مكان الطبع

 

 د . ت . م = دون تاريخ الطبع ومكانه

 

 

 

 

 محمود تيمور والبلاغة القصصية الحديثة

 

                                                                             رفائيل بطي

 

 في آداب الإفرنج نحو من البـلاغة  ذو خطر كبير، وهم يعدونه أهم فن أدبي، ويسمونه «رومان » وهو الروية أو القصص، ويراد به تمثيل الأخلاق والعادات والآداب في سياق قصة موضوعة، فإذا كانت تمثلية نعتها الغربيون ـ بـ « الدرام »، أما في الآداب العربية فالبلاغة القصصية ضئيلة ولا سيما في البلاغة القديمة، وان فقدان هذا الفن في بلاغتنا يعد نقصا كبيرا عابنا عليه الإفرنج .

 وما كان للقصص هذه الخطورة في عالم الآداب إلا لأنها تصور الحياة الاجتماعية التي تحياها الجماعة صورة حية بأشخاصها وبيئتها، وهي تكشف كثيرا من خبايا النفوس فتظهرها عارية واضحة أمام الأنظار، ويتخذ القصاص الراقون في هذا العصر القصة وسيلة لبث المبادئ ونشر النظريات الاجتماعية والخلقية على الجمهور، لهذا عد الكاتب القصصي صاحب النظريات الجديدة والآراء الحرة من عوامل التحريك والانقلاب في الحياة الفكرية في بيئته .

 والقصص وإن كانت ضئيلة الأثر في البلاغة العربية القديمة فهي موجودة إلا أنها لم تكن راقية ولم يبلغ بها الأسلاف حد التفوق كما هي الحال عند غيرهم من الأمم، نظير اليونان والرومان في القديم، والغربيين عامة في هذا الزمان . وقد قسم مؤرخو الآداب القصص العربية إلى قسمين : الموضوع، والمنقول، وعدوا من النوع الأول قصص عنترة وحرب البسوس ومجنون ليلى وسيرة بني هلال، وسيرة ابن ذي يزن وغيرها، ومن النوع الثاني كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة وما ترجم عن الهندية .

 وكان من حسنات النهضة الأدبية الحديثة أن تنبه إلى هذا النقص جماعة من الأدباء فاهتموا بالفن القصصي، وحاولوا أن يضعوا قصا وأقاصيص عربية، ونشروا آثارهم في هذا الصدد، ويمكننا أن نعد كتاب « حديث عيس بن هشام » لمحمد بك المويلحي أول كتاب قصصي في البلاغة العصرية العربية، إلا أنه مشوّه بالسجع والتكلف في التعبير، ولا عجب في ذلك ومؤلفه أول من أقدم على مزاولة هذا الفن في عهد الانبعاث الأدبي .

 ثم تبع المويلحي جماعة من الكتاب المعروفين في خاتمة القرن الماضي ومفتتح هذا القرن، نذكر منهم حافظ إبراهيم الشاعر الشهير في « ليالي سطيح » والدكتور محمد حسين هيكل في « قصة زينب » وغيرها، وقصص جرجي زيدان في التاريخ الإسلامي، وفرح انطون « صاحب الجامعة»، ونقولا حداد الروائي الشهير والمحرر المسؤول لمجلة زوجه « السيدات والرجال » .

          وبالنظر إلى المشقة التي يعانيها المؤلفون في وضع القصص مال أدباء العرب المجددون إلى صنف من القصة جديد حتى في البلاغة الإفرنجية، وهو الأقصوصة أو القصة الصغيرة، وتسمى عند الغربيين «كونت » بالفرنسية، و « ستوري » بالإنكليزية . وقد ذاع هذا النوع من الكتابة في بلاد الغرب ذيوعا كبيرا فلا تتناول مجلة أو جريدة إلا وتجد فيها أقصوصة أو أكثر . ومن أشهر أصحاب هذه القصص الصغيرة في الآداب الغربية «انطون تشيخوف « الروسي، و » غي ده موبسان « الفرنسي.

 وأول من أدخل الأقصوصة إلى الأدب العربي في مصر المرحوم محمد تيمور، فنشر مجموعته المسماة »ما تراه العيون « في جريدة السفور سنة 1917 م، ثم حذا حذوه بعض الكتاب والأدباء منهم عيسى عبيد وأخوه شحاته عبيد وإبراهيم المصري والمنفلوطي والدكتور حسين فوزي وخيري سعيد صاحب صحيفة » الفجر « والمازني والدكتور هيكل وغيرهم .

إلا أن هناك أديبا وكاتبا قصصيا لنا أن نسميه » قصصي اليوم « في البلاغة العربية الحديثة، هو الأستاذ محمود تيمور، أول مؤسس لهذا الفن الكتابي في أدب الجيل . فقد وضع هذا القصاص الفتى أقاصيص كثيرة قوبلت بكل ارتياح من القراء وأظهرت صاحبها علما في هذا الفن برغم حداثة سنة وتمتاز أقاصيص تيمور بطابع » المصرية «.

 حياته الأولى ونشأته :

 

          هو اصغر أنجال العلامة اللغوي المشهور أحمد باشا تيمور، عضو مجلس الشيوخ، وصاحب » الخزانة التيمورية « المشهورة، ولد في القاهرة بمصر سنة 1894 م من أب ينتمي إلى الأكراد، وأم تمت بنسبها إلى الشراكسة .

 أتم الدراستين الابتدائية والثانوية في المدارس الأميرية في مصر، ثم التحق بمدرسة الزراعة العليا في الجيزة، إلا ان مرضه بالتيفوئيد إبان تعلمه في هذه المدرسة حال ذلك دون إتمام دراسته فيها .

 وبعد أن نجا من مرض التيفوئيد الذي كان شديد الوطأة على صحته، وجد نفسه غير قادر على الدراسة في المدارس النظامية ومعاناة تلقي الدروس الفنية الصعبة فتركها غير آسف عليها ـ كما يقول ـ وطفق يتلقى دروسا خاصة في منـزله على جماعة من كبار الأساتذة، وساعدته على الاستفادة إجادته اللغتين الفرنسية والإنكليزية .

 ولما كان ميل محمود منذ الصغر متجها نحو » الدراسة الأدبية « فقد وجد الفرصة سانحة بعد تركه نهائيا الدراسة في المدارس العليا لينقطع للأدب فيتفرغ له .

 ومن اكبر العوامل التي ولدت في نفسه الاتجاه نحو الدراسة الأدبية، وأنمت فيه تلك السجية بعد ذلك أمران :

 1 ـ »بيئة المنـزل « فقد ولد في حجر رجل علم وأدب فتأثر بأفكار والده وآرائه واحتذى سنته وتطبع بطبعه، ووالده معروف بشغفه العظيم بجمع الكتب القديمة والحديثة ومواصلة المطالعة والدروس والتأليف في اللغة والتاريخ العربيين .

 2 ـ عشرته شقيقه محمد تيمور ـ فقيد الأدب والمسرح ـ فقد صاحبه المترجم عنه، وتأثر بأفكاره وآرائه الحديثة، وأصغى لإرشاداته في المطالعة والتأليف، وقد كان الشقيق مشبعا بها بعد أوبته من أوربا حيث تلقى الآداب والحقوق .

 وقد تفرغ اليوم ابن تيمور للأدب والكتابة، وتخصص بنوع خاص من التأليف القصصي، فألف أقاصيص حازت قبولا وانتشارا في عالم الأدب العربي، وتوقع الناس أن يحدث تيمور الصغير فنا عصريا في اللغة العربية .

 

نهجه في الكتابة والتأليف

 اقتفى محمود تيمور أثر أخيه محمد في الأدب الجديد والفن القصصي، فهو يدأب اليوم لإيجاد أدب مصري قومي بحت يعبر عن نفسية القوم بأخلاقهم وعاداتهم، وبكلمة يعبر عن » البيئة المصرية « .

 ويتجافى المترجم عنه التصنع والتكلف، ويرغب في السهولة في تعبيره لتكون آثاره في متناول كل شخص فيستطيع ان يفهمها، لذلك لا تجد في إنشائه كلمة مقعرة أو نافرة قلقة في مكانها . وهو يجيد في التحليل فترى حوادث أقاصيصه متسلسلة الواحدة تلو الأخرى بأسلوب يرضاه المنطق ويجذب انتباه القارئ قسرا، لاسيما لما فيها من دقة الملاحظة وتشخيص أمراض المجتمع المصري .

 ومع أنه حر في تفكيره يرمي في قصصه إلى القضاء على التقاليد البالية وإحلال الأحكام العقلية مكانها، فليست طريقته الوعظ البليد،إنما هو الرسام الماهر يرسم لك الصورة من غير أن يسميها ويترك لك مجالا للتفكير والوصول إلى النتيجة من التحديق فيها واستكناه العبرة منها .

 إلا اننا نأخذ على هذا القصصي المبدع تمسكه بأهداب اللغة العامية آخذا في ذلك بالرأي المعروف أن الحوار أو » المحادثات « يجب ان تكون بلغة المتكلمين، ولما كانت أكثر قصصه مصرية، فالواجب أن يكون حوار أشخاصها باللغة المصرية أو اللغة العامية، لغة الكلام، وهي تختلف باختلاف الأوساط والطبقات التي عليها مدار الحكاية، بمعنى أن المؤلف ينـزل إلى حضيض التعابير الركيكة والألفاظ المغلوطة أحيانا وأداء أسلوب الدهماء القبيح في بعض المواقع . وحجته في ذلك أن هذه طريقة استحسنها بعض مشاهير الكتاب الغربيين، والخطر الوحيد الذي يخيفنا من شيوع هذه الطريقة هو مكافحة اللغة العامية ـ وهي لغة السواد الأعظم ـ للغة الفصحى وطردها والحلول مكانها . انظر كيف يجزم الأديب ابن تيمور في قوله :» أرى أنه من المستحيل خلو اللغة من بعض لهجات وألفاظ عامية تكون مقصورة على بعض الطبقات مميزة لها عن الأخرى « .

 ويؤمل محمود أن يكون هذا المذهب الجديد تجربة ناجحة له، أما نحن فلا ندعو له بالنجاح فيها، بل نرى أن يصرف جهده إلى اللغة الفصحى وبوسعه أن يفرغ أقواله أحيانا في قالب من السهولة والبساطة مما يجعلها قريبة من العامية ولكنها ليست العامية، وبذلك تتم خدمته للغة والأدب .

 وليطلع القراء على اختلاف مناحي الفكر نقول إن العلامة اغناطيوس كراتشوفسكي المستشرق الروسي يخالفنا في هذا المبدأ ويطلب إثبات الحوار باللغة العامية لهذا جاء في رسالته إلى المؤلف في نقد مجموعته القصصية الثانية » عم متولي وقصص أخرى « قوله :» ومما تأسفت قليلا عند قراءتي لمجموعكم النفيس هو قلة استعمال المحاورة وهذا شيء يضر أحيانا بالمذهب الواقعي ويضعف قوة التأثير « فتأمل .. أما كراتشوفسكي فهو عضو مجمع العلوم والآداب في ليننغراد وأستاذ الآداب العربية في أكبر جامعاتها، وعضو المجمع العلمي العربي في دمشق والشام وناشر ومؤلف آثار عربية كثيرة .

 

 تيمور والمذهب الواقعي

 

 ونخال أن شغفه بالمذهب الواقعي » الريالست « هو الذي دفعه إلى ركوب هذا المركب في إحياء اللهجات العامية في بعض أقاصيصه لأنه يسير على هذا المذهب الواقعي أو التحقيقي في الإفصاح عن حقيقة الحياة المصرية، وقد دافع عن هذا المذهب في مقدمة كتابه » الشيخ جمعة وقصص أخرى « قال » ولكن أصحاب المذهب الواقعي لا يجدون غضاضة في اتباع هذا النوع من التأليف ويعدونه من واجبهم الحق أن يصنعوا كل ما في الحياة بلا غلو أو إجحاف . فالرذيلة في عرفهم يجب أن تعرض بقذارتها، والفضيلة يجب أن لا يغالى في تنميقها . فالأدب للأدب والفن للفن، والمذهب الواقعي في الكتابة مذهب جريء لا يرحم يكشف عن الحقيقة مهما كانت قاسية، ويعرضها للناس عارية كما هي لا كما أراد بعضهم أن يجعلها، لأن الكاتب الواقعي يكتب عن حقائق موجودة لا عن أمور خيالية ليست إلا في مخيلته . وكتاباته كلها صادقة لأشخاص بيئته وحوادثهم يظهر على لوحتها المصقولة حقائق الحياة مرة كانت أو حلوة . بل هي أكثر من مرآة، هي مجهر يريك خفايا النفوس البشرية ومبضع يشرح لك جهاز الحياة الإنسانية فيريك دقائقها التي لا يراها الإنسان العادي . فالمذهب كهذا يجب أن يقابل بالترحيب لأن العيوب إذا ظلت خافية كبرت واستعصى على الناس استئصالها وقذارة الحياة إذا ظلت مستورة خلف ستار كاذب يبالغ بعض الكتاب في تلوينه بالألوان الزاهية تعفنت وعم مصابها . فواجبنا ان نفسح الطريق لهذا المذهب بيننا اليوم وينشر فنحن في حاجة لمن يصدقنا القول عن حياتنا ونفوسنا مهما كان القول شديدا أو مرا . لا من يصوغ لنا الأوهام الكاذبة عن بيئتنا فيقدمها إلينا جميلة خداعة تدخل الغفلة على أنفسنا . وما أحسن ما قاله الكاتب الفرنسي الشهير » أميل زولا « لمن عاب عليه شدة تمسكه في كتاباته بالمذهب الواقعي الذي عده المعيب منافيا للآداب : »نظفوا بيوتكم فانظف كتابتي «.

 

 مؤلفاته

 

 نشر القصصي الشاب ثلاث مجوعات ضمنها ما ألف من الأقاصيص الأولى «الشيخ جمعة وأقاصيص أخرى » والثانية « عم متولي وأقاصيص أخرى « والثالثة «الشيخ سيد العبيط وأقاصيص أخرى « وقد قدم المجموعة الثالثة بمقدمة ممتعة في كتاب قائم برأسه في تاريخ البلاغة القصصية وتطورها في الغرب والشرق .

 ونشر آثار شقيقه في ثلاث مجلدات أثبت في المجلد الأول منها بحثا تحليليا مع ترجمة وافية يصح أن يكون كتابا مستقلا .

 

نموذج من إنشائه

 وها نحن أولاء نثبت القطعة التالية من آخر مجموعة قصصية صدرت له » الشيخ سيد العبيط وأقاصيص أخرى « للتدليل على أسلوبه في الإنشاء .

  كان الشيخ سيد في بدء حياته رجلا عاديا ككل الرجال يفلح في الأرض ويعيش عيشة الفلاحين المتوسطي الحال . كان يملك هو وأخواه خمسة أفدنة وبضعة قراريط يشتركون في حرثها وزرعها وتقسيم محصولها عليهم بالسواء . كانوا يسكنون كلهم في دار أبيهم وهي دار ريفية قد وسعتهم جميعهم بزوجاتهم وأولادهم ومواشيهم وطيورهم فقد كان لكل رجل زوجة وأولاد، وللجميع جاموسة وبضع عنـزات يقتاتون بألبانها، وثور وبقرة يستخدمونها في حرث الأطيان، وحمار يحملون عليه السماد والتراب والمحاصيل . والدار عبارة عن فناء ليس بالكبير ولا بالصغير تحيط به مساكن هذه الأسر الثلاث . وبين أبواب المساكن مظلات مهدمة يربطون تحتها مواشيهم لتأكل وتنام . وكأن هذا الفناء ميدان من ميادين الألعاب تمرح وتلعب في أرجائه أطفال الأسرة مع حيواناتهم . وكثيرا ما يقفز الطفل الصغير الذي بلغ الثانية أو الثالثة على ظهر الثور فيدور به في صحن الدار عدة دورات هادئة تم يقوده من حبله ليسقيه من الحوض الذي تملأه «الطلمبة الارتوازية » التي كان لرب الأسرة الراحل فخر إقامتها .

 كان الشيخ سيد ـ واسمه وقتئذ » سيد أبو علام « ـ عميد هذه الأسرة الكبيرة لأنه أكبر أخويه سنا، رجلا رزينا عاقلا مجتهدا وأمينا له الكلمة المسموعة عند أفراد عائلته . نـزيها في معاملته لا يطلب لنفسه أكثر من نصيبه . كان بمثابة القاضي أو الحاكم في هذه المملكة الصغيرة يفصل في كل خصومة ويحكم بالعدل ويسير الأمور بما يراه نافعا للجميع . محترم الرأي ينظر اليه الناس داخل داره وخارجها نظرة الاحترام والتبجيل . عاش هكذا الشيخ سيد حتى وافى عمره على الخامسة والأربعين ثم دهمته حادثة أليمة كانت سبب نكبته في الحياة . كان راكبا ذات عشية حماره عائدا به إلى داره فعثر الحمار عثرة قوية في طريقه انطرح على اثرها الرجل طرحه شديدة على الأرض وأصاب رأسه حجر غليظ صدمه وأسال منه الدم غزيرا . وحمل على أثر ذلك إلى منـزله وبقي ثلاثة أسابيع وهو مصاب بحمى شديدة وهذيان دائم . وبعد أن التأم الجرح وزالت الحمى أصبح السيد أبو علام غيره بالأمس رجلا فاقدا الذاكرة معتوها لا يستطيع تمييز أبسط الأشياء أمامه، فاقد الصلة تماما بحياته الماضية فلم يعد يعرف زوجته ولا أولاده ولا أخويه حتى ولا أمه العجوز التي كان شديد الحنو عليها لكبر سنها ولعطفها الدائم عليه . عاش هكذا ما ينيف على العام وهو لا يفارق عتبة الباب فأصبح طفلا من أطفال الدار يشارك صغاره وصغار أخويه لعبهم ومرحهم بل وطعامهم وشرابهم ولكن الأمر لم يطل أكثر من ذلك إذ استبد أخواه بالأمر وداخلهما طمع الحياة وتملكتهما قسوتها فوجدا أن وجود هذا الأبله بينهم وأفراد أسرته العديدة حمل ثقيل عليهما وعالة لا يحتملانها فتشاورا في الأمر ثم قرّ رأيهما على طرده هو وأولاده وزوجته وحرمانهم جميعا مما يخصهما من الأطيان ومحصولها . وكان للرجل ذرية تبلغ العشرة غير خمسة قد طواهم الموت في فجر حياته الزوجية الواحد بعد الآخر . وكان العشرة الباقية أغلبهم من الفتيات وكن أكبر الأولاد سنا . لم يترك الرجل من أولاده الذكور شابا مراهقا أو رجلا فتيا يستطيع أن يقاوم إرادة أخويه ويدافع عن حقوقهم المسلوبة قهرا . وخرجت العائلة من دارها والشيخ سيد بينهم كأنه دابة من دوابهم أو متاع من أمتعتهم يقودونه كيف شاءوا إلى حيث أرادوا . واستقر بهم المقام في دار مهدمة منحهم إياها بعض ذوي الخير لا تبعد عن العزبة كثيرا فعاشوا هناك عيشة البؤس والتعاسة يكسبون مكسبا ضئيلا لا يكاد يقوم بأودهم فكانت الفتيات والغلمان يشتغلون في جمع القطن أو تطهير المساقي والترع وإقامة الجسور . كل ذلك بأجر زهيد قبلوه اضطرارا خوفا من الجوع والعراء . واستمر الشيخ سيد في بلهه فكان بلها هادئا غير مزعج إذا استثنينا بعض أوقات يثور فيها ثورانا بسيطا فيسب ويشتم من يراه أمامه ثم يجري خلف أطفاله الصغار ليضربهم . وكان يأكل كثيرا ولا يتحرك إلا قليلا فغلظ جسمه ونما نموا فاحشا . وكان غزير الشعر بالفطرة فلما أهملوا قص شعر رأسه وحلق لحيته كما أهملوا نظافته تهدل شعره واشتبك بعضه ببعض وتلبك من الأوساخ فزاد في بشاعة وجهه واختفت ملامحه القديمة الدالة على القوة والسيطرة والبأس خلف ذلك القناع الوحشي ذي العينين الشاردتين اللتين كستهما البلاهة طبقة غبراء أخفت وميضها كما تكسو الأتربة زجاج المصباح فتخفي نوره المضيء لقد زال كل ما يميز » أبو علام « الفلاح المتقد نشاطا وذكاء وجرأة . زالت صورة الرجل العامل ورب أسرة عديدة أفرادها وحلت مكانها صورة ممسوخة قذرة لا تشبه الأولى إلا في بعض ملامح ضعيفة واهية تمحوها يد الزمن رويدا رويدا . وكأن الدهر لم يقنع بما فعله فماتت زوجته تاركة أولادها العشرة تحت رحمة القضاء يفعل بهم ما يشاء .

 

 

 

مقام الرواية في الأدب

 

 

 عبد الغني شوقي

 

          الاعتناء بالروايات وكثرة تآليفها من مميزات الأدب الغربي الراهن وسماته التي امتازت بها عن الأدب العربي القديم، ولقد مارس المسلمون كتابة الروايات إبان تمدنهم الزاهر، ولكن شتان بين الغاية من وضع الرواية عند المسلمين قديما ومن وضعها عند الغربيين حديثا .

 فللفن الروائي عند الغربيين القدح المعلى والذروة القصوى بين الفنون الأدبية حتى كاد يكون أهمها شأنا وأعظها خطورة، إذ انهم يرمون به إلى إصلاح ما فسد من الأحوال واعوج من الأمور فيتخذ أدباؤهم الرواية مجالا لانتقاداتهم الأدبية والاجتماعية وذريعة يظهرون بها للملأ نظريتهم ويطلعونهم على أفكارهم وآرائهم .

 ولم ينبغ في الغرب كاتب عظيم أو شاعر كبير أو أديب عبقري إلا وأبدع في الفن الروائي » أو القصصي « ذلك الإبداع الذي يؤهله لأن يسمو نحو العظمة الأدبية، ويفتح في وجهه أبواب الشهرة الكتابية .

 هاك ما فعله شكسبير والسر ولتر سكوت وبالزاك وجوته وفولتر وموليير وجان جاك روسو ودانتي وشاتوبريان وفكتور هوكو وادمون روستان وتولستوي والفرنسي دوده والفرد كابو واناطول فرانس وغيرهم من جهابذة الشعر والأدب، فقد أجادوا كلهم ونبغوا في وضع الروايات والقصص التي من شأنها تهذيب الأفكار والعواطف وانتقاد العادات الباطلة والأخلاق الفاسدة والأوضاع الضارة فهم يمثلون لك في أشخاص رواياتهم الفضائل والشرف والعفة وما كان تأثير ذلك في الحياة الاجتماعية، بحيث تجد في نفسك من الرغبة الشديدة ما يحملك لأن تتعشق تلك المناقب وتسعى لتلك المزايا الكاملة، ولكنهم من جهة أخرى يجسمون لك الرذائل ويكشفون عما ينطوي تحتها من التهتك والموبقات وما تحويه من العار والشنار تجسيما صحيحا قويا يحملك على الاشمئزاز والنفور منها، ويولد فيك الميل إلى تجنبها خشية أن تتورط في المفاسد وتنحدر في هاوية المآثم .

 هذه هي غاية الرواية عند الأدباء الغربيين وذلك مقامها السامي بين الفنون الأدبية مما لا نجده في الأدب العربي قديما .

 القصص العربية

           نعم إن المسلمين نقلوا في إبان تمدنهم إلى اللغة العربية كثيرا من قصص الأمم الأعجمية مثل قصة هزار افسانة » ألف ليلة وليلة « وكليلة ودمنة، ودارا والصنم الذهبي وقصة رستم واسفنديار وبهرام ونرسي والسندباد البحري وغيرها . وقد أضافوا على هذه القصص من عندهم أشياء كثيرة ووسعوها، وفضلا عن هذه كله فقد وضعوا كثيرا من القصص الغرامية والتاريخية مثل : قصة بكر وتغلب، وقصة شيبان مع كسرى انو شروان، وقصة البراق، وقصة أبي زيد الهلالي والزير وعلي الزيبق والملك سيف وفيروز شاه والملك الظاهر وقصة أبي العتاهية وعمر بن أبي ربيعة وسكينة والرباب وقصة هند وابنه النعمان وغير ذلك مما يطول ذكره، فماذا يقصدون من هذا النقل وما يتبعون بهذا الوضع ؟

 وهنا نجد أنّ البون شاسع بين الفن القصصي عند الغربيين وبين الفن القصصي عند المسلمين، فإن المسلمين لم يقصدوا من الاعتناء بالقصص إصلاح الفاسد وإقامة المعوج وانتقاد شائن العادات وضارها والحث على مفيدها ونافعها كما هو الشأن في الأدب الغربي، وانما كانوا يبتغون من ذلك مجرد التسلية والفكاهة أو لإثارة الحماسة في صدور الجند ولهذا نراهم يبالغون إلى حد بعيد في وصف أبطال رواياتهم حتى يخرجوا عن المألوف ويصورون لك الشجاعة والفروسية والأريحية والوفاء بالعهد والآخذ بالثأر صورا تخرج عن الحد المعقول، مثل قصة حرب البسوس والبراق وقصة عنتر، والمظنون أن هذه القصص كانت في أصلها صغيرة قليلة المبالغة، ولكنهم وسعوها على مر الأزمنة، وأضافوا إليها الكثير من المبالغات والخرافات حتى انسلخت عن أصلها الحقيقي انسلاخا لأن الإنسان مفطور على المبالغة.

أما في الوقت الراهن ونحن في بدء نهوضنا وتنبهنا فحري بنا أن نضرب صفحا عن تلك القصص الخرافية القديمة، وأن ندخل الفن الروائي الغربي إلى أدبنا العربي . ونترجم إلى لغتنا العزيزة من روايات كبار أدباء الغرب ما يغذي عقولنا ويرقي مداركنا ويوسع أفكارنا فإن أدبنا في أمس الحاجة إليها .

 ولسنا نقصد بالترجمة إدخال الفن الروائي إلى أدبنا فحسب بل لكي ينهج أدباؤنا على طريق أدباء الغرب وينسجون على منوالهم فيعوضوننا عن ذلك النقص الذي اعتور آدابنا قديما، كما أننا في أشد الافتقار إليه وعدم الاستغناء عنه . ويأخذون بوضع القصص من عند أنفسهم حبا بازدهار أدبنا ورقية ونهوضا به من كبوته، ولا سيما وضع القصص التشخيصية DRAMA تلك القصص التي تبوأت من الأدب الغربي مكانا عليا، وان تكون تلك القصص مستمدة من روح الشعوب الشرقية وعاداتها لكي تمثلها تماما فلا يخفي حينئذ موضع العبرة فيها ولا يقل تأثيرها في الأنفس ولا تضيع أغراضها ومراميها، ومن أهم ما تتطلبه تلك القصص أن تكون مبنية على الاختيار الصحيح المتولد من الاختلاط بالناس وتجربتهم ومعرفة مواضع الرذائل الكامنة من أنفسهم لكي يمكن واضع القصة استئصالها وقلع جرثومتها .

 ومن أظهر مظاهر الفن الروائي عند الغربيين التي يجب أن ننبه القراء إليها تلك الروح الانتقادية التي لم ينبغ فرد من كبار الروائيين إلا وله نصيب وافر منها، وإذا من أعظم ما نحتاج إليه في تأليف الروايات سواء في التشخيص أو غيره أن نضع الانتقاد نصب أعيننا وأن نجعل الغرض الذي نرمي إليه من وضع كل رواية انتقاد عادة باطلة أو اعتقاد ضار أو وضع سيء أو نظام فاسد إلى غير ذلك، ومتى خلت الرواية من الانتقاد الأدبي أو الاجتماعي ليست برواية جديرة بالمطالعة والتشخيص .

 

 

 الذاتية والموضوعية في الأدب

 

 محمود أحمد السيد

 كان نقد الأديب إبراهيم إبراهيم جمعة مجموعة أقاصيص الطلائع العراقية الواقعية، الذي جاء في مقاله المنشور بالسياسة الأسبوعية الغراء نـزيها ومعتدلا جدا بالنسبة إلى ما كتبه بعضهم .

 أما النقد النـزيه الثاني فقد كان للأستاذ المؤلف المعروف بندلي جوزي المقيم في باكو . كتب الأستاذ في كتاب أرسله اليّ بتاريخ 21 مايو سنة 1929 يقول : »وحاولوا أن تخفوا ما أمكن شخصيتكم، وتدعوا الكلام للحوادث والأشخاص التي تدور حولها القصص أي أن تكونوا موضوعيين وفي ذلك من قوة التأثير في القارئ ما لا يخفي على جنابكم».

 وكنت حين كتبت معظم أقاصيص « الطلائع »أجري على الطريقة الذاتية عن قصد، رغم ميلي الشديد إلى الطريقة الموضوعية . لأنني أدركت بعد كثير من التجاريب أن مؤلفات الكتاب الذاتيين أكثر رواجا عندنا وأوفر حظا من إقبال القارئين عليها من مؤلفات الكتاب الموضوعيين وفي طليعة الأولين » أناطول فرانس « وأنت أعرف مني بمقدار قرائه في العالم العربي والشهرة التي نالها في أندية العلم والأدب . ومن أشهر الموضوعيين » دوستويفسكي « الروسي قريع » تولستوي « ومعاصره، وهذا الأديب الفذ لم أعرف له من القراء في بغداد أكثر من عشرة منهم الأستاذ الزهاوي الذي قرأ من قصصه قصة « الجريمة والعقاب » فأحلها من نفسه المحل الرفيع الجديرة به . وربما كانت نسخ هذه القصة التي لم تكمل ترجمتها إلى العربية مكدسة حتى الآن في مكتبات القاهرة . ولا اذكر أن مجلة أو صحيفة عربية ذكرت عن مؤلفها شيئا عدا مجلة الهلال الغراء .

 أما الإمام الأكبر للموضوعيين » بالزاك « فلم يترجم بعد مترجم عربي أية قصة من قصصه الخالدة ـ على ما أعلم ـ .

 ****

 كانت قد جرت في باريس قبل الحرب الكبرى مجادلات عنيفة على صفحات الصحف الأدبية حول هذا الذي نطرقه في هذه العجالة أثارها الناقد الموضوعي » فردينان برونتيير « والأديب الكبير» اناطول فرانس « وما عبأت الصحافة الأدبية العربية بتلك المجالات إذ ذاك . ولم تنقل عنها شيئا إلى قرائها كما فعلت الصحف التركية لاسيما مجلة » ثروت فنون « ـ وكانت مجلة المجددين من أدباء الترك ـ  التي نقلت إلى قرائها أهم عناصرها . وراح أحمد شعيب بك صاحب كتاب » الحياة والكتب « الذي عني بنشره جاويد بك أحد وزراء السلطة في عهد الدستور يطبق الطريقة الذاتية والموضوعية على القصص التركية التي كتبها آنئذ كتاب من الطبقة الأولى منهم حسين جاهد وخالد ضيا ومحمد رءوف فانتهى بما كتب إلى أن كافة قصصهم تلك غرامية عاطفية خيالية، كتبت على الطريقة الذاتية، وأن كاتبا واحدا فقط منهم جرى على الطريقة الموضوعية هو خالد ضيا .

 وبعد، فما هي قيمة الطريقة الذاتية في الأدب ؟ يقول الناقد الفرنسي » فردينان برونتيير « إن الذين يتبعون الطريقة الذاتية في الأدب أو نقد الأدب يسقطون في هاوية الخيال، ويجرهم الخيال إلى القلق فالمعارضة، وينغمسون في العوطف والنوازع النفسية المضطربة . وليس أسوأ من كاتب ناقد يتخذ القاعدة المثلى لنقده القصة مثلا ما تبعثه في نفسه من لذة وارتياح . إن المشاكل المعقدة في الأدب ونقده لا يحلها ذوق الناقد الذاتي، واذن فيجب الاستناد إلى قواعد خاصة لأجل التوصل إلى الحكم الصحيح على قصة أو كتاب أدبي . والخلاصة أن الذاتية في الأدب شيء لا قيمة له .

 ويرد عليه » أناتول فرانس « قائلا : لا يمكن ان يكون فن الأدب غير ذاتي . وكذلك نقده . لأن الفن نفسه ذاتي . وكذبة هم أولئك المؤلفون من الأدباء الذين يزعمون أنهم قادرون على إخراج كتاب للناس مجرد من ذاتيتهم .. الحقيقة العامة عندي هي أن الإنسان لا يستطيع التحرر من نوازعه الشخصية وميوله الذاتية مهما سعى إلى ذلك . وهذه صفة من أظهر صفات العجز البشري التي لا يسعنا إنكارها . وكما أن السجين مضطر إلى أن يحيا على منحى معين داخل جدران سجنه فكذلك الفرد منا مضطر إلى أن يفكر داخل دائرة ذاتية المحيطة به ... ومما يؤيد به » أناتول فرانس « قوله : هو ان الإنسان يدرك ويفهم الحوادث التي تقع حوله حسب تأثيرها في نفسه، وله أن يقنع برأيه فيها ويؤمن به ويذيعه . هذا مع مراعاة القاعدة النسبية بين بعضها وبعض . وهو لا يرى الأدباء الموضوعيين الذين يخالفونه في الطريقة إلا أناسا من أهل الجبن يحملهم على ترك آرائهم الشخصية والتنـزل عنها وعن ذاتيتهم إلى أشخاص قصصهم، والشك في اهتدائهم إلى معرفة حقائق الحوادث.

 ويرد عليه » برونتيير « قائلا :

 إن الإنسان يستطيع التجرد من ذاتيته إذا ما شاء . وذلك ثابت مؤيد عند أهل العلم . ومن الحماقة عدم الاعتقاد بهذه القاعدة . ولو لم يستطيع الإنسان التجرد من ذاتيته وأنانيته لما تكون المجتمع واللغة والفن، وحين فكر الإنسان الأول في النظر إلى نفسه في شخص أخيه الإنسان ـ لا في شخصه فحسب ـ انفصل عن عالم الحيوان . أما ما يقوله » فرانس « من » أننا ننظر إلى الحوادث الجارية أمامنا من ثنايا مشاعرنا وأننا ندركها حسب تأثيرها فينا « ولكن لا يعارض هذا القول رأيي . فإن التأثيرات التي تحدثها الحادثة في أنفس مشاهديها متشابهة متماثلة . وهل الشكل الذي يراه صاحبك مربعا تراه مستديرا ؟ ! إن الأجهزة المدركة الخارجة من مصنع واحد تعمل عملها وتؤدي وظيفتها على أصول وطرق واحدة كذلك . وهذا هو العامل في اشتراك الناس بعواطفهم ونوازعهم .

 ويظهر لنا أن الناقد يريد بحججه هذه أن يقنع المؤلف بأنه لا يخسر شيئا إذا ما تنـزل لأشخاص قصته عن ذاتيته لأنهم بشر مثله ولأن تمثيله لذاتيتهم معناه تمثيل لذاتيته أيضا.

 ويرد عليه أنا تول فرانس :

 بأن الأناسي متشابهون في غريزة حفظ النوع مثلا، ولكنهم مختلفون جدا الاختلاف في وجهات أخرى، مختلفون في آرائهم، وفي نظراتهم إلى الحياة، وفي تجاربهم وما إلى ذلك، وانك لا تجد في مدينة رجلين يتلقيان شعر شاعر بقرآن شعره تلقيا واحدا قوامه شعور واحد . وأننا قد نقبل الحقائق الرياضية متفقين، بيد أننا ـ مع ذلك ـ لم نسمع أن اثنين من علماء المراصد الفلكية شاهدا حادثة جوية على صورة واحدة . ولنلتفت إلى تاريخ الأدب، فإن الاختلاف الذي نراه في الحكم على كتاب من كتب الأدب يحيرنا . كان » فكتور هوجو « يكره المدرسيات « كلاسيك » ولم يكن » لامارتين « يعجبه «لافونتين « . وكل قصيدة أو قطعة فنية كانت تثير حولها شتى المناقشات . وهذا يدفعنا إلى أن نعتقد أن من مزايا » الجميل « وعوامل الجاذبية فيه أن يكون محاطا بالشبه والاختلافات .. الخ ..

 ويرد الناقد » برنتير « بعد هذا .

 إن غاية الفن القصصي في العصر الحاضر هي نفخ الروح في الآراء والأفكار وإكساؤها بكسوة من الحياة . وهذا يعني أن تكون القصص من الحياة الواقعية . أما الأسلوب الكتابي فكلما كان دقيقا مليئا بآثار الصنعة سقط من الوجهة الفنية . لأن الكاتب الفنان آنئذ يضطر إلى أن يهمل الموضوع، فيكون شاعرا فصيحا وظريفا، أكثر من صاحب فكرحى.

 ثم يقول : إننا نطلب من المؤلف القاص أن يصور لنا الحياة في قصصه تصويرا يتفق مع الواقع والحقيقة لا أكثر ولا أقل ولن يقدر على ذلك إلا بعد التجرد من ذاتيته مكتفيا بأن يرينا أشخاص قصصه كما هم . وغير صحيح أن يعترض أحد على أهل هذا المذهب إذا ما حدثونا » على المكشوف « كما يقولون . لأن الحياة حياة . ولماذا نطلب من المؤرخ الصدق في الرواية، ونأبى أن نطلبه من القاص ؟

 إن معرفة أخوتنا بني الإنسان أهم ركن من أركان العلم في حياتنا اليوم : من هم وكيف هم هؤلاء الناس الذين يصادفوننا دائما في الشوارع والأسواق ؟ وما هي أعمالهم ؟ وما هو نصيبهم من السعادة والشقاء ؟ وهل يتفقون وإيانا في الآراء والمعتقدات ؟ ثم ما هي العوامل التي تبعث فيهم الحر كة والعمل ؟ ماذا يحبون؟ وماذا يكرهون ؟ ماهية السقوط والتسفل أو السعادة أو الجناية ؟ .

 وهل يستطيع المؤلف أن يجيب على هذه الأسئلة بدون التجرد من ذاتيته ؟ يقول «بالزاك» في كتاب له أرسله في 20 كانون الأول سنة 1838 إلى المادام » هانسكايه « : «بايرون « لا قيمة له إزاء » والترسكوت « فإنه سوف ينساه الناس، أما هذا فسوف يعظم كثيرا ويخلد . سوف ينسى » بايرون « لأنه ملأ كتبه ومؤلفاته بذاتيته فاما «سكوت « فقد جعل الحياة والبشرية موضوعا لما كتب .

 أما قصص « بالزاك  » فقد كانت واقعية حقيقية أكثر من حوادث التاريخ حتى قال عنها الناقد الأكبر « تين » إنها من أهم الوثائق التي تدل أهل الفن على حقيقة النفس الإنسانية ونلاحظ أن قصصه تنفصل تمام الانفصال عن القصص الغرامية المعروفة أمثال «مانون لسكو » مثلا . فإن هذه مفعمة بالعواطف الجائعة وخيالات العشق والغرام وتلك لا تجعل للعشق أهمية كبرى ولا تصور الحب إلا بأبسط صورة، وكثير من القصاص الواقعيين في عصرنا يبتعد عن جعل الحوادث الغرامية محورا للقصة .

 لقد أضحى محور الحياة في أيام الناس الأخيرة «الذهب » لا الحب ولا الشرف ولا الوجدان ... كذلك يقول برونتير :

 وكان » بالزاك « أول قاص انتبه إلى اتجاه البشر نحو هذه الناحية فكانت قصصه تدور على الاقتصاديات والاجتماعيات والوقائع التي تنجم عنها أكثر من غيرها . أما ذاتيته فلا تجد لها أي أثر في قصصه .

 وبعد هذه المجادلات العنيفة التي نقل إلينا الكاتب التركي أحمد شعيب خلاصتها التي ترجمناها وعرضناها عليك نذكر أن ذاتية » أناطول فرانس « لم تنقص من قيمة الأدبية العظيمة التي سلم له بها معظم أهل الفن في العالم .

 ومن الذين كانوا ضد الذاتية في الأدب والنقد » رينان « الفيلسوف و» الفريد فويبه« صاحب المقالات الذائعة الصيت في مجلة « العالمين » الفرنسية . ومن آرائه فيها ان الإنسان قادر على اكتساب طبيعة ثانية غير طبيعته الموروثة . ومنهم الناقد » جورج باليسيه« صاحب المقالات المعروفة في الأدب الطبيعي، ولكنه كان معتدلا في الموضعية . ولم يكن يعتقد بامكان التجرد الكلي من الذاتية في الأدب .

 أما أنصار الذاتية غير » أناطول فرانس « فجماعة ذوو شأن، منهم » بييرلوتي» و «مارسيل بريفو « وهم أهل مقام أدبي رفيع كما تعلمه، وكتبهما ومؤلفاتهما منتشرة انتشارا كبيرا وبعضها جدير بالخلود . وللمذهب الذاتي مزاياه ومحاسنه وهو مرتبط أشد الارتباط بالعشق والغرام . وأهل هذه المدرسة لا يفهمون كيف تكون القصة بدون غرام .

 

 

 

فجر القصة في العراق

 

 محمود أحمد السيد

 

 سمح لي رفائيل بطي بالاطلاع على الأقاصيص التي أرسلها كتابها من الشباب للنشر منذ صدور الجريدة حتى الآن، وقد نشر بعضها وأهمل بعضها، فقرأتها قراءة دارس متفهم، ففهمت من الغايات الأدبية التي قصد كتابها إليها فيها، إنهم كافتهم خياليون، بعيدون عن استكناه النفس البشرية ومعرفة أسرارها وخباياها والصفات الطبيعية اللاصقة بها الكامنة فيها، ونحن إذا تسامحنا وأهملنا مطالبتهم بمعرفة الألوان الفنية الواجب صبغ القصة وتلوينها لا نستطيع أن نهمل المادة الأدبية الأساسية اللازمة لتكوينها، وهذه المادة يمكن تحديدها

 1  بالحادثة، ولو كانت عادية .

2       وبالتحليل النفسي والخلقي .

3   وبالفردية المصحوبة بالغرابة والشذوذ . هذا في الأقصوصة، أما في القصة الكبرى والرواية فالحادثة ثم البطولة ثم العقدة أو الحيلة التي تكون محورا لفصول القصة وتنكشف أو تنحل عند انتهائها، ثم التحليل النفسي والخلقي يضاف إلى ذلك شيء من الغرام والحب وشيء من المثالية أي تحبيب المثل الأعلى الذي يعتنقه المؤلف لقرائه . ولابد من أن تكون الحادثة من أشباه الحوادث الواقعة إن لم تكن واقعة بذاتها، على أن لا يكون الكاتب » آلة فوتوغرافية « ينقل ما يشهد من وقائع، ويسمع من أحاديث كما هي » طبقا للأصل « لأن » النقل « وحده لم يكن غاية للفن سواء في ذلك الرسم والموسيقى والشعر والقصة، وليس في الطبيعة طبيعة الكون وطبيعة الإنسان شيء جميل بذاته، فلابد من أن يكون لأثره في نفوسنا وأذهاننا صدى يضيف عليه الجمال والحسن، والجمال نسبي ولو فقد الإنسان حسه وشعوره وعمي لما بقي في الطبيعة ذاتها شيء جميل وشيء قبيح وما يراه الإنسان في طبيعته وأخلاقه وفي طبيعة من يحيون حوله وأخلاقهم ونقائصهم، له أن يسجلها في قصة على أن يسجل بجانبها ما يراه ويشهده في نفسه ونفوسهم من خلال كاملة وصفات على حالها، وله كذلك أن يرمز بأخلاق وعادات وسجايا يلبسها بطل قصة إلى المثل الأعلى الذي يريده للناس، على أن يكون تحليله للبطل وأشخاص القصة الآخرين وتشريحه ما في بواطنهم من عناصر الخير والشر ومن عناصر الفضيلة والرذيلة، ومن عناصر النقص والكمال صادقا حقيقيا أو قريبا من الحقيقة، ولا يخفى أن مستند الفنان الأديب في ذلك قوة بصيرته ونفوذها أولا، ثم الخبرة والتجربة العملية، وكثيرا ما يرى الفنان بقوة بصيرته في لحظة ما لايراه العالم المختبر في سنين.

 قلت إن كافة الشباب الذين كتبوا بعض الأقاصيص لجريدة البلاد كانوا خياليين بعيدين عن معرفة أسرار النفس وخباياها .. الخ، وسبب ذلك يرجع إلى تربيتهم الشرقية الروحية الأولى والى القصص والحكايات التي قرأها كل واحد منا في صدر شبابه فضلا عن التي ملئت حرصا على العفاف والفضيلة، في حين يفشو الفسق والفجور ويكثر الاستهتار بالدين، وهذا الحرص على العفاف والفضيلة جميل ولكنه لشدته يجعل الفتى الكاتب جانحا في سرد حوادث الحب العادية إلى الخيال والى الرموز لكي يجعل الموقف بين الحبيب والحبيبة موقفا شريفا ناسيا تلك الغريزة الجنسية القوية التي تضطرم في أحنائه وأحناء الشباب من الذكور والإناث جاهلا أو متجاهلا حكمها، فتجيء القصة في أساسها أشبه بقصة » ملك محمد « وما إليها مما حكاها لنا العجائز في طفولتنا وقصة ليلى ومجنون وحكايات الحب العذري وتزيد عليها سخافة وبعدا عن الطبيعة البشرية، ولا يتردد الكاتب من إخواننا هؤلاء عن أن ينطق رجال قصته ونساءها بالشعر الغرامي، ومنهم من يجعلهم ذوي حياء وخجل قلما نجده لدى الفتى والفتاة ـ اليوم ـ اللذين يتجرآن على كسر القيود والحجب فيجتمعان خلسة يدفعهما إلى ذلك الحب الشديد ومنهم من يكون ذا طبيعة غريبة بحيث لا يرى حبيبته إلا ويغمي عليه بعد أن يهذي بكلمات مثل : »آه أكاد أجن إني أموت إني لا أطيق صبرا.الخ «

 ومن أغرب الأقاصيص التي كتبت للجريدة واحدة عنوانها » اللص « صوّر فيها الكاتب حادثة حدثت له في بيته ذات ليلة إذ رأى شبحا وخيالا فحسبه لصا، وسمع حركة أحدثتها الريح فخالها حركته فراح يتسم شعوره بالخوف والفزع الأكبر حتى كاد يفقد صوابه، والظاهر أن الكاتب أراد أن يصور لنا كيفية حدوث الوهم في الإنسان في ظلام الليل، إذ يرى الأشباح فيخيل إليه أنه يرى اللصوص والجن وهذا » رمز « ودرس لا بأس به، ولكنه أخطأ التحليل النفسي، وبدلا من أن يصور جرأته، ويرينا كيف أن الخوف يدفع الناس أحيانا إلى ركوب متن الخطر واقتحام الأهوال انشأ يرينا أن الخوف من اللص يذل الإنسان ويملأ نفسه جبنا، والكاتب من النشأ، وهذا المثال في قصته شر مثال للناشئين، وقد تكون الحادثة واقعة، ولكن نقل الواقع وحده لا يكفي إن لم يكن فيه شيء من الدعوة ـ بصورة خفية ـ للمثل الأعلى .

 وكتب كاتب آخر أقصوصة » فقير ينتحر « فقصد فيها أن يصور لنا جانبا من حياة الفقر والبؤس الشقية التي تكون حملا ثقيلا على عاتق الفقير يتخللها من ألم ومسغبة فتضطره إلى الانتحار، بيد أن الحادثة التي رواها الكاتب لم تكن منطبقة على الحقيقة والواقع فالفقراء عندنا ـ وهم مسلمون ـ قانعون بما يقيم الصلب، مستسلمون للأقدار، راضون برزقهم مهما كان قليلا، ولم نسمع أن أحدا منهم انتحر لأنه استجدى يوما فلم يحسن عليه من استجدى فيهم ففرغ صبره فانتحر . وخلاصة الأقصوصة هي » أن فقيرا كان يقطن وزوجه العجوز كوخا في أطراف بغداد لم يجد لديه يوما ما يقتات هو وإياها به من خبز فخرج من داره يستجدي وكان يوما من أيام الشتاء قضاه كله يتجول في العاصمة فلم يمنحه أحد ما طلب، وإذ عاد إلى الكوخ جائعا واهنا بائسا سقط في طريق موحلة فانكسرت إحدى يديه، ثم وجد زوجه ميته فانتحر »، وفي صلب الأقصوصة كلام للكاتب حماسي وجهه إلى الأغنياء وهذا ما لا يسوّغه الفن، لأن الكلام في القصص لأشخاصها وأبطالها لا للمؤلف، إلا ما يتطلبه شرح الحوادث، ثم ختمها بالحث على تأسيس دار للعجزة فأخرج الأقصوصة من دائرتها الفنية إذ جعلها مقالة .

 وكتب كاتب آخر أقصوصة عنوانها » ذكرى ميسلون «كانت عباراتها مغايرة ببيانها للبيان العربي الصحيح، ولم تخل من أغلاط نحوية كمعظم الأقاصيص التي اعتاد أن يرسلها الكاتبون من شبابنا إلى جريدة البلاد فنضطر إلى تصحيحها، ولكنها كانت شريفة العاطفة جدا، ولم تكن من النوع الواقعي بل كانت قريبة للنوع المثالي » ايديالزم « الخيالي، وخلاصتها » أن رجلا عربيا سوريا حارب الفرنسيين في الثورة الأخيرة . كما حاربتهم ـ مع الثائرين حول دمشق ـ ابنة عم له كان يحبها حبا جما، فلما انكسر الثائرون وعاد الفرنسيون إلى دار الحكومة التي كان يرفرف فيها علم الثورة، وحسب الرجل أنه سوف ينـزلون من ساريتها هذا العلم المقدس قبل أن يرفعوا عليه علمهم، ـ وكان بجانب السارية على السطح ـ أسرع فأنـزله ثم أحرقه خشية أن يهينوه ويدنسوه وأقبل الجنود عليه فقتلوه، وفي تلك اللحظة جاءت ابنة عمه وحبيبته فانتحرت فوق جثمانه المضرج بالدماء «.

          ومن كتاب الشباب من يكتب لنا قصة يفرض أن حوادثها واقعة في باريس أو برلين أو لندن، ولست أدري أيترجم هذا الفريق قصصهم من المجلات الفرنجية أم يضعونها وضعا ؟ أما نحن فنقول إن من أغرب الغرائب ما يفعل هؤلاء، ومن لم يستطع دراسة الحال الاجتماعية والخلقية في بيئته كيف يستطيع أن يدرس الحالة الاجتماعية والخلقية في بيئة لم يرها، ولم يجيء بين ظهراني سكانها يوما، والفن القصصي دراسة ليس إلا، ونحن نريده أدبا قوميا مطبوعا بطابع شعبنا الخاص لا أدبا مزيفا غريبا عنا .

          وهذا قليل من كثير من ملاحظاتنا في محاولات شبابنا الكاتبين لتكوين القصة في العراق، وفي قليل بُلغة كما تقول العرب .

 

 

 القصة العراقية في سبيل الخلق والتكوين

 

 لطفي بكر صدقي

 

 أول من نبه الأفكار ووجهها نحو تقدير قيمة الجهود الفردية وأثرها في الجماعات والرقي العقلي هو الفيلسوف الألماني نيتشه، وعلى أنه كان يغلو في فكرته وفي أثر الجهـود الفردية لجماعـة « السادة « كما كان يسمي الطرف الواحد في تقسيمه للجماعات البشرية، وغلبها على جماعات » العبيد « كما كان يسمي الطرف الآخر، فقد استطاع أن يوجه عناية كثير من المصلحين والفلاسفة إلى ناحية الكفاءة الفردية وتقدير روح الفرد، في حين كانت الفلسفة لا تزن الفرد ولا تعتبر جهوده إزاء جهود الجماعات، وليس هذا ما نكتب فيه الآن، إنما أردت أن أقول إن العالم عندما تنبه إلى هذه الناحية التي لم تكن مجهولة عنده في السابق إنما كان ينظرها وكأنها وحدة لا تنفصم عن روح الجماعة خفف من غلوائه في اعتبار الفنون والآداب وتقدير العبقريات الفردية في أجسام الجماعات، ومن ثم جاء تقدير الفن للفن بعد البعث الأوربي .

 والقصة من الفنون التي تعتمد على الجهود الفردية كالرسم والشعر والموسيقى، وإن كانت في موضوعها تتصل بالجماعات أكثر مما تتصل بنـزعة الفرد الواحد، وهي حكاية صادقة لنفس الإنسان الحي، وسيلتها التعبير القوي والرسم البارع، وموضوعها الحياة في كل ألوانها وصورها، فهي تاريخ حياة النفس في أعنف مظاهرها وأثمن تجاربها، فمحاولة الإصلاح فيها إنما تأتي من طريق التضامن الفردي والجهود المتصلة، كما أنها تتفق والإصلاح الاجتماعي في الغاية، وإن كانا يختلفان في أساليب مباشرة العمل ورسائله، فوجهة الاثنين تتحد وتتمشى مع الحياة الواقعة، فللإصلاح في نظر العالم الاجتماعي مقاييس وحدود، وباختلاف الأجواء والبيئات تختلف القوانين الموضوعة له، كما أن اختلاف الزمان وظروف الحال يزيد ويقل من قيمة الإصلاحات المعتبرة ما لم يلحقها التبدل والتطور، بينما القصة تعتمد على التأثير النفسي المباشر، ولا يختلف أثرها ومفعولها مهما اختلفت البيئات والأزمان، ذلك لأنها تصوير دقيق شامل لحياة النفس الإنسانية والعواطف والميول والأفكار، وهذه لا تحد ولا تقاس كما هو المفهوم . فالفن القصصي على هذا « فردي « في عنصره، وإن كان» جماعيا« من حيث مخاطبته الإنسانية، وتوسله إلى الإصلاح الاجتماعي عن طريق التأثير النفسي والتصوير البارع وعرض النماذج المختلفة في تآلف واتساق ونظام، كما هو الشأن في الحياة يقول طاغور الشاعر الخالد إننا إذا استطعنا أن نجيب أنفسنا عن » ما هو الفن ؟« استطعنا في الوقت نفسه أن نجيب أنفسنا عن » ما هو العالم وما هي الحياة ؟ « ذلك لما بين الفن والحياة من الارتباط المتين والاتفاق في أداء المعنى الكامل لآمال الإنسانية وغاية المسعى الأبدي . إذن للفن معنى يصح في توضيح مقاييس الحياة وتصحيح النظرة إلى نواحي العقل المفكر والإحساس المرهق والعاطفة الجياشة . أعني أن للفن غاية تستقيم في أداء المعنى الشامل للحياة، وتصوير الغاية والمثل العليا التي تخالج نفس الإنسان الراقي، وغاية الفن السامية التعبير المطلق في قوة وجمال وإخلاص، وعرض الحياة في كل صورها وأشكالها ومعانيها عرضا يتصل بالفكرة الأدبية ويتمشى مع جمال التعبير وقوته . فهو يكتشف نواحي النفس البشرية، ويحل غوامض الاحساسات والفكر الآخذة بعقل الإنسان وشعوره، ويتصل في أسمى صوره بالله الخالق الأعظم، فعالم الفن غير عالم الفلسفات والعلوم، غير عالم النظريات والمقاييس، والنظرة الفنية فيها من الصواب والدقة والاتفاق مع الفطرة ما ليس في النظرتين العلمية والفلسفية . وعالم الفن يتصل بالإنسان من حيث هو ذات يتسم بسمة الخلود، أو هو نتاج عبقريات الأفراد لا تسرف الطبيعة في إظهارها كل آونة، فهو لا يتكلف الاعتبارات والأوضاع بالحدود، وإنما غايته في ذاته، وفي توضيح الفكرة الملابسة للحياة في أي شكل تصورت وكيفما كان أداؤها للمعنى الكلي للوجود . فن القصة الذي كتبنا عن أصله وتكوينه في الأسبوع الماضي يتصل بأعمق احساسات الإنسان وعواطفه ومشاعره وأفكاره ويظفر بما لا تظفر به الفنون الأخرى عند الجماعات التي كثيرا ما يذهب بها عدم فهمها إلى نكران قيم الفنون وحسبانها أثرا من آثار البطالة وفراغ البال . وإذا تفاءلنا بحياة القصة في الأقطار العربية الناهضة فيحسبنا أن نقف منها في العراق موقف اليائس الذي يلمح بصيصا من نور ويجاهد أن يعثر على بعض الجهود فلا يظفر بأثر بين أو نـزعة لهذا الأدب القصصي الذي يتفق والشعر الرفيع في السمو والإجادة في التعبير والتصوير .

 وإذا كانت القصة الفنية لم تفهم لليوم في العراق فسبيلنا أن نجاهد في خلق الفكرة وتمكين الأمل في نفوس الشباب المتأدب، لعل انصرافه يجدي في سبيل الأحياء الأدبي والعمل الفني، وكل العوامل الداعية إلى الانصراف عن كتابة القصة متوفرة في العراق، فمن زاوية الكتابة الأدبية، ومن انصراف عن القصة، إلى انتشار الأمية والجهل انتشارا فاضحا معيبا، إلى غير ذلك من مثبطات لا تدع مجالا في صدق ما نقول ليذكر لي أحدهم أنّ قارئا قرأ لغير إشباع شهوة وقتية أوسد فراغ أو ما أشبه بهذين . وضعف حركة النشر والمطابع زاد من فتور الناس وقلة عنايتهم بالآداب، كما زاد في الأمية والجهل العام، ثم عدم اهتمام الحكومة والسراة بهذه الناحية في حياة الأمة، يضاف إلى هذين كسل المثقفين أنفسهم في رعاية حق الأدب وتواكلهم وانصرافهم عن الإنتاج وإذاعة الآراء ونشر المذاهب، ثم ضعف صحافتنا، يضاف إلى كل ذلك ضعف حركة المطالعة بين الأفندية والمتعلمين وقلة ما يلقى الكتاب من تشجيع وتقدير .

 نحن نعلم مبلغ ما لعناية السراة من أثر في انتشار الآداب ورقيها والمنافسة فيها، ونعلم أن أكبر الفضل في إحياء الآداب عموما بعد عهد البعث الأوربي يرجع إلى تعضيد الأغنياء وأصحاب الصالونات للأدباء وتشجيعهم الحركة الفكرية، فإلى هؤلاء يرجع أكبر الفضل في إبقاء آثار روسو وفولتير وغيرهما من عظماء الكتاب، وتشيكوف أكبر القصاص في العالم كان يعيش وعائلته مما يرد عليه من مساعدة الصحف لقاء ما كان يكتب لهم، وكذلك كانت الحال في جميع أمم العالم في بدء نهضاتها، وللصحافة اليومية هذه البلاد في الصحافة نستطيع أن نقول إن صحافتنا لا تعنى أقل عناية بالآداب ولا تنشر شيئا إلا لسد الفراغ في أعمدتها، وإلا محاباة الأشخاص الكاتبين .

 والذي نعجب له أن الجهود عندنا أولع ما يكون بالقصص واستماعها، ثم لا نجد من يعني بها العناية اللازمة . وقد يرجع ذلك إلى ضعف ثقافتنا العلمية وقلة اهتمام الشباب بهذه الناحية وانصرافهم الكلي إلى تضمين أسباب المتعة واللذة، وقد يجعل بعضهم أكبر السبب صعوبة التقاليد والعادات وكثرة الجامدين على القديم، ولكن لا يمكن أن يعتد بمثل هذه الأقوال فإن الأمة تسير بقدم ثابتة إلى الأمام وهي تحس إحساسا عميقا بحاجتها إلى العلم وإلى الجديد، ولن تؤثر فيها البقية من الجامدين على القديم .

 نحن في حاجة إذن إلى خلق أدب القصة والرواية في العراق، على أن تستخرج وقائع هذه القصص من صميم الحياة العراقية، وتعبر أصدق التعبير عن شعور الأمة الراهن وإحساس الناس وقلقهم في عهد الانقلاب الجديد، وتصوير خوالج النفوس وهي تتردد بين الشك والإقدام ووعورة الطريق وما يمكن أن تثمر الأوضاع وما يمكن أن تؤثر في نفوس النشء المقبل على الحياة في المستقبل القريب .

 

  

 

القصة في الأدب العراقي

 

                                                                   مهدي القزاز

 

 كانت القاهرة بعد الحرب الكبرى الماضية مركزا أدبيا وثقافيا لأقطار الشرق العربي وملجأ أحرار الفكر منهم، ففيها وجد أدباء وشعراء نابهون وصحفيون وكتاب بارزون وفدوا إليها من مختلف بلدانهم العربية وعاشوا هناك يساهمون مع أدباء مصر وكتابها وصحافتها في خدمة الأدب والثقافة، لأن القاهرة آنذاك كانت تعيش في جو من الحرية الفكرية والأمان والطمأنينة بفضل موقف ولاتها وحزمهم ولموقعها الجغرافي الهام الذي جعلها صلة الشرق بالغرب .

 ومن القاهرة كانت البلاد العربية وطلاب المعرفة والأدب فيها يتمنون بغذائهم الفكري ويطلعون على التيارات الأدبية الحديثة والشئون الاجتماعية وكل ما له اتصال بالثقافة وتربية الذوق وإنماء الإحساس والشعور ورسم الطرق الكافلة لنهوض الأمة ووثبتها وتقدمها وخلق وعي جديد يتناسب مع ما كان يستهدفه آنذاك .

 وكانت البلاد العربية في تلك الفترة المظلمة لا تزال تنضو عنها أثواب العهد العثماني البغيض وما خلفه في مدنها والمساكين فيها من فقر وجهل وأمراض وسجون . فكانت تتعثر في شئونها ولا تعرف بأي إصلاح تبدأ القيام به وهي ترى كل شيء بحاجة إلى علاج وإصلاح وعلاوة على كل هذا كان مصيرها السياسي لا يزال غامضا ومرتبطا لذلك لم ينصرف اهتمامها إلى إصلاح الحالة الثقافية والشئون الفكرية بل انشغلت بأشياء أخرى لا تمت إلى هذه الناحية بصلة من الصلات .

 فبقيت مدينة القاهرة تصدر الصحف والكتب والمجلات وما فيها من قرائح الشعراء والأدباء والكتاب والصحفيين إلى البلاد العربية فكانت الموجات الأدبية تحدث تأثيرها في النفوس فتعمل على إيقاظ الهمم وإثارة الشعور وتنوير الأفكار والإهابة في سبيل نهضة ثقافية في البلاد العربية .

 وقد كان العراقيون وخاصة المثقفون منم يعيش في تلك الفترة في جو من الحرمان العقلي وجدب في التفكير حيث لم تكن تتواجد في العراق صحافة بمعناها المفهوم في الوقت الحاضر تغذي أفكارهم وتفتح لها كوى من المعرفة والثقافة وتوقفهم على شئونهم الداخلية وما يجري في العالم العربي والأجنبي من تموجات أدبية وفنية واجتماعية ونهضات شعبية فلهذا كان البريد المصري وما يحوي من صحف وكتب ومجلات محررة بأقلام كتاب وأدباء من مختلف الأقطار من مصريين ولبنانين وسوريين وفلسطينيين هو الغذاء الفكري الوحيد الذي كان يغذي العراقيين ويطالعهم على شئون العالم السياسية والأدبية والفكرية وكان الاهتمام به كبيرا لدرجة أن مجرد تأخره عن الوصول يحدث رجة فكرية ويثير مختلف الأحاديث والأقوال .

 ولهذا السبب كان للأدب المصري ولأدبائه وللصحافة الأدبية التي كانت تصدر في القاهرة قبل ثلاثين عاما أعظم التأثير في الحياة العقلية وتوجهها، ومن ثم إبراز خصائصها ومكوناتها الفكرية خاصة فقد كان يندر وجود الأشخاص الذين يعرفون لغات أجنبية إلى جانب لغتهم العربية وذلك لأن تعليم ودراسة اللغات الأجنبية كان معدوما في العراق في ذلك العهد ما عدا اللغة التركية التي كانت تعلم لاشغال وظائف الحكومة . ولم تكن توجد للعراق بعثات إلى الخارج كما هو الآن فاقتصرت مطالعة الأدباء في العراق على ما يأتيهم عن طريق القاهرة من كتب ومجلات وصحف تحمل روائع إنتاج أدباء الأمم العربية وما يترجمه في كل فن من فنون الأدب والتفكير .

 وكان الأدب المصري وما يتمتع من حرية وإشراق وعمق وكثرة انتشاره في العراق وإقبال المثقفين والأدباء على مطالعته والاشتراك مع أدبائه في التفكير وإبداء الرأي حسب تفاوت ثقافتهم واطلاعهم قد ابتدأ يكون نهضة فكرية في العراق ويساعد على صقل الذوق وتنمية الروح الأدبية في النفوس وذلك لما حفل به هذا الأدب من المتع الذهنية والثقافة الفكرية والتوجيه العقلي نحو حياة زخارة بالعواطف مليئة بالآمال والوثبات .

 وقد ساعد انتشار هذا الأدب وذيوعه وتحسس العراقيين بروعة هذه الحياة الفكرية على إنشاء صحافة عراقية تصدر بصورة منتظمة أخذت تقتبس المقالات والقصص وخلاصات الكتب عن الأدب المصري علاوة على ما تنشره لأدباء وشعراء عراقيين من بحوث وقصائد ولمع أفكار فتكون في هذه الفترة جو أدبي أظهر عدة أدباء وشعراء أخذوا يكونون لهم مكانه مرموقة في دنيا الفكر ليس في العراق فحسب بل في بلدان العالم العربي أيضا .

 فأخذت جريدة » العراق « لرزوق غنام » والناشئة « لإبراهيم صالح شكر «والمفيد« لإبراهيم حلمي العمر و » الحرية « لرفائيل بطي وغيرها من الصحف والمجلات تنشر ألوانا من الأدب المصري والشعر المصري إلى جانب بحوث أدباء العراق فكانت جريدة «العراق « تقوم بإصدار ملاحق أدبية ضخمة كل أسبوع يكتب فيها الشبيبي والأزري والبصير والجواهري والشرقي والزهاوي والرصافي والكرملي ومصطفى علي وعباس فضلي وخماس والدكتور مصطفى جواد وأحمد عزت الأعظمي ومهدي مقلد والصراف والأثري وغيرهم من كبار الكتاب والشعراء والباحثين هذا علاوة على ما تنشره وتقتبسه من فصول في النقد والأدب والسياسة والاجتماع فضلا عن تشجيعها الكتاب الناشئين بنشرها مقالاتهم وبحوثهم مما كون طبقة من كتاب الشباب والأدباء ظهر أثرهم وثقافتهم بد سنوات .

 وكانت مجلة » الحرية « ميدانا لأقلام الكتاب والشعراء من مصريين ولبنانيين وسوريين فكتب فيها العقاد والمازني ومظهر وميخائيل نعيمة والريحاني واقتبست قصائد حافظ وشوقي مع نشر الفصول الأدبية الطريفة للكتاب والباحثين في العراق والشرق العربي وكانت أول مجلة أدبية شهرية ظهرت في العراق اعتنت بتراث الفكر العربي ونشر الروح الأدبية وربط العراق مع البلاد العربية بوشائج أدبية كان لها أثرها في الدعاية الأدبية للعراق وللأدباء العراقيين .

 ولبثت الصحافة العراقية طيلة العشر سنوات التي انقضت بعد الحرب تأخذ عن الأدب المصري وأدبائه والصحافة المصرية وكان جميع الكتاب والأدباء والصحفيين في العراق يستشهدون في مشاكلهم الأدبية وبحوثهم الفكرية وصراعهم الذهني وجدلهم ونقدهم بآراء الكتاب والأدباء في مصر على أساس كونهم حجة في هذه المواضيع ولأقوالهم منـزلة النضج والكمال ولم يتكون في هذه الفترة أديب عراقي ذو شخصيه أدبية انطباعاته وخصائصه ما عدا بعض الشعراء الذين دوى اسمهم في العراق والشرق العربي وكانت لهم خصائص التي تفردوا بها عن باقي شعراء البلاد العربية كالشبيبي والبصير والجواهري وغيرهم وكان لهؤلاء الشعراء أثر كبير في تغذية الأدب العراقي بروائح الشعر العربي .

 ولما كانت القصة أقرب فن من فنون الأدب إلى القلب وأشدها امتزاجا بالروح ولعبا بالعواطف والأخيلة وأدناها إلى فهم الحياة بظلالها وألوانها وسعادتها وألمها وتصويرها جميع المشاكل والحوادث لذا كان الإقبال على ما تنتجه المطابع المصرية وما تنشره صحافة مصر من قصص وروايات وما تترجمه عن الأدب الغربي عظيما وأخذ تأثير هذا الأدب يظهر سريعا في جو العراق الأدبي حتى أن سيداتنا وآنساتنا المثقفات كن يقبلن على قراءة هذه القصص بلذة وشوق وإعجاب وذلك لما فيها من صور وألوان رائعة .

 فأخذ الجميع يقرأون هذا النوع من الأدب المصري وكان سيل القصص والروايات الموضوعية والمترجمة لا ينقطع من مصر، والأدب القصصي المصري يأتي أسبوعيا بكثرة فكان الشبان والشابات والشيوخ يقرأون هذا اللون من الأدب باهتمام ولذة وشوق لكونه مفاجأة أدبية استهوتهم وحلت قلوبهم محلا طيبا أثار في نفوسهم مختلف الذكريات .

 وفي هذه الآونه بدأت الصحف اللبنانية والمجلات الأدبية فيها تعني بأدب القصة فأخذت » البرق « للأخطل الصغير » والمعرض « لمشال زكور و » المكشوف « لفؤاد حبيش و » صوت الأحرار « لجبران تويني وبعض صحف ومجلات أخرى ترد العراق وفيها قصص صغيرة موضوعه ومترجمة محررة بأسلوب لطيف وإنشاء منمق فكان الإقبال على قراءتها عظيما من جانب العراقيين مما زاد في شغفهم بهذا اللون من الأدب القصصي .

 ولما رأت الصحافة العراقية هذا الإقبال العظيم من المتعلمين والمتعلمات في العراق على الأدب القصصي أخذت تقتبس يوميا قصصا صغيرة موضوعة ومترجمة عن صحف ومجلات القاهرة وبيروت كما أخذ بعض الشباب العراقي يحاول ترجمة بعض الأقاصيص الصغيرة عن التركية والإنكليزية كما أن بعضهم أبتدأ بوضع الأقاصيص المحلية ونشرها في الصحف العراقية إلا أن هذا الإنتاج العراقي سواء كان مترجما أو موضوعا كان قليلا جدا وذلك لأن هذه الأقاصيص لم تكن مكتوبة بأسلوب يستهوي الأسماع وتستطيبه الأذواق علاوة على خلوها من روح الفن القصص وما فيه من حياة وعواطف وتصوير إلا أنها كانت محاولة لابد منها بعد ما تهيأت النفوس للكتابة وإرادات التنفيس عن عواطفها وآرائها وميولها بهذه الواسطة التي تراءت لهم اسهل من غيرها إلا أنهم عندما جربوها وجدوا أن الفن القصص يحتاج إلى ممارسة للطبائع البشرية وخبرة بالحياة وإحساس مرهق وجو صالح يساعد على الإلهام والنبوغ والابتكار .

 وأخذت الصحف العراقية تشجع هؤلاء الكتاب الناشئين في القصة وتفسح لهم من أعمدتها لنشر إنتاجهم فاخذ « محمود أحمد » ينشر في جرائد العراق والاستقلال والبلاد قصصا محلية ويترجم بعض القصص عن التركية وصدرت له عدة مجموعات قصصية من بينها » الطلائع « وكان أول أديب عراقي كتب في القصة « وأنور شاؤل » ابتدأ بنشر قصص موضوعة ومترجمة في جريدة العالم العربي ومجلته «الحاصد » وصدرت له مجموعتان «الحاصد الأول والحاصد الثاني » و «سليم بطي » كتب قصصا ومسرحيات وترجم كثيرا عن الإنكليزية في مختلف الجرائد والمجلات التي كانت تصدر آنذاك وأذيعت بعض مسرحياته من دار الإذاعة العراقية وصدرت له عدة مجموعات قصصية . و«شالوم درويش» الذي ترجم ووضع عدة أقاصيص وصدرت له مجموعة قصصية و«عبد المجيد لطفي » الذي كتب قصصا موضوعه وترجم عن التركية وصدرت له مجموعتان قصصيتان .

 وقد كانت جميع هذه القصص التي وضعها وترجمها هؤلاء الشبان الأدباء خالية من الروح القصصي الفتى الحديث حيث إنها كانت أشبه بحكايات منها بقصص ذات جمال فني وتصوير رائع وبالرغم من جميع قصصهم هذه في كتب ونشرها على الجمهور لم يتقبلها الذوق العراقي بالإعجاب لأنه تعود أن يقرأ القصص المصرية الصغيرة والكبيرة مترجمة أم موضوعة فيجد فيها ما كانت تصبو إليها نفسه وتثير خلجات فؤاده، وتحرك عواطفه، إلا أنها كانت بداية لا بأس بها فقد مهدت الطريق لشباب آخرين من الطامحين والمتحمسين للآداب الأوربية والذين دفع بهم تيار النهضة الأدبية المصرية واللبنانية آنذاك إلى التأثر بهذا الجو القصصي الممتع الذي خلقته جرائد مصر ولبنان فقاموا بمحاولات جريئة موفقة في كتابه القصة كان لها صداها في النفوس وأثرها في توجيه الأفكار وإقبال المتأدبين على قراءتها مما شجعهم ذلك فتطوروا في قصصهم تطورا محسوسا وأصبحت لهم مذاهب مختلفة وأساليب متفاوتة .

 وقد ظهر من هؤلاء الشباب في هذه الفترة صفاء مصطفى، عبد الوهاب الأمين، جعفر الخليلي، لطفي بكر صدقي، ذو النون أيوب، عبد الحق فاضل، فخري شهاب .. وآخرون أيضا إلا أن أثرهم كان ضئيلا جدا في هذا النوع من الأدب فصفاء مصطفى الذي درس في إنكلترا وتثقف هناك أخذ يترجم روائع الأدب الإنكليزي لأشهر أدبائه وخاصة قصته الطويلة « النورى » للكاتبة « آنا كارنينا » ووضع مسرحية « كاترين »وألف عدة قصص أخرى لاقت من الإقبال العظيم ما تستحقه وكان يمتاز بدقة الترجمة وإظهار روح الكاتب والجمال الفني الذي كان شائعا في قصصه يدل على روح أدبية عالية ونـزعة قصصية جعلته في مقدمة كتاب القصة في العراق .

 أما عبد الوهاب الأمين فترجم عدة قصص عن الأدب الغربي في جريدة الأهالي ووضع كذلك بعض القصص التحليلية ثم جمعها في كتاب وكانت تمتاز قصصه بحرارة العاطفة وصدق التعبير وحسن الذوق والتحليل العميق للنفسيات وهو من الشباب الذين يكتبون لإرضاء ذوقهم الغني وتصوير ما يعتلج في نفوسهم من أمان ورغبات وبدوات ..

 ووضع « لطفي بكر صدقي » عدة أقاصيص وجدانية تحليلية امتازت برقة الألفاظ وهياج العاطفة وثورة الحب وعذاب الحرمان والتعبير عن خلجات النفس المعذبة وكانت جميع أقاصيصه ذات أضواء وألوان تعكس ما يكتبه من حب عارية ونفس معذبة.

 أما الأستاذ جعفر الخليلي فنشر في مجلته «الهاتف » مئات الأقاصيص التحليلية وألف عدة روايات وقصص لاقت أكبر تشجيع وإقبال من الأدباء وكان بارعا في التحليل والتغلغل في أعماق النفس البشرية وما يحتدم في العواطف من ثورات مكبوتة وبرع في تصوير الشخصيات وامتاز بإشراق عباراته وسهولة إنشائه وهو من أكبر المشجعيين للأدب القصصي ونشره في العراق .

 وصدرت « لذو النون أيوب » عدة مجموعات قصصية وترجم كثيرا في الصحف والمجلات قصصا لاقت الاستحقاق واشتهر بميوله التقدمية وتصوير حالات البؤس والجوع أما عبد الحق فاضل فكتب بعض الأقاصيص ووضع رواية كبيرة « مجنونان » تلقاها النقاد بالإعجاب . وترجم فخر شهاب عدة قصص عن الإنكليزية لأشهر قصاصيها وصدرت له مجموعة أقاصيص ترجمها عن « موباسان » .

 فهؤلاء الأدباء هم الذين شغلوا الميدان القصص العراقي وأخذوا يقدمون قصصا موضوعة ومترجمة ذات آفاق واسعة وروح جديدة وحال وثاب . وأخذ هذا النوع من الأدب يسير في الطليعة وتهتم به الصحافة ووصل صداه إلى الخارج حيث أخذت صحافتنا مصر ولبنان ومجلاتهما الأدبية تنشر لأدبائنا قصصهم وتتناول بالنقد والتقريظ مؤلفاتهم القصصية وتهتم بها وبالتعرف إلى مؤلفيها .

 وكان هؤلاء الأدباء علاوة على إنتاجهم هذا تكاد لا تصدر قصة في القاهرة أو بيروت ودمشق إلا وكتبوا عنها تحليلا ونقدا في الصحافة العراقية . وكان نقدهم هذا يلاقي لدى كتاب هذه القصص أحسن الصدى مما كان يدل على نضجهم وسلامة تفكيرهم ولا زلت أذكر أنني عندما أصدر الأستاذ « محمود تيمور » الكاتب القصص المصري المعروف مجموعته القصصية « أبو علي عامل آرتست » كتبت عنها نقدا في جريدة « البلاد » ضمنته ملاحظاتي عن القصة وأدب كاتبها واتجاهاتها الفكرية . وعندما اطلع الأستاذ مؤلفها على هذا البحث كتب لي رسالة خاصة يثني فيها على ملاحظاتي ويطلب التعرف بي توطئه لإنشاء صلات أدبية بأدب القصة في العراق وصداه في الخارج .

 ولكن مهما بالغنا في شأن هذا التطور في أدب القصة العراقية فإن كتاب هذه القصص لم يتمكنوا أن يتحروا من شوائب التقليد والمحاكاة ولم يتهيأ لهم من المرونة والاطلاع أو التخصص الثقافي ما يكفي لإبراز قصصهم فنا كاملا له أسلوب ومميزاته الفنية بين الأدب القصصي العربي المعاصر وله أثره ومنـزلته المرموقة في نفوس الجمهور وذلك لأن أكثر قصصهم لم تسلم من ضعف اللون المحلي حيث لم يكتبوا قصصا محلية تتناول محيطنا وبيئتنا وعاداتنا وتقاليدنا ونظمنا الاجتماعية والسياسية . ولم يلهم المحيط العراقي أحد هؤلاء الكتاب بكتابة قصص تصويرية ذات صبغة محلية اللهم إلا السيد جعفر الخليلي الذي كتب عدة قصص من هذا النوع إلا أنها كانت قليلة جدا وذات أفق محدود . والظاهر أن عدم شيوع هذا النوع من الأدب القصصي كان نتيجة لعدم اختلاط المرأة بالرجل لأن مجتمعنا كان يعد هذا النوع من الأدب وذكر علاقة الرجل بالمرأة من الأدب الماجن كما أن التطور إلى بعض النظم الاجتماعية ونقدها كان يقابل بالمحافظة، فلذا خلا الأدب القصصي العراقي من هذا النوع من الأدب القصصي المحلي الذي يزيد في اطمئنان القارئ ويضاعف تأثره، لم نشعر بهذا ونحن نقرأ بعض هذه القصص العراقية إذ لا نرى أثرا بينا لعاداتنا وتقاليدنا ومجتمعنا ومشاكلنا التي تلامس حياتنا اليومية وتتصل بكل ما نباشره من قول وفعل وعادات واعتبارات بخلاف الأدب القصصي المصري فأن أكثر قصصه كانت مصبوغة بألوان محية خاصة قصص تيمور ومحمود كامل وحسونة ومحمد علي غريب والمازني وهيكل والعقاد وغيرهم من كتاب القصة في مصر وذلك لأن المجتمع المصري كان قد ارتقى ولم تعد للرجعية سلطة أو نفوذ على عقول هؤلاء الكتاب وتحديد تفكيرهم وانتاجهم وبقي الادب القصصي العراقي ينمو ويتسع وينتشر على أيدي الشباب وصحافتهم وأصبح له قراء ومشجعون وكان يمكن أن يأخذ مكانته لولا نشوب هذه الحرب وندرة الورق وإقفال الصحف الأدبية وارتفاع تكاليف الطباعة مما اضطر هؤلاء الأدباء والقصصيين إلى الانـزواء والسكوت منتظرين الوقت الذي يتمكنون من العودة إلى وضع القصص والتأليف بروح صقلتها التجارب مسجلين هذه الفترة التي عاشوا فيها ومناظر الحياة التي تجري اليوم في بلادهم ليخلدوا هذا الشطر من حياتهم وحياة بلادهم .

 

 

 

 

القـصـة

 

 عبد الجبار الخليلي

 

القصة تتطلب موهبة من القاص كما تتطلب فيه الفكر الواسع الذي يلم بأحوال الناس ويعرف معادن نفوسهم، والقلب الكبير الذي يضم أشكالهم وأجناسهم وأصنافهم ويتوقف نجاحه من الناحية الفنية على ماله من هذه الموهبة وعلى ماله من سعة الفكر وكبر القلب .

          وللقصة في العصر الحاضر أصول وقواعد تستند على هذه الموهبة وترتكز عليها قبل كل شيء، ولكن ليس كل من عرفها قد برع في القصة وتمكن منها فكثير من عرفها حق المعرفة ودرسها حق الدرس لم يوافق في كتابة قصة واحدة، وكثير من جهلها فاز النجاح الباهر وكتب القصص الخالدة، إذ ما هي في الحقيقة إلا عماد تلك الموهبة وشرح وتفصيل لسرها وسحرها .

 ويحسن بنا أن ننظر هذه الأصول والقواعد لنتبين كيف انها عماد هذه الموهبة، أو لنعرف ماذا يعمل القاص بقصه فيسحر ويفوز بالإعجاب .

 هذه الأسس كما تعارف عليها، أو كما فصلها الأدباء أربعة :

 أولاً : »التمهيد « وهو بداية القصة أو الأساس الذي يقوم عليه هيكلها، وهو أول ما يسترعي انتباه القارئ ويثير شعوره بأسلوبه البليغ المؤثر الذي يبتغي إمتاع القارئ واستدراجه للمضي في القراءة بما يجد من لذة وابتكار، ويتوقف عليه نجاح القصة، فإما أن يجذب القارئ فهو مرتاح ملتذ إلى القراءة، وإما أن يمله فيتركها ضجرا نافرا .

 ثانياً : »السياق « وهو ترتيب حوادث القصة ترتيبا منطقيا يهدف إلى إثارة مؤثر واحد في نفس القارئ والسير إلى قمة القصة أو ذروتها، ثم إلى خاتمتها بتشويقه وزيادة لذته في مواصلة القراءة

 ثالثاً : »الذروة « وهي قمة القصة أو عقدتها حيث عندها تضطرم عواطف القارئ ويزداد تلهفه لمعرفة النتيجة، وفيها تبرز معرفة القاص لنفسية القراء ومقدرته الفنية في إهاجة عواطفهم وكشوفهم لمعرفة الغاية أو الحل .

 رابعاً : »الحل « وهو خاتمة القصة أو نتيجة عقدتها، وعنده يخفت اضطرام العواطف، ويزول ما قد نشأ من مؤثرات ليبقى أثر واحد وإحساس واحد يرسخ في نفس القارئ ويثبت في ذهنه .

 فكما هو ظاهر من هذه الأسس أن لكل منها أسلوبها الخاص الذي يتفق مع غايتها لدى القارئ، وهي في الواقع إطار القصة أو جسمها الذي تخلقه موهبة القاص وخياله . ولكل جسم حي روح، ولكل قصة خالدة عبقري يبعث فيها الحياة، وحياة القصة أشخاصها الأحياء الذين تنبض قلوبهم بالدماء وتشع أجسامهم الحرارة، فيحس القارئ بحياتهم ويشعر بحرارتهم، ففي ثورتهم يقول : هذا هو الإنسان الكسول الخالد، وفي ارتكابهم الشر أو عملهم الخير يردد . هذا هو الإنسان الملاك، وهو مع هذا وذاك من أبطال القصة لا يكاد يحس بأنه في دنيا غير دنياه، أو بأنه مع أشخاص غير هؤلاء الملتفين حوله .

 وهذه هي روح القصة أو جوهرها وسمها ما شئت، تعتمد على علم القاص ومعرفته بالنفوس أكثر مما تعتمد على موهبته، ولن تكون له هذه المعرفة وهذا العلم إلا بالدرس والاختلاط بالناس بجميع أصنافهم وطبقاتهم حتى يغدو شاعرا بما تشعر به تلك الطبقة من حزن وذلك الصنف من فإن وضعته بين الفقراء فهو الفقير البائس الذي يحس بما للفقراء من بؤس، وإن وضعته بين الأغنياء فهو الغني المترف الذي لا يعرف ما للغنى من ترف إذ الغني بطبيعته ليس له وطن محدود، وإنما وطنه الأرض بسعتها والفنان ليس له أخوان معدودون وإنما إخوانه الناس بأجمعهم فإن عاش الفنان مع طبقة من الناس محدودة ضاق نطاق فنه وتحددت سماؤه وتصاغر شأنه وسار إلى الضئول والخمود ثم الفناء .

 هكذا يجب أن يكون الفنان والقاص بصورة خاصة كي يتمكن من الصولة في فنه فيخلق كل ما هو حي خالد في الحياة .

 والقصة صورة للحياة فمن لا يعرف الحياة ومن لا يحياها لن يتمكن من تصويرها ومحاكاتها ثم أنها مزيج من الموهبة ومعرفة الفكر وسعة القلب فإن فقدت أحدها فقدت عمادا من أعمدتها وبرزت للناس عوجاء عرجاء ليس لها ما يعينها على جبروت الزمن وما في طوقها القدرة على أن تبقي أثرها في النفوس إلى مدى طويل، فإن البقاء للأقوياء، وإنه أسرع للزوال ذلك الذي حوى في ذاته النقص وانطوى كيانه على عنصر من عناصر الاندثار .

 

 

 

 

 

 إلى الأخ الكويتي فاضل خلف

 

 عبد الملك نوري

 

 لقد اثرتني لهجة الود التي تشيع في رسالتك الصغيرة ، وقد قرأتها وأنا فخور بإضافة أخ جديد إلى مجموعة إخوان بعيدين تربطني وإياهم أواصر فكر وخلجات روح، لعلها أسمى وأعمق ما يكون بين إنسان وإنسان .

 إنك تثير في رسالتك قضية اللهجة الدارجة واستعمالها في قصة » الرجل الصغير» بصورة خاصة وفي قصصي الأخيرة بصورة عامة . وبذلك تتيح لي فرصة ثمينة للتحدث إلى كافة الأخوان الذين تعرضوا إلى هذه الناحية المهمة في محادثات عابرة، لم أكن أثناءها مستطيعا أن أفي الموضوع حقه من البحث .

 أخي فاضل، إنني لا أعتبر كتابة القصة هواية للتسلية أو لقتل الوقت، وإنما بي حاجة دائمية للتعبير بصورة فنية عما تتمثله نفسي من الحياة التي تحيطني، وبما انني أصبو أن أكون أحد الأحياء في عالم هذا الفن، لا أحد الأموات الذين يجترون ميتتهم يوما بعد يوم، لذا تراني أجهد باستمرار في البحث عن أساليب جديدة للتعبير . تتيح لي مقدارا أوفر من الحرية والعمق في معالجة ما أتناوله من مواضيع محلية، وانك لو ألقيت نظرة على كل ما نشر لي من أقاصيص في مجلة الأديب الزاهرة، لوجدت بأن البون جد شاسع بين الأسلوب الذي كتبت به قصه » فطومة « وبين ما يليها من قصص حتى » الرجل الصغير «.

 أرجو ألا يظن البعض بأنني اتخذت أساليب جديدة لمجرد إلفات النظر، أو لمجرد التجديد في الأدب . الواقع، أن قضية التجديد لم تكن بعيدة عن ذهني، وأنا أنشيء أقاصيص، ولكن التجديد كان له حظ قليل جدا من اهتمامي . وكان أغلب اهتمامي ينصب بالدرجة الأولى على محاولة إيجاد وسيلة أقوى وأيسر للتعبير عما أريد، وسيلة تطمئن ما أحس به من حاجات فنية لا تنتهي ـ حاجات تتطلب دائما الإشباع التام . وأقول لك يا أخي بصراحة، إن هذا الإشباع لم يتهيأ لي حتى الآن، وإن أدواتي ما تزال حتى الآن، وبعد مرور 12 عاما على اقتحامي ميدان القصة، قاصرة لا تفي بما أريد . وأن كثيرا مما يخفي على النقاد من معايب قصص، لا يخفي على قط .

 أما قصة » الرجل الصغير « فهي وإن لم تبلغ درجة كنت أنشدها لها من الكمال الفني إلا انني لا أتفق وإياك بان اللهجة الدارجة المستعملة فيها كانت مما يعيب هذه القصة . اني اعتقد أنها كانت من حسناتها لا من سيئاتها . ذلك أن شخصية الرجل الصغير لم يكن من الممكن إبرازها بشكلها الحالي المؤثر لو وضع على لسانه كلام فصيح . تصور عباس الطفل العراقي الصغير الذي لم يتلق شيئا من التعليم، والذي يعيش في بيئة أمية فقيرة بكل شيء، يتساءل بلغة قريش الفخمة قائلا » أماه « لماذا لا ينام الخروف آناء الليل ؟ « بينما عباس ببساطة متناهية : »يوم ليش ما ينام الطلي بالليل ؟« الا ترى أن وقع هذه العبارة العراقية أجمل بكثير من وقع تلك العبارة الفصحى، وألا ترى أنها تصور شخصية عباس بصورة أتم ؟، والآن، تامل هذه العبارة التي صاغ منها عباس لحنا رتيبا إذ أصابه ملل الانتظار : »عمي تشيلني بعشر فلوس ؟ « إنك تستطيع أن توقع لحن هذه العبارة الصغيرة، الموسيقية بأصابعك . ولكن أتستطيع أن توقع لحن هذه العبارة الثقيلة السمجة «عماه أتحملني لقاء عشرة فلوس ؟ « أنت ترى من كل ذلك بأنني لم أستعمل اللهجة الدارجة اعتباطا وبمجرد أن صممت فجأة على استعمالها لآتى بشيء قد يخيل إلى أنه جديد . وإنما هي مرحلة من التطور الفني بلغتُها بعد أن جهدت حفنة من السنين في البحث عن أسلوب للتعبير يحقق ما أريد . ولا أقول إنني انتهيت عند هذا الحد . ولكني في الوقت الحاضر مقتنع أشد الاقتناع بأن اللغة جزءا لا يتجزأ من الشخصية وأن الشخصية القصصية لتتشوه وتفقد ركنها مهما من أركانها إذا لم تتحدث بلغتها الخاصة وبما انني اكتب عن أشخاص عراقيين، اذن لابد أن أدعهم يتحدثون باللهجة الدارجة . كلا حسب مستواه الثقافي والاجتماعي . هذه الحقيقة ياأخي فاضل، لم أتوصل اليها إلا بعد محاولات شاقة، وقد كنت إلى وقت قريب أحاول أن أترجم اللهجة الدارجة إلى اللغة الفصحى كما فعلت في قصة » فطومة « وفي كثير من القصص التي لم تنشر، وقبل ذلك كنت أترفع عن استعمال اللهجة الدارجة، وأعتبر استعمالها إسفافا وانحطاطا حتى تراءى لي بعد حين بأن الحياة مع البساطة والعمق، أهم ما يميز الأثر الغني العظيم . وأن الكتابة بلغة «رفيعة « جدا ـ واللغة الرفيعة في نظر الفطاحل في استعمال قوالب التعبير القديمة و«الكلايش « الممجوجة مع التلاعب اللفظي عن طريق البديع والبيان والجناس والطباق ـ أقول تراءى لي بعد حين بأن استعمال مثل هذه اللغة » الرفيعة « مما يقتل الحياة في أية قصة من القصص، مهما كان موضوعها عظيما . لأن مثل هذا الأسلوب ينقل القارئ والكاتب على السواء من الاهتمام بالموضوع إلى الاهتمام بمفردات اللغة وألاعيبها . ولذلك لم أجد بداً من استعمال لغة » غير رفيعة « في أقاصيص، حفظا على حياة أشخاصها وعلى الجو الذي يحيطهم . وقد وجدت بعد تجارب عديدة أن اللهجة الدارجة لا تساعد فقط على تصوير الشخصيات على حقيقتها، بل تساعد أيضا على تماسك الجو القصصي، هذا الجو يجب أن يحيط بموضوع القصة كما يحيط الهواء بالكرة الأرضية .

 أترى يا أخي فاضل، بعد كل ذلك أن أتخلى عن اللهجة الدارجة وهي مرحلة ضرورية في تطوري الفني، لمجرد وجود مشاكل بسيطة يمكن التغلب عليها في المستقبل ؟ .

 تقول في رسالتك إنه » لا يمكن لأي قطر التفاهم مع شقيقه إلا باللغة الفصحى» وأنا لا أقرك على هذا الرأي . لأنه سبق للمهتمين بالأدب في كافة الأقطار العربية أن فهموا آثار أدباء كتبت باللهجات المحلية . ولنضرب لذلك مثلا آثار توفيق الحكيم المكتوبة باللهجة المصرية الدارجة . ان كتبه الأولى الرائعة كعودة الروح ويوميات نائب في الأرياف ومسرحياته الأولي كانت تستمد غذاءها من الأعماق الإنسانية . ولذلك وجدت لها صدى قويا، فكان لزاما على من يقرأ لتوفيق الحكيم، أن يتفهم اللغة التي يكتب بها، وكلنا يعلم أنه لم تحل عدم معرفتنا اللهجة المصرية دون فهم آثار هذا الكاتب وغيره من الكتاب المصريين . من هنا يتضح بأن اللهجة الدارجة ليست عائقا في سبيل التفاهم بين الشعوب . لا الشعوب العربية فقط، بل جميع شعوب العالم . وليس الكتاب العرب أول من استعمل اللهجة الدارجة في قصصهم . هناك كتاب عالميون مثل د . ه لورنس الإنكليزي وجبار الأدب الأمريكي الحديث جون شتاينبك كلاهما استعمل اللهجة الدارجة في آثاره قبل الكتاب العرب . وكانت كتبهما وما تزال تترجم إلى جميع اللغات الحية . كما ترجمت » عودة الروح « إلى الروسية والفرنسية، رغم اللهجة المصرية الدارجة التي تنتشر في كل صفحة من صفحاتها، والتي لم تحل دون تفهمها من قبل المهتمين بالأدب في جميع البلدان العربية .

 إن الأدب الحي يفرض نفسه فرضا، ولذا يتحتم على الأديب الذي يريد ينشئ أدبا حيا، أن يكون بإمكانه الغور إلى الأعماق الإنسانية وأن يستطيع ملامسة هذا الحس الإنساني المشترك بين جميع شعوب العالم رغم اختلاف جنسياتها ولغاتها وحضاراتها ان الأديب الذي يستطيع أن يمس هذا الحس المشترك، وأن يقدم للقارئ تجربة إنسانية جديدة في كل ما يكتب، لهو أديب بائر مقضي عليه بالفشل .

 وليست التجربة الإنسانية مما أستطيع حصره في معادلة جبرية أوكيماوية، إنها تدرك بالحس فقط، وبما يتركه العمل العظيم من أثر عميق، وقد فاتني أن أطلب إلى زميل بعيد، عندما صارحته بأنني لم أخرج من كتابه الذي أهداه إلى بأية تجربة إنسانية، فاتني أن أطلب اليه بأن يقرأ أقصوصة واحدة فقط من أقاصيص جيكوف العظيمة، ليفهم ما هي هذه التجربة الإنسانية التي أتحدث عنها .

 إذن فإن استعمال اللهجة الدارجة بحد ذاته ليس عائقا في سبيل التفاهم بين الشعوب وانما يجب أن تستعمل اللهجة الدارجة في أدب حي يفرض نفسه فرضا . عندئذ لا تجد أحدا يقول لك إنه لم يفهم هذه القصة أو تلك . واني لشديد الأمل بأن اللهجة العراقية ستفوز بالمستقبل القريب بمثل مكانة اللهجة المصرية في الأدب العربي المعاصر . وذلك على أيدي عراقيين أفذاذ أخص منهم بالذكر الكاتب القصصي، وزميلي وصديقي فؤاد التكرلي، فهو في نظري أحد أولئك الرواد الذين يستطيعون أن يغوروا إلى الأعماق الإنسانية المشتركة بين جميع البشر، رغم أنه لا يهتم الا بأشخاص عراقيين، يتكلمون بلهجتهم المحلية .

 لقد أثرت في رسالتك أيضا مشكلة » راصف الحروف« وأنا لا أراها مشكلة جسمية كما قد تظن خاصة وأن اغلب الخطأ المطبعي الذي وجدته في قصة » الرجل الصغير « كان ناجما عن كونها مطبوعة بآلة دقيقة الحروف، بحيث يتعذر على المرء أحيانا أن يميز بين الباء والياء، وهذا مما يجعلني أصرف النظر عن استخدامها في المستقبل تسهيلا لمهمة راصف الحروف، ولكن هذا لا ينفي بان راصف الحروف قد يجد شيئا من الصعوبة في رصف بعض الكلمات العراقية، وعليه، فلا باس أن يلم المامة سريعة بالحرفين الغريبين عليه وعلى بعض شعوب البلاد العربية . وهما 1 ـ حرف « ج » المخففة التي نضع تحتها ثلاث نقاط بدل نقطة واحدة، لتقرأ كما نقرأ ch في كلمة chair الإنجليزية مثلا . إننا نستعمل هذه الجيم المخففة عادة، بدل حرف الكاف في كثير من الكلمات، فنقول : جان وجلمه وجلب، بدل كان وكلمة وكلب . 2 ـ حرف « ك » المثقل بخط آخر فوقه كيما يلفظ كالجيم المصرية أو كحرف g في كلمة go الإنكليزية . إننا عادة نستعمل هذا الحرف المثقل بدل حرف القاف في كثير من الكلمات فنقول كلب بدل قلب وكال بدل قال ويكوم بدل يقوم .. الخ .

 وأنت تدري يا أخي فاضل بحكم الجوار بأننا لا نملك سوى هذين الحرفين من الأحرف الغربية على اللغة العربية . أما البقية فهي كالعادة .

 يبدو لي بأنني قد أطلت الحديث أكثر مما كنت أتوقع، ولذا أستميحك وقراء الأديب الفاضل، العذر، آملا أن أجد دائما إخوانا مثلك يهتمون بشئون الأدب، يمحصون ويناقشون عن إدراك وفهم، ويمحضوننا نحن معشر الكتاب الناشئين نقدا نـزيها وارشاد حكيما يقيل عثراتنا في هذا العالم الرحيب ـ عالم الأدب ـ الذي نكاد نتخبط فيه وحيدين من غير معين أو نصير . وتقبل تحيات المخلص .

 

فيض

 

 بلند الحيدري

 

 

 قلت مرة لصديق جد في نقدي » إنني أكره النقاد هؤلاء الناس الفاشلين والذين لا يهمهم إلا البحث عن فشل غيرهم « قلت ذلك في يوم ما ولا أدري لم تصورت في حينه بأن صديقي كان يريد أن يعلن فشلي في محاولاتي حينما يجد في نقدي .... وإني أقول ذلك الآن لأني لا أريد أن يقع نـزار في مثل هذا الظن الذي وقعت أنا فيه .

          من جملة ما حفلت به الأسواق من المجموعات الأدبية خلال هذا الشهر مجموعة للأستاذ نـزار سليم وهي المجموعة الثانية له وقد احتوت على خمس أقصوصات أطولها «اللحن الأخير « التي تبتعد عن الأخريات في فترة كتابتها .. وبسهولة يستطيع القاري أن يتبين مدى الاختلاف بين محاولة نـزار في مجموعته الأولى » أشياء تافهة « وبين محاولته الثانية في هذه المجموعة .. فأبطال » فيض « أكثر إرادة وتصميما في أعمالهم فهم يدركون ما يفعلونه ويفعلون ما يدركونه ويتحملون تبعات أعمالهم وقد أنقذت هذه الإرادة، التي وهبها نـزار لأبطال » فيض « مجموعته الأخيرة من الصدف التي كانت كخشبة السندباد في » أشياء تافهة« ما غرق في بحر إلا وأنقذته بأعجوبة سمجة كما هو الحال في بعض «مفارقات « توماس هاردي .. وثمه نقط أخرى تبرز لنا في هذه المجموعة فهنا نـزار أكثر قسوة على أبطاله مما كان عليه في المجموعة وهو شيء طبيعي يتماشى مع إرادتهم وتصميمهم .. ويعالج في ثلاث أقصوصات من » فيض « مشاكل اجتماعية إلا أنه لم يستطيع أن يوفق بين فردية أبطاله واجتماعيتهم فاهتم بالمظهر الخارجي لهم دون أن يعني بتحليل شخصياتهم العناية اللازمة فجاءت باهته مكفنة بسرد تقريري حينما وبحوار ممل أحيانا وهو ما كان يجب أن يتجنب الواقع فيهما بهذا الشكل من الإسراف

 ونـزار في هذه المجموعة لا يكرر نفسه، فأبطالها لم يكونوا نسخا منه كما هو الحال في«أشياء تافهة « فهنا نجد أبطالا من طراز آخر يختلفون عنه بيئة وإحساسا وإدراكا إذ استثنينا » اللحن الأخير « وهذا العتق لأبطاله محاولة جيدة إلا أنها محاولة أفقدت هذه المجموعة الإخلاص الذي امتازت به مجموعته الأولى .

 هذا عرض سريع لأوجه الاختلاف بين المجموعة الأولى والثانية للأستاذ نـزار سليم من ناحية شخصياته وبنائه الهندسي الذي ما زلت أرى أنه يجب أن يؤكد فيه أكثر على تكتيل مأساته بحيث تندفع كل الحركات لهدف واحد بدلا من تشتيته المأساة في كثرة الملاحقات العابرة والتقرير الجاف والحوار الطويل والحركات الجوفاء .. أما أسلوب نـزار في هذه المجموعة فما زال هو أسلوب تصويري، شعري، يعبر عن انطباعات الكاتب عن جو الأقصوصة أكثر مما يعبر عن انطباعات الأبطال ومجرى الأقصوصة . وإذا كان هذا الأسلوب قد أكسب المجموعة الأولى إخلاصا لتقارب نفسيات أبطالها وانطباعاتهم وحركاتهم من نـزار أولا ومن هذا الأسلوب التصويري، أما في هذه المجموعة فقد أفقدها الكثير من نجاحها .. فالكاتب هنا لا يكف عن الظهور أمامنا من خلال صوره، فبطل «فيض » مثلا رجل من عامة الناس وجو الأقصوصة هو هذا الجو البسيط الساذج إلا أن الوصف الذي يكتنف الأقصوصة يعطيك انطباعا لا ينسجم مع جوها وبساطتها كأن يقول » والحمار الهزيل يسحب أقدامه الملطخة بالوحل بخمول من لا يهمه شيء وقد أدلى رأسه الطويل الممصوص وانقلبت أذناه إلى الأرض كأوراق مدلاة من غصن ناشف « فهذا الوصف الشاعري لا يتلاءم إطلاقا مع أفراد الأقصوصة ولامع حالتهم النفسية ولا مع جوهم حيث كان يجب أن يتوارى خلفهما الكاتب وأن يوافق بين كل تلك العناصر بحيث تترابط كل أجزائها ترابطا كليا لا أن يبرز لنا كما يبرز المصور الفوتوغرافي في«رتوشه « وظلاله وأضوائه الاصطناعية بحيث يقتل على حساب ذلك واقعية الشيء المصور وهكذا خرجت هذه الأقصوصة أشبه بمأساة أخرجت في قلم ملون لا انسجام بين طبيعة المأساة وبين تلك الألوان البراقة الصارخة ثم ان نـزار أسرف كثيرا في الوصف مما شئت المأساة بدلا من أن يركزها وقد كان من الممكن أن تصبح هذه الأقصوصة ممتازة لو تلافى نـزار تلك الأخطاء وأتعب نفسه أكثر فيها خاصة في إبراز الشخصيات وفي نهايتها التي كان يجب أن يعطينا مبررا نفسيا أقوى لعمل » أبو حسن « في ترك زوجته تغرق دون أن يحاول إنقاذها غير هذه الجملة » أتعرف ما سيجري لها إذا ما خرجت من هذا الماء . أنا الذي يدري » أنا ..أنا « التي رغم انها تؤكد موضوعية الأقصوصة الا انه تأكيد باهت لا يكفي .

 أما » البيت على اليمين « فهي من خيرة ما في هذه المجموعة وفيها يتحدث البطل عن نفسه، وهذا هو مجال نـزار الحقيقي، ويعرف دوافعه ومخاوفه وفيها يجيد نـزار في إبراز شخصية أحد المرضى » بالبرانويا « وتحليلها إجادة ممتازة من حيث عرض شكوكه وحساسيته المريضة ورغم أن حادثة القتل جاءت » ميلودرامية « نوعا ما إلا أنها جاءت موافقة للتحليل وطبيعة أكثر مما حدث في الأقصوصة الأولى وإذا كنت أعيب على الأستاذ نـزار شيئا في هذه الأقصوصة فهو نهايتها التي جاءت سريعة ومرتبكة وغير واضحة بحيث ابتعدت كثيرا عن مجال تحليليه وأعطت جوا رمزيا غير منسجم أبدا فهو يقول في ختامها » ثم سرت بهدوء رائع متجها نحو اليمين وبعد بضع خطوات سأصل إلى البيت الذي أريد .. ولكني لم أبلغه .. إلا أني سأحاول الوصول اليه وسأصل اليه يوما من الأيام إلى ذلك البيت البعيد الذي يكمن في الجهة اليمنى من السدة بعد سيرة قصيرة « وقد كان يجب أن يؤكد نـزار على نفس العناصر المريضة في بطله كأن يدعه يتحدث بقصته لصديق ويشك بأن صديقه لا يصدقه وأنه يبيت له شرا . أو في المحكمة .. إلى غير ذلك من النهايات التي تجعلها أكثر حبكة وأقرب إلى الكمال من الناحية التحليلية بدلا من هذه الارتباك الواضح في الأربعة الأسطر الأخيرة من هذه الأقصوصة التي لولاها لوقفت جنبا لجنب مع أخت لها » لادجار ألن بو « .

 أما » أربعة فلوس « فرغم إعجاب الكثيرين بها ودفاعهم المستميت عنها ما زلت لا أدري كيف رضى نـزار لنفسه بنشرها ففي هذه الأقصوصة يعرض نـزار حياة جاب في سيارات الأمانة عرضا غير مستساغ وهي بذلك أشبه ما تكون « بمقالة قصصية »إنك لن تفهم هذه الضوضاء إلا عندما تكون سكران في باص أمانة وفي شارع غازي بصورة خاصة « وهكذا تنحدر انحدارا تقريريا مزعجا حتى تصبح هذه الأقصوصة من نقد وعرض وحوار وتجد فيها الكاتب أكثر مما تجد » فتحي « الذي لم يكن وسيله يسرد نـزار بواسطته رأيه بمصلحة نقل الركاب وبالعالم » الذي يغمض عينيه عن أنواع من السرقات والجرائم « فإنك لا تستبين من فتحي ومن صفاته غير أنه » مطرود من المصلحة « ظلما وعدوانا أما شخصيته الفنية فقد أهملها فظل » فتحي « مجرد اسم يتحرك في هذه الأقصوصة .. علاوة على أن بعض الحركات جاءت غير طبيعية ومتكلفة [» وانتبه فتحي إلى صوت طفل صغير يحاول أن يقلد السيارة التي مرت به وقد أمسك بيديه عصا طويلة برأسها غطاء علبة معدنية مدقوق بمسمار طويل .

 عغ عغ ..... الغ .

 وبدون وعي منه صاح بالطفل ـ اطلع « . ]

 فهذه » البدون وعي « وذلك » الانتباه « غير طبيعي ومتناقض و» دجاجه المسعدة « وان كانت ترتفع عن سابقتها إلا ان اعتماد على الحوار بهذا الإسراف أفقدها الكثير من نجاحها وبالرغم من أن شخصيات هذه الأقصوصة أوضح من » فتحي « نوعا ما إلا أنها ما زالت غير متكاملة التكامل اللازم فحركات الأبطال في أغلب الأحيان حركات عامة لا تعبر عن الشخصية لأنها لا تنطوي على دافع نفسي لها ـ كحركات الإنسان الآلة ـ كأن يقول مثلا في هذه الأقصوصة » وصر السرير من تحته وهو ينهض وتحسس حذاءه بقدمه حتى وجده والنعاس يغالب أجفانه « وهكذا لا تجد غير حركات عامه واضحة تقريرية لا تؤكد على حالة نفسية . ونصل أخيرا إلى » اللحن الأخير « وهي من خيرة ما في هذه المجموعة واني أذكر الآن أول مرة قرأها لي نـزار قبل سنين عديدة ونحن في غرفة في الطابق الثاني من دارهم حيث كان يصدر منها مجلته الخطية » الصبا « وما زلت أذكر البيانو والمروحة والصور المعلقة في الجدران والكتب المكدسة وعلاء وجواد وكل شيء فقد شاهدت نمو هذه القصة وشاهدت نـزار عندما قراها لي وهي في هيئتها الأولى على أوراق صفراء ثم قرأتها وقد طبعها بالآلة الكاتبة على ورق صقيل ورسم مواقفها وأذكر أني كتبت له في حينه عنها ولا أدري الآن ماذا كتبت له بالضبط وها أنا أعود اليها اليوم مرة أخرى .

          في هذه الأقصوصة يعبر نـزار عن جزء حقيقي من حياته أصدق تعبير وقد أجاد كل الإجادة في إبراز رومانتيكية بطله بعواطفه وبتمرده على محيطه وبتأكيده على شخصيته .

 والأقصوصة ذات ثلاث » موتيفات « طبقا لما هو الحال في » كونسرتو شوبان « ويحاول نـزار بذلك أن يمزج بين هذه القطعة الموسيقية ومجرى الأقصوصة وتلك محاولة جديدة ولا شك وقد حالف النجاح نـزار في هذه الأقصوصة فالشخصيات واضحة كاملة والعواطف والآراء متداخلة في ترابط هندسي تام وهي في مجموع خطوطها من البداية إلى النهاية تؤكد على الحاسة السادسة التي يمتاز بها طارق وقد زاد نـزار أقصوصته بذلك إرادية فكانت الحوادث والشخصيات تجري بخطوط مستقيمة مدركة خطواتها إدراكا حسيا عميقا وكما كنا نعرف منذ البدء ما كان يريد أن يعمله » هاملت « وكذلك » أوديب « توقع طارق أيضا كارثته توقعا حسيا » إنما هناك هاجس غريب يدفعه إلى ذلك « وقد أراد فندل أيضا » ان كل ما أتمناه أن اسمع هذا الملودي .. انه آخر شيء أريد أن أسمعه في حياته « وتحققت كل تلك الخطوط خلال حساسية طارق التنبؤيه ولم تأت شاذة أو غير طبيعية فتلك الحساسية المريضة والجو العاطفي الذي يكتنف الأقصوصة جعلها طبيعية وممكنة كما هو الحال عند الكثير من شخصيات »دستوفسكي» وإذا كنت أعيب على نـزار شيئا في هذه الأقصوصة فهو إسرافه في الحوار أحيانا ثم الحوار الإنكليزي الذي استعمله اول لقائه مع المسيو فندل والذي لا أرى له أي موجب لأن كل الحوار كان يجري بالإنكليزية وبنفس الأسلوب وبذاك فهو كمن يصنع تمثاله من مادتين فالرأس من خشب والجذع من حجر .

 وأخيرا فقد كانت هذه مجرد كلمة عابرة من هذه المجموعة وكل ما أرجوه هو أن لا أكون قد أخطأت كثيرا .

 

  

 

العيون الخضر وفن الأقصوصة

 

 نهاد التكرلي

 

          الكتابة بجميع أنواعها ـ سواء أكانت قصة أم مسرحية أم مقالة أم غيرها ـ كشف عن شيء معين للآخرين . إنها إزاحة للستار عن عالم من الأفكار أو الأشخاص يقع وراءها، وهذا العالم يراه الكاتب جديرا بأن يكشفه لأبناء جنسه فيقدم على الكتابة ويختار التعبير عما يريد بواسطة الكلمات كما يختار المصور التعبير عن نفسه بواسطة الخطوط والألوان والموسيقى بواسطة الألحان والأصوات . لا مجال مطلقا لئن يخدعنا الكاتب بقوله إنه إنما يكتب لنفسه وانه إنما يريد تسجيل ذكرياته وانطباعاته لنفسه لكي يرجع إليها وقتما يشاء، لأنه هذه الأكذوبة واضحة البطلان، فالكتابة بطبيعتها كشف للغير، والكاتب الذي يريد أن يكتب لنفسه لا يسجل أفكاره بصورة منتظمة ولا يعتني بما يكتب، بل يدون رؤوس أقلام يحتفظ بها لنفسه ولا يقدم على نشرها وإذاعتها بين الناس .

 وإذا كانت الكتابة كشفا عن شيء يقع وراء الكلمات يراه الكاتب جديرا بأن يقدمه للآخرين فلابد للكاتب أن يسأل نفسه قبل أن يمسك القلم ويبدأ الكتابة، هل لديّ شيء أريد قوله للناس، وهل هذا الشيء جدير بالإفصاح عنه ؟ إنه يجب أن يسأل نفسه هذا السؤال لأنه سيكون مسؤولا عما يكتب، لا بالمعنى الضيق للمسؤولية، أي المسؤولية القانونية، بل بالمعنى الواسع لهذه الكلمة، ونعني بها المسؤولية إزاء بين قومه وإزاء الإنسانية عامة . وان نظرة واحدة إلى ما يكتبه غالبية الكتاب في العراق وفي العالم العربي ترينا أنهم لا يشعرون بالمسئولية عما يكتبون ولا بخطر المهمة الملقاة على عاتقهم ككتاب . صحيح انهم يضعون المسئولية القانونية نصب أعينهم في أكثر الأحيان فتراهم يتجنبون انتقاد الطبقة الحاكمة أو يخشون وضع القيم والأوضاع السائدة موضع البحث، أو يتهربون من التمرد على الظلم المتفشي حولهم، ولكن الشيء الذي لا يفكرون فيه هو هذه المسؤولية الكبرى التي يأخذونها على عاتقهم بصفتهم بشرا أحرارا يكتبون إلى أناس لابد أن يكونوا أحرارا مثلهم . فهم لا يسألون أنفسهم بعد أن الكتابة وسيلة للتعبير عنهم : هل قدموا شيئا جديدا للمجتمع الذي يعيشون فيه، وهل بحثوا مشاكل عصرهم، أم أنهم هاربون من عصرهم إلى مشاكل مثالية تافهة، أو إلي عالم ميت طمس التاريخ آثاره من زمن بعيد ؟ وهم لا يسألون أنفسهم هل ساهموا ولو قليلا في هذه الأزمة التي تجابه الإنسان في كل زمان ومكان : أزمة إنسانيته وكيفية ترقيتها والعلو بها والكشف عن أوجهها ؟ إن نظرة واحدة على ما يكتبون كفيلة بأن تأتينا بالجواب القاطع وهو أن أغلب هؤلاء الكتاب بعيدين جدا عن هذه المشاكل، بل لعلها لا تخطر لهم ببال . وهنا يتساءل كل واحد إذا كان هؤلاء الكتاب هاربين من عصرهم فأين هم إذن ؟ والجواب على ذلك هو انهم مشغولون بشيء آخر يأخذ عليهم كل تفكيرهم : فقسم انطوى على نفسه وراح يجتر عواطفه بصورة ذاتية غير شاعر بما يجري حوله في العالم الواقعي، وقسم آخر على عكس الفريق الأول رمى نفسه في العالم الواقعي ولكنه أضاع نفسه هناك لأنه تصور أن الفن تسجيل للحوادث الواقعية كما تجري، ولم يعلم أن الفن خلق وحرية قبل كل شيء، فراح يقدم لنا » تقارير « عن الواقع يطبل لها أتباعه على انها أدب واقعي أو على أنها وصف للمجتمع الذي يعيش فيه، وقسم هرب إلى بطون التاريخ وراح ينقب فيها عن موضوع مندثر يقدمه على هيئة قصة أو مسرحية أو كتاب أدبي، وقسم يتملق الطبقة الحاكمة في بعض البلاد رغم علمه باستبدادها وجورها ولاهم له إلا أن يكسب أكبر ربح ممكن ويصبح » كاتبا « يشار إليه بالبنان، وقسم آخر يبقى يكتب من دون أن يقول شيئا . لأن البلاغة العربية وفن صياغة العبارات ونحتها ازدحمت في دماغه وصارت كل هدفه فيما يكتب فبقي يكتب من دون أن يقول شيئا . وهؤلاء كلهم هاربون من عصرهم ومن مجتمعهم ومن المشاكل التي تقلق بني جنسهم . إنهم بعيدون عن هذه الأحداث الجسام التي تقع من حولهم كل يوم، إنهم بعيدون عن هذه الأحداث الجسام التي تقع من حولهم كل يوم وهم بعيدون عن هذا العالم الواقعي الذي يصدمهم في كل ساعة أو بعيدون عن أنفسهم التي يجب أن يتعرفوها في مشاكل عصرهم، وأخيرا فهم بعيدون عن هذا المجتمع الذي يعيشون فيه من دون أن يساهموا في صنع المستقبل الذي ينتظره . وهذا الهروب من العصر يتخذ مظاهر عديدة : فالمثالية المنطوية على نفسها، والواقعية الميتة، والاقتصار على التاريخية المندثرة من دون محاولة خلقها من جديد وجعلها رمزا لمواقفنا الحاضرة، والجبن والخور والكتابة من دون أن يقول الكاتب شيئا، كل هذا مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة ذات معنى : وهذا المعنى هو أن هؤلاء هو أن الكتاب غير شاعرين بمسئوليتهم الإنسانية وأنهم هاربون عن عصرهم هربا مزريا . ولسنا هنا بصدد البحث عن فكرة الالتزام في الأدب أو التحدث عن مسؤولية الكاتب لأن هذا البحث يحتاج إلى مجالات أخرى أوسع من هذا المقال، ولأننا نريد ان نتحدث عنه بصورة مفصلة في كتابات أخرى، وكل ما يمكننا قوله الآن لهؤلاء الكتاب : هو أن الكاتب مسؤول عما يكتب وهو في موقف بالنسبة لعصره ولن يستطيع مهما فعل أن يهرب من هذا الموقف، لأنه حتى لو كتب من دون أن يقول شيئا معينا فسيمنح صمته هذا معنى معينا، وسيحكم عليه بالموت والإهمال، سيقول التاريخ عنه إنه كان مثليا تافها أو واقعيا ساذجا أو أنه كان ميتا أثناء الحياة والى آخر هذه الأحكام القاسية، والنتيجة الوحيدة هي أنه سيهمل ويلقي في زاوية النسيان، وسيكون هو الخاسر على كل حال، لأن هذه الحوادث التي تقع كل يوم والتي يسكت عليها إنما تفوته فرصة التعبير عنها، وهو الخاسر أيضا لأنه سيعيش على هامش الحياة والمجتمع، وسيبقى منحازا إلى نفسه غير شاعر بما يجري حوله من الأحداث أو ضائعا وسط هذا العالم أو أي عالم آخر، وجميع هذه الأحوال مظاهر للموت أثناء الحياة، ونحن إذا فهمنا الحياة الحقة بأنها ارتماء في العالم الخارجي مع الشعور بالذات بأقوى صورة ممكنة وتعرفها في هذا العالم : أن تجد نفسك قرب هذه الجماعة التي تكافح معها وأن تشعر بالخطر قرب لحم تلك المرأة التي تحبها، وأن تشعر بالارتياح عندما تساهم في حل هذه المشاكل التي تقلق بني قومك، إذا ما فهمنا الحياة على هذه الصورة الديناميكية لا يسعنا إلا أن نشعر بمدى الخسارة التي تلحق بهذا الذي يقبع في برجه العاجي ويجتر عواطفه نحو امرأة خيالية يحبها، وهذا الذي يضيع نفسه في العالم الخارجي، وهذا الذي ينبش بطون التاريخ بحثا عن موضوع ميت يكتب عنه، وهذا الذي يحصر همه في صياغة الجمل البليغة والبحث عن اشتقاق الكلمات . ولا يسعنا إلا أن نطبع كل ما يكتبه هؤلاء الكتاب بطابع التفاهة والموت، فهؤلاء الكتاب ميتون أثناء الحياة، وستكون كتاباتهم أشد موتا منهم لأنها ستهمل وتنطمر قبل أن يودعوا الحياة .

 ولسنا نريد التوسع في هذا الموضوع الآن بل نكتفي بهذه الكلمة على أن نعود إلى هذا الموضوع في المستقبل . أما في هذا المقال فإننا نريد التحدث عن أقصوصة معينة نشرت في العدد الماضي من هذه المجلة وهي أقصوصة » العيون الخضر « لا لأنها تمتاز من نواح كثيرة عن أغلب ما ينشر في العراق والبلاد العربية فحسب . بل لأن مؤلفها كما يبدد يكتب عن معرفة ودراية : معرفة بالفن الذي يكتب فيه وبحدوده، ومعرفة بالمجتمع الذي يعيش فيه ويريد التعبير عن مشاكله بصورة فنية خالصة . وفن الأقصوصة أو القصة القصيرة قد أصبح منذ سنوات » مودة « شائعة تفشت في العراق وفي البلاد العربية، وبالرغم من أن هذا اللون من الفن القصصي من الصعوبة بحيث لم يبرز فيه من الكتاب العالميين إلا أفراد قلائل، إلا أن المبتدأين في الكتابة عندنا لا يكتبون إلا أقاصيص وأقاصيص فحسب . ويبدو أن الجهل بأصول الفن القصصي عامة ومقتضيات فن الأقصوصة خاصة هو الذي شجع هؤلاء القصاصين على الإسراف في التأليف في هذا الفن، ومن المؤسف أن نقول بأن الإخفاق في هذا المجال شنيع إلى آخر حد فهنالك كتاب أخرجوا مجموعات قصصية متعددة ولكن فكرتهم عن الأقصوصة ومقتضياتها لا تزال ساذجة تدعو إلي الآسف . وقد آن الأوان لئن نطلب إلى هؤلاء الكتاب أن يمعنوا النظر كثيرا في الفن الذي يؤلفون فيه لكي ينتجوا شيئا ذا قيمة فنية وإنسانية، شيئا يمكن أن نواجه به الغربيين ونقول لهم بأن لدينا فنا قصصيا مثلما عندكم، واننا استطعنا التعبير عن مشاكلنا وبيئتنا بصورة فنية إنسانية مثلما استطعتم، وقد آن الأوان لكي نقول لهؤلاء القصاصين بأن الأقصوصة ليست وصفا للواقع ولا سردا للحوادث بل هي خلق فني قبل كل شيء، فليست كل حادثة يمكن أن ترتب وتسرد على شكل أقصوصة، ولا كل وصف وتحليل يمكن أن يخلق شخصية قصصية حية، بل ان المهمة أخطر وأشق من هذا بكثير . ان الأمر يتعلق بخلق عالم خاص وخلق شخصيات » حية « تعيش في هذا العالم ويستطيع القارئ أن يشاركها حياتها وعواطفها وأهواءها وينتظر الحوادث معها، فأين هذا من العالم المفكك الأوصال الذي يقدمه لنا أغلب قصاصينا ومن هذه الشخصيات الميتة التي يحركونها أمامنا كالدمى ؟ استغفر الله بل ليس هناك عالم وليست هناك شخصيات، وكل نراه عندنا نقرأ الأقصوصة هي أوراق جافة بين أيدينا وحروف سوداء تتراقص على الورق . وما السبب في ذلك إلا لأن عملية الخلق السحرية لم تحدث أمامنا، أو بالأحرى أن الكاتب عاجز عن إثارة هذه العملية أمامنا .

 وليس لدينا المجال الكافي لكي نستطيع التحدث بشيء من التفصيل عن فن الأقصوصة، وكل ما يمكن قوله قبل الحديث عن » العيون الخضر « هو أن نذكر السمات الأساسية التي تتميز بها الأقصوصة والعناصر الرئيسية التي تتألف منها .

 قلنا إن فن الأقصوصة أكثر عسرا من باقي الفنون القصصية وهو يحتاج إلى مهارة فنية كبيرة، والسبب في ذلك هو أن مؤلف الأقصوصة مطلوب إليه أن يخلق من مادة محدودة جدا من الجمل والكلمات عالما حيا سريع الحركة تعيش فيه مخلوقات حية تؤثر في المتلقي وتفرض عليه نفسها بالرغم من قصر المدة التي تعيش فيها أمامه . والأقصوصة لابد لها عناصر رئيسية تتآلف منها، وهذه العناصر يمكن حصرها فيما يأتي : العقدة، والشخصيات، والوضع، والأسلوب . وقد يسود عنصر من هذه العناصر على حساب العناصر الباقية .

 أما العقدة فيمكن تعريفها بأنها ما يحدث للشخصيات من الحوادث ولذلك فمن لضروري أن تكون العقدة مثيرة للاهتمام . وهي قد تحتوي في بعض الأحيان على «ذروة» معينة، والذروة هي النقطة التي يصل فيها الاهتمام إلى حده الأعلى . ولذلك فيمكننا أن نتساءل إذا ما قرأنا أقصوصة معينة : هل ان عقدتها تثير الاهتمام، وهل توجد فيها ذروة ام لا ؟ أما عن الشخصيات، وهي ليست بحاجة إلى تعريف، فيمكننا أن نتساءل هل هي متعددة أم هي شخصية واحدة، وهل شخصيات قوية تنبض بالحياة، ومن أية طبقة من طبقات المجتمع اختارها المؤلف ؟ أما الوضع أو الإخراج فهو أن يخرج المؤلف أقصوصته في إطار من الزمان والمكان وحسب وضع وجودي معين للشخصيات . ولذلك يصح لنا نتساءل : هل وضح المؤلف محيط أقصوصته وما هو الموقف الذي من مشكلة الزمان ؟ وما هو الوضع الوجودي الذي اتخذه لابراز شخصياته : أي هل قدم لنا شخصياته بصورة مباشرة أم خلال شخصية أخرى وهل وصفها لنا من الداخل أم من الخارج .. الخ ثم نأتي أخيرا إلى الأسلوب ويمكننا تعريفه بأنه الطريقة الفنية التي يخلق بموجبها القصصي عالمه وشخصياته : فيحق لنا أن نقول ونتساءل بأية طريقة قدم لنا الكاتب أقصوصته وأدخلنا إلى عالمه ؟ وفي الأسلوب تكون الكلمات وسيلة لإيصالنا إلى عالم الأقصوصة الذي يقع وراءها، وهذا القول وحده كاف للقضاء على كل نـزعة «بلاغية « يحاول إثارتها في الفن القصصي بعض النقاد الذين يجهلون أصول هذا الفن والأسس التي يقوم عليها . فالكلمات كلما اختفت من أمامنا وأصبحت تشف بصورة أوضع عن العالم الذي يقع خلقها كلما كانت أقدر على التعبير وعلى إظهار هذا العالم وكلما كان القصصي متمكنا من فنه . وكلما كانت كلماته تقف حجر عثرة في سبيل الوصول إلى عالمه كلما كانت أقصوصته قاصرة عن التعبير وكلما كان أسلوبه جافا سقيما . فالأمر لا يتعلق باختيار الكلمات البليغة التي يحسن وقعها في الأذن بل باختيار كلمات لها قدرة إيحائية هائلة في التعبير، كلمات لا تكاد عينك تستقر عليها حتى تنفذ إلى وراءها، إلى ذلك العالم الذي ينتظرك .

 ثم هناك صفة خاصة تتميز بها الأقصوصة عن باقي الفنون القصصية، وهي أن الأقصوصة تعتمد على » الفعل « وعلى الاتصال المباشر بالعالم، ومن ثم فإنها لا ترمي كفن » القصة « مثلا إلى تقديم تطور نفسي للشخصيات . وهذا الفعل تقتضيه الأقصوصة نفسها، لأن مجالها كما قلنا محدود جدا ومن ثم فلابد أن تعتمد على أحداث أكبر أثر ممكن في نفس القارئ .

 هذه ملامح عامة عن فن الأقصوصة بصورة موجزة للغاية لكي يستطيع القارئ أن يثير في ذهنه مثل هذه الأسئلة عندما يقرأ أي أقصوصة . أما أقصوصة » العيون الخضر» فيمكن القول عنها بأنها تمتاز باستكمال هذه العناصر الرئيسية التي ذكرناها، وقد وفق المؤلف إلى إحداث شيء من الانسجام بين هذه العناصر، وحوادث الأقصوصة بسيطة ليس فيها شيء من التعقيد، ولا عجب فهي أقصوصة واقعية منتزعة من الحياة اليومية : فالمؤلف يجعلنا نرافق » سليمة « في عربة قطار الدرجة الثالثة فترة قصيرة من الوقت يقتطعها في رحلتها من بغداد إلى كركوك، ثم نتركها بعد ذلك في القطار، غير أن هذه الفترة الزمنية على قصرها كافية لأن تعرفنا بأشياء كثيرة عن سليمة وحياتها وعن جو عربة القطار الذي كانت جالسة فيه . ونحن بعد وصولنا إلى بعقوبة ـ وهي المحل الذي نفارقها فيه ـ لا نأس على فراق هذه الشخصية لأننا نكون قد عرفنا عنها أشياء كثيرة مست شغاف قلوبنا . فنحن إذ نترك هذه الشخصية كما نترك مخلوقا حيا آنسنا بعشرته فترة من الزمن ثم فارقنا بعد أن قص علينا طرفا من حياته وهمومه . وسليمة ـ ذات العيون الخضر ـ شابة بائسة قست عليها الظروف منذ أن كانت طفلة حتى ترعرعت فألجأتها إلى الدعارة . وهي بعد هذه الأنواع من العذاب التي قاستها في حياتها كعاهرة تضطهدها الشرطة المحلية وتضطرها إلى الخروج من بغداد تلك المدينة التي تحبها والسفر إلى كركوك لكي تستأنف حياتها المريرة هناك . فالأقصوصة ذات لون محلي وهي تخلق لنا جوا محليا مخصوصا، وليس من المهم في الأقصوصة ذات اللون المحلي أن تكون مناظرها غريبة أو تكون شخصياتها شاذة، بل المهم هو أن تصف بيئة معينة مهما يكن من انحطاطها، وترسم شخصيات من مكان مخصوص بصدق وإخلاص، وفي عربة القطار التي يدخلنا المؤلف إليها نشعر بأننا في مكان طبيعي لا أثر فيه للزينة أو التصنع، فهذا البائع الصغير وهذا الأعرابي ذو اللحية الشعثاء القذرة وهؤلاء الجنود ذوو البشرة المحترقة والأعراب الملتفون بعباءاتهم الصوفية والأكراد المتسربلون بلباسهم المتنافر وتلك » الكردية الشابة الممصوصة الوجه الضيقة العينين « وهي تضع في فم طفلها ثديا ككيس اللبن اليابس، كل هؤلاء منتزعون من الواقع، وهم يكونون إطارا ملائما جدا لشخصية سليمة الجالسة في غرفة القطار . وسليمة تسترسل في ذكرياتها وأفكارها على طول الطريق ثم تتذكر عندما يخبرها العريف بأنهم يوشكون على الوصول إلى بعقوبة علاقتها بذلك الشاب الموظف في هذه المدينة الذي جاء إلى دارها التي كانت تمتهن فيها الدعارة وتتذكر اهتمامه الصادق بها ومعاملته لها كانسان وحبه لعينيها ورأفته بها وكيف أنه كان الوحيد الذي يحدثها عن نفسه ويبدي اهتماما زائدا بشخصها لا بجسدها، واهتمامه الخالص هذا الذي فهمته بغموض هو الذي جعلها تميل إليه وتعود إلى التفكير فيه الآن لأنه النقطة المضيئة الوحيدة في هذه الحياة المظلمة . وتسترسل سليمة في ذكرياتها فتتذكر أخيرا انتهاء علاقته بها في تلك الليلة التي كانت تنتابها فيها أزمة نفسية شديدة، وكانت ساخطة فيها أشد السخط على الرجال لما لاقته من الإرهاق والاضطهاد الجسدي، في تلك الليلة التي رأته واقفا بين جماعته لا يملك سوى النظر إليها برقة وشفقة من دون أن يستطيع مديد المساعدة إليها أو التخفيف من آلامها، عندئذ جن جنونها طردته شر طردة بعد أن وجهت إليه إهانة بالغة فكانت كمن يحطم أعز شيء لديه يرى أن هذا الشيء عاجز عن مساعدته وبهذه النهاية تنتهي الأقصوصة .

 ولم يكن بد من هذا التلخيص البسيط للأقصوصة لكي نستطيع نقدها بصورة واضحة . وسيكون نقدنا لها من ناحيتين : من ناحية الأداء، أي الطريقة الفنية التي عالج بها المؤلف أقصوصته، ومن ناحية الموضوع الذي تتكون منه .

 أما من الناحية الأولى فإن المؤلف قد حالفه التوفيق في نظرنا في رسم شخصية الأقصوصة الرئيسية، بل لقد رسمها لنا ببراعة، كما أنه رسم الجو الذي يحيط بها في بيتها وفي عربة القطار بشيء كثير من الوضوح . والأقصوصة الواقعية التي تجعل الواقع موضوعا لها لا«تقلد « الواقع بل تخلقه من جديد، فالمؤلف القصصي لا يتناول شخصية » واقعية « يصفها في أقصوصته، ولا يسرد حوادث واقعية » حدثت « في عالم الواقع مهما تكن من غرابتها وشذوذها، بل هو يستعين بخياله على خلق شخصية » يمكن « أن توجد في هذا العالم الواقعي ويمكن أن تحدث لها هذه الحوادث، فهو من الجائز أن يكون قد رأى شخصية واقعية أثارت اهتمامه وأراد أن يجعلها موضوعا لأقصوصته، ومن المحتمل ان يكون قد شهد أو جرّب بعض التجارب في عالم الواقع وأراد أن يصفها في أقصوصته، ولكنه لا يصف تلك الشخصية التي رآها بحذافيرها، ولا يسرد تلك الحوادث كما رآها، بل يعيد خلق الشخصية والحوادث والتجارب من جديد، ويخلق من جميع هذا عالما خاصا هو عالم أقصوصته، عالما يزخر بالحياة والشخصيات الحية تتجسد فيها الإنسانية . فالأقصوصة ليست » تقليدا « للحياة بل خلق لها، خلق تتركز فيه الحياة الإنسانية إلى أقصى حد، وهذا هو جوهر الخلق القصصي فلا خلق بدون خيال وبدون فن، ومؤلف أقصوصة » العيون الخضر « قد خلق لنا شخصية سليمة خلقا جديدا بالمعنى الذي نقصده من كلمة الخلق، فاستطاع أن يقدم لنا شخصية واقعية تنبض بالحياة، أما الشيء الذي نؤاخذه على وصفه لهذه الشخصية الرئيسية فهو اتخاذه لوجهة نظر القصصيين الكلاسيكيين في ابتداء الأقصوصة عندما يصف لنا البطلة، والقصصي الكلاسيكي لا يتقيد كثيرا بوجهة نظر معينة في رؤية شخصياته . وفي هذه الأقصوصة نجد ان المؤلف بالرغم من اتخاذه وجهة نظر البطلة سليمة لرؤية الحوادث والوسط المحيط بها، إلا أنه قدم لنا بداية الأقصوصة وصفا موضوعيا لسليمة، أي وصفها لنا من الخارج فقال عنها : »كانت عيناها خضراوين واسعتين بأهداب سوداء طويلة ... وكان وجهها شاحبا، يزيد من شحوبه سواد عباءتها الرقيقة « ومن الواضح أن هذا الوصف الموضعي المحض يتعارض مع وجه النظر المأخوذ بها في الأقصوصة وهي وجهة نظر البطلة وشعورها، وقد كان الأجدر بالمؤلف أن يترك هذه للتفاصيل في الوصف الموضعي، أو أن يجريها على لسان إحدى الشخصيات الأخرى على الأقل إذا رأى أن هذا الوصف ضروري لإبراز شخصية البطلة، ولكن هذا التعارض بين الداخل والخارج لم يسر إلى باقي الأقصوصة ولذلك لم يسيء كثيرا إلى شخصية سليمة بل بقيت هذه الشخصية قوية نابضة بالحياة .

 ثم ان المؤلف قد أبدى براعة أخرى من ناحية جديدة في التصوير، إذ صوّر لنا شخصية أخرى بكيفية عن تصويره المباشر لشخصية البطلة هي شخصية الشاب الذي كان يتردد على بيت سليمة، حيث صور لنا المؤلف بصورة غير مباشرة، أي من خلال ذكريات البطلة وتصورتها، وبذلك بدت صورته ملونة بالعواطف والتصورات التي كانت تشعر بها البطلة نحوه . وهذا النوع من التصور، أي رسم شخصية معينة من خلال شخصية أخرى عسير ويحتاج إلى مهارة فنية كبيرة، وهو لا يتضح إلا في ميدان القصة حيث يكون المجال واسعا يستوفي هذا اللون من التصوير كل روعته، إلا أن المؤلف في هذه الأقصوصة قد استطاع من ذلك أن يقدم لنا صورة مصغرة لهذا النوع من التصوير، وأن يقدم لنا صورة واضحة لهذا الشاب من خلال شعور سليمة، وأن يصف الحوادث التي جرت بينه وبينها من خلال ذكرياتها . وقد أثبت لنا المؤلف بأنه متمكن من فنه القصصي ولا يحتاج إلى دربة ومران لكي يصل إلى مستوى عال في هذا المجال، إلا أننا نأخذ عليه نقطة واحدة من هذه الناحية، وهي : أن هنالك » نـزعة ذهنية « أسرف المؤلف في الأخذ بها، فقد قلنا بأن الأقصوصة تعتمد على » الفعل « بالدرجة الأولى،وأقوى خصائص الفعل هو أن يجري في الزمان الحاضر وأن يكون أثره منصبا على العالم الواقعي لا حادثا «في« شعور الشخصية القصصية . والمؤلف في هذه الأقصوصة قد سرد كثيرا من الحوادث الحركية من خلال ذكريات البطلة وشعورها حتى أن علاقتها بالشاب لم تسرد إلا عن طريق الذاكرة . وبذلك فقد نقل النشاط » الفعلي « إلى الذهن بينما بقي الواقع في موقف استاتيكي هادئ، وفي اعتقادنا أن مثل هذا النقل إن كان مسموحا به في ميدان واسع كالقصة فإنه في ميدان الأقصوصة يقلل من أثرها ويصبغها بصبغة ذهنية تضعف من قوتها . ومن رأينا أن المؤلف في هذه الأقصوصة لم يتخلص من آثار نـزعة موباسانية انتهى زمانها الآن . صحيح أنه لم يجعل حوادث الأقصوصة تروى على لسان بعض الأشخاص كما كان يفعل موبسان مما يفسد كل أثر للأقصوصة، إلا أن عملية نقل الحوادث إلى الذهن والى الماضي وسيادة هذا الماضي على الحاضر، هذه العملية لا تختلف في جوهرها كثيرا عن جعل الحوادث حكاية تروى بين شخصين، ونحن نأمل أن يتخلص المؤلف في المستقبل من هذه النـزعة التي نلاحظها في بعض أقاصيصه الباقية وأن يقدم لنا فعلا مرتبطا بالعالم أشد الارتباط .

 لقد قلنا بأن أقصوصة » العيون الخضر « ذات طابع محلي والمهم في مثل هذا النوع من الأقاصيص هو الإخلاص في التصوير باختيار شخصية أو شخصيات من طبقة معينة من الناس وتصويرها مع طراز حياتها وكلامها وعاداتها وأزياءها ...الخ ولذلك نرى أن المؤلف جعل البطلة في هذه الأقصوصة والشخصيات الثانوية الباقية يتكلمون اللهجة العامية، وهنا تثار مشكلة كثر الحديث عنها في الأيام الأخيرة في البلاد العربية وهي هل يجوز للكاتب أن يستعمل اللهجة العامية في قصصه وينبذ اللغة العربية الفصحى أحيانا ؟ وقد انقسم الكتاب حيال ذلك إلى قسمين : قسم يحبذ اللهجة العامية في القصص ويؤيد استعمالها، وقسم يدعو إلى نبذها بحجة أنها تضعف اللغة العربية، ولأنها لا يمكن أن تفهم إلا من طبقة إقليمية مخصوصة بينما سيستعصي فهم هذه اللهجة المحلية في باقي البلدان العربية ويبدو لنا أن الفريق الثاني الذي يدعو إلى نبذ اللهجة المحلية بحجة إضعافها للغة العربية الفصحى وبحجة أنها لا يمكن أن تفهم إلا من قبل الأقلية، هذا الفريق يفهم دور اللغة في القصة فهما بعيدا عن الفهم القصصي للغة، فاللغة القصصية في نظر هذا الفريق ليست أداة من أجل خلق عالم معين، بل هي غاية بحد ذاتها، ومن ثم فإن من الواجب أن تخضع هذه اللغة للبلاغة العربية وتتحلى بالبيان والبديع وبقوة التركيب ... الخ ولذلك فهو يخاف من اللهجة العامية ويحمل عليها ويدعو إلى نبذها، ومن الواضح أن هذا الرأي لا يستحق الرد لأنه خارج عن موضوع حديثنا الذي نريد أن نجعله ضمن النطاق الفني القصصي، ومن ثم فإننا نهمله ولا نعلق عليه . وكذلك القول بأن اللهجة العامية تجعل القصة تقتصر على أقلية إقليمية معينة لا يقدم حجة ضد استعمال هذه اللهجة في القصص لأن القصة الجيدة تفرض نفسها فرضا، فضلا عن أن هذه الحجة أيضا لا تعلق لها بالفن القصصي . أما المشكلة الحقيقية لاستعمال اللهجة العامية في الأقاصيص فيجب أن توضح على هذا الشكل : هل من الجائز للكاتب القصصي أن يستعمل اللهجة العامية على لسان أبطاله إذا رأى أن استعمالها ضروري لكي يستكمل شخصياته وجودها القصصي، أم أن بوسعه حملهم على أن يتكلموا الفصحى بالرغم من أن مثل هذه الشخصيات لا تتكلمها في الواقع ؟ وهل إذا استعمل الفصحى في هذه الحالة الثانية لا يتعرض للإساءة إلى وجود شخصياته أو يجعل هذا الوجود في تناقض ؟ بأن اللغة في الفن القصصي وسيلة لخلق عالم زاخر بالحياة يكون هو الغاية التي يسعى اليها القصصي، ومن ثم فإذا وجد القصصي أن اللهجة العامية تكمل بناء شخصياته وتسبغ عليها طابعا قريبا من الحياة، بينما على العكس ستكون اللغة الفصحى في لسان هذه الشخصية أداة مصطنعة تسيء إلى وجودها، فلماذا لا يسمح له باستعمالها ؟ من رأينا أن » الكلام « باعتباره وجودا من أجل الغير لا يمكن فصله عن الشخصية بدون تصنع لأنه مظهر قوي من مظاهر الكشف عن وجود هذه الشخصية، لذلك فلا جناح على القصصي من استعمال اللهجة المحلية في الظروف التي يقدر أنها ضرورية لبعض الشخصيات على أن يقتصر في استعمالها على الحوار فقط . والأمر موكول إليه بعد هذا في اكتشاف هذه الضرورة وتقديرها بالقدر المناسب، وقد يتخذ البعض قولنا السابق أداة للاعتراض فيقول : إن القصة هي غير الواقع، وهي لا تصف حياة معينة كما تحدث كل يوم، بل ان المؤلف يرتب الحوادث ويخلق الشخصيات بصورة تختلف عما يجري في عالم الواقع، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يستطيع مثل هذا المؤلف » الخالق « أن يسمح لنفسه بأن يجري اللغة الفصحى على لسان أبطاله حتى ولو كانت الشخصيات لا تتكلمها في الواقع وفي الحياة اليومية، وهذا اعتراض وجيه ولكننا نجيب عليه بان الأمر لا يتعلق بوصف الحياة الواقعية أو تقليدها، بل ان الكلام بين الشخصيات القصصية يعلو على هذا الوصف وهذا التقليد لأنه مظهر من مظاهر الوجود الإنساني، والمؤلف أن يتقيد بقوانين الوجود بالرغم من أنه لا يقلد الواقع لأنه خرقه لهذه القوانين يجعله عاجزا عن أن يقدم لنا حقا حقائق إنسانية . ولذلك فإننا نؤيد القصصيين الذين يستعملون اللهجة العامية على لسان بعض الأبطال بشرط أن تكون هذه اللهجة ضرورية لتلك الشخصية، وأن تصبح أداة قوية للتعبير عنها وأن لا يسرفوا في استعمالها بل يقصرونها على الحوار فقط . ولذلك فقد كان مؤلف » العيون الخضر « موفقا في استعماله اللهجة العامية على لسان شخصياته، ولكنا نؤاخذه على استعمال هذه اللهجة في سرد الأفكار والخواطر التي تتداعى في ذهن البطلة كقولها لنفسها : »لو يدري آني شنو حتى هذا يمكن جان، جان يباوعني غير شكل « فهناك حقيقة سيكولوجية لابد أن يأخذها القصصي بنظر الاعتبار وهي أن الفكرة ما دامت في ذهن الإنسان فإنها تبقى شفافة، ولا يمكن القول عنها أنها ترتدي هذا الثوب المادي من الكلمات، وهي لا ترتدي هذا الثوب إلا بعد أن تخرج إلى العالم الواقعي وتنصب في قوالب من الكلمات تحددها وتجمدها، ولذلك فإن من الأحسن للمؤلف القصصي أن يسرد هذه الأفكار بلغة فصيحة من دون أن يخشى الإساءة إلى وجود الشخصية مهما كانت هذه الشخصية متأخرة من الناحية الاجتماعية أو الثقافية، وهذه هي الطريقة التي يتبعها، كما نعتقد، جميع القصصيين العالميين الذين اشتهروا باستعمالهم اللهجات العامية في قصصهم .

 هذا ما يمكن قوله من ناحية » الأداء « في أقصوصتنا هذه، وبقي أن نقول كلمة عن موضوعها .

 لقد قلنا بأن المؤلف اختار بطلة الأقصوصة من وسط منحط غاية الانحطاط، فهي لا تعدو أن تكون عاهرة من أولئك العاهرات اللواتي يزخر بهن المجتمع، غير أنه جعلها وسيلة لتصوير أنواع الآلام والاضطهاد والإرهاق الذي يقاسيه هذا الصنف من النساء، فكشف لنا بأن هذه العاهرة التي يحتقرها أكثر الناس إنسانية بكل معنى الكلمة : إنسانية لها مشاعر وعواطف وحياة مستقلة مثل باقي الناس، وجعلنا نشعر بل نثور بعد الانتهاء من الأقصوصة على هذا المصير المحزن الذي ينتظر هذه المخلوقة البريئة التي تتحمل من الاضطهاد ما يقشعر له جسد كل إنسان » رفضت مرة . كانت صغيرة آنذاك أن تسمح لأحدهم الاتصال بها . لم تدر لماذا لعلها كانت تحسب نفسها آدمية . كان عملاقا سكران منتفخ الأوداج . رفسها ولكمها في بطنها حتى أوشك أن يخرقها . ثم جرها من شعرها الأشقر القصير وخرج بها وهي تصرخ إلى صالة الدار ليرميها أمام القوادة . منعت عنها الأكل والشرب ثلاثة أيام كادت تموت جوعا وحبستها في غرفة جرداء دون سرير ولا أي غطاء في شتاء قارس يأكل برده الجلد « .

 هذا الوصف قد يقابله بعض المترفين الذين لا يريدون تغيير الأوضاع بعدم الاكتراث وقد يكون مبررا في نظر الذين يعتقدون بان العالم مخلوق على هذا الشكل ولا فائدة ترجى من محاولة تغييره، أما الذين يؤمنون بإمكانية تحرير الإنسان ورقيه وبأن مصير الإنسان بين يديه، فلا يسعهم إلا أن يتألموا ويستشعروا هذا الظلم البشري الذي يجري من حولنا كل يوم، وهكذا فالمؤلف لم يحلق في الخيال نحو عالم مثالي ولم ينطو على نفسه لكي يجتر عواطفه الموهومة ولم يقدم لنا تقريرا صحفيا عن الواقع كما يفعل أكثر قصاصينا، بل اختار موضوعه من المجتمع الذي يعيش فيه، واستطاع أن يخلق من هذا الموضوع أثرا فنيا بكل معنى الكلمة، وأن يسبغ على هذا الموضوع إنسانية قوية واستطاع أن يصور لنا مشكلة لا يزال يندى لها جبين الإنسانية خجلا، بل جعلنا نحس اننا برضانا الضمني عن مثل هذا الموضوع وعدم العمل على إصلاحه مسؤولون إلى حد كبير عن استشهاد سليمة البطيء وعن آلامها التي لا تنقطع، فهو قد التزم موقفه كانسان يعيش في هذا المجتمع ويهتم بمشاكل عصره، وهنا يجب أن نسير إلى نقطة مهمة هي من أخص مميزات القصة القصيرة، وهي أن الكاتب قد صور لنا هذه المشكلة دون أن يلقي علينا موعظة في العدالة الإنسانية و يبالغ في وصف حوادث خيالية لكي يؤلمنا ويثير اشمئزازنا، بل هو قد أناط استخلاص الدلالة التي ترمي اليها الأقصوصة بالقارئ، وبدرجة عقليته وثقافته وهذه صفة جوهرية في فن الأقصوصة، أي أن على القارئ أن » يسحب « المعنى الذي يقصده المؤلف والذي لا يكون موضحا في أقصوصته بصورة مباشرة . فالأقصوصة تدعو القارئ إلى أن » يقرأ بين السطور « حقا انها يمكن أن توحي بشيء معين، غير أن هذا الإيحاء في هذه الحالة موجه إلى ما وراء الأقصوصة نفسها وهي ليست سوى عذر فقط .

 وأخيرا فإن كل هذا الحديث لا يعني بأن أقصوصة » العيون الخضر « قد بلغت الكمال، أو قد وصلت إلى مصاف الأقاصيص العالمية، كلا بل كل ما أردنا قوله هو أن هذه الأقصوصة لها امتياز كبير على كثير من الأقاصيص التي تطلع علينا كل يوم، وذلك من حيث استكمالها لعناصر الأقصوصة ومن حيث قوة شخصياتها وإنسانية موضوعها، وانها من الأقاصيص القلائل التي تستحق الحديث عنها، ولكن هذا لا يمنع من أن نقول لمؤلفها بأن الطريق أمامه لا تزال طويلة شاقة من أجل الحصول على الكمال الفني في الأقصوصة والصعود إلى مستوى الأقاصيص العالمية، وان الأمر لا يزال يحتاج إلى جهد متواصل في سبيل بلوغ هذه الغاية .

 هناك شخصيات قصصية تعيش » عبر « المؤلف، ويخيل الينا أن سليمة واحدة من هذه الشخصيات، فالقارئ لا يستغرب إذا ما ركب قطارا في الدرجة الثالثة من بغداد إلى بعقوبة أن يراها جالسة أمامه، بل على العكس يتوقع أن يراها » بعينيها ذات الأهداب السوداء الطويلة وقد أغرقها حزن موجع فتبللت أطرافها بدموع لامعة « » ووجهها الشاحب الذي يزيد من شحوبة سواد عباءتها الرقيقة ووجنتيها الغائرتين اللتين كونت عظامهما البارزة ظلين صغيرين على خدودها الصقيلة « . ولعلنا نشعر ـ ونحن في بعقوبة ـ كلما مر قطار نحو كركوك وهو » يشق طريقه مندسا في طيات الظلام الناعمة مندفعا نحو أفق بعيد مجهول « أنه يحمل في إحدى عرباته من الدرجة الثالثة سليمة تلك العاهرة الحزينة المحبوبة التي ظلمها مجتمع قاس وأدانها قانون غير عادل .

 

 

 

 

 

فن القصة في العراق

 

 صفاء خلوصي

 

 لقد تأخر ظهور فن القصة في العراق عن سائر شقيقاته العربيات، لعدة أسباب منها تأخر حصوله على الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية التي جعلت اللغة الرسمية للدواوين والمدارس هي التركية ومنه أيضا بعد العراق عن البحر الأبيض المتوسط الذي يعتبر وسيلة اتصال الشرق بأوربا .

 مع ذلك كله فقد ظهرت بوادر القصة العراقية في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي حين كتب المرحوم محمود أحمد السيد أقاصيصه وأشهرها مجموعته الموسومة » في ساع من الزمن « وأعقبه المحامي أنور شاؤول الذي كتب عددا غير قليل من الأقاصيص التي عالج فيها الأوضاع الاجتماعية العراقية . ولكن هذه المعالجة لم تظهر بشكلها الجدي إلى أن ظهر القاص الاجتماعي المعروف الأستاذ ذنون أيوب فأصدر عدة مجاميع من الأقاصيص الاجتماعية كما انه مارس كتابة القصة الطويلة novel فكتب روايته المشهور »الدكتور إبراهيم « التي هي نقد لأوضاع بعض المتعلمين في العراق بأسلوب عنيف هجائي قاس . وليس الأستاذ ذنون وحده الذي مارس هذا الضرب من الأدب إذ يشاركه في ذلك الأستاذ » عبد الحق فاضل « الذي ألف قصته الاجتماعية الرائعة » مجنونان « والأستاذ جعفر الخليلي صاحب كتاب » في قرى الجن « وهي يوطوبيا من نوع ممتاز وقصة «الضائع « وأقاصيص بعنوان » عندما كنت قاضيا « و » من فوق الرابيه « و«حديث القوة « وهو يمتاز بأسلوب سهل بسيط كثيرا ما يدمج فيه بعض العبارات العامية المستساغة وممن أولعوا بجعل الحوار في القصة باللغة العامية هو القاص شاكر خصباك صاحب مجموعتي » صراع « و » عهد جديد « ومع أنه اختص بعلم الجغرافية وهو اليوم يقوم بتدريسها في المدارس الثانوية ببغداد، فهو من أمهر قصاصي العراق المعاصرين ولعل خير ما كتب حتى الآن قصته » عهد جديد « التي سميت باسمها مجموعته الثانية . وليس بوسعي أن أتصور إنسانا يقرأ هذه القصة دون أن تفيض عيناه بالدموع، فهي دموع الألم تارة ودموع الفرح أخرى وقد نجح الأستاذ خصباك في تصور المواقف الدقيقة واللمسات الخفيفة light touches ولعل هذه أقوى ما فيه من العناصر التي تجعل القصاص قصاصا بالمعنى الحقيقي، إلا أنه مع الأسف سيطرت عليه في الأيام الأخيرة فكرة مطالعة كل ما كتب من قصص عالمية قبل الإقدام على كتابة قصة جديدة لذلك كان انتاجه في السنتين الأجرتين معدوما أو يكاد يقرب من المعدوم إلا اننا نؤمل منه كل خير في القابلات من السنين والأعوام، فبالرغم من بعض نواقصه له الاستعدادات الطيبة التي يمكن أن تجعل منه يوما ما القصاص الأول في العراق فيما إذا استطاع ان يبز بعض معاصريه بغزارة الإنتاج . وإني إذ أقول » بالرغم من بعض نواقصه» فإنما أعني ميله إلى أن يجعل من القصة ما يشبه المقالة واستخفافه بفكرة حال القصة denouement  بكلمة أو كلمتين على نحو ما يفعل القاص الفرنسي جي دي موباسان مثلا، ويلاحظ المطالع القصة أنه متأثر بالقصة الروسية « ولا سيما قصص تشيخوف » أكثر من القصة الفرنسية على أن اطلاعه على مختلف القصص العالمية ومعرفته بسير القصاصين الأوربيين والأميركيين أمر لا ينكر . ومجمل القول إننا نستطيع أن نحشر الأستاذ خصباك مع القصاصين الشعبيين أمثال ذنون أيوب والخليلي، والى حد ما الأستاذ عبد المجيد لطفي . ويعتبر عبد المجيد لطفي شيخ الأقصوصة الفنية بالمفهوم الغربي فأقاصيصه تتوفر فيها كل العناصر الفنية اللازمه لتكون الأقصوصة الحديثة من عقدة plot وذروة climax وحل denouement ومع أن فيه ميلا » للشعبية « ومعالجة الأوضاع الاجتماعية الراهنة فإنه يضحي أحيانا بـ «الفكرة « من أجل الجمال الفني اذا اقتضى الحال وهو في هذا نقيض الأستاذ ذنون أيوب الذي يعتبر » الفكرة « اقدس من » الجمال الفني، وبالإضافة إلى فن القصة فقد مارس الأستاذ لطفي » الأدب المسرحي « فكتب بضع مسرحيات ممتازة أشهرها » خاتمة موسيقار « ويشاركه في هذا اللون من الأدب كل من الأخوين القصاصين سليم بطي وفؤاد بطي وكلاهما من أسرة بطي المشهورة بممارستها للأدب والصحافة في العراق خلال الثلاثين السنة الأخيرة وعلى رأسها الأستاذ الصحفي رفائيل بطي . والملاحظ أن الأستاذين سليما وفؤادا قد تأثرا بالأدب الغربي تأثرا كبيرا فصبا الموضوعات العراقية وغير العراقية، في قوالب غربية جميلة، وقد ظهر في السنوات الأخيرة قاصون آخرون أميزهم الدكتور صلاح الدين الناهي صاحب مجموعتي » أقاصيص شتى « و » تثنية الأقاصيص « وكلتا المجوعتين معالجات اجتماعية وتهكم على التقاليد والأوضاع السائدة في المجتمع العراقي . ومن هؤلاء القصاصين أيضا السيد كارنيك جورج وهو أميل إلى جماعة «الفنيين « منه إلى جماعة » الاجتماعيين « إذا جاز لنا تقسيم القصاصين العراقيين إلى هاتين المجموعتين، فهو بالإضافة إلى كونه قاصا رسام بارع، وليس هو وحده الذي جمع بين هذين الفنين، بل هو أحد ثلاثة جمعوا بين فن التصوير والقصة والاثنان الآخرون هما » نـزار سليم « الذي حاول أن يطبق بعض قواعد الموسيقى على فن سرد القصة كما في قصة » الموسيقار البولوني « وبعض قواعد التصوير الزيتي كما في قصته » اللون المقتول « التي ظهرت في الآونة الأخيرة، والآخر هو الرسام الكاريكاتوري المشهور الأستاذ حميد المحل فهو » شكسبير العامية العراقية « إذ قد الف عدة مسرحيات كوميدية تمس صميم أوضاعنا الاجتماعية وقد نجح فيها كمؤلف مسرحي وكممثل هذا بالإضافة إلى نجاحه كرسام للصور الرائعة التي يمون بها بعض الصحف السياسية العراقية، وكل واحدة منها تمثل قصة قائمة بذاتها !

 ولقد مارس كاتب هذا البحث فن الأقصوصة بدوره فألف مجموعة » نفوس مريضة « سنة 1941 وقصة طويلة بعنوان » بنت السراج « ظهرت في السنة الماضية إلى عدد من الأقاصيص العربية التي نشرت في الصحف والمجلات، والأقاصيص الإنكليزية التي نشرت في مجلة » الاسلامك ريفبو « اللندنية و» الاسلامك ليترجر « الباكستانية وأخيرا وليس آخرا ينبغي علينا أن نذكر الأستاذ خالد الدرة الا أن معظم قصصه منعت لعنفها وأشهرها » مزعل باشا وشيخان عراقيان «.

 ولئن بقيت لي كلمة أخرى أقولها فهي ان » القصة العراقية « لا يعوزها شيء اليوم سوى الطباعة العصرية وتسهيل نشرها عن طريق إقامة دور نشر بالمفهوم الأوربي الحديث فالقاص العراقي الذي يزمع على نشر مجموعة له يجب عليه أن يكون هو المؤلف وهو الطابع وهو الناشر وهو الجابي لأثمان كتبه ولعمري واحدة من هذه الواجبات العديدة تكفي لتبهض كاهله فكيف بها جميعا ؟ لذلك قد كسرت سوق القصة العراقية لا لنقص في المعالجة أو في الأسلوب الفني بل لرداءة الورق والطبع وسوء التوزيع .

 وإني معتقد بأن بعض ما كتبه القصاصون العراقيون المعاصرون خالد لا يموت وأنه سيأتي يوم تبعث فيه بعض هذه الآثار من مرقدها وتطبع طباعة جيدة وتنقد نقدا فنيا يخلق لها سوقا رائجة، أوسع نطاقا من السوق الضيقة التي تجد نفسها فيها اليوم .

 هذه هي الأسباب التي تجعل » القصة « تبدو متأخرة عن ضروب الأدب الأخرى كالشعر مثلا، وهناك أسباب ثانوية تساهم في تركيز مفعول هذه العوامل ومنها عدم التناصر والتضافر بين القصاصين أنفسهم فبعضهم يقلل من شأن البعض الآخر دون أن يسعوا جميعا لرفع شأن القصة ومقامها كفن بصورة عامة . ومنها أيضا عدم وجود نقاد علميين يتناولون الإنتاج القصصي ببضع النقد الحكيم فيحللونه ويبنون مواطن الجمال فيه بالإضافة إلى مواطن الضعف . أما ما يحصل الآن ـ والأجدر بي أن أقول ما كان يحصل قبل سنوات لأن النقد الأدبي حتى بمفهومه الهجومي العنيف قد مات ـ فهو أن يتناول الناقد القصة » ويضخم « مواطن القبح فيها ويعرضها كصورة كاريكاتورية تثير السخرية بالمؤلف لا الإعجاب بقابلية الناقد الأدبية، ثم هو لا يتحرج أو يتاثم من شتمه وذكر مثالبه ومثالب أسرته لماذا ؟ لأن القاص المسكين تجشم عناء إصدار مجموعة قصصية فكأنه بذلك كتب دعوة صريحه للناس ليبحثوا عن مساوئه القديمة والجديدة الحقيقية والموهومة، لعرضها على الناس بمناسبة ظهور مجموعته التي تكون شؤما عليه بدلا من أن تجلب له بعض التشجيع لاستئناف السير في الطريق الوعر المحفوف بالشوك والقتاد .

 

  

 

 رأيي في مؤلفاتي

 

                                                                             ذو النون أيوب

 

 ما أخطأتم عندما ذكرتم في رسالتكم أن السؤال لا يخلو من إحراج، بل والأصوب أن تقولوا بأنه محرج كل الإحراج . فما عسى أن يقول كاتب عن كتبه وآثاره ؟ أيتواضع فيقول إنها لا شيء أم يتجج فيدعي أنها كل شيء ؟ وتسألني أيها الأستاذ عن كتبي، لدي كتب حقا ؟لا ريب في أني قد نشرت ما يقارب الاثنتي عشرة مجموعة من الأقاصيص بعضها يضم ست أقاصيص وبعضها عشرا، وقصتين طويلتين يمكن أن تسميهما كتيبين ونشرت غير ذلك عددا كبيرا من المقالات والآراء في مختلف المجلات والصحف قد تكون كتابا محترما، حجما، لو جمعت . فما عسى أن أقول عن كل هذا عندما اسأل هذا السؤال ؟ الحيرة لا تجدي ولا مناص من الجواب . على أن كل ذلك لا يمنعني من أن أتوخى الصدق في الجواب، شأني في كل بحث أسطره، أو قصة أضعها، أو جواب على سؤال . ولنبدأ بالحافز الذي دفعني إلى الكتابة، فأقول إنه دافع اجتماعي بحت . واليك قصة تورطي بانخراطي في زمرة الكتاب . لقد كانت المواضيع العلمية تستهويني في دراستي المدرسية، وهذا ما دفعني إلى تدريس الرياضيات العالية في دراستي العالية، ولكنني كنت بنفس الوقت مولعا بالأدب، وبقسم القصة خاصة، فكانت قراءة الكتب الأدبية والقصصية كل ما يشغل وقت فراغي من يوم أن تعلمت القراءة والكتابة باللغتين العربية والإنكليزية . ولقد كنت كثير الملاحظة والانتقاد لكل ما يمر ببعض الجهات الحكومية اصطداما نبهني، بل أيقظني، وأقنعني أن الكثير من المتناقضات في المجتمع وفي منطق رجال الحكم يرجع إلى عوامل جذرية تكاد تنظم كل نواحي الحياة عندنا، فأثارني ذلك وأوجد فيّ الرغبة في التعبير عن هذة الثورة ووجدتني فجأة وبصورة غير اختيارية تقريبا أعبر عن آرائي وخلاصة تجاربي وانتقاداتي في كتيبات رخيصة الثمن، سهلة التداول، قريبة إلى الإفهام، فيها ما يغري على القراءة، وهكذا كان من الطبيعي أن أسجل انفعالاتي وانطباعاتي وتمنياتي وآرائي بأسلوب قصصي فيه متعة وفائدة، وهذه الأقاصيص لا تتناول أفرادا بل نماذج وحالات عامة .

 وكان شعاري في كل ذلك الصدق، أولا، إلى حد التعرض للخطر، والأمانة، ثانيا، إلى درجة أن توهم بعض الناس أن المقصود بما اكتب أشخاص معينون بالذات، حتى استعار بعضهم أسماء قسم من شخصيات قصصي فأطلقوها على أناس متنفذين معروفين، فجعلوني محط نقمتهم . والبساطة والوضوح، ثالثا، إلى حد التأثير العميق في نفوس عدد لا يستهان به من القراء، بل في نفوس كل من قرأها تقريبا، ولست أتبجح إذ أقول إن إن رائدي كان، وما زال، حسن النية والشعور بالواجب كفرد يعيش في مجتمع . فما استفدت مما كتبت، لا مالاـ هذا إذا لم أقل بأني خسرت بسببها مالا ـ ولا مركزا، لأن السلطات صارت تنظر إليّ بحذر شديد، مما جعلني في مؤخرة أقراني ورفاقي في الخدمة . أما المتاعب فحدث ولا حرج، وتوجت هذه المتاعب بالضجة التي أثيرت حولي .

 فقد قال أناس : هذا رجل يقحم نفسه في غير اختصاصه، وقال آخرون هدام ماهر يعرف كيف يتجنب الخطر، وقال البعض وصولي يطلب الشهرة، وأخيرا توهم بعض السذج من المتأدبين بأني اتبوأ عرشا، فأرادوا أن ينـزلوني عنه . فاستعان بعضهم بالشتم والسباب، والتجأ آخرون إلى التفلسف والتحذلق والدعاوى الطويلة، ووجد قسم منهم ضالته بالنقد المستمد من مبادئ بعض الاتجاهات المنحرفة في الفنون الحديثة . إن بعض هؤلاء النقاد يقيسون فنون الأدب بمقياس فنون التصوير والموسيقى، ناسين أن للأدب مجالات أوسع لأنه لغة المنطق والعقل والفكر، فإذا ما ولد الأدب فكرة عند القارئ فلأن ذلك من ميزاته، وإذا ما وجد فيه موضوع فلأن ذلك من حسناته . وقد غالى بعض هؤلاء النقاد إلى حد أن حتموا على الأديب الخلو من الاتجاه السياسي، ناسين أن الأديب بل والمصور والنحات والموسيقار أيضا يتكامل بتكامل ثقافته، وأن من أهم نقائص المثقف في الوقت الحاضر، وفي كل حين، ألا يعلم أين يسير هذا العالم الذي هو أحد أفراده، ولا يدري ما يضر الدنيا وما يفيدها، فتراه يتجاهل فلسفة المبادئ والمذاهب السياسية، بدعوى الترفع والسمع . لقد ذكر سلامه موسى في جواب على استفتاء نشر في هذه المجلة، أن الأديب لا يكون إنسانا إذا لم يكن اشتراكيا، فتعجب ناقد معروف من هذا إعجابا كبيرا، تعجب أن يقول ذلك كاتب كبير كسلامه موسى، أما أنا فأتعجب ألا يقول ذلك رجل كسلامة موسى، ما دام يسمى كاتبا كبيرا إن الفنان غير الموجه لا يساوي أكثر من منظر عابر خال من الحكمة والعقل، وإن المعاني وما تستهدفه من سمو هو ما يخلّد الفنان . إن الأساليب تتغير وتفنى، ولكن الآراء الصائبة هي الأحجار في بناء الحضارة في العالم . والفنان الذي غايته المتعة المجردة والتسلية الفجة، لا يختلف كثيرا عن مرقص قرد أو دب . وأحب أن أذكر بأني أتمنى أن أكون من زمرة الفنانين الواعين، وإني لسائر على الطريق بقدر ما تستطيع حملي قدماي . ولكني لن ابتعد عن فهم الجمهور بقصد التعالي والخلود، ولا أريد أن آسف في التعبير إلى حد الوقوع في فوضى اللغة العامية بدعوى التصوير الصادق والتجدد . ولا أجمع بين هذين النقيضين بدعوى اتباع أحدث الأساليب في الكتابة . لست إلا عنصرا في مجتمع مناضل على قدر طاقته، في سبيل حياة أفضل، بالأسلوب الذي يحسنه ويشهد الله أني لا أروم شهرة أو خلودا،وانما الأعمال بالنيات والسلام .

 

 

 

 

القصة العراقية ومجموعة » حصيد الرحى«

 

 

 عبد المجيد الونداوي

 

 تعودنا أن ننظر إلى أدباء الأبراج العاجية وأدب هذه » الأبراج « نظرة عدم الرضا وعدم الثقة، واعتدنا أن نصف كل نوع من الأدب الخيالي البعيد عن الواقع بهذه الصفة، وكأن الأديب الذي يكتب بعيدا عن الناس وعن الحياة وعن الواقع في نظرنا أديب مختلق، وما يكتبه من نوع الأدب المفتعل الذي يستحق الإهمال إن لم يستحق المحاربة والمكافحة .

 وقد قويت الدعوة إلى هذه الفكرة، فكرة » الأدب للحياة « بعد أن أصبحت الحياة فعلا تتكون من عناصر نضال الإنسان في سبيل التقدم والتحرر من العبودية والاستغلال، أصبحت الحياة فعلا هي هذه في مختلف أنحاء العالم، وأصبح الأدب الذي لا يتصل بها أدبا مفتعلا لا يوثق، وأصبح الأديب الذي يحترم نفسه لا يكتب إلا عن حياة الناس، عن آمالهم ومشاكلهم وأهدافهم وعن حركة الحياة وعناصر تلك الحركة والقوى التي تؤثر فيها وتوجهها، في أي فن من فنون الآداب كانت كتاباته شعرا أو نثرا أو قصة او مقالة أو تاريخا .

 وهناك أدباء كثيرون يحترمون أنفسهم ولذلك فإنهم لا يلجأون إلى » الأبراج العاجية « وانما يكتبون عن الحياة وعن الناس، ولكن الذي يؤسف له بالنسبة للأدب العراقي بصفة خاصة أن هؤلاء الأدباء المحترمين قليلا ما ينظرون إلى محيطهم الخاص والى بيئتهم والى ما يدور حولهم والى واقع حياتهم لتكون لهم مادة » واقعية « للكتابة، بل هم يكتفون بالصور العامة والمعاني الشائعة في الحياة، ويكتفون بعد هذا بقراءة الأدب العالمي لينسجوا على منواله من الخيال والسماع وقراءة الصحف ودون أن يكونوا هم أنفسهم على تماس حقيقي بالحياة . وفي الوقت الذي تعم فيه بعض مظاهر الحياة الواقعية وتشيع، يلجأ هؤلاء الأدباء إلى تلك المظاهر ليصوغوا منها أدبهم وهم يستريحون إلى أن يقال عنهم إنهم يكتبون عن » الواقع « كما يكتب المؤرخ عن عصر بعيد عنه وإن كان يفهم الحياة فيه تمام الفهم . ولعل أبرز المواضيع الواقعية التي يطرقها الأدباء الآن هو موضوع الطبقات الفقيرة وكفاحها في سبيل العيش وأحاسيسها تجاه الظلم الاقتصادي والاجتماعي والحرمان من حرية التعبير وما تقابل به من كبت واضطهاد في سعيها الهادر نحو الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي . ولو اقتصر الأمر في هذا الموضوع على الدراسة العلمية لأمكن للمرء أن يكتب عنه وهو في مكتبه مستعينا بثقافته ودراساته ومعلوماته، ولكن الأمر عندما ينتقل إلى الأدب والفن وتصوير الحياة ـ وهي حياة أكثرية الشعب بالطبع ـ وصبها في قالب فني واضح لإبرازها للقارئ على شكل قصيدة أو قصة أو مقالة أو صورة قلمية، عندئذ تبدو ضحالة القيمة الفنية لهذا الإنتاج، ما لم يكن الأديب قد انتزع أفكاره وصوره من محيطه وما يدور حوله وما اندمج فيه وشارك بأحاسيسه فيه من مظاهر الحياة التي يكتب عنها .

 إن الأدباء الذين كتبوا في العراق عن حياة الناس وواقع أحاسيسهم وتفكيرهم عن خبرة حقيقية مع الأسف قلة لا تكاد تذكر، وهنا تبرز قيمة الإنتاج الأدبي المنتزع من صميم حياة المجتمع العراقي لا عن طريق الدراسة والثقافة المقروءة أو المسموعة، بل عن طريق انتزاع الصور من منابعها الحقيقية . إنني أعرف أدباء تحفل حياتهم الخاصة والعامة بعدد كبير من الصور الرائعة للمجتمع العراقي، وأعرف أدباء يدور حولهم واقع محسوس لكثير من المشاكل ونواحي الحياة التي تستحق الكتابة، وقد رأيت هؤلاء الأدباء يتركون ذلك الواقع إلى مجرد الكتابة عن المواضيع المطروقة مما يعتبر من أدب الحياة، ومنهم من يكتب قصة أو ينظم قصيدة فتجد أن الصور التي في إنتاجه مما لا علاقة له بحياته ومحيطه وما يدور حوله مما يعتبر أكثر ثراء بالصور الواقعية التي تستحق الكتابة، بل ان هناك أدباء يهربون من الحياة فيحصرون يومهم في محيط ضيق انعزالي أو شبه انعزالي ويبعدون أنفسهم عن العمل » الصاخب « الذي يمس الحياة إلى أعمال » هادئة « بدعوى الانصراف إلى الإنتاج الأدبي، وهم إنما يجنون على أدبهم جناية كبرى بأبعاد مادة الحياة الواقعية عن متناول إحساسهم، ويكتفون كما ذكرت بالدراسة والثقافة التي لا تعطي لإنتاجهم روحا واقعية على الإطلاق

 لقد كان ما ذكرته في هذه المقدمة يدور في ذهني على الدوام عندما التقي بأدباء تقدميين يهربون من الحياة إلى زوايا » الهدوء « ليكتبوا أدبا » تقدميا « فافتقد في أدبهم الروح والأحاسيس الإنسانية، وقد عرفت مؤلف مجموعة » حصيد الرحى « غائب طعمه فرمان منذ زمن وزاملته في العمل ولا أريد أن أصف فيه مزايا قد تكون موجودة فيه وقد أبالغ أنا في وصفها، ولكن الواقع الذي لمسته ويستطيع ان يلمسه معارفه والمتصلون به أنه يلتزم في أكثر ما يكتب وما ينتج من أدب الواقع، ويحاول أن ينتزع أفكاره من محيطه وما يدور حوله، ولذلك كان إنتاجه الأدبي يتميز على الدوام بغزارة الصور الواقعية، ويحس القارئ بالروح الحية تسري فيه بوضوح . ومهما كانت في كتاباته من نواقص فإن هذه الصفة تجعل لإنتاجه الأدبي قيمة واقعية لا يستهان بها .

 وبالرغم من أن مجموعة غائب التي أنتجها مؤخرا بعنوان » حصيد الرحى « لا تجمع ما يمثل أدبه كله، فله قصص أخرى تختلف عن القصص التي ضمتها هذه المجموعة، وله مقالات أثرت فيّ أنا شخصيا بما فيها من صور منتزعة من الواقع، بالرغم من هذا فإن القاري يستطيع أن يلمس بوضوح روح الحياة الشعبية على حقيقتها في قصص هذه المجموعة . أن هذا لا يمنعني من الإشارة إلى ما أقحم إقحاما في تلك الصور من أمور تنقصها الواقعية، ولكن نسيج القصص نفسها تنتزع من حياة دارت وقائعها في محيط كاتبها وحوله وأمام عينيه، وإذا استثنينا قصة » موت أمل « التي تعتبر من النوع «المتصور « لما تدور حوله من أحاسيس نفسية في شخص لا يمكن ان يكتب عنه الأديب عن مشاهدة أو اختبار وإنما عن تصور مجرد، إذا استثنينا هذه القصة نجد القصص الأخرى مبسوطة على رقعة الشارع الذي نعرفه ونشاهد فيه مظاهر الحياة العراقية ونشارك فيها .

 ولابد لي هنا من أن أشير إلى ما تناوله البعض من انتقاد لحوار قصص المجموعة فانا أختلف مع هؤلاء في وجوب كتابة الحوار كله بالعامية، وإن كنت أوافقهم على ضرورة التجانس بين ما ينقل في الحوار فإما أن يكون كله عاميا أو لا يكون، فإن النقص الوحيد الذي تؤخذ عليه قصص غائب في هذه الناحية هو إقحامه بعض الأفكار على أشخاص قصصه لمجرد سوقهم نحو الهدف الذي يريده، إن هذا الأمر أثر كثيرا في الجو الواقعي الذي تميزت به قصص المجموعة، ولم يكن له من مبرر، فإن تصوير بطالة العامل مثلا يكفي لنقد وضعه الاجتماعي، وليس هناك من موجب لوضع خطب رنانة على لسانه في هذه الحالة، كما أن بساطة تفكير » عباس عجمي « ووضعه الاجتماعي لا تتيحان له قابلية التحليل السياسي الذي أدلى به في فقرة من فقرات قصة » بيت الخنافس «.

 ولقد توخيت في كلمتي هذه عن قصص » حصيد الرحى « أن أتناوله من ناحية واحدة هي واقعية القصص والروح الحية السارية فيها المنتزعة من محيط أشخاص القصة ومن محيط الكاتب نفسه، وهذا ما يدفعني إلى ذكر الأوصاف المنسقة التي مشت خلال القصة في تصوير محيطها، وهذا الأسلوب الذي أعتقد ان غائبا قد نجح فيه كثيرا أكان من الممكن أن يتكامل بربط الأوصاف ببعضها وإزالة ما يحسه القارئ من الاقتضاب فيها والانتقال المفاجئ من وصف إلى وصف .

 ومع هذه النواقص وغيرها من قصص » حصيد الرحى « فإنني أستطيع أن أقول بلا تردد إن هذه القصص تعتبر في طلائع القصة الواقعية الموجهة في الأدب العراقي، وإذا كان كاتب القصة يرى أنها لقطات سريعة يدخل فيها عنصر الكتابة الصحيفة فإن فيها قصة » صورة « التي تكاد تخلو من النواقص التي ذكرها، كما أن القصة الأخيرة «مزرعة الحقد « تعتبر نموذجا حيا للأدب العراقي الموجه، ولا سيما في قسمها الأول الذي يمتاز بالأسلوب الوصفي الواقعي الذي ذكرته في مجموعة غائب .

 حصيد الرحى

 محمد روزنامجي

 

 عندما بدأت أقرأ هذه المجموعة من » الأقاصيص « نفضت عن ذهني كل ما قيل عنها، وعلق عليها . وقرأتها مرتين، ووقفت كثيرا عند مقدمتها، باعتبار أن تلك المقدمة تفصح كثيرا عن مغزى هذه المجموعة من الأقاصيص، وباعتبار أن الأستاذ غائب طعمة فرمان يحاول في تلك المقدمة أن يعتذر عما جاء في مجموعته من نقل خاطف، وباعتبار أنه يشير فيها إلى » الرجوع إلى البيئة العراقية لاستخلاص مادة الأدب منها، والتعبير عن الشخصية العراقية بكل ما يحيط بها من ظروف « .

 فالمؤلف إذن يدعو في أدبه إلى الواقعية الحديثة، التي بدأت تلون الأدب، ليس أدبنا فحسب وانما أدب العالم .

 وقد خرجت من قراءاتي لهذه الأقاصيص وفي ذهني شيء عن الواقعية الحديثة وعن معنى هذه الواقعية .

 فمادة الأدب في رأيي، وليس هذا شيئا جديدا، هي الحياة بكل ما تزخر به أحداثها، مشاكلها، أزماتها . والأديب الذي لا يستمد مادته من الحياة من الإنسان، يعبر عن ذلك كما يراه ويحسه . فلا يستطيع أديب ما أن يكتب عن الحياة، عن الإنسان، مشاكل الإنسان، دون أن يرى ذلك، ودون أن يحس إحساسا عميقا بتلك المشاكل . وأي أديب يكتب عن أمر ما، مشكلة ما، أزمة ما دون أن يرى ذلك الأمر أو تلك المشكلة أو تلك الأزمة ويحس بكل ذلك، وينفعل بكل ذلك، ثم يمكننا أن نقول أنه يعبر عن الحياة، وأن أدبه حياتي ؟ !

إن التعبير عن الحياة يجب أن يكون بعد تجربة . والتجربة هي التي تبين صدق الأديب وصدق أدبه، والتجربة لا يمكن أن تتم سماعا، أو قراءة، وإنما بعد رؤية وإحساس وشعور . إن كل تجربة للأديب تخفى وراءها ـ موقفا ـ خاصا له بالنسبة للحياة ومشاكلها وبالنسبة للإنسان وأزماته .

 إن الواقعية الحديثة في الأدب لا يمكن أن تنقل من الكتب أو مجرد السماع، لكن الواقعية يجب أن تستمد من الحياة، الحياة ذاتها، والأديب الذي يستمد مادة أدبه من الحياة، من واقع الحياة، الفن، والتعبير الفني، ولكنه يحاول أن يصب تلك المادة » الخام « حياة للناس، لا ينقل مادته تلك نقلا فوتوغرافيا وإلا انعدم في قالب أو شكل، يبدو فيه أثر الخلق وأثر الإبداع فلو أن الأدب مجرد نقل بسيط للحياة وأحداثها لأصبح كلام الناس أدبا من صميم الأدب .

 وقد وجدت أن التعبير الفني، أو الأداء، أو الشكل يكاد يكون مهملا في هذه المجموعة من الأقاصيص، بالرغم من اعتذار المؤلف في مقدمته من أن ظروف الصحافة عندنا لا تترك للصحفي إلا مجالا ضيقا للتفكير خارج واجباته الصحفية لا يفي بمستلزمات التصوير الأدبي الدقيق الذي يحتاج إلى تأن وروية، فلا يمكن أن نكتب أدبا ونحاول نشره على الناس ثم نعتذر عما فيه من إهمال للشكل أو المضمون لظروف مهما تكن تلك الظروف .

 واعترف أن مكسيم غوركي كان الكاتب الواقعي الممتاز الذي أثر في كثير باعتبار أنه كان يعبر عن الحياة الروسية تعبيرا عميقا تبدو فيه آثار التجربة والإحساس العميق، وباعتبار أنه كان يعبر عن النفسية الروسية التعبير الصادق .

 وأتذكر أن قصة للكاتب الروسي الكسي تولستوى وهي قصة » الخلق الروسي» وهي من الأدب السوفيتي الحديث أثارت في الإحساس الممزق بالسلام أكثر مما تثيره قصة تكرر فيها كلمة السلام من أولها إلى آخرها . لكن مؤلف » حصيد الرحى « جمع صورا وملامح وأمكنة عراقية، على اختلاف ألوانها، أي قد نجد في مجموعته مضمونا أو موضوعا، ولكنه إهمال الشكل الذي يجب أن يواكب المضمون أو الموضوع .

 إن العمل الفني الناجح يجب أن يتضمن عنصرين : العنصر الأول هو الشكل أو الأداء الفني الرفيع . والأمر الثاني هو المضمون، أو الموضوع، الإنساني وكل عمل لا يحتوي على هذين العنصرين لا يمكن أن يعتبر عملا فنيا ناجحا .

 ان العمل الأدبي عملية خلق . وكل » خلق « يجب ان تتوفر فيه أسباب الحياة، وإلا كان خلقا مشوها لا يمكن أن يعيش .

 

  

 

 

نشـيد الأرض

 

 فـؤاد التكرلي

 

 كثر الحديث في هذه الأيام عن أقاصيص يضعها بعض الكتاب في العراق . ومع أن أحد المتحدثين لم يقدم لنا سببا معقولا لحديثه هذا، فالظاهر ان الدافع الأساسي هو تهجسهم بأن في القصة العراقية نواحي من التعبير قد تجعلها تتبوأ مركزا ما في عالم الأدب.

 غير أن هذه الدعوة تحتاج إلي أدلة لم تتوفر بعد، ولا زلت أعتقد أن جل من تطرق إلي هذا الموضوع قد تلبسته فكرة تشجيع الكتاب وعدم القسوة عليهم . وقد سبق لي أن أبديت مرة أننا لا يمكن أن نعتبر الإنتاج القصصي العالمي ملغيا لأدباء عاشوا في العراق قبل نيف وعشرين عاما لا غير، وأنه لا يمكن إعطاء قيمة فنية أو أدبية لمحاولات لا ميزة لها سوى السبق الزمني، بل ان البحث في القصة العراقية يجب أن يبدأ كما اعتقد بالمحاولات الناجحة فنيا . إذ ان من التعسف أن نرى السلسلة المتطورة للقصة العراقية تربط بين أقصوصة » باداي الفايز « وبين » الرجل الصغير « ! وبهذا المقياس تظهر لنا القصة العراقية أحدث ميلادا مما حسب الكثيرون . ولعل ذنون أيوب يكون الرائد الأول في إحدى أقاصيصه التي لا يعيرها هو نفسه أهمية ما . وما كان فلتات قليلة عارضة من ذنون أيوب ونـزار سليم، كان بالنسبة لعبد الملك نوري غاية وحيدة حاول جهده أن يبلغها . فعلى جميع أعماله مسحة ظاهرة لا يمكن أن تنكر، هي هذا الجهد في سبيل غاية فنية . وقيمة عبد الملك نوري تكمن في هذه الحقيقة، وهي قيمة غير قليلة بالنسبة للقصة العراقية ومن يبحث فيها .

 والتفكير في إعطاء إنتاج عبد الملك قيمة مطلقة ـ وهو غاية كلمتي هذه ـ يقودنا إلي البدء بذكر حقيقة غفل عنها البعض، وهي أن المقاييس القصصية الفنية يجب أن تستمد من الآداب الأجنبية الغربية . ذلك أن الأدب العربي لم يعرف القصة كما هي عليه في الآداب الفرنسية والإنكليزية والروسية وغيرها .

 وما دمنا لا نكتب مقامات، وإنما نحاول أن نضع أقاصيص حديثة، فالمقاييس المطبقة يجب أن تستمد من الخارج . وليس في هذا أي ضيم علينا . فالمعترف به دائما أن » القوالب الفنية « مشاعة للجميع وهي غير التقليد قطعا. فلم يعب ناقد على القصة الروسية في القرن التاسع عشر أنها لم تخلق قيما شكلية فنية جديدة، وإنما انحنى الجميع لها لأن الكتاب الروسي كانوا من العبقرية والتمكن بحيث خلقوا قصصا روسية أصيلة لم يعرف العالم من قبل مثيلا لها .

 ومن يعلم أنه في بداية الطريق، يجب أن ينظر بتواضع إلي تجارب بدأت منذ أجيال، بدأ بها مؤلفون أفذاذ وصلوا إلي مراحل معينة، أتمها مؤلفون أفذاذ غيرهم .وليس من الحكمة أن يأتي عراقي قبل سنوات ليقول إنه يضرب القيم الفنية للقصة الغربية عرض الحائط وأنه سيشيد » عرائس فكر « من العدم ! إذ لو تعمقنا في دراسة المحاولات الفنية للقصة في الغرب حتى الوقت الحاضر لما أمكن أن نصدر حكم الإلغاء هذا عليها ولكنا على حذر شديد قبل أن نبدأ فنمسك بالقلم . ذلك ان كتاب القصة في العراق لم يملكوا بعد الشخصية الفنية الأصيلة التي تبيح لهم تبديل القيم أو تعديلها .

 ولعل هذا التجاوز على القيم وهذا الاعتداد الفارغ مصدره جهل كبير بأصول الفن القصصي وبآراء النقاد العالميين الذين يوجهون الكتاب الوجهة الفنية الصحيحة، أو لعله عدم فهم لهذه الأصول والآراء النقدية . وفي اعتقادي أن النقاد في البلاد العربية يسيئون بنقدهم إلي القصصيين إساءة بليغة . فليس نقد مجموعة قصصية هو الحكم على كل أقصوصة حكما غامضا هو أقرب إلي وصفها أو على الأصح وصف أثرها في نفس الناقد، وإنما النقد ـ حسب ما أفهمه ـ بعيد عن هذا بعدا كبيرا . وقد لاحظت أن ناقدين « معروفين » كتبا قبل أشهر عن مجموعة « مجرمون طيبون » لمهدي عيس الصقر، فتناولا كل أقصوصته بمردها ولخصاها حسبما يتيح المقام ثم أصدرا أحكاما اعتباطية غير مسببة، فهذه القصة قوية وتلك الأقاصيص ضعيفة، وهذه الأقصوصة إنسانية حلوة وتلك القصة رفيعة فيما تهدف إليه من مغزى اجتماعي، ولم يخبرنا الناقدان ما هو مظاهر قوة الأقصوصة أو ضعفها ؟ وكيف تكون الأقصوصة حلوة أو رفيعة ؟

 وفي اعتقادي أن الناقدين المذكورين لم يعطيا فكرة واضحة للمؤلف ـ والقارئ من باب أولى ـ عن شخصية القصصية وقيمة محاولاته بمجموعها . أي أنهما لم يقوّما أقاصيصه تقويما مطلقا غير نسبي، واعتقد أنهما سلكا طريقا خاطئا سريعا في نقد هذه المجموعة، ذلك أن الأقصوصة ـ وحتى مجموعة من الأقاصيص ـ لا تمثل إلا تطورا محددا من شخصية الكاتب . فإذا انصب اهتمام الناقد على نفس الأقاصيص دون تعمق العنصر الدينامي الخلاق الذي أوجدها، كان حكمة نسبيا شخصيا، أما إذا نظر الناقد إلي الأقاصيص كظواهر تبرز بعض نواحي شخصية الكاتب القصصية أمكن أن يصدر أحكاما ثابتة نترك المجال أمام إمكانيات الكاتب للتطور، وهذا ما سأجربه بالنسبة لمجموعة » نشيد الأرض « لعبد الملك نوري .

 ويخيل إليّ أنني يجب أن أبدأ فأبين ماهية الشخصية القصصية التي أرمي إليها . وهي في الحقيقة ليست مجموع إنتاج الكاتب، إذ أن وراء هذه السلسلة من الأقاصيص تكمن شخصية فنية لها طرائق خاصة تختارها بوعي وانتباه، ولها شبه خبرة أو عادة في انتفاء نوع معين من الحوادث أو الشخصيات ولها أحيانا لغة أو كلمات تميل إليها أكثر من غيرها، ولها ـ قبل كل شيء ـ سبيل مخصوص جدا في التعبير عن حياة الإنسان الذي تكمن فيه . وقد تتضخم هذه الشخصية وتتسع وتتعدد وجوهها بصورة يعجز أكبر النقاد عن استيعابها . وشخصية مثل شخصية عبد الملك نوري القصصية ـ وهي مجموعة » نشيد الأرض محصورة في نطاق زمني لا يتعدى السنوات الخمس ـ رغم خصبها بالنسبة لكتاب القصة عندنا، يمكن الكشف عنها إذا بحثنا ثلاث نقاط جوهرية :

 1 ـ العقدة 2 ـ رسم الشخصيات 3 ـ الإنسان والعالم .

 ويجب أن نؤكد قبل البدء ببحث هذه النقاط، ان شخصية عبد الملك القصصية ليست هي عبد الملك نوري الفرد العراقي الذي لاقى كذا كذا في حياته وقرأ كذا كذا من الكتب، إذ أن هذا متروك لمن يؤرخ له ويتبع مصادر ثقافته والاتجاهات الفكرية التي أثرت عليه . أما هنا فلدي شخصية فنية ضمن زمن محدد، أنتجت هذه الأقاصيص السبع التي تجمعها صفات خاصة كوّنت نواة كلمتي .

 أما في القسم الأخير » الإنسان والعالم « فقد توسعت بحذر توسعا يقتضيه الموضوع وصبغته الفكرية، وكل ما ذكرته فيه معلوم لمن يتصل بالمؤلف أو يعرف عنه شيئا.

 العقدة القصصية :

 هذه الكلمة بالنسبة لبعض كتاّب الأقصوصة تعتبر شيئا مهملا بصورة » رسمية« وخاصة بعد تشيخوف ومن أعقبه من القصصيين الإنكليز والأميركان . وقد لازم فكرة العقدة للأسف عنصر لا يلائمها في الحقيقة هو عنصر المفاجأة . فصارت العقدة اسما فنيا ثانيا للمفاجأة المدخولة قسرا على الأقصوصة، وكرد فعل خاطئ لهذه الفكرة أخذ بعض الأدباء ـ الكبار أحيانا ـ يعتبرون مطالبة النقاد بعقد لقصصهم إهانة ساذجة قيمة . وكان سندهم الأول في ذلك بضع » حكايات » رديئة وضعها بسرعة غير محسود عليها الكاتب الروسي تشيخوف .

 والحقيقة أن طرفي القضية خاطئان في حلها . فليست المفاجأة ضرورة مقحمة لابد أن تنتهي بها الأقصوصة مهما كانت البداية والظروف . الأقصوصة ذات العقدة صورة عن الحياة » كاملة « موجهة إلي مشاعر القارئ وفكرة بحيث ترديهما بشكل من الأشكال و » الكمال « هذا هو الذي أضاعه الكتاب المحدثون الذين لا يطيقون سماع كلمة العقدة، وهو الذي أضاعه عبد الملك أيضا في » عبود « و » العاملة والجرذي والربيع « و«الجدار الأصم « ومن بعض الوجوه في » ريح الجنوب « . وليس المقصود به سوى أن القطعة slice المنتزعة من الحياة يجب الا تفقد اتصالها بأصلها . فنحن نعرف في «الرجل الصغير « عن عباس ما تهمنا معرفته عنه قبل أن يركب السيارة، ونحن نشعر بعمق عند نهاية الأقصوصة بضياع بطلنا الصغير في هذا العالم الغريب . ومع ذلك فليس في الأقصوصة مفاجأة، بل ان فيها عقدة، قطعة » كاملة « من الحياة . وكذا الأمر في «غثيان « ففيها عقدة نموذجية كما يجب أن تفهم . أما في بقية الأقاصيص فالنهاية على الدوام شاقة على القارئ، وهو يشعر أن المؤلف تركه فجأة قبل نهاية الرحلة رغم أن معالم الشاطئ البعيد قد بدت، وإهمال العقدة أمر متقصد عند عبد الملك كما أعلم ويعلم، وهو أمر خطير لأنه يحتاج إلي اقتناع بأهمية هذه الناحية، ثم إلي تسخير الموهبة الفنية كما يجب أن تسخر، وهذا ما يقتضي سنوات ولذلك فعندي أن التزم قواعد الفن القصصي ـ وحتى الصارمة المتعبة منها ـ منذ البداية، قد لا يكون أسوأ من إهمال متقصد لا تعرف نتائجه .

رسم الشخصيات :

 ويجب أن أبادر إلي القول بأني أخذ هذا الإصلاح بأوسع مما يعطي حقيقة، فهو في رأيي إيجاد الصور أو خلقها في الأقصوصة ولذلك فإنه يشمل خلق أشخاص القصة characterization عدا إضاءة الأماكن والألوان ووضع الحركة في الأقصوصة .

 ففن كتابة الأقصوصة هو فن خلق صور تتحرك، والأقصوصة بدون صور ليست إلا حدث منتن . وخلق الصور هذا ناحية مبهمة من إمكانيات القصاص لا يمكن الكشف عنها لأنها مجهولة الأساس . غير أن المعروف أن عملية الخلق هذه لا تتأتى إلا بواسطة اللغة، وهي وسيلة القصصي الوحيدة إلي ذهن القارئ . فلمحة كاشفة ضئيلة ثم أخرى ضئيلة وثالثة ورابعة، وإذا بذهن القارئ مضاء دون وعي منه بعالم من الأشخاص والأماكن والحركات، كيف ثم هذا السحر ؟

 إن القارئ لا يجد أمام عينيه غير الكلمات الجامدة، لكنها في الواقع هي التي أضاءت نفسه ومخيلته فالاختيار الدقيق ـ المتروك بصورة قاطعة إلي إرادة القصصي ـ ورصف الكلمات بشكل ما، يؤدي إلي إثارة بادرة أو شبه صورة في بصيرة القارئ، تجذبه بدورها إلي صورة أخرى أوضح منها وهذه إلي ثالثة ورابعة، حتى لا يشعر إلا وهناك حركة متناسقة من الصور تمر أمامه .

إلا اني يجب أن أستدرك فأقول إن هذا وصف فقط لعملية الخلق السحرية وليس تفسيرا لها على الإطلاق، لأنها عملية لا يمكن أن تفسر . فأمام الكاتب القصصي ثروة لا تقدر من الكلمات، وهو إذا كان متحررا ـ كعبد الملك نوري ـ من سطوة القديم بدت له المهمة أعسر، لأن عليه أن يصطنع لنفسه لغة خاصة تلائم فنه ويفهمها الجميع مع ذلك . وعبد الملك يشعر بعسر عملية الخلق هذه، وهو مستعين بكل جرأته وذاكرته لكي يضع البوادر الأولى لصور أقاصيصه . وقد حقق في جميع أقاصيص المجموعة نتائج باهرة حقا . وهذه النتائج هي التي تجعل منه قصاصا يرجى منه الكثير غير أن عبد الملك يستعين بذاكرته اللغوية كثيرا، وهو ينبشها نبشا مثيرا فيبدأ ذلك على صوره جليا فتتلطخ وتبهم وتمحى أحيانا . وهذا في اعتقادي يرجع إلي محاولاته المتكررة كي يصوغ عبارات لها جمالها اللغوي الخاص ويأتي بكلمات ذات صفة صادمة لا تعطي القارئ إلا صورا غير مباشرة وبعيدة . وتعطيه مرات تفاصيل ميتة لا تثير المخيلة، بل تقضي على مجال ثمين يمر هباء . ولولا أن عبد الملك يسرع في اللحظة المناسبة فينسى كل شيء إلا فنه، لتعرضت موهبته نفسها إلي السؤال .

 ولا يمكنني أن انهي بحث هذه الناحية في شخصية عبد الملك القصصية قبل أن أقف أمامه لأذكره بأن رسم الشخصيات لا يتوسل إليه بالوصف فقط . فهناك ـ كما يعلم جيدا ـ الحوار والأعمال . وهاتان الطريقتان لا يدل استعمالها إلا على سعة ميدان تجربتنا الفنية الخالقة . ولا يعذر عبد الملك في انصرافه عنها واعتماده، بصورة كلية تقريبا، على الوصف الخارجي المجرد في تقديم شخصياته .

 الإنسان والعالم :

 تؤخذ آراء الكاتب عن الحياة من مجموع مؤلفاته الكاملة، وغالبا ما تضم هذه المجموعة مجلدات ضخمة عديدة قد لا ينتهي منها الكاتب الا عند انتهاء حياته .

 ولعلي أكون مدققا أكثر مما يجب حين أريد أن انتزع من مجموعة صغيرة واحدة لكاتب ما بعض آرائه من الإنسان والحياة . إذ ان أقرب احتمال إلي علمي هو أن هذه الآراء قد لا توجد على الإطلاق . أو أنها لما تزل في طور النمو ولم تنضج بعد، كل هذا صحيح لكني مع ذلك سأحاول أن أبين الصبغة الفكرية العامة التي يخيّل إليّ أنها تصبغ أقاصيص عبد الملك عامة، يساعدني على ذلك صداقتي مع الكاتب المذكور وتبادلنا بعض الآراء في مجالات مختلفة .

 وقد وصفت عن تعهد عنوان » الإنسان والعالم « لهذه الناحية من حكمتي، وذلك لاعتقادي أن الكاتب مضطر أن يعبر عن واحد منهما الإنسان في العالم أو العالم من خلال الإنسان . ورغم أن هذه الفكرة تدخل ضمن نطاق شبه ميتافيزيفي، فإن في بحثها ما يؤدي بنا أخيرا إلي أنها تؤثر على اختيار الكاتب لمحتوى وأشكال تعبيره . فالكاتب المعاصرون ـ والتراثيون بصورة خاصة ـ وبعض الكلاسيكيين يضعون الإنسان مدارا لإنتاجهم الفني ـ ولا يعني هذا انهم هم وحدهم يبحثون مشاكل الإنسان، ولكنه يعني أن هؤلاء الكتاب يقدمون لنا في الأساس انسانا ثم يعرضون العالم من خلاله ويعبرون عن احتكاك » هذا الإنسان « بالعالم الذي يحيطه . فالمحتوى الموجود في قصصهم هي الإنسان ثم العالم . ومن هؤلاء دستويفسكي وسارتر وكامو وكافكا وكل واحد منهم له شخصيته المستقلة في عرض الإنسان على مستوى هذه الفكرة . وهناك قسم آخر من الكتاب ينظرون إلي الإنسان » كشيء في العالم « ليس له ميزة الابتداء به، فوصف العالم عندهم كوصف الإنسان، الاثنان موجودان على أساس واحد، ومن هؤلاء غوركي وشتاينبك وكالدويل، وفي اعتقاد أن عبد الملك ـ رغم بعض التناقض ـ من كتاب القسم الثاني فالعالم لديه زاخر بكل شيء، ومن ضمن مخلوق عجيب هو الإنسان، ولذلك فهو لا يتحرج أن يدخل ضمن وجهة نظر ديك إلي العالم » ريح الجنوب « أو أن يكتب عن حياة بقرتين  بكل شاغلها وكوارثها، أو يغير من نفسية بطل خلال صفحات معدودة «نشيد الأرض«لأن العالم على مستوى واحد لديه، والإنسان ضمن موجوداته، وحتى » الرجل الصغير « ليس فيها إنسان ثم عالم، بل هي إنسان وعالم ينسجم أحدهما مع الأخر . وكذلك الأمر في » العاملة والجرذي والربيع « و » الجدار الأصم « فالعاملة وستّار لا يواجهان عالمهما الخاص ويحتكان به . إن فشلها مثل تحطيم آنية تقع على الأسمنت لم يفشلا مثلما يفشل الإنسان، ولكنهما تحطما بفعل » قانون طبيعي « جبار قانون العالم الذي يكونان شيئين من أشيائه اللامتناهية عددا وشكلا .

 وتناقض عبد الملك مع هذه النظرة تجده ـ صدفة ـ في أحسن أقاصيص المجموعة وهي » غثيان « فهي الأقصوصة الوحيدة التي يوجد فيها إنسان يبدو خلال الألم، عالمه، فيصطدم به ويفشل حقا ويعيش القارئ فشله .

 أما أقصوصته » نشيد الأرض « نفسها ففيها عالم موضوعي كامل وليس هناك أثر لبطل الأقصوصة، وجوده كانسان لم يتحقق مطلقا . ورغم أن عبد الملك قد خرق في هذه الأقصوصة قانونا مهما من قوانين هذا الفن وهو ملاءمة الشكل للموضوع، مما أدى إلي موتها كأقصوصة، فإن أخطر عيب » آخر « فيها هو تلاشي البطل، هو عدم إحساس القاري به .

 وعبد الملك وهو يعبر هكذا عن العالم وعن الإنسان لا يظهر لي ناسيا لمبدئه كتقدمي . فالإنسان عنده مثل بقية الأشياء رغم بؤسه وضياعه، يمكن أن » يحسّن « وأن يتغير إلي مخلوق آخر جديد . فهو لا يستطيع أن يعيش أزمة قد يحطم نفسه في سبيل حلها، ولكنه ينجرف ـ مضطر أن ينجرف ـ مع تيار القانون الطبيعي وتطور التاريخ الذي سيقوده ـ رغم البؤس ورغم الضياع ـ إلي حياة المساواة السعيدة الرغيدة .

 وفي اعتقادي ان انعدام الأزمات الإنسانية ـ أي الاحتكاك بين إرادة الأشخاص وعالمهم ـ في أقاصيص عبد الملك يفقدها ميزة التعبير عن روح هذا العصر المضطرب . فالإنسان ـ مهما ضعف ـ لم يعد يقف أمام مصيره بتخاذل واستسلام . وهو إن ثار أو فشل، فلن يكون فشله كفشل أبطال عبد الملك، لأن هؤلاء لا يفشلون ولكنهم ينحرون نحرا كالنعاج دون أن يرفعوا إصبعا . غير أن هذا ليس يأسا كما سبق وأوضحت، بل هو مساواة بين الإنسان والأشياء التي تحيطه . وهذا الأمر ـ من بعض وجهات النظر ـ أشد بؤسا وقناعة .

 نظرة أخيرة :

 وقبل أن أنهي كلمتي هذه لابد لي أن أشرح بإيجاز دور التقنية في أقاصيص عبد الملك، ومقدار نجاحه في خلق مواضيعه القصصية فالنظرة الحديثة إلي التقنية ـ وهي الطريقة الفنية ـ تجعل لها الأولوية في خلق الأقصوصة لأنها هي الموجدة للموضوع وهي التي تكون من هذا » العمل الكتابي « أو ذاك أقصوصة كاملة أو تبقيه كلمات على الورق تدخل تحت نوع آخر من الفنون الأدبية كالمقالة أو الريبورتاج أو الإنشاء المدرسي.

 فالتقنية لا تشمل طريقة المحتوى فقط، ولكنها تعني مقدار نجاح القصصي باستعماله كافة إمكانياته ومواهبه في خلق أقصوصة . فإذا لم يستطيع ذلك، كان إنتاجه شيئا آخر قد يشبه الأقصوصة لكنه لا يمت إليها بصلة، لأن عملية الخلق لم تتم . وعبد الملك بهذه النظرة لم ينجح في خلق موضوع قصصي في » نشيد الأرض « و » الجدار الأصم « و » عبود « أي أن عملية الخلق لم توجد في هذه الأقاصيص ولم تشتعل الشرارة المطلوبة بينما نجده على العكس من ذلك قد استطاع في » الرجل الصغير « و «ريح الجنوب « و » العاملة والجرذي والربيع « و » غثيان بواسطة تقنيته واستعماله الخاص للمحتوى، أن يخلق مواضيع قصصية أو على الأصح أن يصنع الأقاصيص . مع العلم أن هذا لا ينفي وجود الثغرات التي أسلفت ذكرها في نفس هذه الأقاصيص لأن خلق موضوع قصصي لا يعني بلوغه مرتبة الكمال، إذ أن النجاح في هذا المضمار في تطبيقها على النظرة الذاتية للناقد إلي موضوع نقده، وعن هذه الطريق جاءت اختلافات النقاد في أحكامهم على الآراء الفنية . غير أن ما يجب أن يشفع لكل ناقد هو إخلاصه في نظرته وفي تطبيقه للقوانين الصحيحة، وهذا في اعتقادي خير شفيع .

 

 

نفوس جديدة

 

 عبد الصمد خانقاه

 

 نفوس جديدة، مجموعة قصصية، قدمها الناشئ السيد شاكر السعيد إلي القراء .. بعد أن سبقتها ضجة إعلامية فلو تصفحناها ماذا نجد .. ؟ .

 الواقع أنني وجدت صعوبة كبيرة في تنسيق وتبويب أقوالي عنها .. والسبب هو ان كل قصة تحتاج إلي كلمة خاصة بها، مع إيماني بواجب جمعها ـ القصص ـ في إطار موحد .. وتناولها ضمن هذا الإطار .. خرجت منها بملاحظات .. وفي ضوئها أتناول هذه القصص ويمكن تلخيصها فيما يلي : ـ

1 ـ انعدام الصراع في بعض القصص وضعفه في بعضها الآخر .

2 ـ المصادفة عنصر أساسي في كثير من القصص .

3 ـ الشخصيات سلبية .. في بعضها .. وغير قائمة فنيا .. أي معدومة الكيان الواقعي .

4 ـ رغم التزام القاص أسلوب السرد، الا أنه لم يتمكن من خلق عنصر التشويق .

5 ـ نجد مغالاة وتفصيلا في الوصف . وكانت الأجواء ضعيفة فنيا .. أو مختلفة ..

6 ـ نكاد لا نحس بأثر التجارب فيها : لذلك كانت التقريرية طاغية على كل القصص .

 وقبل أن نبدأ بمناقشة القصص في ضوء الملاحظات التي ذكرتها، أود أن أسجل ملاحظة أخرى .. وهي اننا يمكننا تقسيم المجموعة حسب » العقدة « إلي قسمين : الأول : القصص المبنية على الحب .. وهي ثلاث » التأمل الحزين « و » لقاء في لونا بارك « و » حلم قصير « وكلها تدور حول الحب .. ثم الحرمان بسبب فراق طويل الأمد .. ثم اللقاء . وأغرب شيء لاحظته فيها أن اللقاء في كلها، جرى في الأماكن العامة . ولعل لتلك الأماكن صلة الذكريات بالمؤلف .

 أما في القسم الثاني فإن القصص مختلفة في » العقدة« في قصة » التأمل الحزين« لم يتمكن المؤلف من تبرير اللقاء ـ بين البطل والبطلة ـ مطلقا كما ولم يتمكن من تبرير العلاقة منطقيا وبأسلوب يناسب الواقع .. ولم يبرر معرفة الطفل » اميل « شقيق «أمل» للبطل . والسبب في ذلك على ما أرجح تقدير البناء على عنصر المصادفة .. وضعف تجربة المؤلف .. ومن حيث الشخصية وقوامها الفني نجد السلبية في شخصية البطل حتى اننا لم نحس إزاءها بشيء .. بعكس شخصية البطلة .. فقد كان في وسع المؤلف بناء قصة إنسانية رائعة على مأساة البطلة وشخصيتها القوية ... والحق انها تمكنت من خلق التجاوب النفسي معها ... لأننا أحسنا بمأساتها أما في » حلم قصير « و » لقاء في لونابارك « فليس لدى المؤلف هبوطا من حيث العرض ... والأسلوب والبناء الفني للقصة .. حيث المصادفة تلعب دورها .. والتقريرية وضعف الصراع .. والشخصيات .. والوصف المبالغ فيه .. تجمع القصتين في إطار واحد . ويبدو أن المؤلف في قصص الحب يجسمها على أساس الحرمان وكان في وسع المؤلف، أن يستغل هذا الأساس النفسي .. وفي مجالات أخرى، كالتعويض لهذا الحرمان، بألوان من السلوك الإنساني .. السامي أو المتدهور .. لا الحصر في اللقاءات غير المبررة أبدا . وقصة » خزعل « فكرة أراد بها المؤلف تصوير حياة فرد من الشعب .. ألا أنه أخفق فيها حيث إنه لم يجسم شخصية «خزعل « بنفسه . وإنما لجأ إلي تصوير خزعل وتجسيمه خلال عملية التذكر التي سيطرت على ذهن والده .. ونحن نبحث عن خزعل لكننا لا نجده لأنه موجود في ذهن والده الحارس الليلي وليس موجودا في جو القصة أبدا ... فهل يجوز هذا ؟ لست أدري هذا بالإضافة إلي ضعف الصراع والشخصية والتقريرية والصدفة ... الخ أما » مظاهر كذابة « فهي تدور حول عامل يفصل من العمل .. والحالة النفسية التي يعيشها بعد فصله ... وردود الفعل التي يخلقها في نفسه الفصل من العمل وسلوكه في هذه المرحلة . والمفروض أنه كان يجب أن يستغل احساسات العامل وحقده لخلق إيجابية لشخصيته ـ لتطوير شخصيته الضعيفة ـ سابقا ـ نمو القوة والإدراك .. لعرض نفسه على صاحب العمل سواء لخدماته السابقة كمحقق قانوني .. وسواء عن طريق إدراكه لمواقفه في الحياة .. بخلق وعي جديد لديه ... نتيجة إحساسه بمرارة الفصل ... وقسوة صاحب العمل .

 وإجمالا فإن شخصية العمل تافهة، تدل في سلوكها على المسكنة والذل أما «صوت من مراكش « فهي قصة مفتعلة كليا ... لأنها مقتبسة من الصحف .. وليس معنى هذا انعدام أبطال من هذا اللون في مراكش ... ان المؤلف أراد رسم البطولة .. وتصوير الوطنية .. الا أنه فشل أيضا ..لأن من الواضح أن مثل هذه القصص، تحتاج نظرا لمضمونها الإنساني العميق الوثيق الصلة بالإنسان، تحتاج إلي صدق في الإحساس .. ان القصة لا تستوعب أبدا ما هو خارج بيئة الشخصيات وما هو خارج أعماقها لأننا في هذه الحالة نحتاج إلي مختلف التبريرات ... وهذا ليس في مكاننا ... وأذكر أن أحد الكتاب السوريين ألف مسرحية عن معركة » ديان بيان فو « إلا أنه فشل ... فحسب . أما قصة » فكرة « فهي القصة الوحيدة التي تلمس فيها إمكانية وقدرة المؤلف، في بناء القصة على الصراع ـ وان اتخذ شكلا نفسيا ـ وتجسيم الشخصية بحيث أحسسنا اننا أمام شخصية مغامر حقيقي، تتصارع في أعماقه شتى الدوافع المتضاربة .. وانه وفق كل التوفيق في تصوير الحقد لدى البطل ..الذي كان بالكاد يبرز للبطل خلال كل شيء ... واعتقد بأن المؤلف لو استغل هذه القدرة في أمثال هذه القصة .. لتمكن من خلق شخصية له .. ولقدم لنا إنتاجا جيدا .

 وأخيرا لو أن المؤلف استغل تجاربه وبنى عليها إنتاجه القصصي لأتاح لقصصه مقاما في القصص العراقي .. ولرفع من قصصه حيث إنه يعتمد على ـ الأغلب ـ الخيال لخلق الشخصيات والأجواء

 والملاحظ على أسلوبه أنه ضعيف .. وغير عميق .. وبقى أن نقول : يجب ألا يتسرع السيد شاكر في النشر، وأن يطلع كثيرا على القصص والدراسات الخاصة بالقصة الا أن القصص رغم ضعف حبكتها .. وافتقارها إلي كثير من عناصرها الأساسية، تبشر بالخير، كمحاولة أولية ... واننا ننتظر من المؤلف إنتاجا ناضجا في المستقبل .

 

 

 

 

الواقعيـة في القصة

 

 فائق رفائيل بطي

 

 

دخلت القصة العربية في أدوار عديدة منذ أن بدأت خيوطها تحاك من قبل الكتاب في عهد الجاهلية ثم تطورات مادتها وأسلوبها في عهد الفتح العربي وبرزت في عهد الخلافة العباسية . وفي دور الخلافة العباسية كانت القصة العربية تدور وتلف حول الخيال والعقائد والخرافات أمثال قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والشعر القصصي في أغنية شهرزاد وشهريار ثم يتطور المجتمع العربي، وكثرة الحروب والفتوحات والثورات، دخلت القصة في دور الوصف والتمجيد كقصص عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي والبطل خالد بن الوليد تسير جنبا مع جنب في تخليد ذكرى الأبطال عن طريق سرد قصصهم البطولية .

         وبعد مدة طويلة تطور المجتمع العربي إلي طبقات، ونظرا إلي استفحال الإقطاع والامارات، ظهر الأدب بصورة واضحة . قسم من الأدباء اتجهوا إلي تمجيد الإقطاع ومدح الأمراء، وكانت القصة في هذا المضمار مكانة ضعيفة لما كان عليه الشعر العربي من مكانة مرموقة عند الأمراء والشيوخ ووقعه الحسن في نفوس الناس .

         وبقيت هذه الحالة حتى ظهرت طبقة البرجوازية الكبيرة لتحل محل الإقطاع مما حدا بالقصة إلي أن تساير هذه الطبقة وانقسمت إلي قسمين : أدب القصة البرجوازية وأدب القصة العامة .

 وعند ظهور المذاهب والمدارس الأدبية منذ زمن ليس ببعيد قضت هذه المدارس على بقايا الشوائب المتعلقة بالأدب البرجوازي الذي جاء نتيجة تطور المجتمع العربي وفقا لتطور نظم الحياة في العالم .

 فظهرت المدارس الرومانتيكية والمدارس الواقعية في أوربا وأمريكا بدأ الصراع بين أدبائها حتى تغلبت المدارس الواقعية وبرزت القصة لتقود هذه المعركة للتباين الشديد الملموس في واقع المجتمعين الأوربي والأمريكي . ومهما كان من الأدباء العرب بصورة عامة ومنهم كتاب القصة الا ان يتتلمذوا على يد أدباء هذه المدارس فكان نصيب كتاب القصة في العراق ان ظفروا بنصيب كبير من المدارس الواقعية التي انتشرت سريعا في الأدب العالمي . والمطلع على القصة العالمية للمدرسة الواقعية يستطيع أن يجد مادة القصة العراقية عند كتابنا ظاهرة واضحة عما اقتبسوه من كتاب القصة العالميين حيث أصبح جل كتاب القصة عندنا يكتبون من صميم الواقع، تطغي حياة الشعب على أسلوبهم ومادتهم فتخرج قصصهم معبرة عن واقعنا، والقارئ الذي يقرأ لجون شتاينبك قصة « شرقي عدن» وبول سارتر في قصة » أنت اسود « حيث يبين هذان الأديبان في أمريكا المجتمع الأمريكي المتفسخ والتصارع بين العنصرين الأبيض والأسود عند بول سارتر من جهة والذي يقرأ لسيمنوف في قصة » الشريد « ولمكسيم غوركي في قصة » الأم « من جهة أخرى يجد أمامه الانتصار الذي احرزته المدرسة الواقعية في الأدب العالمي، وتقلص المدرسة الرومانتيكية، وطبيعي أن يتأثر أدبنا لهذا الصراع فيبرز كتاب يقلدون في بادئ الأمر كتاب القصة الواقعيين أمثال شتاينبك وسارتر وتشيخوف وغوركي وغوغول وهمنغواي وأميل زولا، ثم لا يلبثون أن يسيرا في هذا الطريق حتى أصبحوا اليوم قادة المدرسة الواقعية في الأدب العراقي .

 ولو نظرنا إلي القصة العراقية خلال السنوات المنصرمة، لرأينا مدى التأثير الذي أحدثه ظهور المدرسة الواقعية للأدب في نفوس كتاب القصة عندنا . فهذا عبد الوهاب الأمين يترجم سنة 1952 » ذباب « وهي مجموعة مختارة من القصص العالمي لايفان كافكا وارينست همنغواي وانطوان شيخوف وفي مجموعته الثانية » من الأدب الحديث « وهي من القصصيين العالميين والبعض منها موضوعه . وهذا ذو النون أيوب في مجموعته «حميات « سنة 1941 وهي مجموعة قيمة عن الأمراض المستوطنة في العراق وآثارها السيئة فتكت بالألوف من أبناء الشعب . وكذلك في مجموعته » الكارثة الشاملة « عن مآسي الحروب ومجموعته » اليد والأرض والماء « سنة 1948 وهي قصص من صميم المجتمع العراقي تمثل حالة الفلاح العراقي علاوة على قصصه الأخرى التي تناول فيها بعض أبطال المجتمع من شبابنا والآفات المتأصلة في بعض النواحي من حياتنا .

 وهذا جعفر الخليلي في مجموعته » مجمع المتناقضات « وهي قصص شعبية مأخوذة عن ابن الشعب في أعماله وحياته . وفي مجموعة » في قرى الجن « وهو يدعو فيها إلي عالم أفضل فيه معالم الأنظمة والقوانين للمدينة الفاضلة . ولا ننسى أنور شاؤل في مجموعته «الحصاد الأول « و » في زحام المدينة « وهي قصص شعبية أيضا لشخصية ابن البلد العراقي . ثم ظهر كتاب القصة الآخرون يسيرون على المنوال الذي سار عليه الأولون لتصوير المجتمع العراقي والدفاع عن الشعب وإخراج مآسيه إلي عالم الوجود ليتحسس القارئ بيئته وحالة اخوانه . فظهر مير بصرى في مجموعته » رجال وظلال « وجبر إبراهيم جبرا في قصته » صراخ في ليل طويل « ثم ظهر بعد ذلك بعض كتاب القصة الذين بدأوا في ابراز قصصهم حسب الواقع أمثال الدكتور صفاء خلوصي في مجموعته «نفوس مريضة « ونـزار سليم في مجموعته » أشياء تافهة « و » فيض « وعبد الله صبري في » البنادق المسروقة « وعبد الملك نوري في مجموعتيه » رسل الإنسانية « و «نشيد الأرض « واكرم الوتري في » الإيمان « و » سعيد رغم الألم « .

 واليوم يبرز في عالم قصتنا أدباء جدد اختاروا طريق الواقعية في نتاجهم وبدأوا بتدبيج قصصهم على صفحات المجلات والصحف العراقية والعربية منهم الآنسة سافرة جميل حيث تطبع الآن إنتاجها الأول بعنوان » دمى وأطفال وقصص أخرى « وأدمون صبري وفؤاد بطي في قصصه الشعبية القصيرة .

 ونحن نأمل ان يرتفع قصاصونا هؤلاء بإنتاجهم ليسايروا القصص العالمية تحت قيادة المدرسة الواقعية في الأدب العالمي .

 

  

 

 

استعمال اللغة العامية في الحوار القصصي

 

 عبد الله الخطيب

 

          كان لتعليق صغير نشرته مجلة الأديب في باب البريد السريع لشهر أغسطس حول قصتي » لص « الذي اعتذرت عن نشرها لسبب استعمالي اللغة العامية العراقية في الحوار الذي دار بين أشخاص القصة دلالة واضحة لاتجاه خاص لا يزال يسيطر على أكثرية كتاب القصة في البلاد العربية، وهذا الاتجاه يتعلق بمشكلة اللغة الفصحى والعامية، أنني لا أريد أن اكتب في هذه المشكلة التي خاضها كثير من الأدباء والمختصين بعلم اللغة وفلسفتها، ولكن أريد أن أبين نقطة خاصة تتعلق بأبطال القصة من الناحية الأيديولوجية والسيكولوجية التي تكمن وراءهما مشكلة اللغة التي يتكلم بها البطل ومدى علاقتها بتينك الصفتين ومن ثم مدى علاقتهما بنمو وتكامل شخصية البطل ولو إلي حد ضيق جدا كما في » القصة القصيرة « .

 إن الحركة الميكانيكية والدفاع الافتعالي في التفكير والسلوك الذي يسيطر على العنصر البشري في بعض القصص الحديثة مرده إلي عدم تفاعل الكتاب مع أشخاص القصة تفاعلا عضويا والى عدم دراسة الظواهر الوجدانية المتفجرة فيهم وعلاقة تلك المظاهر بأيدلوجيتهم الحضارية وسيكولوجيتهم المنعكسة عن واقعهم الخاص » الاجتماعي والاقتصادي « ونوعية الروابط التي تربط هذين المظهرين لمهمين » جدا « دراسة علمية وتحليلية، والى عدم دراسة الطرق والوسائل التعبيرية التي يستعملها الناس عن تلك المشاعر المتصارعة في نفوسهم، اللغة، السلوك، العواطف، الأفكار، الأحلام، الخوف من الحياة، العقد النفسية ... الخ . لذلك نرى أن بعض الكتاب يرسمون بأنفسهم وبكل قسوة المجال الذي يسير به رجل القصة، المجال الذي يفكر فيه بطل القصة، اللغة التي يتكلم بها بطل القصة، غير مبالين بأيدولوجيته وعلاقتها بكل هذا وعلى الأخص علاقتها بالقوالب اللفظية التي يستعملها البطل لنقل أفكاره ومشاعره إلي الآخرين، وعلاقتها بسيكولوجيته ورموزها اللغوية، مهتمين بالأجواء الضبابية والسرابية والإلزامية محملين البطل فوق طاقته، بأفعاله وكلامه وطريقة تفكيره وبقدرته على حل متناقضات الواقع ومشاكله البعيدة والقريبة، فجأة وبدون تطوير لأفكاره وآرائه في الحياة وتجاربه الحياتية وبدون تفاعل عضوي مع واقعه الخاص أو واقعه الطبيعي العام حسب ما يسعفهم خيالهم وبقدر ما تدفعهم أفكار فيظهر رجل القصة مشوها غير طبيعي أو ناقص الكيان الشخصي ليس له القدرة على التفاعل مع القارئ ودفعه على التفكير في المشكلة التي أراد لها الكاتب البعث والاندفاع، وهنا وفي هذا المجال لا أريد البحث في العناصر التي يجب توفرها في بطل القصة وعلاقتها بظروفه الطبقية والايدولوجية ما عدا نقطة واحدة التي دار حولها التعليق الصحيح . وهي مشكلة اللغة التي يتكلم بها البطل .

 ان استعمال اللغة العامية في كتابة القصة » عندما يتكلم البطل نفسه « إذا كان من الطبقة العامة طبعا، لم يأت اعتباطا أومن الناحية التقنية، بل ان استعمال لغة البطل الشخصية من الأمور المهمة المكملة لشخصيته وللكشف عن ايدولوجيته اللغوية الخاصة بتلك الايدولوجية ومن عناصر القوة في إبراز البطل بصورته الكاملة الواقعية .

 وليس معنى هذا أنني أدعو إلي اللغة العامية أبدا بل أدعو إلى شيء آخر لا يشبه مشكلة العامية والفصحى، أدعو إلي عدم تشويه أبطال القصة بإجبارهم على التحدث بلسان غيرهم وبعقل غيرهم » بغض النظر الآن عن أثر الأديب في سيرة البطل واذابة بعض أفكاره التي تتناسب وعقليته أو بإظهار نفسية الكاتب وأفكاره بصورة تامة عندما يتطور البطل وينضج، هذا موضوع أخر «.

 لنأخذ مثلا ـ بطل قصتي » برهوم « ـ ذلك الطفل الأسمر المخيف الملهوف إلي لقمة الخبز والى تلك العظام المرمية إلي جانب دكان عباس محمود القصاب والمنهمك بهرش رقبته الجرباء وبتوسلاته الباكية، ليرقق قلب هذا القصاب عليه .

 هل تخول ثقافة هذا المشرد وايدولوجيته الغيبية أن يقول غير هذا الكلام ؟ ـ عمي ! عمي ! الله يرزقك « يرزقك  » أطني « أعطني  » هذي العظام ... أبوي مريض ... جوعان ... ها ! عمي ؟

 أو عندما يريد أن يكون حمالا ولا أحد يعبأ به لصغره وقذارته . يتكلم ويقول بصوته الناعم الضعيف لأحد الناس .

 ـ عمي اشيل « احمل » لك هذي العلاكه « المكتل » ؟

 ـ لا . بابه « ياصغيري » لا .

 ـ عمي الله أيطول عمرك ؟

 ـ امشي « اذهب » بابه .

 ـ عمي فدوه « فديتك بروحي » ابعانة « بأربعة فلوس » .

 ـ امشي .

 فماذا يحدث لو أجبرت هذا الطفل المشرد على الكلام بالفصحى لغة العقل والاستدلال المنطقي لغة الكشف عن السببية لغة الروابط الجميلة والحركات النحوية، لغة التريث والتفكير الهادئ والترتيب الفني، لغة الزخرفة المنطقية، تحدث عندنا صورة مشوه أبشع التشويه طفل غير موجود أصلا في طبقته الكثيرة العدد، إذا أصر أحد دعاة المدرسة العتيقة على إجبار هذا الطفل المسكين على التكلم بالفصحى الذي يعرف عن الفاعل والمفعول لأجله وبه ومعه والإعلال والإبدال والبيان والبديع ... الخ بقدر ما يعرف عن سبب شقائه وحرمانه من الحياة الكريمة، نخسر أهم عنصر فيه » كمحور القصة « هو أحاسيسه الوجدانية التي تتفجر بلغته الخاصة وعلاقة تلك الأحاسيس بأيدولوجيته وبغيره من أفراد القصة، مع العلم وبإضافة إلي التشويه، أن هذه الأحاسيس أهم جزء من أجزاء شخصيته وأن هذا الجزء يعجز أقدر الكتاب على إبرازه بصورة كاملة وواقعية إلا عن طريق لغة البطل لا لغة الكاتب نفسه، لأن العامية هي اللغة الوحيدة التي تكشف عن أحاسيس وأفكار هؤلاء الناس بصورة واضحة وجلية لأنها لغتهم وهي المرآة الصافية لسيكولوجيتهم، وسبب ذلك أن اللغة العامية لغة » تلقائية « تلد فجأة، وتتفجر فجأة ناثرة أدق الأحاسيس والمشاعر العميقة أنها لغة آنية لا تخضع للفلسفة ولا للتدابير العقلية والنقلية انها لغة الأحاسيس والمشاعر الصادقة عند السواد من الشعب، أنها روح الشعب وهذا هو السبب في صدق العاطفة الموارة التي نجدها في الأدب الشعبي والغناء الشعبي وهناك بعض النقاط وردت في التعليق الصغير :

 1 ـ عدم الإكثار من العامية :

 ان هذه القضية لا يمكن السيطرة عليها فنيا لأنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بسلوك أبطال القصة ومركزهم من حوادثها وعقدها ولنفرض أن بطل إحدى القصص هو أحد عمال البناء وأراد أن يتحدث إلي زملائه عن إحدى القضايا الحيوية أو عن شيء أخر فهل يجوز بتر حديثه إذا ما زاد عن سطر واحد مع العلم أن اللغة العامية لا يمكن تكثيفها لأنها بالأصل مكثفة تكثيفا رائعا انها لغة سريعة بعكس اللغة الفصحى . أو يقع هناك في سير القصة حوار بين اثنين كما وقع في قصتي » لص « فكيف يمكن قص الحوار ... فلا فرق عندي إذا استعمل الكاتب سطرا أو سطرين في قصته أو عدة صفحات باللغة العامية ما دام أبطال القصة هم الذين يحدثون القارئ بصورة مباشرة أو يتحدثون فيما بينهم ليسمعوا القارئ، أما في غير هذا المجال فاستعمال اللغة الفصحى هو أفضل .

 2 ـ عدم فهم اللغة العامية لقطر عربي في جميع أنحاء القطر العربي الكبير :

 النقطة مهمة وخطيرة في نفس الواقع، ولكن الواقع برهن على إمكانية التغلب عليها واحسن مثل لذلك هو فهم اللغة العامية المصرية في البلاد العربية التي انتشرت فيها الثقافة الشعبية المصرية نحن نعلم أن اللغة العامية المصرية انتصرت في عدة مجالات حيوية ومهمة، انتصرت في المسرح والسينما بشكل واسع وكذلك في الغناء وهناك من ألف فيها ولو بصورة ضيقة والآن تسجيل انتصارا في الخطب السياسية المهمة، وبعد أن انتشرت الأفلام المصرية في العراق وانتشرت الأغاني وجدنا أن أفراد مختلف الطبقات في العراق تفهم الفيلم المصري بصورة جيدة وتفهم «النكتة » المصرية بالرغم من تفاوت اللهجة المصرية عن اللهجة العراقية .

 ولو كان للعراق أفلام سينمائية تعرض في مصر وغناء عراقي يسمعه المصريون ويحفظونه كما في العراق لكان العكس صحيحا كذلك ولو كان التبادل في مثل هذه المجالات الشعبية موجودا بين البلاد العربية بصورة واسعة لتغلبنا على هذه الصعوبة، وأنا اعتقد أن الجدار الذي يفصل بين اللغات العامية المختلفة جزئيا في البلاد العربية لابد أن ينهدم عن قريب، واعتقد كذلك أن عدم الوقوف أمام انتشار اللغة العامية « المنقحة »في المجال الذي أقصده يحقق غايتين ساميتين أولاهما : تدعيم تكامل الفن القصصي، وثانيتهما تضارب اللهجات العامية في البلاد العربية والتغلب على عدم فهم لهجة بلد شقيق في كافة أجزاء الوطن العربي الكبير وهذا يمكن الشعوب العربية التفاهم بصورة واسعة شاملة

 

 

 

 

العامية في القصة الحديثة

 

 مولود جابر الدوري

 

 اللغة هي واسطة التشخيص، والتشخيص هو خلق أناس يحيون حياة طبيعية تدفعهم وتحركهم أهواء وميول الإنسان العادي في الواقع، فوظيفة القاص حين يرسم أبطال قصته ان يهيئ لهؤلاء الأبطال الجو الطبيعي الذي يحيون فيه حياتهم العادية : أشخاص من لحم ودم : يغضبون ويفرحون ويتمنون ويفكرون، يجري في عروقهم دم الحياة ويحركهم ما في الحياة من نوازع وقيم وفكر .

 فليس البطل في القصة رمزا باهتا أو آلة مسخرة تعمل بلا حياة لتحقق للمؤلف فكرة معينة أو مبدأ يعتقده ويدعو إليه، ولما كان المطلوب من القاص أن يرسم أشخاص قصته على هذه الصورة فلابد أن تكون اللغة واسطة معبرة عن تلك الشخصيات مصورة لها وأن تلائم شخصية كل فرد في القصة وتتناسب مع مكانته الاجتماعية والعقلية، اذ المعلوم أن الفرد يعبر عن أفكاره وآماله وعواطفه بالألفاظ وهذه الألفاظ أو اللغة وسيلتنا في معرفة أفكاره وعواطفه وميوله .

 ونحن حينما نطالب بأن تكون اللغة في القصة متناسبة مع مكانة الفرد الاجتماعية فليس معنى ذلك اننا نطلب أن يتكلم العامي في فصول القصة مثلا بالعامية، وأن يتكلم البصري الذي نترسم شخصيته في القصة بلهجته البصرية العامية، ليس المطلوب هذا، المطلوب أن يعبر المؤلف عن آمال هذا البصري وعواطفه ودوافعه هو بلغة فصيحة والا يكون هناك تفاوت بين شعور هذا البصري العامي وسذاجته وبين لغته التي يعبر بها عن ذاته كأن يتكلم بلغة المنطق والجدل عن أشياء أعلى وأرفع من أن تسعها عقليته الساذجة أو تدركها حواسه، أشياء يفكر المؤلف بها ويدفعه على التحدث فيها فلا يستطيع فيكون كالببغاء التي تردد الألفاظ دون أن تدرك معناها .

 وقد شاع أن العامية أصلح وأدق في التعبير عن شخصيات الأفراد في القصة لأنها هي اللغة التي يتكلمها الأفراد فعلا، وقد نتج عن هذا أن درج مؤلفو القصص المحدثون القصص بالعامية وجعلوا أبطالهم يتكلمون بها ثم راحوا يتحدثون عن صلاحيتها للتعبير ويدعون الأدباء إلي القص بها .

 وهذا لعمري غمط كبير لحق الفصيحة وعدم اعتراف بقدرتها على تصوير كافة حالات النفس البشرية وما يصطرع فيها من دوافع ورغبات وميول، فالمعروف أن العربية الفصيحة فيها من المفردات والميزات ما يجعلها قادرة على تصوير حالات النفس البشرية ورسم أنواع الشخصيات .

 فهي تستطيع أن تعبر عن أفكار الجاهل ورغباته وعن سذاجة الفلاح وضحالته وسطحية تفكيره وعن خبث اللص وتحايله ونـزعات المجرم واندفاعاته وخسيس أهوائه، وتستوي في ذلك عندها سهولة التعبير عن نفس رغبات الفرد اللبناني أو السوري أو المصري أو العراقي . فليس الذنب إذن ذنب اللغة الفصيحة، إنما الذنب هو ذنب المؤلف وسطحية تجربته وعدم تمكنه من أن يعيش تجارب الآخرين أو تجارب أبطاله بالأحرى، وعدم استطاعته أن يعبر عن الفكرة أو العاطفة أو الانفعال الذي يضطرب في عقل ونفس الفرد في القصة لأنه لا يستطيع أن يحس ذلك أو يتصوره .

 ثم هل العامية على التعبير عن كافة ما يراود الفرد من انفعالات وأماني وأخيلة وفكر ؟ .

 هناك بعض الأخيلة والانفعالات والفكر لا تستطيع العامية أن تعبر عنها لأنها لا تجد الألفاظ العامية المطابقة أو المناسبة للتعبير عنها فتلجأ حينئذ إلي اللغة الفصيحة مستعيرة وكلما أرادت أن تعبر عن المعاني الدقيقة الرفيعة حاولت الاقتراب من الفصيحة لذلك نرى أن » أكثر الألفاظ العامية عربية أصابها التحريف في النطق للتخفيف والتيسير « إن قولنا بمبدأ صلاحية العامية للتعبير في القصة تشجيع لنوع من الأدب الإقليمي الضيق المحدود بحدود اللغة العامية قد لا يجد صدى عند أصحاب اللهجات العامية الأخرى فالعراقي لا يستسيغ أو قل لا يفهم وهو يقرأ بالعامية اللبنانية ويفضل قراءتها باللغة الفصيحة .

 اننا إذا أخذنا بهذا المبدأ فإنما نقدم بضاعة للاستهلاك المحلي غير قابلة للتصدير خارج حدود العامية التي يتكلمها كل قطر، ونحن ألم يكفنا تضييق الحدود السياسية لنفتح لنا حدود أخرى . تمنعنا من التجاوب والتأثر بما يكتب أدباء الأقطار العربية ؟ اللغة الفصيحة مظهر من مظاهر وحدتنا وكل مخلص لهذه اللغة الفصيحة ذائد عن حماها من العبث وداع لمدها بالعوامل المحددة والوسائل الميسرة لتكون رابطة فكرية وصلة وجدانية بين الشعوب التي تتكلم بها .

 نقطة أخرى يسوقها مؤيدو العامية وصلاحيتها للتعبير وهي طبيعية اللفظة الفصيحة، فالمعلوم أن للألفاظ أرواحا كما يقولون وأن هذه الألفاظ ميتة ما دامت في المعاجم وأن المؤلف هو الذي يهب الحياة لتلك الألفاظ باختيارها مع مشتقاتها بحسه المرهف وشعوره بما توحيه معانيها من ظلال واستعمالها في المحل المناسب ثم ان لكل لفظة درجة من الإيحاء والموسيقى التي يعبرون عنها بهارومونيكا الألفاظ . والفنان هو الذي يستطيع أن يجد المحل المناسب للألفاظ وأن يناسب بين موسيقاها ليحقق الإيحاء والتأثير لأن الأدب توصيل وتأثير كما يقولون أيضا ان شأن المؤلف هنا شأن الرسام الذي ينتقي الألوان ويمزجها بعناية وخبرة ليجسم المنظر لعين الرائي فيثير إعجابه .

 فهل يحقق مثل هذا في الألفاظ العامية ؟ هل نجد فيها ذلك الإيحاء وتلك الظلال والذكريات التي نجدها في الألفاظ الفصيحة .. ؟ .

 إن كل هم العامية هو ان توصل الفكرة بسرعة وبصورة مباشرة دون أن تحفل كثيرا بالتأثير ونحن في أكثر الأحيان نعشق الكلام ونردده لأنه يوحي لنا وتعجبنا موسيقى ألفاظه فنتأثر أكثر من تأثرنا بالفكرة أو المغزى الذي يحمله .

 فالعامية تعتمد على التوصيل أكثر من اعتمادها على التأثير، والأدب قبل كل شيء تأثير وإيحاء وتنشيط لمواطن الحس بالجمال ثم هي ـ أي العامية ـ تبقينا في جو الحياة العادية الجافة ولا تصلح إلا للتعبير الأدبي الساذج ونحن نريد أن نسمو بالحياة عن طريق الفن والأدب منه فلا يمكننا أن نرتفع إلي تلك إلا على أجنحة اللغة الفصيحة وقدرتها على التعبير والتأثير .

 

 

 

مهدي عيسى الصقر والمجرمون الطيبون

 

 بدر شاكر السياب

 

 سوق الهرج في البصرة ... والشيخ هاشم الجواهري، في مكتبته الصفراء يتحدث من خلال لحيته البيضاء عن البرزخ الذي تعيش فيه الأرواح قبل يوم الحساب وعن حوريات الجنة ولكن الشاب النحيف الجالس قبالته لا يستمع إليه . فأولى به أن يعرف كيف يعيش الأحياء في هذه الأرض .

 وأبناء الريف يحملون معهم إلي المدينة زاد الشتاء المطل .. وزاد ليالي الشتاء ألف ليلة وليلة وقصة عنترة، والمقداد والمياسة، والشيخ الملتحي لا يتساهل في أسعار الكتب ... ومهدي عيسى الصقر، يتطلع في وجوههم ويحلم بقصص يكتبها هو لهؤلاء وعن هؤلاء .

 أبطال قصصه يبحثون عن الحب خلال بحثهم الدؤوب عن الخبز ... عن الحب الذي لا يكلف مالا ولا وقتا، عن حب يومي كالخبز اليومي . هذا » حنتوش « في ذلك الحي المظلم المزدحم بصرائف الطين، المعروضة للبيع ليس في جيبه غير درهم . واستقبلته امرأة ذاوية بابتسامة لا روح فيها » أهلا بالشباب . تفضل « فيسأل » أول بيش « ؟ وحين تقول » درهمين« يحدق حنتوش فيها فلا يجد ما يغري سوى بياض بشرتها ويساومها وتساومه حتى تقول » سبعين أي ابن الحلال أكو واحدة تنطيك نفسها بأقل من سبعين فلس ؟ « وهذا « علي » الحلاق يشيع رأس الفتى ذو الشعر اللامع المصفف حتى يختفي في الزحام، ثم يلتف إلي الصغير الذي كان ينظف بلاط الدكان مما تساقط عليه من شعر الزبون .

 ويسأل » ليش تأخرت اليوم ؟ « فيرفع كاظم عينيه في شيء من الخوف، ويجيب «أبوي ضرب أمي « ويثير هذا الجواب فضول الحلاق، فلا يسأل عن العلاقة بين تأخر الصبي وبين ضرب أبيه لأمه، وحين يعرف أن « هندال » ضرب زوجته لأنه كان سكران ... يسترسل في حلم طويل، يتمنى فيه ويشتهي، ويتذكر .. وتلح صورة أم كاظم عليه، جسدها المكتنـز، والخرق الصغير في ثوبها الرث يكشف عن لحم كالحليب، شدت إليه عيونه . كان قد اضطر إلي استبقاء كاظم في الدكان إلي ما بعد الثامنة ليلا ... فجاءت أمه قلقة تسأل عنه والليلة، الليلة سيستبقي الصغير إلي ما بعد الثامنة علها تأتي ...

 وحتى « عوفي»الذي يقبع هو وخرافه الخمسة في ظلمة الليل والضباب في انتظار «قطار الحمل » ... حتى«عوفي»يبحث عن الحب في أثناء انتظاره للقطار . جاء قطار الركاب، ووقف في المحطة . وكانت العربة التي أمامه من عربات الدرجة الأولى ومن خلف زجاج النافذة تراءى لعوفي وجه فتاة فاتنة .. وعوفي يحدق فيها بشراهة . وصرخ القطار، فتنبه عوفي وراح يشبع نظره من هذه الحسناء ...

 ومهدي عيسى الصقر مخلص لفنه لا يكتب إلا وهو ممتلئ أن أشخاص قصصه هم الذين يفرضون عليه أن يكتب كأنهم ينضجون من أعماقه فيوشك ان يختنق إن لم يكتب . وهو يعيش كل لحظة من حياته يقرأ ويلتقط، ويختزن التجارب والملامح، والأحاديث والعواطف .

 كان منذ بضع سنوات يملك دكانا صغيرا يبيع الأقمشة فيه ويكتب القصص فيه أيضا . كان الزبون، في نظره نموذجا بشريا قد يصبح بطلا لقصة ... وليس مشتريا لم يكن يصبر على مساومة الزبائن، الا الذين يخمن من مظاهرهم، ان فيهم زادا يتزود منه القصاص فيه لا التاجر، وخسر تجارته ولكنه ربح نماذج لقصص منها ما ظهر ومنها ما سيظهر ذات يوم .

 يوازن في قصصه بين العالم الداخلي والعالم الخارجي فهو يجمع في قصصه القصيرة بين طريقتي دستوفسكي وتولستوي في كتابة الرواية ولكنه لا يهتم بوصف ملامح أبطاله الخارجية وإنما يقصر اهتمامه على وصف حركاتهم، والإطار الذي يتحركون فيه ولعل هذه حسنة من حسناته، وليس عيوبه لأنه لا يترك المجال مفتوحا أمام القارئ ليختار الملامح التي يريدها لهذا البطل أو ذاك، بعد أن عرف مهنته ومنـزلته الاجتماعية، وأسلوبه في التحدث، وبعد أن عرف انفعالاته وردود أفعال الآخرين إزاءه .

 أكثر شخصياته من الفئة الريفية الفقيرة النازحة إلي مدن يراها هؤلاء القرويون مدنا بالقياس إلي الريف .. أو من عمال المدن

 ويكتب عن تجاربه هو أحيانا، فيكون البطل من الطبقة الوسطى، من سكان المدينة وبما اجتذبته حياة اللهو فيها فترة من حياته ولكن الريفي الكامن في أعماقه في النهاية ... وتنتصر الحياة الزوجية المستقرة، بين بكاء الأطفال وضجيجهم الحلو هذه هي الحياة التي يعرفها القرويون ويؤثرونها أكثر مما يعرفها ويؤثرها أبناء المدينة .

 والحوار في قصصه تبعا لهذا باللغة الدارجة إذا كان الأبطال من الفئة الأولى، وبلغة هي بين العامية والفصحى، إذا كانوا من الفئة الثانية ومهدي عيسى الصقر متمكن من السيطرة على الحوار ... فهو ينبض بدفء الحياة ولا تشعر فيه بتكلف ولا اصطناع فلنقرأ هذا المقطع من قصة الضباب :

 » ويدس عوفي يده في جيب سترته الممزقة ويخرج بضعة دنانير هي ثمن الخراف الخمسة التي باعها في المدينة ويعد النقود للمرة العاشرة وتنظر إليه » نوفة « من طرف الكوخ وتحك بأظافرها الطويلة رأسها الأشعث، ثم نسأله

 ـ عوفي موش تريد تبيع الهايشة ؟

 ـ ولج الهايشة نافعتنا نبيعها ونسكت ؟ شلون ؟

 ـ إذا ما تبيعها يكتلها الغطار مثل ما كتل هايشة بيت زاير فرهود «

 ولنقرأ بعد ذلك، هذا المقطع من « بكاء الأطفال »انه يود لو قام القطار قبل موعده لتهدأ قليلا لكن ابنه لا يزال يبكي، فالتفت إلي زوجته :

 ـ اشغليه بحق السماء

 ـ بماذا اشغله

 ـ ضعيه على صدرك

 ـ قلت لك ليس فيه لبن

 ـ اعلم ذلك، دعيه يمتص لعله يسكت .

 ـ والى متى ؟

 ـ إلي أن ينقطع نفسه، او ينقطع نفسي

 لم يصدر مهدي عيسى الصقر سوى مجموعة واحدة من قصصه هي« مجرمون طيبون»التي طبعت عام 1954 . في هذه المجموعة تسع قصص كانت أحسنها «الطفل الكبير » و «الضباب»و «عواء الكلاب » و« هندال »و «بكاء الأطفال » و «الطفل الكبير » أحسن هذه القصص الخمس وفي هذه المجموعة قصتان فاشلتان هما «مجرمون طيبون » و « القطيع القلق » .

 وندرك من التسلسل الزمني لقصص هذه المجموعة ومن القصص التي نشرها في مجلتي «الآداب » و «الأديب »بعد صدورها، ان هذا القصاص النابغ يتطور بسرعة عجيبة.

 ومهدي الصقر، يعد من بين كتاب القصة القصيرة اليوم في العالم العربي كله .

 ويعكف مهدي الصقر الآن على كتابة قصة طويلة«رواية » قضى أربع سنوات من حياته وهو يعيش مع أشخاصها وتدور حوادثها في «الفاو  » في أقصى جنوب العراق، حيث تتصارع بقايا الحياة القروية مع طلائع حياة المدينة، التي تغزوها مع النفط وعماله .

 

 

 

 

عبقرية لم تعرف حقها من التقدير

 

 

 بدر شاكر السياب

 

 يقول الناقد، الشاعر، الإنكليزي « ستيفن سبندر » إن شعراء العصر الاليزابثي الذين كتبوا المسرحيات الشعرية وعلى رأسهم شكسبير، ليكونوا من كتاب الرواية، القصة الطويلة، لو أنهم عاشوا في عصرنا هذا . ويقسم سبندر الرواية إلي قسمين شعرية و نثرية . ولا يقصد بالرواية الشعرية التي تكتب بكلام موزون ومقفى، أو غير مقفى، بل التي تكتب بأسلوب شعري، وأن يكون أبطالها رموزا لفكرة من الأفكار، وأشخاصا من لحم ودم في آن واحد، وأن يكون جوها شعريا .

 واذا كانت الروايات الشعرية التي ظهرت حتى الآن قلية العدد فان القصة القصيرة أخذت اليوم تقترب من القصيدة الشعرية بصورة ملموسة، شواهدها كثيرة

 ومن القصاصين ـ الشعراء، وهم قلة في أدبنا العربي حتى الآن، عبد الملك نوري بل لا أغالي إذا قلت أنه خيرهم، واغناهم فنا وشاعرية . فهم عبد الملك نوري الواقعية كما لم يفهمها الا القليلون من الأدباء، شعراء وناثرين، ومن الفنانين رسامين ونحاتين وتحول هذا الفهم عنده، إلي عمل، إلي قصص قصيرة، كما لم يتحول الا عند قلة من هذه القلة .

 كل قصة من قصصه الناجحة، وهي تكاد تكون ناجحة كلها، جديرة بدراسة تخصص لها .

 أقول الحق الصراح، الذي لا يجامل ولا يجحد ؟؟ ان مجموعته القصصية الرائعة «نشيد الارض » سدت الفجوة الواسعة بين القصة القصيرة في الأدب العربي ومثيلاتها في الآداب الاوربية، وألحقت ركبها المتأخر أجيالا، بركب القصة القصيرة التي تخطت القرن العشرين باعوام سبعة .

 في قصص عبد الملك القصيرة أحسن ما في روايات دستويفسكي من ميزة : ان المسرح الذي تدور فيه اكثر » احداث « القصة هو نفس البطل، أو ذهنه أو ضميره سمه ما شئت !! إنه العالم الداخلي . والأحداث التي نسميها كذلك مجازا هي حشد من الذكريات والتمنيات، والأحلام، والهواجس . وقليل من أحداث القصة فحسب يحدث في العالم الخارجي ذلك أن أبطال عبد الملك نوري أبطال منهزمون ... كان الواقع، بكل تعقيداته ومنطقه الذي هو ليس منطقا، أقوى منهم، أقوى من امكانياتهم كأفراد، فهربوا إلي «العالم الآخر « إلي نفوس يلوذون بها من الواقع الذي خيبهم .

 ابطاله شخصيات » هاملتيه« يتكشف ضعفها أمام اعينها وأعين الناس حين تعمل، وهي تدرك هذا في أكثر الاحيان، ولذلك تنفر من العمل ... المضطرة إليه .

 المونولوج الداخلي عند هذا القصاص العبقري عنصر أساس من عناصر القصة ومن عناصر الشعر فيها، بل لعله عنصرها الأهم .

 وينفرد عبد الملك بين كتاب القصة القصيرة في الأدب العربي جميعا بأنه يستخدم «الرمز» في قصصه، وينجح في ذلك نجاحا يكاد لا يجاري .

 أهناك شبه بين أبطال عبد الملك نوري وبين » الرجال الجوف « كما صورهم الشاعر الانكليزي ت . س . اليوم في قصيدته الرائعة عنهم ؟ ! لا أدري . ولكن » الظل « أو الستار الذي تحدث عنه » الرجال الجوف « مائل في كثير من قصصه :

 بين الفكرة والواقع

 بين الحاضر والعمل

 يسقط الظل

 والستار، الظل، أو الحجاب، بين إرادة الشخصيات « الملكنورية » نسبة إلي عبد الملك نوري ـ وبين الواقع، لا يسقط لان الملكوت ـ حسبما نقرأ في » الرجال الجوف « ولكنه يسقط لأنه لغير الله، لله تعالى .

 بين الفتاة « في قصة العاملة والجرذ والربيع  » أو بالأحرى، بين أحلام الفتاة وأمنياتها، وبين الواقع، يقوم سياج الحديقة الذي اتكأت عليه تصغي إلي الأنغام الموسيقية العذبة المنبعثة من ابهاء القصر، وتحلم بعالم » سندرللا « وبين السكير الكهل « في قصة الجدار» وبين ابنه الشاب، يقوم الجدار .

 وبين الشاعر الحالم « في قصة غثيان » وبين جسد المرأة العارية، يسقط ظل عينيين كأن ظل « سينارا » في قصيدة داوسن الرائعة » البارحة، آه من ليلة البارحة، فبين شفتي وشفتيه سقظ ظلك ياسينارا » .

 ولكن الشاعر في قصة عبد الملك اصيب بالغثيان وسقط الظل بينه وبين المرأة قبل أن يقبلها .

 وفي بعض الأحيان، يعجز أبطال عبد الملك نوري حتى عن تحقيق أمنيات بسيطة للغاية . فالديك النذر الذي تحمله المرأة الريفية في « قصة ريح الجنوب » إلي ضريح الشيخ محيي الدين، يفر من يديها وهي في القطار .

 قصة واحدة من قصص هذه المجموعة، فيها شيء من الأمل، فيها انتصار وقتي على الواقع، هي « نشيد الأرض » ... انه مجرد حلم، لا يغير من الواقع شيئا . ولكنه انتصار على كل حال .

 وبعد فهذه مقدمة قصيرة لدراسة واسعة لقصص هذا الكاتب العربي العبقري انوي تقديمها في فرصة سانحة .

 وان لمما يخجلنا، كنقاد للأدب، أو متذوقين له، أن تقوم بيننا عبقرية كعبقرية عبد الملك نوري، دون أن نوفيها حقها من التقدير .

 

 

درب المرهقات

 

 

 عبد الجبار داود البصري

 

 صدر هذا الكتاب في البصرة بعد أن ران الجمود والانطواء على أدبائها . وقدمه المؤلف بأسلوب متواضع، وألفاظ قلائل مدعيا أن كتابة المقدمة الطويلة تقيد القارئ وقد تغشه في أحيان أخرى ولعله لم ينتبه إلي أن المقدمة لا تصل ذلك الهدف إلا إذا لم نكتب بإخلاص وعفة ولعله استهان بعقلية كل قارئ واعتبره كتلة لينة تتكيف بتلك السهولة التي تصورها !

 ليس للفكرة المفصلة والفلسفة مجال في هذا الدرب وليس للشخصيات التي تمثل طبقة من الطبقات أو مثلا من المثل العليا مجال في هذا الدرب وليس للحوادث التي تؤرخ وعي الشعوب وأمجادها مجال في هذا الدرب ولكنها ملاحظات عابرة تقتطع من الحياة اقتطاعا، وتكون أحيانا ملاحظات عميقة تتناول صميم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأحيانا ملاحظات من نافذة صغيرة عالية عن الأرض ولعل المؤلف يعي حقيقة الأقصوصة حين يقتصر على حادثة عابرة مفردة وفكرة واحدة ويكون أكثر انسجاما مع المفاهيم النقدية التي تروى عن ادكار الان بو .

 وفي هذا الدرب بساطة وعفوية أقرب إلي السذاجة وهما من متطلبات القصيدة لا القصة تقريبا . ويؤدي الحوار في أكثر القصص مهام فنية وهو أشبه بالمونولوج الداخلي ولكن كتابة الحوار باللغة العراقية العامية تضاءلت ميزاته بعد حركة الاتحاد وتقدم القومية العربية في سبيل التكتل والتضامن .

 وفي القصص بعض التعابير التي لا تقرها الأخلاق الشعبية والتقاليد الدينية ولا المثل العليا وحتى افتراض واقعيتها لا يبرر تدوينها بلا إشارة استهجان كقوله مثلا » بنت الكلب أمي كانت تجرني من أذني الخ « إذ ليس من الصواب أن يقال هذا عن الأم التي يعرفها النجم والعتمة ويكبرها التاريخ والعقيدة .. إني آسف أن تعبث الأقلام بجهودها ودموعها ورفات قلبها وخفقانه

 ولا أدري أقصد المؤلف أم لم يقصد إلي أن ترتبط جميع قصصه برابطة القلق .. فهو لا يلاحظ في المرأة إلا القلق، ولا يلاحظ في الشاب الا القلق، ولا يلاحظ في الشيخ إلا القلق .. انه قلق ينتاب الطبقة الفقيرة والطبقة الثرية .... والقلق في رأي بعض المفكرين هو التعبير الصادق لروح الأزمنة الحديثة ولا أدري أيرتاح المؤلف لهذا التأويل ام لا ؟ أما أنا فأرى القلق خاصة بأولئك الحفنة الذين لم يواكبوا الحياة وفقدوا ثقفتهم بالغد لإفلاسهم ولأن نفوسهم حشيت بالقش .

 وتنفق القصص بوجود موازنة واعتدال بين عدد الرجال والنساء، وانه أعطى للمرأة حقها فهي وراء البائس والثري، والشيخ والشاب، ولكنه أهان الرجال باعتباره إياهم أزياء نسائية وجردهم من الثقافة والمبدأ والعقيدة والعمل المستمر في أكثر قصص المجموعة .

 وتمتاز أكثر الشخصيات التي عرضها بالجبن والضعف والخور، كما تمتاز بالمرض النفسي أو الجثماني، وأكثر الشخصيات ذاتية تدمن التفكير مع نفسها ولنفسها ولا تنفتح هذه النفوس أبعد من حدود الأسرة ونداء الغريزة .. ولعل من الجرأة أن نربط بين العقيدة الرومانسية والخور والقلق والانطوائية والأنانية وبين شخصية المؤلف على اعتبار الكتاب مرأة صادقة للمؤلف .

 إن هذه المجموعة من الأقاصيص تبشر بالخير، وحبذا لو كانت المجموعة كلها من قبيل «سياط كانون « و » طريق الليل « لأننا في حاجة إلي من يلاحظ هذه الأوضاع حتى ولو كان من زجاجة كأس .

 وفي الختام أرجو للمؤلف مستقبلا أفضل في الحبكة القصصية والفكرة المبدئية والمادة النحوية وقوة العبارة وأرجو أن أكون عند حسن ظنه .

 

 

 

 

نقد قصص العدد الماضي

 

 

 نازك الملائكة

 

 تعطيني القصص الثلاث المنشورة في العدد الماضي من » الآداب « فرصة لتشخيص صنفين من أصناف القصة العربية المعاصرة، الصنف الذي يستمد ملامحه من بيئتنا العربية وتمثله قصة سميرة عزام، والصنف الذي لا يتطلع إلا إلي نماذج القصة الأوربية حتى يكاد يصبح فنا هجينا لا هو بالعربية ولا بالغربية، ومنه القصتان الأخريان اللتان تختلفان في خطوتهما العامة على الرغم من وحدة الموقف الذي تتخذانه بازاء الفكر الأوربي، ومع انني قد تحاشيت أن اتحدث عن » القصة « كمضمون عام إلا ان تناولى للأقاصيص الثلاث كان على أساس كونها نماذج غير مقصودة لملامح القصة العربية ومشاكلها .

 « أطفال الآخرين » لسميرة عزام

 

موضوع هذه القصة تحليلي وقد استندت الكاتبة إلي مشاهداتها النفسية الاجتماعية في تسليط الضوء على نفسية رجل طبيعي يجابهه الطبيب بأنه لن يرزق أطفالا . وكان التحليل موفقا وقد رقرقت الكاتبة فيه عواطف غزيرة دافقة، ومست الموضوع لمسات مرهفه لم تحرمها واقعيتها الصارمة من الطابع الشعري الجمالي . وتلك مزية عامة نلمسها في قصص سميرة فهي تصف الواقع وصفا عاريا لا تحاول أن تلطفه بأي شيء، غير أن ذلك لا يفوت عليها الفرصة لرقرقة الجمال في صورها . وهي تثبت بذلك أن الشعرية مبذولة في كل ما حولنا من مظاهر الحياة وإنما ينبغي أن يملك الكاتب عينا تتذوق وعاطفة تتلقى .

 وموضوع » أطفال الآخرين « وتفاصيلها كلها عميقة الصلة بالمحيط العربي المحلي وتلك أيضا مزية نذكرها لقصص سميرة، ولعلها مزية كل قاص حقيقي . انها تنظر حولها وتلتقط الموضوع، ولا أذكر أنها قد استمدت قط موضوعا من وحي القصص الأوروبية، أو حتى من مجرد خاطرة نظرية عابرة تمر بذهنها دون أن يتاح لها أن تعانيها، إن حكاية » أطفال آخرين « تجري في حياتنا كل يوم، ولئن كان مثل ذلك لا يكفي لخلق قصة ناجحة فانه ولا ريب أحد عناصر النجاح . ذلك ان الموضوعات المحلية موضوعات تعاش وتمتلك حيوية الحياة، والكاتب يحسن التعبير عنها لأنه عاناها وهو يرقب قريبا أو جارا أو حتى وهو يسمع حكاية في سهرة ما . وما من شيء كالحياة يغذي القصص الناجحة .

 ومن هذا الموضوع صنعت الكاتبة هيكلا له بدايته ونهايته، ومن الحق أن نلاحظ أنه هيكل متماسك ليس فيه ثغرات ولا حشو . تبدأ القصة بالرجل الحساس الطيب وهو يغادر عيادة الطبيب وقد ضاق الوجود في عينيه، وتنتهي به وهو يخرج من سلبية اليأس ويقرر أن يثق بالوجود ويقاوم صوت الظلام في كيانه، وذلك موقف طبيعي مستمد من الواقع الإنساني، فالحياة ترفض أن تستسلم والإنسان يصارع ويرفع رأسه محاولا أن يصير الظلام نورا باهرا وحرارة متفجرة . وذلك هو المعنى العام وراء سلوك بطل القصة . وخلال ذلك تقدم الكاتبة عرضا مركزا لمشاعر الرجل وآماله وجراحة وحيويته، وتنجح في رفع الأزمة إلي ذروتها حين يجلس الرجل مهدما محزونا وتصر زوجته ـ التي تسلك ببراءة ـ على أن تنكأ جراحة بالتطلع إلي أطفال الآخرين ذوي الرؤوس الشقراء والسوداء.

 وإذا كان لنا انتقاد نوجهه إلي هيكل القصة فهو ان الخاتمة كانت أضعف من أن تكفي لإنهاء القصة واكمال هيكلها . ذلك ان سميرة قد صرفت مجهودا في بسط ظروف الرجل النفسية وما سببه له الموضوع من الم وحيرة وقد نجحت بذلك في خلق مشكل استثارات به عواطف القارئ وألهبت تطلعه إلي حله . ومن ثم فعندما جاء هنا الحل على صورة خاطرة عابرة سريعة نبض بالأمل في نفس الرجل . كان ذلك غير كاف لا شعارنا بأن أزمتنا التي استثارتها سميرة قد انفجرت ومما يضيق إلي ذلك أن الحيز المكاني الذي عرض المشكل كان كبيرا جدا بينما لم يستغرق الحل الا أسطرا، وذلك يشعر بعدم التناسب بين الأزمة وحلها ويترك في نفس القارئ عطشا لم يرتو . وقد يكون مهما عند هذه النقطة من تعليقنا أن نؤكد أننا لا نصر على أن يكون الحل متفائلا، فالحياة أحيانا قاسية . وإنما نتطلب الحل الدرماتيكي الملائم وذلك لا يكتمل الا بتوازن القوى الفعالة في القصة فتجيء الخاتمة كفوءا للأزمة بحيث تحلها وتقنعنا بأن القصة قد انتهت سواء على هذا الوجه أو ذاك . والحق أن القصة كانت تحتاج إلي خاتمة أقوى، مثل أن تعلم الزوجة بما حكم به الطبيب فتظهر لزوجها من الحب والتفهم والتقدير ما يسنده في أزمته وينتشله من ألمه، وإذ ذاك تجيء نافذة الأمل والحياة أكبر وأكثر ضياء . ذلك الرجل في قصة سميرة يصارع همه وحيدا، والقارئ يشعر أن زوجته لا تشاركه ما يعانيه . وذلك موحش بحيث يسدل ستارا على كل أمل وبذلك تبقي الأزمة غير محلولة .

 أما التحليل النفسي فهو العنصر البارز في هذه القصة الجميلة، وقد نجحت الكاتبة في أن تصنع لوحة اجتماعية محلية مكتملة . وكان الزوج المصدوم هو واسطة التصوير، فهو صاحب النظرة ومن خلال مشاعره وجراحه رأينا مشاهد الحياة الاجتماعية التي نعرفها حولنا . ولم تحاول الكاتبة أن تضفي زينة أو تجميلا على هذا المجتمع وإنما رسمته كما هو . ولعله ليس من المقبول أن نلوم سميرة على أنها منحت بطلها حساسية مبالغا فيها وأنها جعلت ألمه موضوع كرامة وكبرياء فان نماذج هذا الإنسان موجودة في مجتمعنا الذي ألف الكبت والكتمان وعدم الصراحة .

 وقد نجحت سميرة عزام في تمييز القصة وتلوينها .. الزوجة مولعة بالأطفال وفيها خصلة حماسة غير عادية تتدخل من شرفة منـزلها سائلة المعلمة في مدرسة الأطفال أن تصفح عن طفل مشاغب فلا تحرمه من اللعب، وبحيث تعرف اسماء الأطفال واحدا واحدا.

 تلك هي الخصلة الحلوة فيها، ولعلها معارضة لشيء من البرود نلاحظها عليها إزاء زوجها، فهي لا تلاحظ أنه مهموم هما شديدا ذلك اليوم، كما أنها لم تكن حساسة في ملاحظتها » قل لامك انني قصدت الطبيب ... وان نتيجة الفحص أكدت صلاحيتي للأمومة

 والزوج طيب وحساس ومتشائم، وشخصيته أكثر تناسقا من شخصية الزوجة . وهو على العموم إنسان متوحش لا يحس بالاستقرار حتى مع أقرب الناس إليه وربما كان ذلك بسبب غزارة غير عادية في عواطفه وحب عظيم للحياة والواقع أن زوجته أقل حساسية منه وان كان ذلك لا يسره بشكل خاص . على أن الاثنين يتصفان بشيء من العنف ينشأ عن مبالغة في الكبرياء .

 وقد نجحت سميرة في تصوير الشخصيات الجانبية، واغتنت القصة بخلفية عذبة من حركات الأطفال وحكاياتهم . سمير يتمرد على المعلمة ويستأثر بالدراجة، وخالد يصر على أن يجعل القطة تجلس في الأرجوحة ليهزها حتى إذا قفزت هاربة أعادها بالقوة ومها تبدع في الرقص، والنافذة تأتي دائما بمنظر الوجوه الصغيرة، ويكون آخر ما نراه منها صورة الأيدي البضة ترتفع لتحيي الرجل اليائس وتعيد إليه الأمل في الحياة والسعادة .

 

 «الألوان » لمى يتيم

 

 لعلنا لا نخطي لو وضعنا قاعدة تجري هكذا : »كلما كان الأثر الأدبي أكمل بناء وأوضح موضوعا كان اختيار عنوان له أسهل على الكاتب

 وذلك لان الأثر الأدبي الكامل يحمل في ثناياه عنوانا صريحا ينادي، فلا يحوج الأديب إلي البحث . وإنما البحث الحق عن الموضوع والهيكل الذي يصارع فيه ذلك الموضوع ولسوف ينبثق العنوان بعد ذلك جاهزا ويقدم لنا نفسه . وعلى ذلك يمكن أن نحكم بأن الآثار الأدبية الهزيلة التي لا تملك هدفا فنيا واضحا هي وحدها التي يتعب المؤلف في اختيار عنوان لها . وفي هذه الحالة يمكن أن تقترح عناوين غير قليلة يعوض أحدها عن الآخر لأنها كلها غير واضحة فهي تصلح عنوانا لأثر غير واضح المعالم .

 وأنا أميل إلي أن أصنف قصة مي يتيم في الصنف الثاني . إن عنوانها » ألوان ....« عنوان عام لا يصف شيئا ولا يعين شيئا، وقد زاده التنكير ضبابية وضياعا، فكان في ذلك جزء من أقصوصة لا تملك من مقومات الفن القصصي شيئا معينا . وللأسماء ـ كما يقول العرب ـ نصيب من مسمياتها

 ولعل أهم ما ينقص هذه القصة هو وجود أزمة، وقد نسيت الكاتبة ـ ويشفع لها أنها ناشئة ـ أن الأصل في كل قصة حكاية وأن تقص علينا حادثا سرعان ما يصل إلي مستوى الأشكال فيثير اهتمام القارئ وإذ ذاك يأتي الحل نوعا من الفرح والاستقرار . وقصة » ألوان .... «خالية من هذه الأشكال خلوا تاما . انها لا تملك ذروة متأزمة وإنما هي » مسطحة « كليا من بدايتها إلي آخر حرف فيها كادت تصبح نوعا من الذكريات تصف يوما عاديا من حياة رسام . حقا ان للقصة موضوعا واضحا هو حياة فنان في يوم ما من حياته، ولكن هذا الموضوع لم يصغ في كيان فني من أي لون فلم تحدث الكاتبة عقدة للحادث وإنما تركت الخرز مبعثرة لا يشدها خيط . حسن الفنان يخرج إلي الشارع وهو يشعر أنه فاشل في فنه، وهناك يلتقي بصحفي يصفه هو نفسه بأنه » لسان ثرثار « وهذا الصحفي يحكم على حسن بأنه » فنان كبير « . ثم يلتقي صاحبنا بفتاة يصفها بالسطحية وبأنها » ليست فنانه « وبأنها » كالببغاء « وهذه الفتاة تشعره بأهميته كأستاذ في فنه . واذ ذاك يعود الفنان إلي غرفته وهو يشعر بأنه » لم يفشل « فأين العقدة في هذا كله ؟ وماذا كان الحل ؟ لا ريب في أن مي يتيم أرادت التعبير عن فكرة ما، غير أنها في الواقع لم تحسن خلق الإطار القصصي المثير الذي تصوغ فيه الفكرة ولذلك تبدو قصتها بلا فكرة ولا عقدة .

 وقد كانت في التأليف ـ ما عدا ذلك ـ عيوب فرعية أبرزها ذلك ذو الطبيعة المقالية عن المنظور والألوان فالمرء يشعر أنه دخيل في القصة . ان الخروج بحكاية من سياق الأحداث إلي سياق تقرير الحقائق العلمية والمناقشات التكنيكية أمر قد يرد في القصص والمسرحيات الرصينة أحيانا، ولكنه ينبغي أن يكون دائما جزءا من الأحداث بحيث يلقي ضوءا على نفسية الأشخاص أو يساعد على تقدم لحكاية والا عاد أشبه باستطراد علمي ليس له مكان فني .

 ومن عيوب قصة » ألوان « أن الأحداث فيها كانت بلا غاية . قد يقال في الدفاع عن وجود حادث ما في قصة ان مثل ذلك يقع في الحياة . والجواب على ذلك أن القصة الفنية المؤثرة لا تقص كل ما في الحياة وإنما تختار وتركز لكي تحدث تأثيرا حادا مباشرا . ان الحياة منثورة غير مبلورة ولا مركزة والقصة تعزل كل ما هو ضروري حاد التأثير وتضمه في إطار . وعلى هذا الأساس نتساءل : ماذا كانت قيمة الأحداث في قصة مي يتيم ؟ لقد داس حسن على قدم سيدة في الشارع، فما فائدة ذلك لهيكل القصة ؟ لقد رأى صحافيا، فما جدوى ذلك للقصة وماذا لو أنه لم يقابله ؟ وما دور الأم ؟ لماذا لعنها حسن في أول القصة بغلظة وقسوة ثم احتضنها في آخرها ورفعها بين ذراعيه فجأة ؟ قد يكون الجواب على هذه الأسئلة ان الكاتبة مي يتيم أرادت ان تلقي ضوءا على نفسية حسن فجعلته يمر بهذه الأحداث .واعتراضنا على ذلك ان القصة القصيرة » وحتى الطويلة « لم تكن قط يوما، وسيلة مباشرة للتحليل النفسي . وإنما يأتي التحليل عرضا فيها ويأتي نتيجة لتسلسل الأحداث . والواقع ان إحدى الغلطات الشائعة في قصتنا العربية أن يكون هدفها المباشر هو التحليل النفسي . ذلك ان هذا مغاير للحياة الإنسانية، والقصة ليست الا ظلا أمينا للحياة ان المرء لا يعيش لكي يدرس نفسه أو نفسيات الناس وإنما يعيش لأن الحياة تفرض عليه أن يحبها وان يتمسك بها . وإنما تأتى الومضات النفسية عبر معيشتنا للحياة . والحق أن الحياة تصبح مضحكة وسخيفة لو أننا عشناها وفق قواعد علم النفس أو أردنا بها أن تكشف تجربة نفسية أو نحو ذاك . ترانا نحب أصدقاءنا لأننا نحبهم ونحب صداقتهم أم لأننا مهتمون بدراسة سايكولوجيتهم ؟ كذلك ينبغي أن نترك أبطال قصصنا يعيشون بكل عواطفهم من أجل الحياة نفسها، دون أن نجعلهم يمرون بأحداث معينة تثبت لهم نفسية من صنف ما .

 واذا درسنا قصة مي يتيم من ناحيتها الواقعية الاجتماعية وجدناها تستقي أفكارها من منابع غير محلية « بعكس ما رأينا سميرة عزام » ويغلب على ظننا ان هناك محاولة للتأثير بالشخصية التي اصبح مقلدة كثيرا في الأدب الأوروبي المعاصر : شخصية« روكانتان»بطل سارتر في la nausee فهذا الفنان حسن يقاوم حبه لأهله ويتظاهر بتحجر العاطفة . ان محبة امه له » تثقل على نفسه « وهو يسمى حنان أخيه وتحذيراته المخلصة «مضايقات» ويصطنع العلو الفكري فيسمى الفتاة التي يحبها » سطحية « ويصفها بانها مثل «البطة» وبذلك يجرد نفسه من الحب الذي هو أجمل مظاهر الإنسانية في الإنسان . ثم انه يقابل ملاحظات الصحفى بالبرودة ويصفه بأنه « لسان ثرثار « ويمشي في الشارع بلا مبالاة فيدوس أقدام المارة، ويتحدث عن كل ذلك وكأنه عمل بطولي . ثم هو يلعن ويسب ويتصرف تصرفا متوحشا . وكل ذلك لانه يريد أن يكون فنانا. أو أن يقلد بطل البير كامو الذي قتل إنسانا لمجرد أن الشمس كانت حارة . والسؤال المثير هو : أين مثل هذه الشخصية في حياتنا العربية ؟ ولماذا يجب أن نقلد أشخاص القصة الأوروبية في قصصنا ؟ اني لأحب ان أتصور مي يتيم فتاة عربية طبيعية فيها أصالة الفرد العربي العادي بما فيه العادي بما فيه من عاطفة وحنان طبيعي وحب للمجتمع . ولذلك لا أستطيع تماما أن أفهم سر تحدثها بضمير المتكلم عن رجل بارد ميت الإحساس يريد أن يشتق فنه من لعناته لأمه الطيبة الحنون وأخيه المخلص ومن سخريته من صديقة رقيقة تحترمه وتضع فيه ثقتها، ويحسب أنه إذا داس أقدام المارة ارتفع إلي ذرى الفن .

 وبعد فلعل استعمال الضمير الغائب كان أقرب إلي المعقول ما دامت الكاتبة تتحدث عن بطل رجل لا عن بطلة فتاة . ذلك أن الضمير المتكلم انما يستعمل في الحالة التي يحتاج فيها المؤلف إلي أن يذهب عميقا وبعيدا في تحليل مشاعر بطلة ولفتات ذهنه وخلجات قلبه، ومثل ذلك قد يبلغ من التفصيل بحيث يتضمن التفريق بين أدق مظاهر السلوك الاجتماعي والنفسي بين الرجل والمرأة، فهل حقا تستطيع فتاة، أية فتاة، أن تتكهن بما يحس به رجل في وقت ما، سؤال مطروح، على كل حال، وقد يكون القطع بإجابه غير يسير .

 ومهما يكن فنحن نحتاج إلي قصة عربية تغمس القلم في بوادينا وخضرة نخيلنا وخشونة خيامنا، وتصف الرجل العربي الذي يمشي في شوارع المدينة العربية، تصفه بكل مشاكله وعواطفه وأفكاره . أما أن ترسم ظلالا باهته من أشخاص سارتر وكامو ونجعلهم يتكلمون بالعربية فان ذلك يفقدنا أصالة العروبة وخصوبة المنابع الموهوبة في قلوبنا . والخسارة جسيمة، ففي الغد ينبغي أن ينبعث منا جيل من القصاصين الخلاقين يفرضون الروح العربية الغنية على الأدب العالمي فرضا . ولن ياتي ذلك اليوم الا إذا كففنا عن النظر بازدراء إلي ما في أيدينا من موهبة وخصوبة وتدفق . وما أصدق كلمة امرسن » نحن نملك ما نحب وإنما نحرم أنفسنا بالاشتهاء « .

 

 » قرنفلة للإسفلت المتعب « لزكريا تامر

 

 العنوان المبهم لهذا الشيء الذي أطلق عليه الكاتب اسم » قصة « هو » قرنفلة للإسفلت المتعب « وتفسره العبارة في القصة : »ربما سأقول لحظة أسمع تحطم عظام جمجمتي : خذي دمي يا مدينتي قرنفلة قرمزية لصدرك المتعب « ومن الحق أن نلاحظ أن العنوان عابر ولا صلة له بالقصة وإنما هو مقتبس من عبارة ما ليس لأنها مرتبطة بعقدة القصة بأي اسم مقتبس من عبارات أخرى مثل » بحثا عن ربيع لا يرحل « أو » بحارة بلا وجوه « أو » المدينة التي لا تسافر إليها الشمس « فكل هذه الأمور صورة وردت في القصة ولست أرى في العنوان الحالي ما يميزه عنها من ناحية الصلة بالعقدة .

 والواقع أن هذا » الشيء « ليس قصة وليس له من الكيان القصصي أي شيء . وإنما هو مجموعة صور متعاقبة ملتقطة من زاوية فكرية معينة . ففي البداية نرى فتاة مجهولة لا اسم لها تضطجع على سريرها وتصغي إلي أغنية تأتى من راديو الجيران وتغرق في حلم جنسي فظيع ينم عن شذوذ فيها . ثم يتلاشى المنظر وينتقل إلي مشهد جنازة في الشارع لا صلة لها بالفتاة . ثم ياتي مشهد ثالث : شابان يتحاوران حول الموت والحياة وتتعاقب بعد ذلك مشاهد سريعة جدا، رجل يجتاز الشارع، شاب يلمس ذراع فتاة، عامل يأكل، رجلا تحرش بأخته، قابلة تذهب لتوليد امرأة، مقهى فيه رجلان يلعبان النرد ثم مشهد جنسي آخر تختتم به القصة . والحق ان ذلك كله لا يكون قصة وإنما هو أشبه شيء بتلك الكوابيس المطربة المتنافرة التي قد يراها المرء بعد عشاء ثقيل، فينتقل الذهن من مشهد بلا معنى إلي مشهد آخر بلا معنى ويكون الانتقال مفاجئا ولا تكون هناك روابط والطابع الكابوسي ملموس أحيانا في قصة زكريا تامر مثل قوله » ما زال الحمار سيدا . فليسقط أبي، فلتعش امرأة جارنا، كلنا سنموت « ويبدو ذلك في تناقض العبارات المتعاقبة التي ينطق بها الأشخاص فتترك وقعا غريبا في النفس فبينما يقول الشاب :

 ـ ما الفائدة من الوقوف تحت الشمس ؟ لنسر .

 تغني الفتاة الصغيرة :

 ـ ايمتى بدك تجي ياماما .. تأخرتي ياماما .

 وبينما يقول الشاب :

 ـ اوه ساموت، لماذا تحرشت بأخته؟

 ينادي الجرسون في المقهى :

 ـ واحد قهوة .

 والمشاهد نفسها متناقضة تناقضا ملحوظا . ومن هذا كله يبدو أنه لا يصلح لنا أن نتحدث عن هذه القصة كبناء قصصي فليس لها كيان فني من أي نوع وإنما تعقب مشاهد يريد الكاتب أن يثير بها إحساسا ما في نفس القارئ . أو يعطي انطباعا ما عن الحياة بمخطط رمزي . انها اذن ليست قصة وإنما هي تخطيط اعتنى الكاتب فيه بالشكل عناية بالغة، وعبر أفكاره تعبيرا غنائيا حتى تكاد يجعل الفكرة مظهر الموسيقى السمفونية . والحق أن المقطوعة كلها تذكر بأجواء أثارتها في نفس الحركة الثالثة من السمفونية الرابعة لتشايكوفسكي حيث يحاول الفنان أن ينام فتنبعث في ذهنه مشاهد صوتية لها طبيعة الكابوس مثل منظر رجل سكران يتعثر في طريق ضيق، وصدى نشيد حزين يغنيه أطفال الشوارع المشردون . ومنظر فرقة من الجنود المشاة مزهوة بألبستها . وسدى يحاول الفنان أن يغفوا لا بعد أن يستنفذ ذهنه هذه الصور والأصوات وإنما تذكرني مقطوعة زكريا تامر بالموسيقى لأن جوها كان منغوما إلي درجة لابد أن يكون الكاتب قد تعمدها، فقد قام على الأصوات ورنين الكلمات فكان هناك صوت الراديو القادم من بين الجيران في افتتاحية القصة، وأجراس عذبة الإيقاع تقرع عبر سهوب شديدة الحزن، وضجيج القوارب . وضربات المجاديف الرتيبة . وأصوات الرجال السبعة الذين أرادوا اغتصاب الفتاة، وتحطم عظام الجمجمة على الإسفلت . وغناء البنت الصغيرة وصوت المؤذن وضجة المقهى وقعقعة النرد وغير ذلك من الأصوات المسموعة . كما أن الكاتب تعمد أن يستعمل التنغيم في عباراته فكانت لغتة مموسقة مملؤة بالصور وكأنه يقصدها لذاتها كعبارات شعرية جميلة دون ان يعني كثيرا بان تكون لها صلة بسياق القصة . وهذه أمثلة :

 » صوتها مدينة خضراء تسافر إليها شمس ناعمة الضوء وسماء زرقاء وعصافير تبحث عن ربيع لا يرحل وأصداء أجراس عذبة الإيقاع تقرع عبر سهوب شديدة الحزن «.

 » موسيقى شبيهه بطيور رمادية محمومة فوق حقل اصفر «.

 فرحا باهرا غريبا يحمل في جوفه حزنا قد يتفتح ورده الأسود في كل لحظة «

 بحارة يملكون أجسادا .. مبللة بعطور ليست أرضية ولا يملكون وجوها « .

 »عيناها حمامتان وديعتان تحطمت أجنحتها « .

 » ابتسمت حبيبتي بغبطة ثملة وكأن شرايينها امتلات خمرا . «

 ما أجمل هذه الصور، وما أحفلها بالشعر، ولكن ما علاقتها بالقصة وماذا تضيف إلي هيكل الأحداث ؟ وهل يصح للقصاص أن يغرق في أوصاف شعرية لا تنمي سياق موضوعه ولا تضيف إليه شيئا ؟ أو ليس التركيز والاقتصاد خاصية ملازمة للقصة القصيرة بحيث ينبغي ان يستفيد الكاتب من كلمة يقولها في إضافة لمسه إلي حياة شخصياته أو إلي تطور الأحداث ؟ قد يجيب الكاتب بان قصته رمزيه وان الموسيقى تكون الجانب الرئيسي من كل رمز ناجح وجوابنا ان الرمزية في القصة ينبغي الا تكون هدفا واعيا للكاتب وإنما عليه أن يقص الأحداث ويترك الرموز تتساقط عفوا بين يدي القارئ الواعي فالحياة الحقة لا تقصد الرمز ولا التلميح وإنما نحن نعيش لأننا نحب أن نعيش ومن حياتنا الطبيعية هذه تنبت الرموز والصور غنية كثيفة . وليس من الصحيح أن نعيش عيشة رمزية . وأن نكتب قصصا رمزية لمجرد اننا رمزيون . ان الحياة تأتى لولاه ومنها تتبجس الرموز سواء أكان ذلك في القصص أم في الحياة

 هذا كله من ناحية البناء والشكل العام للقصة . ثم نأتي لننظر في المضمون فماذا سنجد ؟ اننا بازاء عالم مظلم لا ينيره ضوء ولا فرح وكأن الحياة قد استحالت قبرا كبيرا كالحا . فالرجال في القصة أناس شهوانيون بلا عواطف وذلك بسبب التعاسة والعذاب للمرآة والشجرة التي كانت تحبها العصافير تستحيل إلي تابوت . والرجل الذي كان له بيت وغد وأحلام يصبح لحما باردا اصفر محمولا . في نعش وحفار القبور رجل بلا إنسانية يخفي الخبث وموت الشعور والطبيعة التي يمثلها الغراب ـ تقف جامدة غير مبالية بهموم الإنسان، والشباب متشائمون يتحدثون عن الموت والجنون وفراغ الدنيا وعب الحياة .. والله حتى الله الذي يتصف بالرحمة يتحول في القصة إلي إيذاء وكراهية وبرودة .. وفي الدرب قتيل .. والحبيبة الطيبة التي هي منبع العذوبة والجمال تتحول إلي مومس .. ذلك هو الجو العام لقصة زكريا تامر التي تصور مدينة تعب فيها حتى الإسفلت كما يلوح من العنوان .. قصة لا شيء فيها غير الرعب والعذاب والشر والجريمة . ما من نبضة طيبة تخفق ما من ابتسامة .. وما من خفقة حب . فمن اين جاءنا زكريا تامر بكل هذا ؟ واين مثل ذلك في حياتنا العربية .

 الواقع اننا في هذه الدنيا العربية ما زلنا أناس غريزي العاطفة نحب الحياة ونتطلع إليها متفائلين . والرجل العربي العادي يؤمن بالعاطفة وبأن الله كريم رحيم مملوء بالمودة . وبأن الطبيعة تتعاطف مع الإنسان حتى لتبكي أحيانا دموع المطر وأنين الرياح جنازة عزيز . والرجل الذي تتحول حبيبته إلي مومس لا يمكن أن يبكي في مقهى وإنما يغلب أن يقتلها قتلة شنيعة .. ثم اننا ـ وتلك نقطة أساسية ـ لا نشعر قط في هذا الشرق العربي بأن المدينة شريرة أو قذرة أو أنها تكرهنا . ذلك اننا ما زلنا شعبا يبني، وما زالت مدننا العربية صبايا يافعة تفتح أعينها المبهورة على فجر جديد لا عهد لها به . انها مدن جديدة لم تبلغ مرحلة الشباب بعد ونحن ما زلنا نبنيها بأيدينا المتحرقة للنشاط والحياة بعد خمود قرون . وإنما نجد صورة المدينة العجوز المريضة في شعر بعض شبابنا وقصصهم لأن هؤلاء يستقون من آداب أوربا العجوز حيث المدن قد شاخت وأصبحت بؤرا للجريمة والمرض والظلام والغثيان . وحيث الأدب المعاصر نفسه لا يعكس غير ذلك الجو القاتم الموبوء . وانه ليبدو مضحكا جدا أن نستعيد ثياب جيراننا القذرة الممزقة في الوقت الذي نملك نحن فيه أنقى الثياب وأحدثها وأجملها . ذلك يذكرني دائما ببيت عميق المغزى من شعر الشاعر العربي المبدع سليمان العيسى يجري هكذا » البحر الخفيف «.

 

 كيف راح السليم يبتر ساقيه ليسعى زحفا على أعواد

 

 فذلك هو حالنا حقا . نحن الأغنياء بالحياة والروح والأصالة والأخلاق نترك مواهبنا وينابيعنا بالخصوبة ونتطلع مستجدين إلي أدباء أوروبا التي تتفسخ حضارتها وتحتضر وتقترب من نهايتها المحترمة . نحن الذين تقبل الدنيا علينا اليوم وتتطلع الينا لنعيد بناء العالم نحن أنفسنا نـزدري كنوزنا الفكرية والحضارية ونقف أذلاء على موائد الغرب المنحطة التي تشيع الجريمة والذعر واليأس والغثيان في أنفس القراء . ولماذا نفعل ذلك وأية مصلحة لنا فيه ؟ .

 وبعد فان قصة زكريا تامر ليست متفردة في نهجها هذا بين القصص العربية . ان هناك عددا غير قليل من الكتاب يكتبون فلا يشتقون أجواء قصصهم من جونا العربي الملتهب بالحياة والنشاط والوعود المبشرة . وإنما يقتبسونها من منابع كتابية جامدة تقذفنا بها البلاد الأوربية الكهلة المتشائمة . وهم بهذا يسكتون صوت عواطفهم الغزيرة ليصغوا مقلدين إلي الضجة القادمة من الغرب . والمقلدون لا يبدعون حتى إذا كانوا أذكياء أو موهوبين . وإنما يبدع الأديب إذا هو ركن إلي نفسه عبر عن أحاسيسه الحقة واندفع مع كل خلية في قلبه اندفاعا طبيعيا وليس الأديب إنسانية مركزة ؟ وهل تشقى الحياة الإنسانية وتذوي الا حين تكبت ويغلب عليها التصنع والجمود والتقليد ؟

 وقد يكون الأهم من عنصر التقليد في قصة » زكريا تامر « أن الأشخاص ليسوا عربا وثقافتهم ليست عربية . فلماذا يقول هذا الشاب :

 ـ كلنا مجانين . وديستويفسكي مجنون . سارترأبله ولا يحب الشمس . رامبو ولد غير مهذب . تشايكوفسكي ضفدع حزين . لوركا بلبل أسود . كافكا صرصار من حجر . جيمس ما سون طبل .

 أليس هذا استخذاء أمام الفكر الاوربي ؟ أي مسخ ذلك لشخصيتنا الفكرية بحيث لا نستطيع أن نتذكر اسما واحدا عربيا حين نحاول التعبير عن أنفسنا ؟ وهل ان المثقف العربي المتوسط يشعر أن من البداهة أن يتحدث عن لوركا ورامبو وسارتر بهذه البساطة هل هذه هي أفكارنا ؟ هل تلك هي حياتنا ؟ ألا ليت الكاتب قد ترك المؤذن الذي ينادي «الله أكبر » خارج قصته لكي نسميها له قصة أوروبية فنرتاح من نقده وتخف دهشتنا من العامل العربي الذي يخاطب الرغيف قائلا له » يا عاري الكبير « .

 وأحب أخيرا أن أتحدث عن العنصر الأخلاقي في قصة زكريا تامر .

 كانوا يقولون دائما إن الفن لا يتصل بالأخلاق وأن ليس لنا الحق في أن ننقد فنا على أساس خلقي . وذلك حق ونحن نؤيده تأييدا قاطعا . فقد تكون القصة التي تصف جريمة أخلاقية منكرة مكتملة من الناحية الفنية فتبهرنا بجمالها ونخشع أمام الفن فيها . وإنما تنهار القصة إذا كان المقصود بها أن نكتب فنا أخلاقي فتصبح اللاأخلاقية غاية يستهدفها الكاتب ونضحي من اجلها بالفن والواقعية . والأمر كذلك عندنا ما تصبح اللاأخلاقية نمطا شائعا أو زيا مستوردا نفرضه على ما نكتب لمجرد أنه مستعمل لدى غيرنا . وأنا أكاد أميل إلي أن اسمي قصة زكريا تامر شبه دعوة لهدم الأخلاق العربية، سواء أكان الكاتب يقصد أن يدعو لذلك أم كان يكتب وهو غافل لمجرد أنه ينساق مع دعوة خفية يبشر بها أناس وراء الستار . وما من دعوة . من وجهة النظر القومية العربية . أسوأ نية من الدعوة لهدم الإخفاق فعلى أساس أي شيء سنبني مستقبل الأمة العربية إن نحن تركنا شبابنا يرون مثلهم الأعلى في نموذج فتاة تحلم بان يغتصبها سبعة رجال، ورجل تحولت حبيبته إلي مومس، وشاب يشعر بأن الله يكرهه . وفتى ينادي بوقاحة » فليسقط ابي، فلتعش امرأة جارنا « ..... وفتاة تتمنى موت أمها ؟ هل هذه هي الأخلاق التي ستدفع الشباب العربي إلي بناء امة شامخة تعطي من ذهنها الموهوب المكتنـز حضارة تضيء الظلام ؟

 ولعل خير صورة أختتم بها هذه الكلمة الطويلة عن قصة زكريا تامر هي عبارته التي أنهى بها قصته :

 » ما أمنيتك أيها الرجل الكئيب ...؟ «.

 »إن أنام مائة سنة « .

 تلك خاتمة تصلح رمزا للقصة كلها . فها ان الرجل العربي يحصر أمانيه كلها في أن ينام سنة . وليس هذا هو إحساس العروبة اليوم . إن الشباب العربي يصحو اليوم ويهب منتشيا نشيطا ويفتح نوافذ تدخل منها شمس صباحية مفعمة بالرطوبة والعبير . هذا الشباب يندفع اليوم في حرارة ونشوة لينفق طاقاته الفكرية والجسمية في بناء أمة تعمل من المحيط إلي الخليج . فأين أين فينا نموذج هذا الرجل الخامل البليد الذي يريد أن ينام مائة سنة وكأنه بمعزل عن الحياة كلها ؟ أو ليس من حقنا ان ندعو لمثله بنومة لا يقوم منها أبد الدهر ؟

 

 

 

 

عباس أفندي

 

 أمجد حسين

 

          لقد قلت في مجال سابق : »إن أدب الثورة قد أدى رسالته حتى حرف الياء « وعبد الرزاق الشيخ علي أدى رسالته لا على صعيد الأدب فحسب ولكن على صعيد النضال الواقعي الجريء أيضا ـ فله الخلود في قلوب كل الناس الطيبين .

 » حذار، حذار أن تنحرف عن موضوعيتك في النقد بسبب من انغراز مأساة عبد الرزاق الشيخ على شغاف قلبك ! «هذا بالضبط ما كنت أصبه في سمعي على الدوام وأنا أغذ السير في مجموعة » عباس أفندي « في محاولة لتقييمها استجابة لرغبة من » المثقف « العزيزة، وفي سبيل ذلك رحت أمارس على نفسي أنماطا شتى من الضبط والقسر، وأحيانا » الزجر « مخافة أن أغفل عن ذاتي العائشة مأساة عبد الرزاق من أن توارب بابها فينفذ منها تحيز عاطف، أو تغاض مرده أن الرجل المأساة نفسها قد غيبته عن الوجود مأساة أخرى فيصبح بالتالي لزاما على الناقد أن يتحيز له لمآسيه وأن يتغاض عما يصح، في مجال الموضوعية أن يتغاضى الناقد عنه .

 ولهذا ألزمت نفسي، الممزقة بين عبد الرزاق و » عباس أفندي « بالنهج الموضوعي رغم كل ما قد يسببه من إيلام لذكرى عبد الرزاق في نفسي ونفوس المكلومين لمصيره والآملين، رغم اليأس، ان يبعث عبد الرزاق فينا من جديد ليشارك مناضلي هذا الشعب حياتهم في منطلقها الجديد .

 بعد هذا أود أن ألاحظ بأن تاريخ هذه المجموعة يمتد إلي ما قبل عام، 1954 وعليه فهي تدخل في ما يصح أن يسمى » أدب ما قبل الثورة « وبالرغم من أنني هنا لست بصدد بحث تفصيلي في طبيعة هذا الأدب، إلا أنني لضرورة إسباغ الموضوعية في نقد » عباس أفندي « أؤكد زعمي السابق في أن أدب ما قبل الثورة هذا، على العموم، أدب ثوري، تقدمي، أي أنه أدى التزامه التاريخي إلي حيث يستطيع أي أديب يعيش تحت وطأة ظروف كتلك . وأؤكد أيضا رأيي ذلك في أن أدب ما قبل الثورة على صعيد تفصيلي أكثر، كان بارعا في نجاح مضمونه أكثر منه في شكله وصورته . ولنا عودة إلي الموضوع .

 » عباس أفندي «، بعد كل هذا، تطل علينا كمثال صادق حي لذلك الأدب، ففي مضمونها تبرز المجموعة شامخة في العقول الجريئة التي جايتها « كذا  » والجوانب الإيجابية المكثفة التي انطوت عليها . المضمون، من غير ما جدل، رائع بنّاء، كثيف . في قصة «الأفعوان «، أنت تستطيع أن ترد عن نفسك موجة الإعجاب لهذا الربط المتلاحم بين قضية الحرب والسلام وقضية الإنسان العادي في علاقاته اليومية مع زوجه وأطفاله ومجتمعه . ولن تستطيع أن تغفل حقيقة أن العامل الأساسي في كل التطورات المجتمعية كان ولم يزل شيئا ذا صلة بالاقتصاد : بعض يسميه » أدوات وعلاقات الإنتاج «، وبعض يتصوره » غلاء المعيشة « وحسب، وثمة بعض » عباس أفندي « و » إبراهيم « وبقية البسطاء، يردونه إلى الراتب الذي يحملون به طيلة ثلاثين يوما كل شهر !

 وفي » كان وكان « يغرز عبد الرزاق الشيخ على مبضعه في حسم قضية كانت ولم تزل ظاهرة ملازمة لكل ثورات التحرر، وهي ظاهرة » المترددين « و » المرتدين «والخائرين الناكصين « والى أخر المجموعة المعروفة . وفي » وراء الجدار « وغيرها يلج بنا الكاتب دهاليز السجون العفنة ويعري إزاءنا النفوس كل لون، يضمها، رغم ذلك، جدار سجن واحد .

 نأتي إلى الشكل والأسلوب . وأول ما يرسم على وجوهنا علامة استغراب هو استعمال اللغة العامية في الحوار القصصي، غير ان كل شيء يتساءل عن مرد استعمالها في قصة واحدة وحسب، وبي يقين أن هناك تقاربا قويا، يكاد يصل إلى درجة الانطباق، في «نوع» القصص التي تضمها المجموعة . وخذ مثلا من » عباس أفندي « و » الافعوان« . فكلتاهما تطوفان في أجواء مجتمعية متشابهة جدا، ولشخوصهما ملامح توأمية واضحة، أضف إلى ذلك أن عظم الظهر في الأولى « وهو الضيق المعاشي في عائلة بورجوازية صغيرة » يمتد بلا حدود إلى الثانية . فكيف يفسر، بعد هذا، استعمال العامية في حوار الأولى واحتجابها في أكثر أجزاء الثانية ؟ وكيف يفسرها هو أدهى وهو ظهور العامية في أجزاء من » الافعون « واستعمال الفصحى في أجزاء أخرى من نفس القصة على لسان نفس الأشخاص ؟

 وفيما له علاقة باللغة أيضا ركاكة السبك وانتقاء المفردات في بعض أطراف المجموعة مما يشكل هوة أو عثرة في مسرى القصة، كهذه الفقرة من قصة «بين يدي الطبيب » : «ويشكو إلى أمه حاجته إلى الدواء وعدم استطاعته الذهاب إلى الطبيب، وعدم قدرته على استدعائه، وأمه تنظر اليه بعين يترقرق الدمع في مآقيها، ونفس تذوب حسرة، وقلب يعتصره الألم وتضرب كفا بكف ولسان حالها يقول : »العين بصيرة واليد قصيرة ! «هكذا انقضى نهار أسود كالليل عليه في الشكوى وعدم الاستقرار، وليل أبيض كالنهار في الأرق والأنين « « ص127». اذ يلاحظ هنا أن التهافت في استخدام التعابير «الصحفية « التي تعبرها عينا القارئ ولا تستطيع أن تستحوذ على وقفة مستمعة منها، ومثل هذه الفقرة موجود في أماكن أخرى أخص منها صفحات 5، 24، 85، 109 .

 على ان أخطر ما في المجموعة «وسيف الموضوعية لا يزال عليها صارما » هو الضعف في عنصر التطور أو التنامي development في القصص ولقد تتنامى قصة ما بصورة مقبولة، حتى إذا أتت إلى نهايتها انهار بناؤها أي انهيار بسبب من ضعف التناول في خاتمة الصراع، ومصداق ذلك » الافعون « بينما جاءت » كان وكان « ببداية وسط من غير خاتمة، بل لعلها كانت أشبه بقطاع مجتزأ من طريق متشابه الأجزاء طويل، وهي على الرغم من غناها النسبي بما يصلح لأن يكون نواة مثمرة، تفتقر بما يثير اليأس المشفق إلى الذروة فكان أن جاءت مغرقة في اليأس غير الموجه، حتى اننا لم نشعر باللوم أو بالتفهم إزاء عبد الله مما يشكل ثغرة » نظرية « في الفكرة التي تسعى إلى إبرازها القصة، علاوة على هبوطها الفني .

 أما » وراء الجدار « فقد خلقت في حلقي غصة ناقصة، فهي من جانب مزدحمة بعشرات الصور التي كان مقدرا لها أن تكون رائعة، غير أن المأساة من الجانب الآخر، انها لم تعرف طريقها إلى النمو الصحيح، ولهذا طلعت علينا القصة أشبه بفرقة الإذاعة الموسيقية ـ كل يطور اللحن المسكين على هواه ! فشخوص القصة باهتون، والفروق بينهم متداخلة، وحوادثها تنمو وكأن القدر لا الكاتب يدفعها . وحين أتيت إلى نهايتها وددت من صميم قلبي لو انني لم اقرأ » ثمن الحرية « لعمانوئيل روبلس .

 ومثل » وراء الجدار « تقف زميلتها » من الأنصار « ـ أهم ما ينقصها التوقيت timing الصحيح والوحدة unity من ذلك إدخال » سلمى « في الصورة جاء مفتعلا جدا، اذ لم تسبق أية مقدمات دالة عليه . ومثل هذا حدث في » الافعوان « أيضا ـ فتقديم خبر وفاة » إسماعيل « جاء مفاجئا وغير متساوق مع نمو القصة . ولقد كان بالإمكان، لتلافي ذلك، أن يقدم له باشارة مسبقة كملاحظة أن الزوجة « أم المتوفى» ترتدي رداء أسود أو شيئا من هذا القبيل .

 وفقدان الوحدة واضح في » الليل الطويل « أيضا ـ فأنت تقرأ في بدايتها وصفا لحالة الحزن في الدار سلبيا ويكاد أن يكون ساخرا، بحيث ينمو لديك شعور سلبي هو الآخر حول الحادثة كلها . فإذا بك تفاجأ بأن السبب وراء هذا الحزن المضحك هو وفاة سعيد ـ وأية وفاة ؟ برصاص الشرطة . فأي هبوط من علو المضمون إلى درك التناول !

 وظاهرة الاستعجال في المجموعة تبرز في هفوات البناء المادي physical setting التي وقعت فيها . مثال ذلك في » عباس أفندي « سرقة الراتب من عباس في مكتبه بالدائرة عثرة فنية غير مبررة . أين يمكن أن يذهب الراتب من جيب أفندي الجالس وراء مكتبة في غرفته التي لم يدخلها الا الفراشين وصاحب الدار ؟ ألم يكن الأجدر، لكي لا تقع القصة في هذا الافتعال غير المنطقي، ان ينتقل مشهد الحادثة إلى حيث يصبح بالإمكان سرقة الراتب ؟ !

 وبعد .

          فثمة شعور يساورني بمضض أنني أغرقت في » الموضوعية «، ولكن عذري أنني لم أستطيع أن اداجي في الواقع، وبعض اللوم يقع على حقيقة أن المجموعة ظهرت الآن وهي من بنات ما قبل الثورة، وعلى » المثقف « الملحاحة !

 لقد قلت في مجال سابق : »إن أدب ما قبل الثورة أدى رسالته حتى حرف الياء». وعبد الرزاق الشيخ علي قد أدى رسالته لا على صعيد الأدب فحسب ولكن على صعيد النضال الواقعي الجريء أيضا ـ فله الخلود في قلوب كل الناس الطيبين .

 

  

 

غضب المدينة مجموعة قصصية لمهدي عيسى الصقر

 

 غائب طعمة فرمان

         

 » غضب المدينة « هي المجموعة الثانية للقصاص مهدي عيسى الصقر وهي تضم سبع قصص كتبت ست منها قبل الثورة وواحدة بعدها هي » المضخة « .

 والأستاذ مهدي قصاص أصيل له أسلوب مميز في القصة ونكهة جذابة وتعاطف صادق مع أحداث الناس على الأخص في جنوب العراق، حيث يسكن القصاص فيكتب عن لحظات من حياة الناس الشخصية ـ كما في الغل ـ وعن مشاعر جماعات منهم ـ كما في غضب المدينة ـ بأسلوب حاد منفعل مندمج مع الحدث حينا متفوق عليه حينما آخر.

 إن قصة » غضب المدينة « وهي أول قصة في المجموعة تعطي صورة عن اضطهاد الحكم المباد للمواطنين، وهدره للقيم الإنسانية والظلم الذي ينـزل بساحة الأبرياء على أيدي حماة العدالة ! ... ومسرح القصة هو قاعة محكمة، وثمة » قاض « ومتهمون في قفص الاتهام يريد محاكمتهم .. غير أنه يتحول إلى المتفرجين خارج قفص الاتهام ويسأل المتهمين : أتعرفونهم ! ؟ ! .

 وهذا في رأيي تصوير بارع، ولو كان كاريكاتوريا، لنفسية واحدة من اتباع العهد المباد .. ذلك الذي كان يشير بإصبع الاتهام إلى الشعب بأسره .. ولا يكتفي بمن أدخلوا ظلما في قفص الاتهام .

 أن القصة تعطي صورة متوترة للعهد المباد . ويزيد من توهجها ذلك الأسلوب الحاد المنفعل الذي استعمله في أول القصة وبدأ شيئا ليس صلب القصة، بل هو مقحم دون مبرر . وهذا ما يمكن أن يؤخذ على القصة . كما يمكن أن يؤخذ عليها الإبهام الذي أحيط بشخصيات السارد للقصة فمن هذا الذي يحكي القصة ؟ .. ان القارئ لا يتعرف عليه قط .

 وقصة » النفق الطويل « تصف شعور مسافر غريب يشهد حكم مصدق في إيران ينهار، والشراذم تمزق وتجتاح كالجراد، ووراءها القوى الرجعية السوداء . وهي تعبر عن شعور صادق ولكنها تصف صورا عابرة ... صورا مأخوذة من السطح ومن خلال العين المجردة نفسها . فهي خالية من شخصية بارزة مهيمنة، وشخصيات عدة يرسمون الصور المراد تصويرها .. وراوي القصة لم نعرف عنه سوى أنه ينفعل بشيء من السخرية ما تقع عليه عيناه وهو في القطار الهابط إلى الجنوب حتى إذا تساءل » ما الذي تغير بالنسبة لي أنا المسافر « تساءلنا نحن نفس السؤال حتى إذا » النفق الطويل « مستطيلة » كالنفق الطويل « ولكنها تلوح خالية من الأبعاد الأخرى .

 و » ماتوا أجزاء صغيرة « تنقلنا إلى الجنوب حين ينظر » جنوبي « إلى حياة الغجر ويحكم عليها من زاويته الخاصة وهو في وهج السكر وحدته.

 ولعل أحسن ما في المجموعة في رأيي قصة » المضخة « ... انها قصة كتبت بقلم قصاص بارع ليس غريبا عن ريفنا العراقي في الجنوب وفيها تحسس صادق لبعض المسائل التي أثارتها الثورة وتعبير عن الروح التي أججتها روح الصراع الذي يجري في الجنوب على الأرض والماء والمضخة وكل مسلوبات الماضي .. وفضلا عن ذلك فان القصاص قد نجح في تصوير أجواء الريف ولون طبيعته .

 وتنقل » دماء جديدة « صورة عن تلك المواكب الموسمية وما يقدمه لها بعض الناس من ثمن عن طيب خاطر وإيمان . والقصاص استطاع ان يصور زخم الحركة واتساعها والجو المضطرب المدوي الذي خلفته آلاف الأيدي والرؤوس والأرجل والنفوس المحتدمة، ثم نأتي إلى قصة » الغل « التي تعبر عن حالة نفسية تمر بها بعض النفوس . والقصاص استعمل أسلوبا طيبا في إظهار الأزمة، وهي من أحسن القصص الفنية الناجحة رغم تعبيرها عن حالة ذاتية لا يمكن تقييمها وليس هي واسعة النطاق .

 وبعد ذلك أتحدث عن قصة » الشرطي السري حسن « انها قصة أحسن ما يقال عنها أنها تعبر عن شخصيات موجودة في واقعنا وهي تنقل مواقف بعضها مألوف في العهد المباد ولكن منطق القصة يبدو مفتعلا . فما رأيك في » شرطي سري « يطارد «ضحية » لا يعرفها ؟ .. ثم يطلب من » الضحية « نصف دينار لانه محتاج ... ثم هذا الانقسام الموجود في بنيان القصة ففي الأول يبدأ المؤلف بالتحدث عن الشخص المطارد، وكيف يطلب منه الشرطي السري فلوسا . والتعاطف بين المطارد والضحية، وذلك هو القسم الأول من القصة ثم يأتي القسم الثاني حيث يبدأ سرد قصة الشرطي، وكيف حل به الدهر حتى أصبح سريا . والقارئ ينسي بداية القصة، وشخصية الراوي الذي بدأ في الأول بالتحدث عن نفسه .

 تلك هي ملاحظاتي عن القصص، وقد تكون ملاحظاتي غير صحيحة أو فيها شيء من الاشتطاط . ولكن الشيء الذي خرجت من هذه المجموعة هي أنها كتبت بقلم قصاص صاحب أسلوب مميز، وطريقة واضحة في الاعتماد على الواقع وابراز الشخصيات منه .

 ان مهدي عيسى الصقر من قصاصينا المحدثين الذين يملكون مستوى طيبا من الإجادة الفنية والاستفادة من التكنيك القصصي في الأدب العربي مع أصالة في التعبير عن الأجواء العراقية، دون تمحل في التطبيق الحرفي للأساليب الأخرى . وهو بذلك يعبر عن الجانب المبشر بالخير في أدبنا العراقي الحديث .

 

 

 

 

دمـاء خضـر

 

 فـؤاد التكرلي

 اعتدت أن أفكر أن المهتمين بشؤون القصة عندنا يجب أن يأخذوا على عاتقهم تتبع ما ينشر من أقاصيص من المجلات أو المجاميع القصصية وأن يحاولوا تبيان الرأي بقدر المستطاع . واعتدت أيضا أن اعتبر نفسي أحد المهتمين بهذا الفرع الأدبي وأن أعد واجبا على قراءة أكبر عدد من الأقاصيص المنشورة . ولقد قرأت بالفعل العدد الكافي من هذه الأقاصيص، وكانت أخرها مجموعة للسيد جاسم الجوي وهي المعنونة » دماء خضر « .

 ويخيل إلى أن القصة في العراق ـ في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل ـ لم تكن بخير . فالصدفة الحسنة وحدها هي التي تضع بين يدي القارئ أحيانا قصة أو أقصوصة جيدة لكاتب ما ويبدو أن الصدفة الحسنة أيضا هي التي تدخلت في حياة هذا الكاتب لجعله يكتب هذه القصة أو الأقصوصة الجيدة . ذلك أنك لا تجد الكاتب الذي يعطيك إنتاجا جيدا بصورة مستمرة : أو حتى الكاتب الذي يحافظ على مستوى معين من الجودة في إنتاجه . واني لأصدم غالبا بالإنتاج الرديء لكاتب كنت أعتقد ـ بسبب من قراءات ماضية ـ أن باستطاعته المحافظة على مستواه السابق . ما سبب هذه الظاهرة ؟ أهي ظروف الأديب الحياتية التي لا تسمح له بالتفرغ لمهنة الأديب . لانها مهنة لا يعاش منها في هذا البلد ؟ أهي الظروف التي تحيط النشر والناشرين والمجلات وأصحابها والكتب ومؤلفيها ؟ .

 أن كل هذه الأمور لا تفسر شيئا يخص الأديب ويتصل بإرادته وقوتها . إلا أن أحدا لا يمكن أن ينكر مالها من تأثير بالغ أحيانا في حياة الأديب وفنه . وفي كل الأحوال سيبقى الكاتب بمفرده حين يجب عليه أن يقرر ما يكتب وأي شكل يختار ليصف فيه أفكاره . وهذه اللحظة من حياة الكاتب هي التي تهمني . لأنها في اعتقادي القمة لجميع ملاحظاته وخواطره وأحاسيسه، وهي الحد الفاصل لكل جهوده ومحاولاته اللاغائية السابقة . الا ان اختيار الكاتب يبقي بدون معنى مفهوم حين لا يجد الإرادة والصبر الكافيين لتنفيذه . لقد كان العمل الفني ولا يزال ـ صورة أم أقصوصة ـ ثمرة جهود مضنية دقيقة . هو ليس متعة صرفة ولذة مستديمة، لكنه يشبه أيضا شغل عامل الطين . ان الفنان الممتاز يعمل عن إدراك عميق لقاعدة عمله وللسبل التي ستوصل بين هذه القاعدة وقمة إنتاجه . وهذا الإدراك والفهم الصحيح لما يعمل هو أول أسس نجاحه . لم يكتب موباسان ـ رغم الاستخفاف الذي يحفه هذه الأيام ـ أقصوصة من أقاصيصه الا وهو يعي قاعدة عمله وشكل هذا العمل والخطوات التي يروم تحقيقها ليصل إلى النتيجة التي في ذهنه . كذلك تشيخوف وجويس وكاترين ما نسنفيلد وهمنجواي .

 وهذا الفهم والجهد المكافئ له هما ما ضيعه كتاب الأقصوصة عندنا، أو هذا ما تدل عليه أقاصيصهم المنشورة . فهم بين فاهم لبعض أصول الأقصوصة لكنه لا يملك الصبر لوضع هذا الفهم في قالب فني صحيح، وبين جاهل لأسس الأقاصيص ومجالاتها لا يكف عن العمل المضني الذي لا ثمرة فيه . الا أنك تجد بين الفينة توازنا في الإدراك والتنفيذ متمثلا في أقاصيص تلفت النظر عند السطور الأولى . وهذه العلامات النادرة تشير إلى طريق يبدو لي ـ رغم التشاؤم ـ طويلا رحيبا خصب الأرض .

 لقد آليت في بداية هذه الكلمة أن أتجنب الانتقاد والمديح اللذين لا جدوى وراءهما، وقررت أن أصف ما أرى وما أقرأ دون كبير تدخل من الذوق والمشاعر . وهكذا وجدت ـ دون يقين ثابت ـ أن الأقاصيص العراقية تميزت خلال السنوات الأخيرة بميزات عامة لها بعض الأهمية .

 منها أولا : هذا الضعف الفني المستشري كالداء الدفين المسبب عن العجلة والقصور في الاطلاع والإدراك والذي يقضي على كثير من الأقاصيص في المهد .

 ومنها ثانيا : هذه الكتابة والقتامة التي تصبغ الأقصوصة العراقية صبغة سوداء لا رجاء بعدها لنور مشرق، وهي أن تكن معبرة بلونها هذا عن بعض واقعنا الحزين أو جله، إلا أن الصورة لا تكمل ـ ولن تكمل ـ بغير عراقيين يضحكون ويستبشرون بالحياة والمرح .

 ومنها ثالثا : المبالغة في الجدية بحيث تخرج أدبنا من دائرة المتعة الفكرية العالية وتحيله إلى نوع مبتذل أحيانا من المواعظ والمراثي . إن أدبنا متجهم أكثر من واقعنا . والكاتب عندنا ـ وأعني به القاص بصورة خاصة ـ لا يمسك القلم ليخط بضعة سطور حتى يتبادر اليه أن يحل مشاكلنا الواقعية والميتافيزيقية دفعة واحدة . هذا، في الوقت الذي ثبت فيه أن فن الأقصوصة ـ وكل فن كما أرجو ـ لا يعني، ولا يستطيع أن يعني، بحل مشاكل تاريخية . وهكذا ستغلق الأبواب بوجه قصاصينا :، وبدلا من أن يحلوا العالم المضطرب سيوقعون أنفسهم في مأزق لا مخرج منه .

 ويخيل إلى أن السيد الجوي لم يكن بعيدا عن كل هذه الأمور فهو عراقي صميم في تناوله لموضوعاته وفي فهمها وفي تقديمها، وهو أيضا لم يتخل عن معايب الأقصوصة العراقية، ولم يكلف نفسه وفكره حل مشاكلنا العظمى وهو أخيرا لم يخرج من مأزقه الفني، أما سوداويته وبالأحرى سوداوية الأقاصيص وكتابتها وجوها الليلي المظلم فلا حاجة لاثباته . لأنها أول ما تطالع القارئ من هذه المجموعة . ونحن ـ كقراء ونقاد ـ لا نستطيع أن نلوم المؤلف لأنه لم يتناول الحياة العراقية الأخرى ضمن أقل من ستين صفحة، بل أني شخصيا لا يمكنني أن أحبذ له نشر مثل هذه المجموعة الصغيرة . نعم، ان أقصوصة جيدة واحدة قد تكفي أحيانا لاثبات الموهبة، إلا أنها لا تخلق قصصيا متفوقا .

 وسوداوية الأقاصيص هذه التي قد تعني شيئا في نهاية الأمر تبعث في القارئ مللا لا خلاص منه . فهو ما ينفك يخرج من ليل أقصوصة حتى يدخل في ظلام أخرى وهكذا حتى النهاية . والأمر المتوقع هو أن أغلب القراء لن يكملوا المجموعة وهذا شيء يؤسف له، ويجب أن نفكر فيه جديا .

 الا أني اعتقد بأني قد أخذت بعجلة لا داعي لها من السوداوية في أقاصيص «دماء خضر» إذ أن أهم فكرة لدى هذه المجموعة وعن كل مجموعة هي نجاح المؤلف الفني أو فشله هل استطاع السيد جاسم الجوي أن يخلق موضوعا قصصيا في مجموعته «دماء خضر « ؟ هل استعمل وسائله الخالصة كقصصي ليولع الشعلة ويصنع الحياة ؟ لقد بدأ لي من قراءتي للمجموعة وتفكيري فيها أن المؤلف يريد أن يكتب أقصوصة حقا، وهو يبدأ كأنه يعلم خطته وحدود فنه وامكانية وسائله، فنجد افتتاحيات أقاصيصه مشوقة جذابة تصل نفس القارئ بسرعة . أنه يقتصد في كلماته ويسوق جمله قصيرة رقيقة مستقيمة . ولا يعيب هذه البداية أنها غامضة لا صور فيها ولا معنى محدود، لأنه من صفات البداية أن تكون هكذا . إلا أن السيد الجوي حين يصر، بعد صفحة أو صفحتين من الأقصوصة على الاستمرار في أسلوبه هكذا، يبدأ القارئ يشعر بأن المؤلف لا يملك زمام وسائله . أن لغته، التي بدأ بها سريعا رشيقا، تتحول إلى كتل متراصة من الكلمات الثقيلة تنهال على القارئ دون هدف معين . أنه لا يرحم القارئ وقبل ذلك أعتقد أنه لم يرحم نفسه .

 ماذا تعني هذه اللغة التي استحالت إلى التواءات في المعاني لا تودي الا إلى ضياع عجيب لا مناص منه ؟ لقد تساءلت كثيرا خلال قراءتي المجموعة : هل كان لدى المؤلف معنى محدد يود التعبير ببساطة عنه ؟

 ان كاتب الأقاصيص لا يملك فرصة كبيرة للتأثير على القارئ المحايد . أنه يعمل في مجال ضيق . هذه هي طبيعة فنه . ويجب أن يستفيد منها . والاستفادة بالتأكيد، لا تعني خرق هذا المجال وعدم الاعتراف به . ومن يملك مجالا محدودا ككاتب الأقاصيص . فأن الأسطر تحسب له أو عليه . أن صورة واحدة مضيئة نبذرها بخفة في مخيلة القارئ تصلح ان تكون أساسا ثابتا لأقصوصة ناجحة . وهذه الصورة تستحق أن نجهد ونحذر لئلا نقضي عليها . أن اندثارها يعني جهدا ضائعا ويعني أملا متناقصا بالنجاح . أنها مثل البؤرة الحية المشعة التي تضيء كل شيء . وهي مثل هذه البؤرة أيضا تتلاشى بسبب لحظة غفلة غليظة .

 ولقد تكلمت عن لغة » دماء خضر « لأني أعلم أن الكلمات هي وسيلة القصص الوحيدة : وأنه اذا أساء استعمالها ضاع منه جل جهده وتفكيره وتقنية ورغم ما يبدو من سهولة في استعمال اللغة عادة، إذا وضعنا جانبا قواعد الصرف والنحو، فهي من جهة نظر قصصية من أدق الأمور . وليس غريبا أن الشاعر أو كاتب المقالة أو مدرس اللغة يفشل أغلب الأحيان في تدبير لغة قصصية مناسبة، ولقد وجدت من قراءاتي لأقاصيص معظم الكتاب العراقيين أنهم لا يأخذون مشكلة اللغة مأخذ الجد . فهي عندهم ـ كما يبدو ـ أتفه من أن تشغل ذهنه، وهم إذا أرادوا التفكير فيها لم يعرفوا من أين يبدأون والى أين يتجهون .

 أن اللغة ـ بوصفها وسيلة ـ تتحد صفاتها بالغاية الفنية التي يريدها الكاتب . وليست الغاية الفنية أن نكتب الوقائع كيفما ترد إلى الذهن أو أن ننظمها كما لو نكتب بحثا تاريخيا أو علميا : إنما هي طريقة تقديم خاصة لنوع معين من الحقائق . فإذا اعتبرنا الأقصوصة، بما تحويه من أماكن وحوادث وشخصيات، بناء متكاملا يجب أن نهيئ القارئ لاستيعابه أمكن أن نحدد بعض معالم الطريق إلى غاية فنية واضحة . أن التأثير على القارئ أو محاولة ذلك هو أول أعمال الكاتب . والسطور الأولى ـ أو الصفحات الأولى ـ في الأقصوصة لها أهمية كبيرة في هذا المجال . ولذلك فأن الكاتب يرسم صورة أو تقديم حادثة أو شخصية، يمكنه أن يتلمس السبيل إلى مخيلة القارئ . وبداية مثل «تدفقت السيارات التي تحمل علامة الدوائر الملونة وتغص بجنود إنكليز وهنود .. » أو مثل «دنا مني، اقترب .... وأكاد أسمع، أسمع لهاث أنفاسه كما أسمع خفقات قلبي المذعور انه يقف فوق رأسي وقد يكتم أنفاسي في أية لحظة » هي بداية طيبة، في تقدم صورة أو حادثة باستطاعتها أن تؤثر في مخيلة القارئ .. ويمكننا أن نتساءل بأي شيء أمكن أن يحصل هذا التأثير ؟ أهي اللغة وحدها ؟ كلا بالطبع . انها الحادثة أو الصورة التي أوصلتها إلى القارئ لغة دقيقة ملائمة . وهذه اللغة قد تكون، من وجهة نظر علماء اللغة، ضعيفة ركيكة لا تحوي من محسنات الألفاظ ما يرفع من مستواها : إلا أني أعدها بليغة مع ذلك، لأنها هي اللغة الملائمة . والملائمة هنا تعني الإيصال ببساطة وقوة .

 والتأثر في مخيلة القارئ هو رأسمال الكاتب وهو مجبر على استغلاله : لذلك فأن اللغة الملائمة يجب أن تستمر طوال الأقصوصة . وهذا الأمر ـ رغم بداهته ـ يبدو متعبا في بعض الأحيان . وهو بالتأكيد يتعب السيد الجوي دائما، لأنه لا يستمر في لغته القصصية الا أسطرا قليلة ثم يدخل القارئ في متاهات لفظية لا نتيجة لها غير إفساد الأثر الأولى الذي تركته البداية الموفقة في نفس القارئ . ولقد كان بودي أن أتناول المجموعة كلها صفحة صفحة لأبين للسيد الجوي أين رفع معالم الطريق، وكيف ضاع القارئ . ويخيل إلى أن المؤلف لم تكن تعوزه الإرادة الطيبة ليكتب جيدا، الا أن استطرادا هنا وصورة زائدة أو صورة ناقصة هناك أفسد عليه الأمور في اعتقادي أن القصصي يجب أن يراقب نفسه وقلمه باستمرار لئلا يشطحا ويشذا عن الطريق المرسوم . أن فينا ميلا جارفا أحيانا كي نملأ الصفحات وتسيطر علينا أحيانا أخرى فكرة أو صورة أو حتى جملة، نحاول أن نحشرها حينما نكتب رغم علمنا بأنها غريبة عن الجو . ولعل هناك حالات أخرى لا أعرفها، الا أن كل هذه الأمور تجعل القصصي يميل عن قصد ويسلك الطريق الملتوي البعيد .

 قلت في بداية هذه الكلمة إن مؤلف » دماء خضر « لم يخرج من مأزقه الفني، وكنت أقصد بذلك أنه لم يحسن اختيار الطريق لتقديم حوادثه فنيا .

وقبل أن أخوض في هذا المجال الشائك أود أن أوضح فكرتي عن الحادثة في الأقصوصة . أنا أعتقد أننا نستطيع أن نكتب أو أن نصوغ من وقائع الحياة العادية، كما هي في الواقع، أقصوصة فنية ناجحة دائما هناك صورة قلمية أو انطباعات مصورة أو مشاهدات شخصية .. الخ وكل هذه لا تدخل ضمن نطاق الأقصوصة الذي أتحدث عنه . لقد بسط بعضهم الفن القصصي وتخلوا عن أهم عناصره فصار« شريحة من الحياة » أو «الحياة كما هي » أو غير ذلك من المسميات . وكان تشيخوف من وراء كل هذا لقد غرر هذا الكاتب الإنساني العظيم ـ عن غير قصد بالطبع ـ بالكثيرين من الكتاب والناشئة منذ اشتهر أمره حتى الآن، ولقد ملك فكري طويلا فقرأت له وقرأت عنه . وكنت كلما ازددت تعمقا في تفكيري ازددت إدراكا بأن هذا الكاتب فريد في بابه وأن من العبث أن نسلك مسلكه أو نحذو خطواته . لقد تملك ميزات لا يعلم الكثيرون مقدار عظمتها، ولقد شق طريقه الفذ لنفسه ثم أنهاه مغلقا خلفه كل منفذ اليه، كانت أقاصيصه مؤثرة جميعها لكن الكثير منها لم يكن أقاصيص جيدة .

 ولقد لاحظت أن قصاصينا العراقيين يتأثرون خطى سيئاته القصصية أنهم يتناولون الحياة كيفما اتفق ويقطعون منها جزاء مناسبا ليضعونه على الورق وهم يعملون ذلك ببساطة وبوجدان نظيف يحسدون عليه . ألم يعمل تشيخوف وموم وسارويان مثل هذا ؟ ألم يقل تشخوف أن آثار أصابع على حائط قذر تشير إلى أقصوصة ؟

 الا أني لا أوافق على رأي كهذا، لأني أعتقد أن الحادثة الكاملة هي الهيكل العظمي للأقصوصة . وما لم تبدأ وقائع الحادثة بشكل سليم وتسير حسب منطق البداية حتى تنتهي النهاية المقنعة، فلن تكون حادثة قصصية . وكل هذا دون أن نتطرق إلى كيفية التقديم التي هي شرارة الحياة في الأقصوصة . ويخيل إلى أن من المستحسن أن يسأل الكاتب نفسه قبل أن يبدأ : كيف يمكن أن أقدم هذه السلسلة من الحوادث ؟ وبأي شكل ومن خلال أية وجهة نظر يمكنني أن أكشف عن هذا النوع من الحقائق ؟

 فاذا وضع خطة ونفذها بحذافيرها ثم وقف أمام إنتاجه ونقده بإخلاص فسيدرك ماذا تعني الحادثة وماذا يعني تقديمها .

 هذا على سبيل المثال، أقصوصة » السرير الفارغ « من مجموعة » دماء خضر» ان تحليلها يمكن أن يوضح فكرتي عن الحادثة « أو الواقع » وعن طريقة التقديم .

 ان حقائق هذه الأقصوصة ليست هي : إنسان يلتصق بأمه في غرفة مقرورة باردة قرب ... الخ كما قال عنها السيد باسم حمودي، ان هذه هي طريقة التقديم فالمؤلف يكشف لنا عن عائلة فقيرة مكونة من زوجين وابنهما تعيش في كوخ وسط البساتين من خلال زمن معلوم، والأب فيها قاس اعتاد أن يضرب زوجته بحضور ولدهما وأن يسكر ويقامر حتى ساعة متأخرة من الليل، أما الأم فمسكينة معذبة . هذه هي حقائق الأقصوصة كما فهمتها . وكان بمقدار المؤلف أن يبدأها بقوله : كانت هناك عائلة فقيرة تعيش في زمن الحرب وسط إحدى البساتين، وكانت تتألف من أب وأم وأبن صغير وفي إحدى الليالي .. ألخ . الا أنه لم يفعل ذلك : بل اختار أن يقدم هذه الحقائق من وجهة نظر الابن الصغير وهو في وضع انفعالي خاص، وهذه هي طريقة التقديم .

 وبالطبع لا يمكنني أن أقول للسيد الجوي أن حقائقه هذه غير ذات قيمة أو أنها مزيفة، لأنها في الواقع ليست كذلك، الا أنني لمستطيع أن أؤكد له ان طريقة تقديمه خاطئة وغير موفقة .

فالابن الخائف، الذي لا يكشف القارئ عمره، هو في حالة نفسية وعصبية خاصة جدا، أنه يشعر بلص فوق رأسه ويهدده بالموت خنقا وسواء أكان ذلك حقيقة أم وهما، فان أحاسيس هذا الإنسان وأفكاره محصورة مبدئيا، في نطاق ضيق . وهذا يعني أن وجهة نظرة، وهو في هذه الحالة، لن تكون شاملة وذات مدى عميق . فأي شخص طبيعي في وضع كهذا لابد أن يكون رد فعله صراخا وطلبا للنجدة أو سكونا وتظاهرا بالنوم . وبطل الأقصوصة لم يصرخ أو يطلب النجدة ولسنا نعلم السبب . لكنه في موقعه الرهيب ذاك وهو ـ حسب اعتقاده ـ على شفا هاوية الموت، يكشف لنا عن حقائق العائلة وعن طبائع أبيه وذكريات مزبلة الجنود وصديقه الجندي الهندي العجوز . وهذا خطأ فني والقارئ لا يقتنع به أو يطمئن اليه، لان المؤلف لم يربط الذكريات بحالة البطل النفسية، وانما قسر نفسه أكثر الأحيان كي يدير دفة الخواطر الوجهة التي يريدها . ولهذا أعتقد أن » السرير الفارغ « فشلت في طريقة تقديمها أساسا لأن حالة البطل النفسية تشد ـ منطقيا ـ الطريق أمام عرض حقائق الأسرة وهذه الأقصوصة بالمناسبة لا » تسير بنائيا على مستوى المونولوج والانتقالات الحديثة « كما قال عنها السيد باسم حمودي . لان كشف حقائق الأقصوصة من وجهة نظر الابن لم يكن مونولوجا داخليا ولا حتى مجرى الشعور stream of consciousness وانما كان تذكرا صرفا في غير أوانه . أما الانتقالات الحديثة فشيء غير مفهوم . ويحسن بنا ـ كنقاد ـ أن نبتعد عن استعماله اذا أردنا أن يفهم قصدنا الآخرون لقد تناولت » السرير الفارغ « كي أوضح بعض ما قلت عن الأقصوصة، وقد كان بودي لو تطرقت إلى كل أقاصيص المجموعة واحدة واحدة . الا أن المجال، بعد الآن لم يعد يسمح بمثل هذا التطويل . ومع ذلك فأستطيع أن أبين أن أقاصيص المجموعة تختلف فيما بينها من حيث درجتها الفنية وجودتها، لكنها جميعا لا تبلغ مستوى فنيا راقيا . ولعل أحسن أقاصيص المجموعة هي » السرير الفارغ « و » أعياد « و » في الربيع « و » ظلام يحتضر « . اذ أن في طريقه تقديمها وعيا وإدراكا لا بأس بهما، الا أن التشتت والضياع لا يزال ظاهرة في تركيبها . أما » حفنة تراب « و«صراخ باعة « و » دماء خضر « فلا أعتقد أن نشرها ضرورة لازمة وليس في هذه الأقاصيص أجواء واضحة أو شخصيات مرسومة بإتقان ولا يرفع من قيمتها الفنية كثيرا أن تقديم مجالات محلية خاصة .

 ولي رأي أخر بالنسبة للكاتب . ان عليه أن يعلم قيمة إنتاجه هذه نقطة مهمة جدا في حياة كل كاتب، لأن عليها بتوقف استمراره أو تعثره في منتصف الطريق . ومهما يحدث ومهما يكن رأي القراء في الكاتب فان باستطاعته دائما أن يجد الحلول لأسلوبه ومشكلته الفنية إذا رمى إنتاجه في النار قبل أن تراه أعين القراء وبدأ من جديد . إذ لا حرية أكبر وأكثر دوما من حرية الكاتب قبل أن ينشر .

 

 

 

 رأي في الأيام المضيئة

 

 

 يحيى عبد المجيد

 

 » كان يريد التعبير عن تمزقهم، عبر شخوصه، خاصة البطل ثم صعوده الثوري، وتخيله في ظروف الصراع عن كثير من أشيائه الصغيرة الخاصة، حبه لمديحة، خسرانه لدراسته، وكان زكي ومديحة وأخوها نماذج نقاء أخر، صاعدة فوق هذا الاحتدام القاسي في الوضع الاجتماعي «.

 لا يمكن فهم نتاج أدبي في ظروف مطلقة مجردة من تأثير العصر كما لا يمكن فهم إنسان، في غير وضعه التاريخي .

 ولن نتعب، ونحن نتعقب التطور التاريخي والنفسي للأحداث والشخوص في القصة فمن عيني البطل محمود . أي نظرة من الداخل إلى الخارج، نتعرف بواسطتها، على الحياة، والناس، والعلاقات الاجتماعية وقيمها الخلقية . نتعرف على الحب، الثورة، الحقد، الفشل، والموت، نتعرف على حياته كطالب يطمح، لأن يشق دربه في الحياة، ويعشق حلمه إكمال دراسته العليا ببغداد، هو ابن مدينة بعيدة عن بغداد . من الديوانية .

 وفي بغداد، في » وضع « دراسته نستشعر شخوصا رئيسية نتعرف عليها . مديحة زميلته في الكلية وأخاها السجين، وبهجت حبيب مديحة وصديقات مديحة وزكي وأخيرا بشكل واضح، ثم أشخاصا غير رئيسيين العم وزوجه حين عاش في بيتهم، والمضمد الساخر، والمجنون، وصاحب الدكان، والبستاني وأصدقاء » الجزرة « . ونتعرف أكثر على بغداد وضواحيها وحلقات وأفراح الكلية وحفلاتهم، ثم على الفيضان الذي هدد بغداد . ونتذكر بإلحاح، أباه وأمه وزوج أبيه الثانية .

 ونضع أيدينا على وعي نقدي، عام، في أعماق محمود . وهذا الوعي لنفسه وطبقته يفجره عبر علاقاته ـ الحياتية ـ مع أصدقائه مديحة وأخيها وزكي . فينفلت إحساس البطل ـ ابن المدينة ـ من حدود محاولة لفهم إرهاصات الواقع التاريخي . بمعنى أخر، اندفاع حاد، لالتزام عصره التزاما عسيرا شاقا .

 » وجودي في بغداد، لا يعني أن أنجح في الكلية فحسب . بل أن هذه المتناقضات الكثيرة التي تهت في خضمها . هي أيضا يجب عليّ الاهتداء إلى فهمها والى وسيلة للخلاص من هذه الهزات المتوالية التي تتركني أرتعش كلما تولاني القلق والاضطراب والضيق من هذه الحياة المعقدة . «ص9

 وفي المسار النقدي والفلسفي، لنظرة كهذه يقول زكي للبطل في الصفحة الأولى، «الحياة مقدسة يا محمود، ويجب أن لا يعيش الإنسان كالحشرة، أو كالحيوان المفترس « .

 ان أي غيبية لم تغلف شخوصه، ولا تثير، تجاه نفسها، التكريم والخلود والسعادة، في عالم آخر، غريب عن عالمنا . وبعد مسار قصير نعرف المميزات الرئيسية للشخوص الرئيسيين في القصة . البطل، مديحة وأخيها بهجت، وزكي كانوا طلابا وثوريين أنهم يملكون الحدس الواقعي والواعي بدرجات متفاوتة، لأن يعيشوا حياتهم، ولأن يبدلوا التكوين الاجتماعي ـ المتخلف شرطيا عن ظروف العصر الجديد ـ عصرنا . ان نقاء الثوريين لدى شاكر جابر هو نقاء الفكرة ولهذا فجمهوره الذي توجه اليه من القراء، هم الذين يدركون ويتحسسون هذا النقاء، بقلوبهم وعيونهم وتجاربهم، ان جمهوره الخاص يعاني الكبت ـ لأحلامه في مجتمع غير منظم ـ والضغط السياسي في شروط حياته عبر عملية ثورية متواصلة تبغي تبديل ذاك النظام .

 ولهذا أراد المؤلف من قرائه، إثارة الخجل من واقعهم، انسحاق الآباء، والجبن، وصخب المدينة وجانبها الجشع، والمجنون، وحبه المنسحق والفيضان .

 كان يريد التعبير عن تمزقهم، عبر شخوصه، خاصة البطل، ثم صعوده الثوري . وتخليه في ظروف الصراع عن كثير من أشيائه الصغيرة الخاصة حبه لمديحة، خسرانه لدراسته . وكان زكي ومديحة وأخوها نماذج نقاء أخر، صاعدة فوق هذا الاحتدام القاسي، في الوضع الاجتماعي . ولأن المؤلف قد كتب لجمهور من القراء، كأبطاله، في الخط العام، كان نظيفا في عرض نماذجه، نظيفا لحد مذهل . كان يريد جمهوره كأبطاله، بسطاء وثوريين، في حين أنه قد تجاوز عامدا بلا وعي كل ما يشين الزخم الباطني عند أبطاله نحو الجمال، والقوة، والاحترام . ولهذا نستطيع تلمس بعض وساخات أبطاله والتي هي بدورها في ظروف صراع مع الجوانب المضيئة في نفوسهم من أجل كنسها وتنقية الشخصية الثورية مما يعلق بها تاريخيا .

 ان حياة محمود ـ في بغداد والكلية ـ تنمو بهدوء أمامنا متلمسين نحن التطور الناجح والمرتعش بالصدق لتلك الحياة . وتم هذا عبر الصور الأدبية المكثفة بأقل الإيماءات الموحية وفي حوار ناجح، لولا بعض التعليلية في كثير من الجمل التي تدخل فيها الكتب ـ كمقر لحقائق تفصيلية خارج حدود الحدث القصصي، إقرار للعواطف والأفكار . الصفحة 2، 9، 11، 20، 21، 30، 64، 72، 84، وفي تلك الحياة ـ داخل حياة الكلية ـ نرافق ميلاد حب البطل محمود لمديحة، وفي تطور العاطفة هذه ـ والحب ـ كان ثمة أكثر من رمز يدلل على النـزوع الرومانسي لدى البطل في تكوينه العام .

 لقد احترقت أصابع مجنون حين حدث ليلى ساهما واحترقت أصابع محمود في المختبر وبمصباح بنـزين حين ظل يحدق بوجه مديحة . وفي الصفحة 19 يقول :

 » سمعتها ضاحكة بصوت خفيض :

 ـ محمود احترقت .

 ـ لا .. بسيطة أصابعي شوية « .

 وتتكامل الصورة الرومانتيكية في الصفحة 20 فيقول :

 » وتركني أواجه هزيمتي أمام العينين المغناطيستين والابتسامة الساخرة ولم يدر أن الذي أحرقني لم يكن مصباح بنـزين «، وأراد محمود أن ينتحر ـ بعد ردود أفعال عاطفة الحب ـ وسار على الجسر ونظر إلى النهر، واخترقته فكرة الانتحار مرة لكن محمود تحمل الام تجربة أكثر عمقا في حياته الخاصة، بعد أن تعرف على حياة زكي الأخرى وما في الجوانب المضيئة الأخرى لوجه المدينة والناس الذي اكتشفه من الجرائد والعرائض والمطاردات والكتب والناس والحقد والآمال .

 لقد برز المؤلف بسذاجة ونظافة الصدى لوعي نفس محمود ـ داخل محمود ـ ووعي الأشخاص الذين يفكرون مثله، عليهم أن يتخطوا كثيرا من الأشياء في حياتهم فيتبدى المستقبل للشخوص، ناصعا رغم الدم . في الأيام المضيئة مستقبل مضمون بحكم ضرورة وديمومة السعي لتبديل الوضع الاجتماعي في تلك الليلة على حقائق جديدة في الحياة وعند الناس، يقول قاطعا بزجر أخلاقي :

 » مضيت إلى الكلية وقد تبخرت من رأسي كل الأفكار السخيفة التي كانت تضمره «

 وكانت تلك الأفكار حول حب مديحة والقلق من أجلها ولأجلها ركنان أساسيان يسندان الحدث القصصي، ثورية الشخوص، وحب محمود لمديحة. وفي مدارات هذين الركنين، تنمو حياة وينمو تاريخ أشخاص وتاريخ مدن ـ أي قطاع كبير من تاريخ الناس، شعبنا . في ظروف العهد المباد .

 خرج أخو مديحة من السجن . أكثر يقينا وتفاؤلا ليواصل زرع الوعي في الآخرين وانـزلق زكي في فجر لما يتبدد ظلامه بعد أن اختفى في بيت عم محمود ليهرب من اضطهاد سياسي وليبقى بمكان ما في ضمير الناس وضمير المجتمع حاملا بذور الثورة والانفلات نحو تنظيم جديد للمجتمع . كما أراد المؤلف، وكما كان مسار التاريخ بعدئذ » ثورة تموز « .. والرمز في عملية الهروب لزكي يؤكد ديمومة عمل معين ـ عمل ثوري ـ هادفا لوجود بشرى واجتماعي أنقى وأكثر سعادة . ولهذا لزم التأكيد على معنى الخلود . وكان خلود الثوريين خلودا أرضيا يتميز في انصهاره الزمني ـ في عيش الزمن ـ العصر، عيشا تاما ومطلقا في التزامه .

 لقد استبعد المؤلف ببراعة فذة وجميلة لولا بعض السقطات التحدث بصورة مباشرة وتقريرية عن سمات شخوصه ومطامحهم . وهذا انتصار للقصص العراقية . كانت شخوصه الرئيسية الواعية صاعدة تجريدا فوق قوانين التفاعل التاريخي يجهدون أنفسهم للتحكم في تلك القوانين والسيطرة عليها وكان هذا يعني رفع مصابيحهم قليلا أمام عيونهم وعيون الآخرين في ظروف عصر جديد وطبقات صاعدة وأخرى هابطة نحو الانحلال فالتلاشي . ولهذا فالبعد النفسي والتاريخي للشخوص كان واضحا ورائعا، ونظيفا، وساذجا وكانت ممارسة الشخوص لحريتهم في ظروف تاريخ ومكان معينين، حرية تامة وضيقة بتأثير الكاتب نفسه . فلم يستطيع أن يعطي المؤلف لنفسه حرية أكبر وأوسع في التحدث عن أبطاله . كانت الجوانب المضيئة وحدها، أرادها الكاتب أن نتلمسها وتعيشها . واذا كانت هذه التجربة الاولى لقصاص رائع ولد بيننا . فلنا أن نفرح وأن نأمل منه تكاملا أجدر وأعمق لعمل قصص أخر .

 كانت الحرية، الضيقة، لحرية بهجت، قد طعنها المؤلف رغم هزالها، ومن الخلف.

 قلنا في البدء أن المؤلف أراد جمهورا معينا . لقراءة نتاجه، رغم أنه يطمح ككل أديب أن تتوسع دوائر جمهوره وتنتشر، لكنه هدف جمهورا خاصا .

 أحب محمود، مديحة، واحترق من أجلها، وعوض دون قناعة حبه بشيء أخر، وكره حبيبها بهجت ثم زوجها أخيرا .

 لكن حرية محمود، في الانتقام، كانت حرية الكاتب نفسه وردود انعكاسها .

 لقد هشم المؤلف مع محمود، حياة بهجت وشخصيته نهاية القصة تهشيما غير مبرر وتحت ضغط عادات وتقاليد عصر الإقطاع فالرجوع إلى القيم الإقطاعية بالدفاع عن الإرث، وحق البكورية، كانت النظرة النقدية عند المؤلف، في مشروع عملية التهشم . فلم تستطيع أن تتجاوز موضوعيا ونقديا الجذور التاريخية للتكوين النفسي والفكري عنده المتولد حديثا .

 لقد وضع محمود والمؤلف معا، وضعا بهجت، خارج القيم الثورية التي أحبها، محمود والمؤلف . فكان أن أوضح منـزلق الدرب لبهجت نحو المستنقع، لقد جمع الفلوس وأحبها . وخان الشرط الثوري لوجوده وارتضى وجودا جديدا . ان يعيش ويخزن المال، ويرضي مطامحه الحسية والذاتية فقط ويدافع عنها، وهكذا يصطدم مع مديحة زوجته المستمرة في الوضع الثوري وأن ترغب في الطلاق منه . لقد انتصر محمود، في الانتقام، وانتصر المؤلف، ولكن بسذاجة ونظافة أيضا . لقد وضع بهجت، في الموقف الآخر، العدائي، الواجب تصفيته تاريخيا في المدى البعيد .

 وكان القطار، الرمز الافتراضي الرائع، الأخير، قطارا سائرا في الزمن، نحو المجهول رغم ذلك، لمرحلة تاريخية معينة، وعبر جهادية كل الشخوص في القصة . وكان الحوار المبتسر الرائع، المليء بالزخم والصور وقدرة الإيحاء،كان أجمل وأغنى خاتمة.

 ونجحت القصة في تسليط الضوء قصصيا . على كثير ما في مجتمعنا وإذن ينبغي أن نقول؟

 تحدثت عن الشخوص وحرياتهم وزمنهم التاريخي ونموهم ـ الروائي ـ وعن الصور الموحية الناجحة في القصة . وكان الحوار للشخوص، والذي دلنا حيا، على مباعث الروح عندهم، حوارا متينا وناجحا، لقد تولد من قدرة قصاص رائع وناجح، سيما التزواج والتقطيع ـ في الكتابة وبحروف الفصحى ـ بين العامية والفصحى وصدق نطق كل شخصية في الأيام المضيئة وكانت القدرة المتميزة في ضبط التداعي للماضي . قلب الحاضر، مع الإيماءة الذكية الناجحة للمستقبل، كانت هذه القدرة، جديرة بالحب والفرح بها والاحترام .

 كانت الصور المنتقاة من الواقع، في اتساق تطور الحدث القصصي كانت واضحة وضوح وقوة صور فنان مقتدر .

 ان فنانا، قاصا، ولد في عراقنا، أمد يدي فرحا ومفتخرا به ان قصصنا العراقي الحديث، فن سيسمو ويتضح أكثر، اذا تعهدناه بحرص وبجلال وحب ولنا ثقة أن يكتب الآخرون عن القصة ـ الأيام المضيئة ـ وعن القصة العراقية الحديثة .

 

 

 

 

فـي بـناء الشـخصية القـصصية العمالية

 

 محمد خضير

 

 ان الشخصية القصصية العمالية انعكاس لواقع اجتماعي معين، ذات نفس، ليست الشخصية نقلا فوتوغرافيا بل هي انعكاس حي، يساهم تطورها النفسي في تجسيد الكفاح اليومي والوطني، وفتح الآفاق الرحبة للحياة الإنسانية الفضلى . فكيف يتسنى لهذه الشخصية أن تلعب هذا الدور الحي ؟ .

 هناك نوعان من الشخصية العمالية

 1 ـ الشخصية الواقعية الانتقادية .

 2 ـ الشخصية الواقعية، الفعالة، المتفتحة .

 ان كلا الشخصيتين إيجابيتان، الا أنهما تختلفان بمقدار التزامهما وتصويرها الفعال، المتطور، المتجاوب لمشاكل الطبقة العاملة الحقيقية وأمانيها . ففي قصة ـ العاملة والجرذي والربيع ـ لعبد الملك نوري مثال الشخصية الأولى . فالقصة مقطع من حياة عاملة في مقهى . وبواسطة ـ التداعي ـ والاستبطان الداخلي ـ تعرض لنا العاملة لحظاتها .. فهي ـ سفينة وحيدة ـ في بحر الناس المتلاطم . وهي تحس بأنها ـ خالية من كل شيء ـ ... وان خالتها وعينها الوحيدة الحمراء .. أبواها والمقهى .. وخليل . والغرفة المستطيلة المظلمة هذا كل شيء .... هذه كل حياتها أما لحظاتها السعيدة فهي تراها من خلال الحلم بالطفلة ـ سندريلا ـ في رواية قرأتها ومن خلال عطفها على ـ الجريدي ـ بائع الصحف .

 ان الشخصية السابقة تعكس واقعا حيا . الطين والظلام وخالتها العوراء وأخوانها البؤساء باختصار الحياة الفقيرة .

 ان واقع أغلب العمال . الا أنه واقع ناتج عن أوضاع اجتماعية .. عن قلة مستوى الأجور، وعدم الاهتمام بالضمان الاجتماعي .... الخ وهذه الأوضاع الاجتماعية هي التي تولد التأثيرات النفسية المختلفة .

 لهذا فان العاملة السابقة، شخصية انتقادية للوضع الاجتماعي فهي تكتفي بالهتاف التالي : أوف ربي .. ليش ليش ليش ؟ دون ان تمارس عملا فعالا ـ أو تفكر به ـ يغير مجرى حياتها وانها اذا استمرت في وتيرتها النفسية المستوحدة هذه فانها حتما ستبقى عاجزة حتى عن محاولة التغير .

 وهناك شخصيات أخرى انتقادية . مثال ذلك في قصة ـ في الطريق ـ لعبد المجيد لطفي ـ وفي قصة « قصة من الجنوب » لمرتضى الشيخ حسين . فالأولى شخصية سائق والأخرى شخصية جابي . ان السائق والجابي هنا شخصيتان بائستان، شقيتان واقعيتان .

 وعلى خلاف القصص السابقة تقف مثلا قصة القطيع القلق لمهدي عيسى الصقر موقفا أكثر إيجابية . فمع ان الكاتب يصور جماعة من العمال كـ ـ قطيع قلق ـ الا أن الشخصية الرئيسية تحاول الخروج من نطاق البؤس الذي كونه أصحاب العمل في مكان «...اء  » « كذا» الأسرة المكسرة، العرق، الشعور المنفوشة الصداع، الذكريات القديمة، وظروف العمل المرهق والتهديد بالطرد .. والرقابة .... الخ .

 ان العامل الرئيسي في القصة وعندما يحس لكل ذلك يحاول أن يصرخ بهم «اسمعوا ... ليست هذه حياة . «أو » من حقي أن أتزوج .. أن أنجب أطفالا أن أعيش لكن ليس من حق « وبذلك فان هذا العامل ـ يبحث عن مجرى الحياة الإنسانية بشكل مخنوق وكذا قصته « عمران » لغائب طعمة فرمان فهي تصور بشكل بائس واقعي عمال السكاير وكدحهم . ان الشخصيتين السابقتين انتقاديتان تبينان كيفية استغلال القوى المنتجة استغلالا مخزيا .

 هذه أمثلة متنوعة عن الشخصية الواقعية الانتقادية ولعل أغلب القصص العراقية التي كتبت قبل الثورة أو بعدها هي ذات شخصيات من هذا النوع .

 والنوع الآخر من الشخصية هو ما سميناه « بالشخصية الواقعية الفعالة المتفتحة» فعلى العكس من الشخصية الواقعية الانتقادية التي تجد نفسها « مستوحدة » « قلقة » و «شقية » بشكل حدي نجد ان هذه الشخصية الفعالة تعمل لتغير حياتها من معين كفاحها اليومي المهني والسياسي ونجد أن حياتنا مشتركة مرتبطة مع آلاف من العمال الآخرين ان مما يميز الشخصية الفعالة هو الصراع فكيف يظهر هذا الصراع في القصة . وما هو ؟

 يقول الأستاذ المصري محمود أمين العالم » الصراع ظاهرة طبيعية في كل حدث من الأحداث .. الا ان دلالة الصراع ووظيفته تختلف من حدث لآخر ومن قصاص لآخر «ولا يتحقق هذا الصراع الاجتماعي عن طريق أفكار ذهنية مجردة وانما بصورة ذاتية عن طريق أشخاص حقيقيين وكائنات بشرية سوية ومواقف حادة لا افتعال فيها تزخر بأناس حقيقيين من لحم ودم « . وقد يكون صراعا لا يفضي في أكثر الأحيان إلى نتيجة حاسمة محددة ولكنه يكتفي بالكشف عن القوى المتصارعة وعن اتجاه » الصراع « في نوعية هذا الصراع ؟.

 لقد واكبت الطبقة العاملة تطور البرجوازية الصناعية وخلال هذه المسيرة الطويلة برز الصراع بدرجات متفاوتة . بدأ كامنا وتطور صراعا منظما . ولم ينته بعد . وفي هذه المراحل من تطور البرجوازية الصناعية وقد يكون الصراع اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا وبالتالي فانه طبقي . وهناك »صراع « مختلف يحدث بين صفوف العمال أنفسهم . وفي غمرة هذا الصراع العام ينبثق الأدب الطبقي تشارك فيه فئات أخرى تنتسب فكريا للطبقة العاملة .

 عندئذ يمكننا الاستنتاج بان الحياة المهنية اليومية والتي تحتدم بالصراع ستكون الشخصية العمالية الفعالة، ولا شك أن الحياة القاسية للطبقة العاملة العراقية زاخرة بهذا الصراع لذا فان على الشخصية العمالية الواقعية الفعالة أن تعيش علائقها الإنتاجية وصراعها اليومي وان يفيض هذا الصراع إلى نتيجة محددة لأننا نهتم بأثره العام .

 ولعل مجموعتي « الأنفار » و« الأيدي الخشنة» للقاص المصري محمد صدقي تبرز هذا الصراع بشكل واقعي غير مجرد . وانها ترسم الشخصية الأخيرة بوضوح . ومن القصص المترجمة قصص الكاتب الروماني الكسندر ساهيا ولم أجد قصصا عراقية وافرة تعطينا مثالا جيدا . عائلة عمالية « ربها مفصول من جملة عوامل في بيت كبير » تناقش الوضع بشكل متطور وان كان حوارها في مستوى أعلى من الشخوص في بعض المواضيع.

 ان الدعوة إلى أدب طبقي ممكنة ومناسبة في ظروفنا الحالية ظروف كفاح الطبقة العاملة العراقية الصاعد .

 

 

 

 

حـول القـصة العـراقية المعاصرة

رصد للنتاج الأخيـر

 

 عبد الرحمن مجيد الربيعي

 

 بعد أن أنهى جيل الخليلي ومعاصريه إلقاء كلمتهم الأخيرة تركوا المهمة وراثة إلى جيل فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري اللذين مهدا بجرأة ونضج لتثبيت أسس القصة العراقية اليوم ولو أن القصاصين الجدد قد تمردوا بشكل وآخر عليهما .

 تمتاز قصص عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي بالواقعية الهادفة وهي عملية تعرية كاملة لبعض القطاعات من المجتمع العراقي لأولئك الجائعين والمؤطرين بالديون والمرضي والمبصوقين والساقطين واعتقد أن واقعيتهما لا زالت مستساغة لحد الآن من قبل أغلبية القراء العراقيين ويعتبرونهما النموذج المرغوب للقصة المقروءة ذات الشعبية الواسعة والتي انتشرت كثوب واضح للقصة الملتزمة قبل ثورة تموز وبعدها . لكن الملاحظ أن مجموعة أخرى من الشباب ممن اطلعوا على النماذج الجديدة في القصة العالمية حاولوا هم أيضا تطوير القصة العراقية سواء من ناحية المضمون وظهرت هذه العلامات على قصص مجموعة كبيرة من الشباب سكت منهم الكثير بعد ذلك وأذكر منهم عبد الله نيازي ونـزار عباس فنـزار عباس مثلا قد نشر قصصا معدودات ولكنه كان فيها أحد الرافضين الأوائل وهو الذي اتخذ من الجنس محورا مهما في العديد من قصصه ... وقد استطاع طرح القضية بصورة مقبولة ومقنعة ساعده على ذلك التجديد في طريقة إيصاله للفكرة وأسلوبه الفني بالشعرية اللذيذة ولست أدري هل أن سكوته الأخير ناجم عن بحثه في تجارب أخرى من شأنها تطوير القصة العراقية التي لا زالت تنمو ببطء أم أنه هو الأخر قد القى كل ما عنده وراح يبحث عن خلاصه في درب أخر .

 وعبد الله نيازي أصدر أخيرا مجموعته « أعياد » وهي لا زالت مقيدة في دلالاته الأولى وتذكرني قصصه بذلك النموذج الذي أسماه سارتر بأدب الدعاوى ... وفي رأيي أن الفنان لا يمكنه أن يقف موقف المصلح أبدا إنه يستطيع أن يحتج ويستطيع أن يكشف لكنه لا يستعين بمثل هذه المباشرة التي تجعل من قصصه شعارات فهذا يسلب من القصة فنيتها ويسقطها في التقريرية التي تطفئ كل أنفاسها وهذا يذكرني بقول للمسرحي جون أنوي الفنان السياسي لا يمكن أن يكون فنانا ولا سياسيا .

 ففي قصته الأولى مثلا تراجع عن الامتلاء والزخم القوي في قصتيه ـ درهم ـ أو الحمارة البيضاء ـ وهي تدور في السردية المطروقة وأحداثها غير ملتصقة ذلك الالتصاق الذي يجعل منها وحدة من الزمن والحدث وهي في رأيي تصلح كـ ـ سكيج ـ جيد لكتابة رواية ثورية طويلة، ثم انه قد وضع جميع الأشخاص كثوريين يتحدثون بلغة الثورة وفي رأيي أن ليس كل الناس ثوريين بهذه الحدة المفتعلة لأنها تبرزهم كنماذج غير معقولة بالنسبة لأحداث قصة واقعية وملتزمة ... وقصته الثانية ـ أعياد ـ والتي أطلق اسمها على المجموعة نحس وكأن بطلها محمل أكثر من طاقته كإنسان وأن الكاتب قد أجهده عندما وضعه في هذه الأزمة التي يبقى دائرا ضمنها .. انه ثائر يتهور . لا يرد أن يحتفل بالعيد مثلا ولا يريد أن يشارك زوجته فرحتها ويلقي خطبه الطويلة .

 خلاصة ما يريد قوله انه لا يريد أن يطلع بوجهه الحقيقي وأن خروجه مع زوجته هو تهرب من قضيته وواقعه وانغماسه في الزيف الذي يطلي زوجته ولكن : أليس اختلاءه مع كأسه هروبا من خضم مشكلته الحقيقية ؟ انه مهزوم يصرخ بلغة الثورة إذن هو شخص مزور ـ بفتح الواو ـ وشخص زائد، ثم ما معنى ذلك الاستنتاج الأخير عندما يقول لزوجته : قد أجد ما أعذرك به فليس أنت سوى الوجه الكالح لماض يجب أن يهدم في حين انها تعيش ضمن حاضر موجود وانها ليست المسؤولة عن وجودها على مثل هذه السطحية لأن المجتمع كله نتائج لأسماء جديدة تمر علينا في مجلات مثل الآداب والمعارف وفي بعض الصحف العراقية، ونتمنى أن قد لعب لعبته في خلقها لالقائها في هذه المكانة الباردة .. وان المرأة مهما فعلت سيظل دورها النضالي جانبيا .

 مع كل هذا فان دور « أعياد» لا ينكر في مثل مرحلة الجفاف هذه التي تمر بها القصة العراقية اليوم وعبد الله استطاع أن يقدم هذه المبادرة الطيبة وفي رأيي أنه مبدع ككاتب اجتماعي كما في المعنى التقليدي للكلمة، ولو أنه طرق على هذا الباب لأعطانا الكثير ..

 إن الحمارة البيضاء والدليل نموذجان رائعان لم يعطيا حقيهما عندما رصفا مع قصص لا تلتقي معهما بشيء .

 أما قصص بعض الكتاب الآخرين فهي قليلة جدا ومبعثرة لذا لا يمكنني أن أمسك بكاتب واتحدث عنه من وراء قصتين أو ثلاث هناك تتبلور لتبزع شخصيات أصحابها .

 وقبل أيام عثرت على كراس صغير نفذ غلافه بطريقة رديئة واسمه ـ الكوكب المزيف ـ رواية لكاتب صاعد عرفت فيما بعد انه يعمل في صنع الكعك . وانه قد جازف بطبع هذا الكتيب ولم تكن له من قبل تجربة نشر واحدة وفي الحقيقة أن المحاولة ناجحة نسبيا ومن ناحية الصدق الموضوعي فهي ترسم ثورة شاب متفتح على قضايا كثيرة يدرك زيفها فيصرخ في كل شيء محاولا كشف هذه الازدواجية التي تغلف كل أعمالنا الا أن الرواية تقع في تهلهل تكنيكي وضعف لغوي لكنها صادقة .

 ان دخول ميدان الأدب العراقي اليوم يحتاج إلى ذكاء أكثر حتى تكون القصص متحررة من اللغو الذي تكرر حتى الملل وحتى تحمل ملامح جديدة من شأنها التطوير لا الدوران في حلقة سامقة ... لذا كانت التجارب الأسلوبية صحية أنها خلق من لا شيء ... خلق من العدم وتلك أعسر مهمة .

 المعروف عن فن الرسم في العراق مثلا أنه متقدم اكثر مما في البلدان العربية الأخرى ولكن الذي أضحكني ان أحد الفنانين العراقيين القادمين من روما قال لي : اننا رغم تقدمنا في الفن التشكيلي فاننا متأخرون عن أوربا بثلاثين سنة على الأقل فكيف بالقصة التي لم تنبت لها حتى ملامح واضحة : اعتقد بأننا متأخرون قرنا على الأقل، والملاحظ أن القارئ عندنا محدود وانه يرفض كل مبتكر بحجة أنه هذيان وانه ثرثرة لذا أعتقد بأن على أي كاتب يريد أن يبدع ويريد أن يجدد أن يغلق أذنيه، وأن يكتب ما يشاء وأن يجعل نفسه هي المقياس الأول والأخير .

 والمتتبع للقصة العراقية اليوم يجد أن الرجال هم الفرسان الوحيدون في هذا الميدان والمحاولات النسائية قليلة وجائعة فظهرت بعض الأسماء النسائية ولكنها لم تكن بالمستوى الذي يضعها ضمن سلسلة الأعمال التي قدمت القصة خطوات جديدة فسالمة صالح أصدرت مجموعتين قصصيتين رغم صورها الذكية فيهما واختيارها الإيجابي لموضوعات قصصها الا أنها قد وقعت في نفس تكرار جميل الواقعية وحبذا لو استغلت إمكانية تحسسها البديع ومشاعرها الطيبة ولغتها الجديدة في إخراج اعمال أخرى أكثر خلاصا من بعض الرتابة التي تمتد بخشونة وكانت قصتها ـ في معصمي أخرى ـ والتي ظهرت في الانباء الجديدة قبل فترة عملا ذا وجه جديد وهي بشير تجربة أخرى . إلى أجواء قصصها الممتعة .

 وفي السنين الأخيرة ظهر اسم كاتبة مبدعة هي سعاد الجبوري والتي كانت المبادرة الأولى تبعتها مجموعة أخرى من الشابات بدأن يأخذن طريقهن بجدارة في الصحافة العراقية .

 تمتاز قصص سعاد الجبوري بالعفوية، والحياء الشرقي المحبب ملازم لسلوك أغلبية بطلاتها، فهن الأمهات الساهرات على أبنائهن وهن الفتيات المخلصات لمن أحببن وفي قصتها ـ بركات الشيخ فياض ـ والتي ظهرت في العدد الخامس والستين من مجلة شهرزاد اللبنانية يبدو لي استيعابها الكامل لطبيعة عمل القصة الحديثة وتحررها من الأدران الكلاسيكية وتعتمد على التداعي لخلق المناخ الممتلئ حديثا وأسلوبيا وهي إيماءة لتقدم مرتجى مهد لقصتها الناجحة ـ بحيرة الضجر ـ والتي كسرت فيها الطوق لتضع اسمها مع المجددين البارزين في كتابة القصة ... فهي تتحدث فيها عن رجل ضجر كاره للآخرين وتوالي وصفه باستعارات لغوية مبدعة وفيها أنفاس شعرية رقيقة وامرأة متفائلة تحادثه ورائع هذا التفاؤل في وقت لوث القلق معظم أعمال الشباب الأدبية الا أن تأطيرها للقصة وإلحاحها المتزايد عليها جعل الأحداث تسير مترنحة في بعض المواقف تحت ثقل تراكم الألفاظ وحبذا لو جردت من بعض الكلمات الشائبة لكانت عملا ناجحا جدا .

 

 بعض مصادر البحث :

 

 1 ـ القصة السيكولوجية ـ ليون ابدل ـ ترجمة محمود السمرة .

 2 ـ في القصة العراقية باسم حمودي .

 3 ـ أعياد، عبد الله نيازي .

 4 ـ الوجه الآخر فؤاد التكرلي .

 5 ـ الكوكب المزيف : خالد محمد علي .

 6 ـ أحد أعداد جريدة المنار .

 7 ـ العدد 65 من مجلة شهرزاد البيروتية .

 8 ـ لأنك إنسان : سالمة صالح .

 

 

 

 

 

النـخلة والجـيران

 

 حسب الشيخ جعفر

 

          لعل » النخلة والجيران « أول رواية عراقية، بعد محاولات محمود السيد الذي يعتبر بحق صاحب المحاولات الأولى في الرواية العراقية والقصة القصيرة كذلك . وقد سبقت رواية الأستاذ غائب طعمة فرمان هذه، بعض الأعمال » الروائية « ولكنها لم تكن تملك صفة الرواية الحقة حيث لم تتوفر أكثر الأسباب الفنية التي تجعل من القصة رواية .

 وقد عرف القراء الأستاذ غائب طعمة فرمان قصاصا منذ عام 1955 عندما طلع علينا بمجموعته الأولى » حصيد الرحي « وكانت مجموعة قصصية طيبة كبداية، وقد ضمت قصصا موفقة تماما مثل » صورة « ونشر بعدها مجموعته الثانية » مولود آخر « . وأخيرا عرفناه روائيا يتقدم بخطاه في حقل يكاد يكون قفرا في العراق .. فليس هناك قبل » النخلة والجيران « رواية عراقية جديرة بهذا الاسم .. وحتى القصة القصيرة عندنا، إذا قورنت باختها المصرية، لا تعتبر شيئا جديرا بالمقارنة، إذا استثنينا قصص عبد الملك نوري وغائب والتكرلي وجيان ونـزار عباس، ولكنهم منذ ثلاث سنوات قد صمتوا . فهل جدبت قرائحهم، وقد كنت أتتبع المجلات العربية بلهفة ولكن دونما جدوى، ويبدو أن وراء صمتهم أسبابا لا نعرفها .

 ليست هي بالنخلة العراقية التي يعرفها الكثير .. النخلة الفارعة المتهدلة السعف كضفائر امرأة جنوبية حسناء، مثقلة الضروع تتمايل على شط دجلة أو الفرات . ولكنها قميئة منـزوية في صحن دار خربة بالقرب من تنور خبازة محترفة . إنها نخلة حقيقية وقد اكتسبت القبح والعقم اللذين لا يملكهما البشر وحدهم، من الحياة التي نمت وسطها . وهل تكون نخلة رائعة وسط حي مترب موبوء بروائح القمامة والدهن المحروق والجدران المشبعة بالملح والرطوبة أية نخلة وأية حياة قادرة على الازدهار في زقاق مصدور النسيم ؟ ليست حياة النخلة أفضل من حياة سليمة الخبازة أو حمّادي الحوذي السكير، طريح المرض والفاقة، أو العوانس الثلاث .. هذه العوسجات اليابسات، ومرهون السايس وآخرين . وليس مصير النخلة بمختلف عن مصير صاحبتها سليمة الخبازة وجيرانها . فمثلها أمست النخلة مهجورة في دار قد باعوها لتضم إلى مصنع .. ومثلها كانت النخلة مهددة بالقلع كان الأشخاص جميعا مهددين بالكارثة . إن سليمة الخبازة باعت نفسها، مرغمة بقوة لا تدري مصدرها، إلى آفاق محتال ضحك عليها وغدر بها في أول يوم من أيام « صداقتهما » التي أحاطتها الأسرار والألغاز لدى الجيران .

 تبدأ الرواية مع مغيب الشمس بنداء سومه العرجاء وبأصوات الجيران البسطاء المنسيين في زقاق بغدادي خلف شارع الرشيد الضاج بالحياة . ومن التحقيق الذي تقوم به الخبازة مع ابن زوجها حسين عن نقصان في الفلوس تتهمه به، نتعرف على شخصية هذا الفتى المتسكع الذي يبدو وجها باهتا كانسان، وليس كعمل روائي، وندرك أنه يعاني إفلاسا مزمنا آخذا بخناقة حتى اللحظة التي باع فيها الدار .. وقد فات الأوان .

 ومع هبوط الظلام تأخذ النخلة شكلا شبحيا وسط الدار .. وليس من سمير سواها طوال الليل . فتتطلع سليمة الخبازة » إلى نخلتها القميئة تبرك قرب الحائط وسط دائرة سوداء . نخلة مهجورة عاقر مثلها تعيش معها في هذا البيت الكبير خرساء صماء تتحمل كل المياه القذرة التي تلقي في حوضها، ويمر الصيف والشتاء دون أن تحمل طلعا أو تخضر لها سعفة . «في هذه الكلمات الغنية الغنية يكمن سر الرواية كلها . إنها تجسيد رائع لحياة سليمة الخبازة نفسها، وربما لحياة هذا الزقاق البغدادي برمته، هذا المخبوء خلف شارع الرشيد، بما يدب فيه من بائعات باقلاء مهدمات، وعوانس فاتهن القطار وفراشين في دوائر الحكومة .. وحرمان وترقب شيء هائل مظلم وأكيد .. مخيم على الحي كله بين عشية وأخرى .. لعله الكارثة أو الجريمة أو الموت .

 كثيرا ما اعتاد الروائيون أن يصرفوا جل انتابهم واهتمامهم إلى شخص واحد أو شخصين يأخذان صفة البطولة في العمل الفني . ومن خلال تصرفاتهما أو علاقاتهما نتعرف على الأشخاص الآخرين الذين لا يشكلون إلا تكملة للشخصية الرئيسية . وثمة روايات أخر لا نستطيع أن نضع يدنا فيها على بطل واحد أو اثنين . حيث يكاد أكثر الأشخاص يمثلون حيزا متشابها في البناء .. وقد تعتبر رواية » آنا كارينينا « نموذجا لهذا النوع من الرواية .. وفي النخلة والجيران نتلمس لهذه الطريقة في البناء والتصوير، خاصة في الأجزاء الأولى حتى الفصل السابع والعشرين حيث يبدأ الكاتب مهتما ومنصرفا إلى شخصية حسين وحده، والذي يتطور عبر الفصول الأخيرة، تطورا عجيبا . إنه يغدو الشخصية الوحيدة تقريبا من هنا حتى الصفحة الأخيرة، ولا اجد مبررا لهذا الانعطاف في البناء . فنحن نؤخذ، فجأة، بهذا الانقلاب دون مقدمات . فلم يكن حسين يحتل المكانة الأولى عبر معظم الأجزاء . وكان بمقدور الكاتب أن يصور ويطور إلى جانب حسين شخصية ثانية كانت سببا في انقلاب حسين هذا، أعني تماضر التي فرت مع بستاني . نحن نعرف فرارها مع البستاني عمران دون أن يشير الكاتب صراحة إلى هذا . وهنا يكمن سر آخر من أسرار العمل الرائع . لقد تركنا المؤلف مهيئين نفسيا للاقتناع بمثل هذه النتيجة التي نتخيلها . قد لا يصدق أحد قصة الفرار هذه والتي تعلنها نشمية في وجه حسين المذعور كما لم يصدق حسين نفسه الذي ظل ثلاثة أيام يحوم حول الدار منتظرا أن يلوح طيف الحبية أو يتلمس دربا إليها . ولكن حسين لم يكن مهيئا نفسيا كالقارئ فيصدق .

 لم تكن النخلة العجفاء العاقر إلا تجسيدا آخر لسليمة الخبازة نفسها . ونحن نتعرف على هذه النخلة الآدمية اليابسة ونتلمس تقاطيعها النفسية وأخاديد روحها عبر فصول كثيرة، وليس دفعة واحدة . فهي لم ترسم جاهزة أو تامة . ولعل تولستوي أول من اهتدى إلى طريقة هذا التصوير التدريجي، التصوير على مراحل . اننا نتعرف مثلا، في كل فصل على سر جديد من أسرار ناتاشا النفسية أو صفاتها الجسدية في الحرب والسلام.

 في الفصل الأول لا نعرف إلا سليمة التي تخبز وتحاسب ابن زوجها حسين على سرقته التي اكتشفتها . وهي عاجزة عن التعبير عما يجيش في صدرها من غيظ . ومع الليل تبدأ مأساتها التي تعايشها كل يوم . فهي وحيدة كالنخلة العجفاء . وهذه الوحدة الطويلة وما تتركه في فم الانسان مع الصبح من طعم ترابي مرير، هي التي جعلت منها صيدا سهلا لأول طارق غشاش، فليس من المعقول أن تخدع خبازة وكلهن يعرفن قيمة الفلس الواحد الذي يكسبنه بعرق الوجه واحتراق الأصابع . أما سليمة فقد أعطت كالقربان كل ما قد جمعته على مر السنين من مال إلى رجل طرق عليها الباب ذات يوم مقترحا عليها أن تصبح شريكا في فرن يبيع الخبز إلى معسكر الجنود الإنكليز .. فتتخلص بهذا من التنور ولهيبه وتعب الأيام والليالي . وكان هذا الرجل أفاقا كونه علاقات مريبة وسريعة مع الخدم والسماسرة الذين يشتغلون في مستودعات الجيش المحتل فالرواية تصور بغداد في مؤخرة الحرب الثانية . ولن يترك هذا الآفاق سليمة حتى يتزوجها بعدها يغادر الإنكليز وينقطع مورد » رزقه « طامعا في دارها وعرق يدها . وسليمة التي اكتشفت سر هذا الرجل ونفاقه وافقت على الاقتران به وهي تدري أن له وجها آخر، وجها بشعا غير هذا الوجه الذي يقابلها به يوميا مرتديا مسوح الرهبان ومرتلا آياته القرآنية . ولكنها وحدة الليالي الطويلة وأشباحها وكوابيسها، إن سليمة بحاجة إلى رجل .. إلى صديق . انها كالآدميات الأخريات تريد لها رجلها . ولم يكن حسين بالابن الذي يرعاها . ولقد أجاد الكاتب في إعطائه لحظة عميقة وذكية في تصوير مدى توحد سليمة .. لحظة بكائها فجر العيد . ان هذا النشيج المخنوق وسط ظلمة فجر عيد اكثر من دليل على ضياع إنسان . كانت سليمة تبكي أيامها« الرخيصة » وسعادتها المسروقة . وأي حزن أروع من هذا الحزن الإنساني الذي ينفجر صباح عيد كما ينفجر السحاب الذي طال تراكمه . وساعة البكاء هذه هي الساعة التي يترقب حسين فيها فرصته لتنفيذ مشروعه في سرقة الخبازة . ولكنه يفاجأ بها تبكي فيعصر قلبه حزن وتعاسة مرة لم تكن بالحسبان ويهم بملاطفتها وتعزيتها .. فيلين قلبها وتعطيه عن طيب خاطر ما أراد لصه تحت جنح الظلام .

 وسليمة تعيش وسط بغداد ولكنها لا تعرفها، لا تعرف بغداد الحدائق والجسور والقصور فهي ترجع من رحلتها مع مصطفى مذهولة مندهشة كأنها عائدة من عالم آخر .

 وقد وقعت سليمة في شباك مصطفى كالصيد السهل . وهل تقدر امرأة متوحدة مثلها على مقارنة ألا عيب هذا الرجل، لقد كان ذا فلسفة خاصة في الحياة تقوم على أساس من تعبيره المفضل : الأرض تقف على الفلوس وليس على قرن ثور . فكل شيء يتحدد بالمال . والذي لا يملك فلسا لا يساوي شيئا . كان يعمل في السوق السوداء مهربا الشاي والويسكي من مستودعات الجيش المحتل . وانهارت تجاربه أثر مغادرة الإنكليز فلم يجد أمامه الا تنور سليمة .

 وليست تماضر من جيران النخلة .إنها من حي آخر انتشلها حسين ذات أمسية أمام باب سينما .كانت ضائعة تتسكع . فارة من أهلها الذين يرغمونها على الزواج من عطار تتقزز نفسها لدى رؤيته . فقررت أن تترك كل شيء وتعطي نفسها للقدر . أخذها حسين واستأجر لها غرفة ثم استقر بهما المقام عند نشمية، امرأة غير طيبة وهي من معارف الطفولة . لم يكن حسين بالذكي فيعرف سر هذه الفتاة وقلقها . كانت بالنسبة له «لقيطة « عثر عليها أمام سينما . فهي اذن مجرد متاع لليل . لم يكن يريد إلا جسدها يغرق فيه ساعات الليل الأولى ويغادرها إلى النخلة القميئة والمقاهي، تاركا فتاته تتقلب على فراش السهد ضائعة وحيدة تخاف شبح أبيها وخنجره .

 لقد كانت تماضر عبر الرواية كلها كالزهرة اليانعة . ولم يكن القاؤها بنفسها في حضن أول رجل تصادقه بشيء معيب أو يبدو معيبا في الظرف الذي هي فيه . كانت مغامرتها محفوفة بالمخاطر . ولكنها أبت أن تقدم نفسها راضية كالخروف في يد الجزار . فاختارت طريقا آخر لقد قررت مصيرها بنفسها . كان حسين يخدعها بأنه نجار . وكانت هي كالساذجة تلح عليه بأن يؤثث لها الغرفة ويمنحها الهدايا . ولم يكن حسين ذا حرفة ولم يكن ثريا . فبعد أن نضب معين نقوده، لدى صاحب مؤجر الدراجات، راح يفكر بسرقة الخبازة وبيع الدار . لم يكن يفكر بالغد وأي حياة تنتظره مع تماضر . كانت بالنسبة له طعام ليلة . وعندما أحس من جانبها برودا وتمنعها لم يبخل بشيء . لقد أحبها آنئذ، ولكن بعد فوات الأوان . لقد انفصلت تماضر قلبا عن فتاها الذي لم يكن إلا زائرا ليليا يطرق عليها الباب لحظة المساء ويمضي بعد ساعة أو ساعتين .وهي الحلوة والشابة التي ترى جيدا تأثير شبابها في عيون الرجال عندما تستغرق سويعة من أيامها الوحيدة إلى طريق النهر .

 وتلتقي تماضر بتأثير ودفع من نشمية برجل آخر، يكاد يكون في عمر أبيها، بستاني لوّن لها المستقبل بوهج البرتقال وعبير الليمون . ولم تفكر بفارق السن أو شيب رأسه، بل وجدته مثيرا صوته الخشن ورائحة التبغ التي تفوح ملء ثيابه .. وتترك عشيقها الصغير الذي باع الدار من أجلها وتمضي مع البستاني . ولا ندري هل أخذها عمران زوجة أم عشيقة .. واكبر الظن أنه لن يتزوجها . قد يتساءل القارئ عن هذه الخطوة التي قامت بها تماضر .. تاركة عشيقها ومرتمية في حضن رجل آخر .. أي شيء يبررها ؟ أهو حب جديد أم خوف من المستقبل غير المضمون مع حسين الذي لم تبد منه إشارة إلى الزواج، أم وقوع في حبائل نشمية ؟ لعل كل هذه العوامل الثلاثة عملت معا على دفعها إلى البستاني .. وهل يلومها أحد ؟ أو يدمغها باللا أخلاقية، وهي الجريئة التي ثارت في وجه أبيها ضد زواج لا أخلاقي شاء أهلها أن يبيعوها فيه، أنا شخصيا أجد فرارها من حسين عملية غير معقدة . واعتيادية ولكنها قد لا تخلو من ريب .

 أكثر الشخصيات مأساوية هو حسين : هذا الفتى الضائع في مقاهي بغداد الشعبية وصالات السينما، إن مرهون السايس في طولة الخيل أكثر منه بؤسا ولكنه لم يكن ضائعا مثله .. كان مرهون ذا حرفة وهو ماضي في بحثه عن عمل يدرعليه لقمة الخبز . أما حسين فرغم بحثه ووقوفه الساعات الطوال أمام المفوضية البريطانية في انتظار منه ما .. حفنة دنانير يشتري بها راحة البال وحب تماضر، رغم دأبه في البحث فقد كان خائنا .. لم يكن جادا بالتفكير في العمل والثبات على الأرض .. وليست مأساته في البقاء مكتوف اليدين دونما عمل والجلوس في مقاهي بغداد، ولكنها في الضياع .. الضياع الذي كان في بقائه على هذه الحال متشردا من مقهى إلى مقهى، الضياع في أعماقه الخاوية . لقد تطور حسين في آخر الرواية تطورا عجيبا . وأصبح غير ذاك الفتى الذي لم يكن يحلم باكثر من 150 فلسا في اليوم وابتسامة من تماضر .. أصبح قاتلا وشقيا من أشقياء بغداد يجوبون الأزقة والحانات والمواخير والسكين في الجيب والشتيمة القذرة على الفم . لم يصل حسين في نهاية الرواية إلى هذه الشخصية البغدادية تماما، ولكنه ظل يحلم بها طول الفصول الأخيرة عندما غدرت به تماضر وقتل أحد الأشقياء صديقه صاحبا . ظل يرنو إلى اليوم الذي يحمل فيه سكينا وينتقم . وقد تحقق حلمه في آخر الصفحات، قتل حسين محمودا، الشقي الذي قضى على صاحب مؤجر الدراجات اللطيف . لم يكن مقتل صاحب دافعا إلى هذا السلوك، ولكنه الضياع . لقد كانت تماضر تشد حسين إلى الحياة، ولما انقطع الخيط بينهما وجد حسين نفسه معلقا في الفراغ ولم يبق ما يربطه بالآخرين وبالأرض . لقد ذابت تماضر في الظلام وسقط صاحب صريعا تحت طعنات خنجر ابن الحولة الذي أهان حسين في المقهى وسخر منه .. وقد حفرت حادثة المقهى هذه بئرا من الحقد في صدر حسين تفجرا دما في آخر الرواية . لم يكن حسين بالشجاع حتى في اللحظة التي غيب فيها سكينه في ظهر محمود . لقد كان محمودا أمامه بلا حول أو قوة، كان سكران بلا وعي ومعطيا ظهره إليه وهو يقيء في حوض المغسلة في الحانة .. كان خرقة بالية وليس برجل فلم يكن على حسين إلا أن يطعن .. لقد التذ حسين بالطعنات فلم يكتف بواحدة أو اثنين . وقد خرج من الحانة دون أن يراه أحد وذهب في الظلام .. إلى أين ؟ اتراه يغدو محمودا آخر ؟ لا نستطيع إلا أن نجيب بالإيجاب . لأن حسين الذي نعرفه خلال الرواية كلها متبطلا تائها يملك كل الأسباب لأن يصبح شقيا . هناك خيط من النور يظل عالقا في الظلمة التي اكتنفت حسين .. هو حبه لصاحب، وليس حبه لتماضر لقد كان صاحب أكثر الشخصيات نقاء وطيبة وتفهما للواقع . ولكن هل ينقذ هذا الحب حسينا من الهاوية التي ينحدر إليها بالتأكيد، لقد مات صاحب .. وتحول حبه إلى حقد تفجر في قلب حسين نارا ورمادا .

 لم ينتقم لصاحب وحده .. ولم يكن ابن الحولة ضحيته المنشودة . لقد دفع حسينا إلى ان ينتقم هجران تماضر له والصفعات التي هشمت بها وجهه نشمية والرجل الطويل الذي كان يسندها .. والتشرد الطويل والوحدة القاتمه التي فتحت فكيها المخيفين أمامه . لقد انتقم حسين في ابن الحولة من مجتمع بكامله، مجتمع جعل منه تائها بلا سند ولا صديق ولا أمل ... لقد سرقوا منه أجمل وأعز ما يملك . سرقوا تماضر الرقيقة اللعوب، وسرقوا صاحبا الصديق وسرقوا منه داره .. سرقوا الزقاق البغدادي بروائحه القديمة، سرقوا منه حياة كاملة فلم يبق أمامه الا أن ينتقم . وقد كان .

 إضافة إلى الأشخاص الذين ذكرناهم، تضم رواية » النخلة والجيران « أشخاصا آخرين وكلهم أبناء زقاق واحد، زقاق النخلة القميئة وحانوت الدراجات والتنور والمياه القذرة باستثناء مصطفى المهرب ونشمية التي استأجر لديها حسين غرفة، لقد كان مصطفى أكثر من غشاش . كان لا يملك حتى هذا الحب الطبيعي الذي يحس به كل إنسان تجاه وطنه . كان يتمنى أن تظل أحذية الجنود الإنكليز جاثمة على صدر بغداد إلى الأبد، مادام هو شخصيا قادرا على الانسلال من ثقب ما إلى مستودع الويسكي والشاي ويهربه إلى السوق السوداء . وكان يملك كل أخلاق اللؤماء من تظاهر بالتدين والورع والصلاح . إن شخصيته بغيضة .. ولكنها حية تماما أكثر حيوية فنية من سليمة أو حسين . لقد استطاع الكاتب أن يرسم أدق خلجاته وأعطاه تلك الرعشة العجيبة التي تجعل من الشخصية الروائية كائنا من لحم ودم . لم يكن مصطفى مغرما بسليمة ... ولكن عندما استسلم لحرارة الويسكي وخيالاته اندفع نحوها بأفكاره وظل ينتظرها انتظار العاشق المتيم . ولكن وراء هذا الشبق الذي أثارته الخمرة والظلام واقعا آخر . إن أفكار مصطفى الباطنية تبني منذ لقائه الأول معها خطة لافتراس الخبازة ما دامت مورد رزق لا ينقطع . وقد كان له ما أراد .

 الطولة المجاورة لبيت الخبازة كان يقطن سايس الخيل مرهون . ويخيل لي أن مرهون أكثر الشخصيات نجاحا فنيا . لا يحتل هذا السايس المنفي في العتمة مع الخيول والروث والعناكب وتراب السقف المنهار، إلا جزءا صغيرا من القصة . إن وجهه الموشوم ببؤس أزلى لا يرتجف أمام القارئ إلا مرة أو مرتين ولكنه يترك انطباعا لا يمحي . وليس فقر مرهون المدقع أو عزلته العنكبوتية ما يظل باقيا في ذهن القارئ ولكن تمرده العجيب على القدر لم يكن يحمل هذا التمرد وجها اجتماعيا . ولكنه توهج وجودي يكتنف وجه الإنسان كهالة من نور، لم يكن مرهون قانعا بما يراه، ولم يجد ما يبرر بقاءه في الطين والتراب . ان حواره مع نفسه، مع مرهون آخر وما يتألق فيه من ذكاء لمن أجمل الفن وأرقاه .

 تمتاز رواية النخلة والجيران بشاعرية رقيقة في أكثر الصفحات .. حتى خيل لي مرة ان الأستاذ غائب جرب الشعر ذات يوم وأجاده . وقد يتسلل أحيانا إلى أوتار خبيئة في النفس الإنسانية لا تستطيع أن تتلمسها إلا أصابع شاعره .. إننا نجد الخبازة في الفصل الأول فقد » نهضت لتوقد الفانوس النفطي ووضعته على جاون مقلوب، وجعلت تكسر الحطب قرب التنور . حطب البراري . رائحة طين نقي . سامراء وكربلاء والنجف . شمت غبارا جافا ذكرها بغبار سيارة مندفعة في طريق مترب إلى البعيد . «ان في هذه الكلمات الغنية ذاك الباب السحري الذي يلج منه القارئ إلى عوالم سرية وفاتنة . وفي نفس الصفحة .. »أغمضت عينيها ثانية، استرخت مستسلمة للنعاس طاف في رأسها مثل مويجات، وتذكرت الزورق الذي عبرت فيه إلى سامراء ذات مرة . هدهدها في رفق على ماء رقراق رأت خلاله الحصى الملون الذي بدا لها قريبا لا يكلفها إلا أن تغمس ذراعيها في الماء وتلتقطه ... «قد لا تستطيع سليمة أن تغوص في أعماق ذاكرتها وتلتقط من هناك حفنات ذلك الحصى الملون ولكنها كإنسانة بسيطة لابد وان تحلم، مرة، في الظلام بالماضي .. بالأيام التي خلت وكم من ماضي تعس يخيل لنا، أحيانا، ساعة اليأس، انه جنة مفقودة .

 هذه بعض الملاحظات التي لاحت لي وأنا اقرأ الرواية .. وهي ليست بالدرجة الشاملة ولكنها كما قلت بعض الملاحظات . وقد رأيت أن اصمت حيال مشكلة هامة يثيرها حوار الرواية المكتوب بالعامية العراقية . وليس وراء صمتي الا سبب بسيط هو اني حتى الان لم أزل حائرا أمام هذه القضية، قضية الحوار . كل ما أستطيع قوله هو اني أتقبل بنفس الرضا عامية الحوار أو فصحاه .

 

 

 

اللغة عند يوسف ادريس

 

 عبد الجبار عباس

 

 بالرغم من اعتقاد الكثيرين بأن مشكلة العامية والفصحى في الأدب قد استنفذت كل ما يمكن أن يقال بشأنها، وما قيل كثير ، فان هذه المشكلة هي المدخل لدراسة اللغة عند يوسف إدريس، ذلك ان العامية عنده لم تقتصر على الحوار وانما تعدته إلى السرد، فليس يوسف إدريس بالمفصح دائما حين يقص« إذا فهمنا الفصحى على أنها مجموعة تراكيب منفصلة عن لغة الشعب »، وهذا لا يعني بالضرورة أنه عامي اللغة، كما يتجاوز الأمر عنده حدود الجمع والخلط بين اللغتين، ذلك ان الفنان وبخاصة حين يكون أبطال قصته من الفلاحين أو فقراء المدن يعمد إلى التحدث بلغتهم النابضة الحية دون أن يقترن ذلك دائما باستعمال العامية، فعبارته في مثل هذه القصص فصيحة المفردات عامية الروح والدلالة . والمحذور هنا أن نفهم العامية مقترنة بالابتذال الذي انطبعت به طوال عهود التخلف والقهر والتفاهة . فنحن في دراستنا للغة القصة « عامية كانت أم فصحى» مضطرون إلى تناسي ما علق باللغة من صفات ومزايا تاريخية اكتسبتها خلال الاستعمال، ومضطرون ـ بالتالي ـ إلى النظر في لغة القصة باعتبارها لغة جديدة انبثقت من عملية خلق فني جديد .. لا تنقطع الصلة بينهما وبين اللغة في الواقع الموضوعي ولكنها ـ في القصة ـ تكتسب وجودا مميزا جديدا ذا صفات وخصائص منفصلة عن اللغة في الخارج، واذن فلا تغتني لغة القصة بمجرد أن تكون فصحى فهي قد تكون لدى غير المتمكنين كسيحة هزيلة شاحبة، ولا ينال من قيمتها أو جمالها أن تكون عامية فقد يتهيأ لها من يخلقها خلقا فنيا ممتعا . والعكس وارد أيضا بحسب تمكن الفنان وصدقه، انما مدار الأمر على مدى توفق الفنان في تطويع لغته وتحميلها كل ما يرتعش به وجدانه بحيث لا تصبح اللغة أداة للتعبير يمكن استبدالها بأية أداة أخرى وإنما تصبح جزءا من التعبير، وهذا ما نلاحظه مثلا في روايات نجيب محفوظ الأخيرة

 ان هذا الخلق الجديد للغة لا يقترن بتحويل لغة الشخوص العامية إلى فصحى «وأن يكن من حق القصاص أن يعمد إلى مثل هذا التحويل إذا وجده ضروريا لغاية فنية لا لغاية إيصال القصة إلى جمهور أكبر، فالذنب في الحالة الثانية ذنب الجمهور » وانما يتخطاه إلى تحويل العامية المتداولة إلى عامية فنية نابضة . أي أن الخلق هنا ليس تحولا من لغة إلى أخرى . ولكنه خلق مستوى جديد ورفيع في اللغة نفسها . وينطبق الآمر على أية صفة أخرى نصف بها لغة قصة ما، فحين أصف لغة الأجزاء الأخيرة من رائعة مصطفى محمود «المستحيل »بأنها لغة صوفية مثلا، فلا لأنه يعمد إلى استعمال رموز الصوفية أو يتبنى فلسفتهم، ولكن لأنه بلغ مستوى انفعاليا عظيما صفت فيه رؤياه، وأوشكت على بلوغ مرحلة التجلي التي تشف فيها الأشياء وتضيء وتتوهج بالشعر العظيم . فالإفادة من العامية لا تعني الابتذال أو العجز دائما، وكلما كان فن القصاص أصيلا وأسلوبه فريدا كانت لغته أصيلة فريدة مميزة أنها ترتوي من لغة الناس الشائعة .

 لقد قيل إن الفصحى تعبر عن كل ما تعبر عنه العامية بينما تعجز العامية عن النهوض بكل ما تنهض به الفصحى . ويصدق هذا القول تاريخيا لسببين : الأول أن الفصحى كانت وما تزال لغة معظم الألوان الأدبية والثقافية والعلمية . والثاني : أن خلو العامية من كثير من المفردات العلمية أو الثقافية ناجم عن عدم حاجة المتحدثين بها إلى هذه المفردات، فبسبب عهود التخلف والانحطاط انحصرت حاجات الناس ومعارفتهم في أشياء محدودة ومنعزلة عن تيارات العلم والفكر . بينما تتسع مفردات العامية وتكثر كلما دعت الحاجة إلى ذلك . ويكفي أن نقارن بين العامية اليوم وبينها فبل خمسين عاما لنجد أن ما ضمته من المفردات والتراكيب الجديدة يتناسب مع انفتاح الناطقين بها على أشياء جديدة تدخل عالمهم وتلزمهم بخلق أسماء لها .

 أما في الأدب فالأمر مختلف، لم يعد ثمة ما يحول دون أن تكون أي من اللغتين الفصحى والعامية أداة للحوار، وأن تكون الفصحى المشبعة بروح العامية ودلالاتها ونبضها أداة للسرد، فالذين ما زالوا يستنكرون الإفادة من العامية في الحوار مطالبون بان يقرأوا أدب الجاحظ الذي قدم لهذه المشكلة حلا سليما قبل نحو من ألف سنة . كما ان الذي يدعون إلى كتابة القصة سردا وحوارا بالعامية لغرض تقريبها لجمهور أوسع لا يختلفون عن المتنكرين للعامية تنكيرا مطلقا بسبب اعتبارات لا أدبية، فالفريق الأول يتملق الجمهور الساذج ويجاريه، والفريق الثاني يشك في قدرة القارئ على العامية في غير بلده وتذوقها .

 الملاحظة العامة .. ان الفنان كلما ذابت ـ خلال انفعاله ـ الحدود بينه وبين عالمه، كان أقرب إلى الأداء العامي وإن لم تكن العامية أداته، وقد كان الشعر أسرع الفنون الأدبية إلى اكتشاف هذه الحقيقة وتبنيها، فقد أدرك أن الصادق الأصيل في القديم من الشعر أو الجديد لا يبتعد ابتعادا كبيرا عن اللغة العامية اليومية التي تستعملها في الحديث اليومي، بل ان بعض نقاد الشعر الحديث ممن استوعبوا تراثنا الشعري لا يجدون للغة الشعر الحديث أعظم او أهم من مزية هذا الاقتراب من لغة الحديث اليومي

 وحتى في المقالات التي كتبها أعداء العامية نجد نماذج لهذا الاقتراب العفوي الصادق من لغة الحديث، فالعقاد مثلا ـ ورأيه في العامية مشهور ـ يقول في مقالة له «ومرة لقيني جالسا فهتف : كله إلا هذا يا أستاذ ».. أفتجد فرقا كبيرا بين عبارته الأخيرة وبين قول العامية : كله إلا ده ؟ وهذا مثال ثان للعقاد : « هات لنا الشاعر الذي ينظم قصيدة واحدة ».. فلا بد ان نحمل هذه العبارة على محمل العفوي من لغة الحديث لان الشاعر لا يحمل أو ينقل من مكان إلى آخر كما يصدق فيه المعنى اللغوي للفعل « هات » وانما هي عبارة لا تختلف عن قول العقاد نفسه لنادل المقهى : هات لنا واحد شاي ... والأمثلة كثيرة فهذه عبارة للمرحوم دريني خشبة : « والمرأتان ـ على فكرة ـ ممثلتان قديرتان »  وهذه عبارة من قصة قصيرة « لولا ثقتي في حسن معاملتكم»  .. وهذا القصاص الموهوب يراوح في القصة الواحدة بين الحوار العامي والفصيح بل قد تجتمع اللغتان في عبارة واحدة : « يا أستاذ حسن ! الريس يريدك الآن » ..وهذه عبارة من بحث تاريخي « ولكن أبا طاهر تغداه قبل أن يتعشاه ».

 وهذه عبارة من مقال أدبي : « فقد نشأت عندي فلسفة طويلة عريضة ... ».

 وقل الأمر ذاته في القصة، فما كان يوسف إدريس ليعمد إلى هذه النقلة في لغة القصة لو لم تكن الحدود قد ذابت بينه وبين أبطاله في مشاكلهم اليومية البسيطة والمعقدة دون أن تذوب شخصيته الفنية، بل على العكس نضجت هذه الشخصية واغتنت وتميزت بحيث أن ملامح الخلق الفني عنده وبضمنها اللغة تتشابه تشابها كبيرا مع وقائع حياة أبطاله وتختلف عنها اختلافا فنيا في آن واحد .. وليس محض صدفة ان أعمق القصاصين انشغلا بقضايا الناس البسطاء هم ـ في الغالب ـ أكثرهم توفقا في الإفادة من لغتهم وان لم يكونوا أكبرهم استعمالا لها . وقد لا تكون هذه الظاهرة عامة مطلقة فقد نجد لغة القصة فصحى مشرقة عذبة لا تكاد تجد فيها ظلالا من العامية رغم أنها تعرض بنجاح لقضايا الفلاحين أو بسطاء الناس انما تتضح هذه الظاهرة في ادب قصاص كالشرقاوي مثلا : «وذهبت مقصوفة الرقبة إلى «البيه » تشتكي علواني » والحوار في هذه الرواية على عاميته«فانه يأسرك لانه حوار صادق طبيعي لا تكلف فيه  » .. وتأمل قول مصطفى محمود : « والقطار يتحرك وصوت البلغ يطرق على الرصيف، والبخار يصك الأذان .. والفاتحة أمامه ياوله ». أو «عيال الحارة وتلاميذها الهربانين وشبابها الصايعين  » أو « أراهن أنك لم تفهم كلمة مما قلته .. لقد أضحكتني ياشيخ ».

 وحتى نجيب محفوظ الذي يقال انه من أنصار الفصيح، فانه فضلا عن استعماله لمفردات عامية في « اللص والكلاب »  .. فهو ـ كما لاحظ الشاروني ـ ذو عبارة فصيحة المفردات عامية الدلالة والتركيب تأمل قول حسين في ـ بداية ونهاية ـ « أصل شعبنا اعتاد الجوع » تلحظ في تقديم كلمة « أصل » نبرة عامية، وحتى حين يخفق أبطاله في التحدث بمثل هذه النبرة كان يقول حسين « يالك من ضابط واهم .. ان حياتك أنت أيضا غير شريفة فهذه من تلك » فيستعمل : يالك، فهذه من تلك .. فان الإخفاق هنا لا يرتبط بعجز القصاص أو إقحامه لغة غريبة على شخوصه . وانما لأنه لا يكتب حواره بعفوية فاعتراضنا لا يقع على كون العبارة فصيحة . وانما على تركيب معاني الكلمات على نحو لا يتهيأ للناطق بها في القصة . ونجيب محفوظ كان قد اعتاد الفصحى وتمكن منها بحيث انه إذا أراد إنطاق شخوصية بلغة ذات ملامح عامية كان عليه أن ينقل العبارة من مستواها الفصيح إلى مستوى عامي، فهو يمر بمرحلتين، وفي هذا من العسر ما فيه . بينما استطاع يوسف إدريس أن يقهر هذه المشكلة بخلقه لغة جديدة لا ثنائية فيها . فهو لا يصبغ بالعامية لغة القصة كما ظن صلاح عبد الصبور  .. هو لا يقحمها إقحاما، وليست لغته فصحى مبسطة أريد لها أن تكون عامية، بل هي لغة شعبية نابضة تنبثق من انفعال الفنان مباشرة فلا تضاف من الخارج بل هي جزء من السياق وعنصر من عناصر الأداء القصصي عنده . ومن خلال اللغة تتحدث شخصية القصاص الفنية بشخصية بطل القصة، فهو حين يقول مثلا « وكما تقرع طبلة السحور وجد أذنه يخرقها صوت أجوف عال » فلان البرعي وحده يعرف كيف تقرع طبلة السحور ولا يجد في صوت المنادي بالتليفون شبها بشيء قدر شبهه بقرع طبلة السحور فالتعبير وان يكن فصيحا إلا انه عامي الدلالة خاص جدا وليس تعبيرا جاهزا . ومثله « وانطلق الخلق كالدجاج الذي ضايقته زحمة القفص » .. «ابنه الكبير محمد الداخل باسم الله ما شاء الله على عامه العاشر » .. « وحدق هو الآخر بنظرة الذي على قده » «وإذا فاض به الحال بكى ... ويصعب عليك » .. « فلم تكد تلهف صلاة العشاء ».. «وأقة الخوخ التي نفسها فيها » .. «وسكينة لم تكن مقطوعة من شجرة » .. «كانت سكينة قد زودتها في نظرها كثيرا» .. «ويتغزل في الطين وطراوته التي تنـزل على القلب وتحييه » .. « كان من الغيط إلى البيت ومن البيت إلى الغيط لا يعرف قهوة ولا غرزة ولا أي كلام فارغ » .

 وفي أمثال هذه العبارة نلاحظ امتزاج العبارة بالحدث بالشخصية : « وتلفت يمنه ويسره ثم سمى وهو يبصق في عبه » فلأن الحدث مما يأتيه الشرقاوي عادة جاءت العبارة عامية في دلالتها لا في لفظها فهو فصيح . ان هذه الصور والتعابير العامية تمنح أدبه نكهة خاصة وتميزا واضحا فهو حين يقول : « الا ان الفار بدا يلعب في عبه » فقد كان بمستطاعه ان يقول : «بدا يقلق » لكنه آثر التعبير الخاص الذي يدل على أهميته الصدق في تناول حياة الشخصية وأهمية رؤية الأشياء من حدقتيها .

 بل وحتى العبارات التي تبدو ـ أول وهلة ـ بعيدة عن لغة الشعب لا نعدم أن نجد فيها ظلالا من لغته، ذلك لأن معنى اللغة عند الفنان يتجاوز حدود المفردات إلى الروح والنبض وحتى أسلوب السرد، اقرأ مثلا :

« بعد صلاة العشاء كانت خراطيم من الشتائم تتدفق من فم عبد الكريم .... والحكاية ان عبد الكريم » .

 فتأمل« والحكاية » ومدى قربها من أسلوب عبد الكريم نفسه لو أراد سرد قصة فه يقدم بين يدي قصته بعبارة ممهدة توجز معنى ما أو تثير انتباها ثم يجعل من القصة المبدوءة بكلمة « والحكاية » دليلا على صدق ذلك المعنى أو استمرارا يؤكد أويفصل أو يناقش ما كانت أثارته عبارة التمهيد الأولى .

 وكل هذا لا يعني ان يوسف إدريس ناقل للتعابير العامية . فهو لا يعمد إليها الا حين يحس أن تعابير أخرى لا تقوم مقامها .. الفنان يدرك أن في التعابير العامية ابتذالا كثيرا وسخفا واضحا . فهو اما أن يعمد إلى الانتقاء والاختيار أو يمد التعابير العامية برعشة الفن التي تعيد خلقها حتى لتبرأ من ابتذالها السابق . بل وحتى العبارة العامية التي اكتسبت جمالا معينا من تداول الناس لها لا تكتسب جمالها في القصة إلا في الوضع الخاص بها الذي يتخيره لها في السرد .

 وفي هذا النهج الذي اختاره يوسف إدريس تبرز أهمية الحرص على الجمع بين الفصحى والعامية جميعا لا ينطوي على التوفيق الفني الذي يذيب بينهما الحدود فإذا هما لغة جديدة لا تكون الفصحى فيها متقعرة غريبة مترفعة ولا تكون العامية هابطة جوفاء . وهذه اللغة لا تكتسب أهميتها من مجرد جدتها، وانما من إسهامها في خلق أدب جيد رفيع، والا فهي من القصص التي يهبط فيها مستوى القصاص تبقى مجرد أسلوب أو نهج يلتزمه الفنان دون أن ينطوي على أهمية خاصة به بمعزل عن مستوى القصة .

 ومهما يكن فان يوسف إدريس فنان يجرب باستمرار .. انه يجرب لا على مستوى الشكل فحسب وانما مواقفه الفكرية أيضا ..

 وكل من شاهدا أو قرأ « الفرافير » و «المهزلة الأرضية » يلاحظ أن أبطاله يجربون ـ وباستمرار ـ مختلف الحلول لمشكلاتهم .. ان الفنان لا يقدم لنا حلولا جاهزة لقضايا أدبية وانما يدفعنا معه إلى أن نفكر ونتأمل ونجرب كافة الحلول . وفي مجموعة« لغة الآي آي » نلمس ظلال هذا النهج في لغته حين يطالعنا بألفاظ مثل :

 اي

 اي اي يي يا يا ياي

 و و و و و وه يييييييه

 واج الواج الواج الواج الواج

 دي دي دي دي دي دي

 حتى ليخيل الينا ـ أول وهله ـ اننا إزاء محاولة لتقليد اللغة في مسرح اللامعقول اذ تبدو هذه المقاطع واضحة الشبه بلغة خراتيت يونسكو أو أبطال مغنيته الصلعاء، ولكنها ـ في الواقع ـ محاولة لتطوير ـ لغة القصة تطويرا ينبثق من منهج التجريب الذي أخذ به الفنان نفسه .

 

  

 

قرأت العددالماضي « القصص »

 

 شجاع مسلم العاني

 

 1 ـ نحو نقد علمي :

 

ذات يوم قال لي شاب يكتب القصة، قال بالحرف الواحد » سأريك قصصي الأخيرة أنها » أنكس « من قصص فولكنر « وانا لا أسجل هذه الكلمات هنا إلا لأنها تعطينا صورة واضحة عن كتاب القصة في العراق، فكما الأمر في الشعر فان الكثير من الشباب في العراق يكتبون القصة القصيرة يدفعهم إلى ذلك طبيعة القصة القصيرة المرنة القادرة على تقبل وامتصاص كل المؤثرات إلا أن القليل من هؤلاء الشباب من عمله القصصي يتمكن من أدواته الفنية بصورة جيدة وعميقة فالعراق ليس بحاجة إلى القصاصين من حيث الكم ولكنه بحاجة إلى ذلك من حيث النوع . اننا بحاجة إلى الكاتب المثقف ثقافة عميقة ليس على صعيد الفن القصصي وأدواته وأساليبه بل على صعيد المجتمع أيضا. إن الفن هو شكل من أشكال الوعي الإنساني وقيمة الأثر الفني يقررها بالتالي المضمون الفكري لهذا الأثر وحين أقول المضمون فلا يعني ذلك أني أنسى الشكل، ذلك ان الشكل، هو الذي يحدد مضمون العمل الفني . اننا بحاجة إلى الكاتب المختص الذي يخلص لفنه ويعيش من أجله . ويمكن أن يقال الكثير بصدد المثبطات والعراقيل التي تنتصب أمام الأديب العراقي، على رأس تلك المثبطات لا سلعية الأدب والفن في العراق مما يحول دون إخلاص الفنان بسبب العمل من أجل لقمة العيش وبالتالي دون أدب خصب في العراق : لكن الموهبة يقول تشيخوف هي » الثبات « .

 وكما يفتقر العراق إلى القاص والروائي والمسرحي إلى الكاتب المحترف والمخلص لفنه كذلك يفتقر وبصورة أشد إلى الناقد الواعي المثقف المتمكن من أدوات النقد الأدبي وأساليبه الحديثة ولست أعدو الحقيقة اذا قلت اننا لا نملك سوى ناقد مثقف واحد فيما يخص القصة هو » نهاد التكرلي « وهو مع ذلك مقل في كتاباته . والنقد عندنا بحالة لا يحسد عليها فهو ما يزال يرسف في قيود قبلية صارمة وسيكون حظ الناقد عظيما حين يكتب شيئا بإخلاص ويستطيع الهرب بجلده دون أن يحصل على صفعة في وجهه أو ركلة في معدته أو على شتيمة صغيرة وهذا اضعف الإيمان ومن هنا فان من يتجرد لنقد أثر أدبي أو فني دون هوى فهو انما يذبح نفسه بغير ما سكين ولكن لتذبحوا جميعا أنفسكم لنكتب نقدا علميا بناء دون أن نكيل المدح الباطل ودون تجريح أيضا لنكتب بصدق وموضوعية وتجرد وليكن رائدنا رفعة الأدب العراقي وازدهاره قبل كل شيء وعلى الكاتب أن يعي جيدا مهمة الناقد، انه لا يكتب للكاتب بل للجمهور ودون أن نعدد المساويء لن نحصد سوى المزيد من المساويء .

 

 

الخط الممتد إلى هناك ـ سركون بولص

 

 ليس كابوسا كافكويا ذلك الذي يعيشه البطل، كما نظنه لأول وهلة انه ذلك الكابوس الذي نحسه جميعا حين تدفعنا متاعب الحياة الكثيرة إلى حانة شاحبة الأضواء كصدر مومس . البطل يحس العزلة وبدلا من أن يفضي بآلامه إلى الجابي تتقمصه نـزعات شيطانية : ليس ثمة تعاطف بين البشر وكل سجين ذاته ولكي يخرج البطل من عزلته سيذهب لينام في بيت أخته المتزوجة فلم يعد » يتحمل أن يفكر بالنوم وحده هذه الليلة في غرفته العارية التي تكون حينما يعود إليها في الليل قد أفرغت رائحته البشرية وأخذت تفوح برائحة نفسها الرائحة الباردة رائحة المرض التي تمتلكها كل غرفة معروضة للإيجار« ان وجود البشر سيمنحه الطمأنينة ولن يبحث عمن يتعاطف معه فقد تخلت المدينة عن هذه المهمة الطيبة منذ زمن طويل وحتى الكلب لن يستمع له فهو ـ أي البطل ـ حين يبكي يكتفي الكلب بأن يتثاءب بصوت « يائس كصوت رجل عجوز » أبونا بلا حصان ولن يبكي الكلب لبكاء إنسان ضائع وليست العزلة فحسب فثمة الشعور بالموت إلى جانب العزلة، فالبطل يحزن حزنا حارا وعريضا » دافعه إلى الشعور هذا الشعور هو مقدار الشجاعة والطيبة في حياة كلب يعيش عدة سنين ويموت موتا مجهولا« والناس أيضا وبعضهم يموتون مثل هذه الميتة كما تموت الكلاب متوحدة مجهولة هذا ما تطمح القصة إلى قوله : ابطال سركون يعانون دائما من المسائل الميتافيزيقية الكبرى ويطاردهم شبح الموت أبدا وكأنهم ليسوا عراقيين : اننا بحاجة إلى القاص الماهر لكن أيضا إلى القاص الذي يرتبط بتربتنا العراقية نريد شخوصا عراقيين، وتربة عراقية صميمة، ولتكن الأدوات موغلة في أجنبيتها فهو شيء حسن، وضجيج العربات التي تنقل الخبز للجائعين أجمل من الهدوء النفسي كما يقول أحد أبطال ديستويفسكي .

 من الأشياء التافهة الصغيرة يتخذ سركون موضوع قصته وقد وفق في بناء شخصيته وفي وصف الدوافع السيكولوجية للبطل من خلال وصفه للأشياء من الخارج . لا أريد أن أعيد أقوالي في سركون : لكن ظاهرة خطيرة لفتت نظري . ففي نهاية القصة نواجه لغة لا معقولة، الكاتب يحطم اللغة وينتقل بها إلى المطلق، ولغته شبيهة بلغة أوجين أوينسكو ولكن لماذا ؟ سارتر يصحو ليتعلم على يد الطبيب الارجنتيني متطلبات الواقع الراهن دونيمات يجد التزامه في » زيارة السيدة العجوز « كذلك آداموف وثمة مشاكل إنسانية عظمى هي شرف الكاتب أخيرا وليكن لنا نصيب ولو ضئيلا من هذا الشرف، ولنكف قليلا عن انهياراتنا المصطنعة .

         

 

كلب آخر يلهث ـ يوسف الحيدري

 

 يناقش الكاتب موضوعا طريفا لم تعرفه الأقصوصة العراقية من قبل هذا الموضوع هو المشكلة التي تناقشها سيمون دو بوفوار بإلحاح أسطورة الجنس الآخر، والمشكلة لا يقتصر وجودها على مجتمعاتنا المختلفة بل هي ما تزال ماثلة في المجتمعات الغربية الرأسمالية، فعلى الرغم من ان الإنجازات العلمية للحضارة الغربية ساعدت المرأة على أن تحرز انتصارات عظيمة ضد عدوها الأزلي » الرجل « أن العلاقة بين المرأة والرجل لم تتخل عن طابعها القبلي فثمة جنس آخر لا يصلح الا لأعمال محدودة ضمن مجتمع الرجال وحتى العملية الجنسية تكتسب أحيانا طابعا انتقاميا من جانب الرجل ضد المرأة على الرغم من ان المرأة ـ كما يكتشف ذلك » دينو « في حقيقة الأمر هي التي تمتلك الرجل لا العكس كما توهمنا الطبيعة ولا أدري إذا كانت المرأة قد نظرت إلى الرجل نظرة » الجنس الآخر « في العهود البدائية الأولى من تطور البشر عصر كانت المرأة سيدة حقيقية ؟.

 وبطل « كلب آخر يلهث » المثقف يحب ويتزوج من فتاة مثقفة لكنه يحس أمام قوة زوجته ونفوذها وطموحها إلى المساواة بينهما بأنه يستحيل إلى دمية ويطلق على زوجته لقب ـ الكلبة الشقراء ـ بل ان زوجته تتحول أحيانا إلى أحيانا إلى كلب ضخم أسود ذي أسنان حادة قاطعة وجسم قوي العضلات وبدأ هو المهزول الخانع ينقلب تدريجيا إلى كلبة ناعمة شقراء تهز ذيلها بغباء ولا تطيق حتى النباح لقد سلبت حريته في النهاية وحين تتآكل البطل أسطورة الجنس الآخر وأسطورة تفوق المرأة على الرجل يتحول كل الأزواج في نظرة إلى كلاب «لاحظوا أن موجة عاتية من الكلاب قد اجتاحت القصة العراقية في السنوات الأخيرة » .

 ولقد وفق الكاتب توفيقا كبيرا في اختيار موضوع طريف لقصته وجيد من الكاتب وهو يلجأ إلى الأسلوب التحليلي أن يستخدم الوصف الخارجي ويرصد الحركة إلى جانب التداعي كما أن استخدامه في بعض الأحيان للمضارع أو الحال أبعده عن الوقوع في المثالية الأسلوبية بصورة تامة الا أن للكاتب هفواته التي لا يكاد ينجو منها كاتب يستخدم هذا الشكل فبالإضافة إلى ترديد كلمة« الكلب » بكثرة مما جعلها تصبح صوتا نشازا وتضخم الانفعال والحدث نجد النـزعة الخطابية التعليمية تتسرب إلى سطور القصة مع محاولة تفسير الحدث أحيانا على حساب الحدث نفسه وتطوره . إن القصة الانسيابية تستحيل أحيانا إلى قصة « واقعية قديمة » في امتلائها للحظات الميتة الزائدة التي لا تخدم الحدث بل تعيقه .

 

 زنبقة الماء البيضاء ـ مالا رمية ـ ترجمة ملك مهدي

 

 ان ما يميز هذه القصة هو نـزوعها الشعري ليس الكلمة وحدها شعرية فحسب، بل الأخيلة والصور والموضوع كذلك انها بالأحرى قصيدة تحكي قصة وبطل القصة يعوم في زورق بحثا عن زهور الماء وعن مقاطعة تعود لصديقة صديقه وحين يصل إلى الضفة الأخرى ويقترب من صومعة « صديقة صديقه » تعمل المناظر الطبيعية الخلابة عملها في نفسه تماما كما تعمل في نفس القس في » ضوء القمر « لموباسان واذ ذاك يقع فريسة لصراع داخلي وازدواجية مختلطة، أن يقدم نفسه للسيدة قائلا إنه جاء بمحض الصدفة أو ان يحتفظ لنفسه بحلم وهمي دون أن يرى وجه السيدة وبمثالية مسرفة يقرر ان تبقى السيدة مجرد حلم يشبه زنبقة ماء بيضاء غير منفتحة كالتي تظهر فجأة وتحتل بلونها » الأبيض الناصع عدما لا اسم له مكونا من أوهام لا تنقطع « وهكذا يعود البطل «كبيضة بجع ذات نبل كتب لها الا تتفتح عن قشور تافهة » حاملا معه غنيمة خالية مثالية وشخوص مالارميه سوداء في شعره أو في قصصه هي دائما شخوص نرجسية يتآكلها الصراع بين رغبات واقعية ومثالية تأكل بعضها بعضا في صراع باطني، يدفعهم إلى طلب الكمال عن طريق الموت، واذا كان مالارميه قد تنكر عموما للواقع والغيب معا، ليطل على مثالية خاوية تمتص حيويته وتتركه في هالة من العقم والجفاف المدمرين فانه هنا في زنبقة العالم لا يهدم الوجود ليطل على الخواء وانما يبني وجودا آخر يستمده من نوافذ الغيب والحلم والغيبوبة . واذا كان مضمون القصة مثاليا فان زمن الكاتب هو زمن بعيد عن المثالية .

 

 

 

حين يجف البحر

 

 ياسين النصير

 

 تضم مجموعة الحيدري البكر هذه ست عشرة قصة، تبتدئ، من عام 1962 وحتى العام المنصرم . ولعلها خير ما نشر هذا العام من قصص قصيرة في العراق لكونها تعطي انطباعا ونغما إنسانيا عميقا .

 يحاول الشاب البحث عن ـ المصير المطلق ـ للإنسان وأشيائه. والطريق إلى ذلك صعبة وشائكة، ولا يمكن أن يصلها الإنسان العادي المتفرج بل تكاد تقتصر على الثائر المتمرد والإنسان الواعي والمدرك والذي يصرخ بوجه الزيف بلا وجل

 والقصة العراقية الحديثة ككل قديمة الفكرة والأسلوب منمقة بألوان باهتة أحيانا عدا رواد القصة الواقعيين وهم عبد المجيد لطفي وغائب طعمة وعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وشاكر خصباك ومهدي عيسى الصقر والشاب عبد الرحمن الربيعي . ونجد لهذا الرعيل امتدادا جزئيا عند الحيدري في تطلعاته القصصية الجديدة والتي فيها من الجدية ما يمكن التنبؤ له بمستقبل كبير . والقصة في العراق لم تعرف من قبل القاري العربي بعمق ففي مضامين فرمان وعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ما يوازي الاتجاهات الجديدة في الرواية، وما زالت العقبات العديدة تقف بوجه الكتاب العراقي حتى تساءل الأستاذ نجيب محفوظ مرة : لماذا لا تتواجد كتبكم عندنا كما تتواجد كتبنا عندكم ؟

 ولنعد إلى المجموعة بعد أن خرجنا إلى نقطة لا تحل . فالحيدري يتلمس الطريق إلى الجودة ولكنه واحد من جيل السخط الغاضب الذي غمر العالم في قرننا هذا مؤملا من نظرته للحياة وجودا جديدا، ولعل أبعاد هذا الجيل تكاد تكون محدودة المفاهيم ومستغلة الافكار، تتلون أحيانا باللامعقول والعبث والرفض . والأدب الساخط أدب واقعي يعكس واقع الإنسان ككل بشكل مثير . والقلق هي الكلمة الوحيدة التي تعطي فهما لأبطال روايات ومسرحيات هذا النموذج . وتقف قصص الحيدري موقفا أوليا من هذا المفهوم فهي على العموم قلقة في شكلها ومضمونها، وأبطالها متساوون في التعبير يقولون الحوار في وضعيات متشابهة . وتكاد تسيطر على المجموعة الساخطة كلمات باردة تعطي هتافا معادا ولكنه جاد لأنه ينبع من الضغوط التي تخلقها المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية على انسان هذا العصر الذي زعزع أيمانه بعد أن وجد نفسه يقف وحيدا عندما يواجه مصير الموت .

 واغلب قصص الحيدري تعيش وسط الواقع الحسي والتصورات النفسية اللاواقعية . وهذه التجزئة من الواقع لا تعطي شمولا إنسانيا كاملا . فالواقع الحسي لا يشمل المعنى الكامل ـ للواقع ـ وعندما تنصهر معه تصورات البطل النفسية تكون الصورة أقرب إلى الخيال . فقصص » السرير «، » حين يجف البحر «، » الفوهة «، «هروب » ، « الشبح «، » الأخطبوط « .. خير مثال على ذلك الواقع المختلط .

 الكتابة في الواقع لا تكون بعرض أشياء موجودة وملموسة ولا عن حوادث تتعلق بها ولا عن أفكار تلاحقها وتستخدمها ولا تدور في فلك القضايا النفسية والخصائص الذاتية لفرد واحد، إن الواقعية عملية صهر المجموع في معاناة شاملة لكل الوجودات الإنسانية لصياغة هدف نموذج يبقي حيا لأطول مسافة وعلى أوسع مدى . وبعض قصص الحيدري تتراوح بين التصوير الجزئي للواقع وبين نوازع البطل الذاتية التي تفتقر إلى المقاييس الطبيعية لاقتصارها على جمال المعايير النفسية . وخاصة في قصص «اللص « و » حين يجف البحر « و » التجربة « و » النافذة « و » الحذاء « و «النهر « .

 ومع ذلك كله فان أبطال القصص تشعر بوجودهم وتحس بهم يجترون مشاكل مجتمعهم ويتنفسون الهواء الذي نتنفسه لكننا لم نتعرف عليهم لفقدهم الإيمان الكامل في خوض تجاربهم ونحن أحوج ما نكون إلى الوضوح الفكري في الأعمال القصصية .

 وسأحاول التعرض لبعض قصص المجموعة :

 التجربة :

هي أول القصص ترتيبا وتاريخا . وفيها من البساطة والطرافة ما يجعلها وكأنها نكتة دامية . فالصبي يصارع قوى لا حول له ولا قوة وهي سيطرة زوجة الأب عليه ثم إجباره بالعمل انتقاما منه . وعندما لا يستطيع حمل الطين يهرب ـ وكأنه ولد من جديد ـ وصيحات الاسطة خلف تتبعه . ومثل هذه البساطة والوضوح يجعل من قصصنا مجرد عرض وتقولات .

الحلم :

 فيها إطلالة رومانسية ولكن عملية التداعي والخلجات النفسية التي سيطرت على بطلة القصة والتي تشعر خلال ذلك بأنها مصابة بالسل، وصورت لها الحياة وكأنها مطبقة عليها فلم تعد صالحة لأن تكون أما لأطفال صغار، وخيانة زوجها بهجرها يجسد لها إحساسا بالبعد الإنساني وهذه الأحلام الأقرب إلى الحقيقة مجسدة في مشاعر نفسية حادة وبكلمات جيدة معبرة .

السرير :         

 من قصص المجموعة الجيدة فيها تجسيد حي لمشاعر رجل فقد الإيمان الكامل بالحب بعد أن امتص كل ما فيها من سحر وأنوثة وصاحبنا لا يختلف عن بطلة » الحلم« من أنه يعيش لحظات الأذى والألم . وان كل موجود في هذه الحياة تافه ومقرف . فالشارع والمقهى واللوحة الكلاسيكية والزجاجة الملونة وكل شيء يبدو وكأنه أداة لقتل سعادته . ولم يجد من ذلك كله إلا جسد امرأة هدها الألم ممدودة على السرير .

النافذة :

 فيها من المبالغة الشكلية والنـزوع الذاتي الشيء الكثير . فالشاب والأب وأمه الخائنة متناقضات اجتماعية يجد كل منهم بؤسه في الآخر . وتفتقد العلاقات العائلية إلى الربط . فالشاب يرى أمه الخائنة وهي تجوب الشوارع وتتزين بينما هي في لا مبالاة تامة وزوجها لا يعلم من الأمر شيئا غبيا أو متغابيا لم يكن له دور مهم في القصة ولذا فوجوده غريب . وخلال هذا النسيج الجنسي المعتم نجد أن المؤلف أجاد في تجسيد إحساس الطفل بذلك والموضوع كما في التجربة صراع قوى كبيرة لا تناسب الطفل الذي يتلاشى كل شيء خائن عنده أمام حنانه وحبه لامه .

الأخطبوط :     

من القصص الجيدة والتي تعطي فهما حقيقيا لوجود الإنسان وكيف يتخذ موقفا من الآخرين عندما تصور له الحياة بشكل أخطبوط مخيف بعدة أرجل، ومشكلة الموت في القصة أصبحت مشكلة ميتافيزيقية رغم حقيقتها . ان قطع المسافة بين الحياة والموت ليست حياة إنسان فقط وانما حياة الآخرين من خلاله . وهكذا يصبح الإحساس بقرب الموت تمردا وخروجا تافها على تلك الضغوط النفسية الذاتية وهي مع ذلك صراع غير متعادل بين الإنسان الأعزل والاله الصارم » أنا أكره القصر ..أريد ان أعيش ألف عام .. أريد أن أعوم، أن أعوم « وهذه الدعوة الصارخة المتمردة تدل على انهزامية بعد أن كانت القصة تحديا وصمودا .

الحذاء والنهر :

 من قصص المجموعة المتألقة والجيدة، وفيها من الواقعية الصورة الحقيقية والإنسانية مع التوافق التام في الفنية والمضمون . رغم أنها حكمة .. أبو فوزي رجل مسن يرى أن الحياة بالنسبة له لا زالت ممتدة وأنه يحبها بشكل مثير ويحببها للآخرين أيضا . ولعله يملك من التراث الفكري ما يفتقده الآخرين . له عاداته وتقاليده بتوزيع الحلوى على الناس ويكسب من ذلك سمعة بالجنون إلا ان تطلعه إلى ابنه الغارق في النهر والمدفون على الشاطئ الآخر ما يجعله مصمما على شراء حذاء جديد أحمر للسير له ولأن حياته لا زالت ممتدة . ولكنه لم يستطيع الوصول إلى الشاطئ الآخر من النهر رغم أنه اشترى الحذاء لأنه مات مساء ذلك اليوم . وفي جدية الموضوع وشموله جوهر التطلع في هدف القصة الحديثة .

حين يجف البحر :

 وهي القصة التي تحمل المجموعة عنوانها وكم وددت ألا يضع اسما لإحدى قصصه للمجموعة . . لأن القصة القصيرة لم تعد مقتصرة على حالة واحدة ويمكن تجزئه موضوع ما إلى أجزاء يكون كل جزء بقصة قصيرة وهكذا فإننا نجد أن للقصة القصيرة شأنا كما هو للطويلة . فالأفضل اختيار اسم للمجموعة معبر عن كل قصصها دون واحدة . كما فعلت غادة السمان في مجموعتها » ليل الغرباء « .

 وقصة » حين يجف البحر « جيدة على العموم . فهي محملة برموز شفافة فالبحر والسفينة والمرأة والشمس والرحيق رموز تغلف حياتنا بضبابية مؤلمة، عبثا نجد في الهرب من المصير . وهكذا فالبطل يجد في السفينة الحياة وفي البحر الطريق وفي المرأة قدره وماضيه وظله والجزيرة هي الهدف الذي هو نفسه هدف المرأة .. ولهذه الرموز الواقعية المبسطة قوة هائلة في إعطاء زخم فني وفكري .

 أما بقية القصص فهي تتراوح بين الجودة والهزال وجدة الموضوع . كما أن بعض القصص تسجل بدايات الكاتب والتي كان من المفروض كتابتها لنفسه أولا وأملي كبير في أن الحيدري خامة فنية تملك قدرة على إعطاء مضامين إنسانية لو اتجه إلى الفلكلور والواقع .. ففيه من العمق والجدية ما تعجز عنه أعلى مراتب الاتجاهات الحديثة في القصة والتي تدور في فلك المدينة والحضارة الغربية .

 وكلمة أخيرة فان مجموعة الحيدري تبعث في القارئ استمتاعا عقليا أكثر منه عاطفيا .

  

 

البيبلوغرافيا

 

 

أولا : مقدمات القصص والروايات والمقالات المفردة المنشورة في كتاب :

 1 ــ نقد القصة القصيرة » النقد النظري « :

 

 1 ـ مقدمة عبد الوهاب الأمين لمجموعته القصصية » مجموعة قصص الأدب الحديث « مطبعة الثغر، البصرة 1934

 2 ـ مقدمة عبد الجبار وهبي لـ » أربع قصص عالمية « ترجمة عامر عبد الله، منشورات رسائل البعث 1946 .

 3 ـ مقال غائب طعمة فرمان » هذا اللون من القصص « وهو مقدمة لكتاب «قصص واقعية من العالم العربي « بالاشتراك مع محمود أمين العالم، دار النديم القاهرة 1956 .

 4 ـ مقال محمود العبطة المحامي » القصة القصيرة في العراق « وهو مقدمة لمجموعة حيدر محمود القصصية » رفقا بالانسان « مطبعة الجامعة، بغداد 1957 .

 5 ـ مقال علي جواد الطاهر » القصة القصيرة « في كتابه » مقالات « إتحاد الأدباء العراقيين، بغداد 1962

 6 ـ مقدمة فيصل السامر لمجموعة مهدي السامرائي القصصية » الهياكل « مطبعة الرابطة، بغداد، د . ت .

 

 

2 ــ نقد القصة العراقية القصيرة :

 7 ـ مقدمة أنور شاؤل لمجموعته القصصية » الحصاد الأول « مطبعة الجمعية الخيرية، بغداد 1930 .

 8 ـ مقدمة محمود أحمد السيد القصصية » في ساع من الزمن « مطبعة العهد، بغداد 1935 .

 9 ـ مقدمة ذي النون أيوب لمجموعته القصصية » رسل الثقافة « المطبعة العربية بغداد 1937 .

 10 ـ مقدمة محمد هادي الدفتر لمجموعة عبد الله حسن القصصية » أقباس الغرام « مطبعة الجزيرة، بغداد 1938بعنوان » الرواية بين الشعر والحقيقة « .

 11 ـ مقدمة ضياء الدين سعيد لمجموعته القصصية » صور الحياة « مطبعة الغري النجف، 1938

 12 ـ مقدمة محمد رضا المظفر لمجموعة ضياء الدين سعيد القصصية » صور الحياة « مطبعة الغري، النجف 1938 .

 13 ـ مقدمة صفاء خلوصي » قبل أن نبدأ « لمجموعته القصصية » نفوس مريضة « مطبعة التفيض الأهلية، بغداد 1941 .

 14 ـ مقدمة كمال أبي السعود لقصة زكي الجاد » إلى الأبد « مطبعة الرشيد، بغداد 1947 .

 15 ـ مقدمة عبد الرزاق الظاهر لمجموعته القصصية » عذارى بابل « مطبعة السعادة مصر 1947 .

 16 ـ مقدمة عبد المجيد لطفي لمجموعة شاكر خصباك القصصية » صراع « دار الفكر للطبع والنشر، القاهرة 1948 .

 17 ـ مقدمة عبد الحافظ القباني لمجموعة كارنيك جورج القصصية » سهاد البريئة « مطبعة الرشيد، بغداد 1948 .

 18 ـ مقدمة علي الخاقاني لمجموعة محمود محمد الحبيب » صرعى « مطبعة الغري، النجف 1949 .

 19 ـ مقدمة ناصر الحاني لمجموعة صلاح الدين الناهي القصصية » أقاصيص شتى « مطبعة، الرشيد، بغداد 1949

 20 ـ مقال عبد القادر البراك » محمود احمد السيد « في كتابه » أعلام الشرق « مطبعة الرجاء، 1950 .

 12 ـ مقدمة عبد اللطيف شرارة لمجموعة صلاح الدين الناهي القصصية » تثنية الاقاصيص «، مطبعة أسعد، بغداد 1952 .

 22 ـ مقدمة صلاح الدين الناهي لمجموعته القصصية » تثنية الاقاصيص « مطبعة أسعد، بغداد، 1952

 23 ـ مقدمة صفاء خلوصي لمجموعة صلاح الدين الناهي القصصية » تثنية الاقاصيص « مطبعة أسعد، بغداد 1952 .

 24 ـ مقدمة صلاح الدين الناهي لمجموعة آدمون صبري القصصية » المأمور العجوز وقصص أخرى « مطبعة دار المعرفة، بغداد، 1953 .

 25 ـ مقدمة جعفر الشيخ على لمجموعته القصصية » آمال وآلام « مطبعة الاتحاد الجديد الموصل، 1953 .

 26 ـ مقدمة يوسف عز الدين » مقدمة في القصة العراقية « لقصة عبد الواحد خماس » طريق الشوك « مطبعة دار المعرفة، بغداد، 1954 .

 27 ـ مقدمة غائب طعمة فرمان لمجموعته القصصية » حصيد الرحى « مطبعة الرابطة، بغداد، 1954 .

 28 ـ مقدمة عباس العزاوي » أدب القصة وأهدافها « لمجموعة مير بصرى القصصية » رجال وظلال « شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد، 1955 .

 29 ـ مقدمة مصطفى جواد " كلمة " لمجموعة مير بصرى القصصية » رجال وظلال« شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد، 1955 .

 30 ـ مقدمة رفائيل بطي لمجموعة مير بصرى القصصية » رجال وظلال « شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد، 1955 .

 31 ـ مقال حسين مردان » قصة شاعر العصر « في كتابه » مقالات في النقد الأدبي» المطبعة العربية، بغداد، 1955 .

 32 ـ مقدمة عبد الرزاق السيد أحمد السامرائي لمجموعته القصصية » عذاب الضمير « مطبعة الآداب، النجف، 1956 .

 33 ـ مقدمة داود سلوم القصة في الأدب العراقي الحديث لمجموعة عبد الرزاق السيد أحمد السامرائي القصصية » عذاب الضمير « مطبعة الآداب، النجف، 1956 .

 34 ـ مقدمة منير القاضي لمجموعة محمد بسيم الذويب القصصية » آثام « مطبعة العاني، بغداد، 1957 .

 35 ـ مقدمة غائب عبد الرزاق لمجموعته القصصية » مملكة الشياطين « مطبعة أسعد، بغداد، 1958 .

 36 مقدمة صفاء خلوصي لمجموعته القصصية » النافذة المفتوحة « مطبعة اللواء، بغداد، 1958 .

 37 ـ مقدمة صلاح خالص لمجموعة أحمد محمود الصفار القصصية » أنا إنسان « مطبعة الهدى، بغداد، 1958 .

 38 ـ مقدمة فؤاد علاء الدين لمجموعة باسم عبد الحميد حمودي القصصية » أنا عاطل وقصص أخرى « مطبعة الشاب، بغداد، 1958 .

 39 ـ مقال ذي النون أيوب » تأخر القصة في العراق « في كتابه مختارات ذو النون أيوب مطبعة اللواء، بغداد، 1958 .

 40 ـ مقدمة خالد سلمان الدليمي لمجموعته القصصية » الجرحى « بغداد، 1959 .

41 ـ مقدمة غائب طعمة فرمان لمجموعته القصصية » مولود آخر « مطبعة النجوم، بغداد، 1958 .

 42 ـ مقدمة حازم مراد لمجموعته القصصية » وتحطمت الأغلال « د . م .، 1959 .

 43 ـ مقدمة عدنان البدري » صديقي فاضل « لمجموعة فاضل جاسم الصفار القصصية » جزائر وقصتان « مطبعة الأزهر، بغداد، 1960 .

 44 ـ مقال محمد بسيم الذويب رائد الأدب القصصي في العراق محمود ـ أ ـ السيد نشر في كتابه » مختارات بسيم الذويب « شركة التجارة والطباعة، بغداد، 1960 .

 45 ـ مقدمة يونس الحديدي لمجموعته القصصية » مآسي الحياة « مطبعة الزعيم، بغداد، 1961

 46 ـ مقال علي جواد الطاهر » مولود آخر « في كتاب » مقالات مختارة « اتحاد الأدباء العراقيين، 1961 .

 47 ـ مقال صالح جواد الطعمة » اللغة العامية واستعمالها في العمل الأدبي « في كتاب » مقالات مختارة « اتحاد الأدباء العراقيين، بغداد، 961.

 48 ـ مقدمة طلال عبد الجبار لمجموعته القصصية «عاشق الشمس  » مطبعة العامل، بغداد، 1964 .

 49 ـ مقدمة عبد الوهاب النعيمي لمجموعته القصصية « عقاب الخطيئة  » مطابع الجمهورية، الموصل، 1964 .

 50 ـ مقدمة ابن الفرات لكتابه » مأساة اللطيفية « مطبعة الأديب، بغداد، 1964

 51 ـ مقدمة عبد السلام إبراهيم ناجي لمجموعة كاظم جاسم مصطفى القصصية «حدث في الليلة الماضية « مطبعة المعارف، 1965 .

 52 مقدمة عبد الله نيازي لمجموعة عامر رشيد السامرائي القصصية » رماد الليل « مطبعة دار الجمهورية، بغداد، 1967 .

 53 ـ مقال محمود العبطة المحامي " القصص القصيرة في العراق وأقاصيص حسب الله لمجموعة حسب الله يحيى القصصية » الغضب « المطبعة العصرية، الموصل، 1967 .

 54 ـ مقدمة حسام حمودي الساموك لمجموعة فخري عبد المجيد فؤاد القصصية » أنا رجل « مطبعة دار البصري، بغداد، 1967 .

 

3 ــ نقد القصة العربية القصيرة :

 55 ـ مقال وحيد الدين بهاء الدين » قلوب معذبة « في كتابه » نظرات في الكتب د . م، 1955

 56 ـ مقال وحيد الدين » محمود تيمور عميد القصة العربية المعاصرة « في كتابه «من الأدب العربي المعاصر « مطبعة دار الزمان، بغداد، 1966 .

 57 مقال عبد الوهاب الأمين » أدب القصة « في كتاب » قصص مختارة من الأدب التركي « ترجمة خلف شوقي الداودي، مطبعة البابي الحلبي، مصر، د . ت .

 58 مقال محمد محمود » فن القصص « في كتاب « قصص مختارة من الأدب التركي » ترجمة خلف شوقي الداودي، مطبعة البابي الحلبي، مصر، د . ت .

 

4 ــ نقد القصة الأجنبية القصيرة :

 

 59 ـ مقدمة عبد الجبار وهبي لـ » أربع قصص عالمية « ترجمة عامر عبد الله منشورات رسائل، البعث، 1946 .

 60 ـ مقدمة علي جواد الطاهر لكتاب » الابن وسبع قصص « مطبعة اتحاد الأدباء العراقيين، بغداد، 1961 .

 61 ـ مقدمة خلف شوقي الداودي لكتاب » قصص مختارة من الادب التركي « ترجمة خلف شوقي الداودي، مطبعة البابي الحلبي، مصر، د . ت .

 62 ـ مقال محمد محمود في كتاب » قصص مختارة من الأدب التركي « ترجمة خلف شوقي الداودي، مطبعة البابى الحلبي، مصر، د . ت .

 63 ـ مقال عبد الوهاب الامين » أدب القصة « في كتاب » قصص مختارة من الأدب التركي « ترجمة خلف شوقي الداودي، مطبعة البابي، د . ت .

 

5 ــ نقد الرواية العراقية :

 

 64 ـ مقدمة محمود أحمد السيد لروايته » مصير الضعفاء « مطبعة الاعتماد، مصر، 1922 .

 65 ـ مقدمة محمود أحمد السيد لروايته » جلال خالد « مطبعة دار السلام، بغداد، 1928 .

 66 ـ مقدمة كاظم مكي لروايته » صفوان الأديب « مطبعة الفيحاء، البصرة، 1939

 67 ـ مقدمة رشيد جواد، لقصة صاحب الدباع » في سبيل الخلود « مطبعة الزمان، بغداد، 1946 .

 68 ـ مقدمة رفائيل » الضائع قصة الخير والشر « رواية جعفر الخليلي » الضائع « مطبعة الراعي، النجف 1948، .

 69 ـ مقدمة انور شاؤل » الوان غنية قلما وجدتها في القصص العربية « لرواية جعفر الخليلي » الضائع » مطبعة الراعي، النجف، 1948 .

 70 ـ مقدمة خلف شوقي الداودي » المجهود الضائع « لرواية جعفر الخليلي «الضائع» مطبعة الراعي، النجف 1948، .

 71 ـ مقدمة جعفر الخليلي لقصة عبد الله نيازي » نهاية حب « مطبعة الراعي، بغداد، 1949 .

 72 ـ مقال عبد القادرالبراك » محمود احمد السيد « في كتابه » أعلام من الشرق « مطبعة الرجاء، 1950 .

 73 ـ مقدمة خالد الدرة لروايته » أفول وشروق « مطبعة الوادي، بغداد، 1953 .

 74 ـ مقدمة ليلى عبد القادر لرويتها » نادية « مطبعة المتنبي، بغداد، 1957 .

 75 ـ مقال عباس العزاوي » المقامات، القصة « في كتابه » ذكرى ابي الثناء الالوسي» د . م .، 1958 .

 76 ـ مقدمة موفق خضر لروايته » المدينة تحتضن الرجال « مكتبة النهضة، بغداد، 1960 .

 77 ـ مقدمة يوسف عز الدين لروايته موفق خضر » المدينة تحتضن الرجال « مكتبة النهضة، بغداد، 1960 .

 78 ـ مقدمة داود سلوم » القصة العراقية « لرويته شاكر جابر » الايام المضيئة » مطبعة الجمهورية، بغداد، 1961 .

 79 ـ مقدمة ابن الفرات لكتاب » مأساة اللطيفية « مطبعة الأديب، بغداد، 1964

 80 ـ مقدمة صفاء خلوصي لقصة خضر الشابندر » الزوجان المنتحران « دار الجاحظ، بغداد، 1964 .

 81 ـ مقدمة عباس شيحان الجميلي لقصة جميل حمزة جميل » القلوب المتوجعة « مطبعة الجامعة، بغداد، 1966 .

 82 ـ مقدمة عبد الواحد خماس لقصة سامي أمين » حمدى « مطبعة المعارف، بغداد، د . ت .

 83 ـ مقدمة آمنة حيدر الصدر لروايتها » الفضيلة تنتصر « مطبعة الآداب، النجف، د . ت .

 

 6 ــ نقد الرواية العربية :

 84 ـ مقال وحيد الدين بهاء الدين » كيف قرأت نجيب محفوظ « في كتابه « في الادب والحياة  » د . ت .

 

 

ثانيا : المقالات المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية

1 ــ نقد القصة القصيرة « النقد النظري  »

 

 

  ت

المقال

كاتبه

الدورية

عددها

تاريخها

السنة

 85

 (( بند مخصوص)) كتابة القصص (( العرضحالات))

 ـــ

 ج الزوراء 

 8667

29أيلول

1878

 86

 مقدمة صدى بابل 

 ـــ

 ج صدى بابل 

 1

 13آب

 1909

 87

 سبقونا فنلحقهم 

 ـــ

 ج صدى بابل 

 29

 4 مارس

1910

 88

 مقدمة العدد الأول من مجلة لغة العرب

 ـــ

 م لغة العرب 

 1

 تموز 

 1911

 89

 المطالعة خطورتها وأصولها وأدواتها وفوائدها 

 ـــ

 ج العراق 

 39

16 تموز

 1920

 90

 حاجتنا الى النهضة الفكرية 

 ـــ

 ج العراق 

 769

 27 ت2

 1922

 91

 الذاتية والموضوعية في الأدب 

 محمود احمد السيد

ج السياسةالاسبوعية

 177

27 يوليو

 1929

 92

 فن القصة 

 لطفي بكر صدقي 

 ج الاستقلال

 1736

 9 ت2

 1932

93

 أدب القصة وأثرها

 جرجيس يوسف 

 م الحاصد

 17

 17 ت2

 1932

 94

 وسوسات ابليس ( من فضلكم )

 شالوم درويش

 م الحاصد

 1

 تموز

 1935

 95

 أدب القصة 

 ن

 ج الهاتف

 155

 17 شباط

 1939

 96

 بناء القصة

 ن

 ج الهاتف

 156

24 شباط

 1939

 97

 القصة الحديثة وكيف تكتب

 صفاء خلوصي

 م الزهراء

 37

15 آذار

1944

 98

 القصة الحديثة وكيف تكتب

 صفاء خلوصي

 م الزهراء

 39

15 نيسان

 1944

 99

 الأقصوصة

 عبد السلام حلمي

 ج الشهاب

 842

 2 حزيران

 1944

 100

 هل تفي الحياة الاجتماعية العراقية بغايات القاص العراقي

 عبد الله حلمي وصفاء خلوصي ويعقوب بلبول

 م الزهراء

 52

 31 آب

1944

 101

 أدب القصة في العراق

 ذو النون أيوب

 م الرابطة

23 24

28 نيسان

 1945

 102

 القصة وأدب القصة

 مطالع

 م العدل الاسلامي

 7

 15 ايلول

 1947

 103

 القصة

 عبد الجبار الخليلي

م الجزيرة

  20

 1 ك1

1947

 104

 أدب القصة

 حسين حسن

 ج الهاتف

 514

 24 ك 1

 1948

 105

 فن القصة

 جعفر الخليلي

 م الجزيرة

 33

 1 ك 2

 1949

 106

 فن القصة العربية

 فؤاد الونداوي

 م الجزيرة

 33

 1 ك 2

 1949

107

 مستقبل القصة القصيرة 

 عبد الوهاب الامين

 ج العالم العربي

 6861

 1 ت 2

 1949

 108

 حول مستقبل القصة القصيرة

 نعمان ماهرالكنعاني

 ج العالم العربي

 6865

 10 ت2

 1949

109

 رد الأستاذ عبد الوهاب الأمين

 عبد الوهاب الأمين

 ج العالم العربي

 6865

 10 ت2

 1949

110 

 القصة والشعر

 فؤاد الونداوي

 ج العالم العربي

 6869

 15 ت2

 1949

111

 القصة

 انيس زكي حسن

 م صوت العراق

 35

 13نيسان

 1951

112

 فن القصة

 عين

 ج الاتحاد الدستوري

 419

26 آب 

 1951

113

 القصة العراقية ومجموعة " حصيدالرحى "

عبد المجيد الونداوي

 ج صوت الاهالي

 167

21 نيسان 

 1954

114

 قواعد القصة وقوانينها

 ناظم توفيق

 م الأديب

 12

 ديسمبر

 1954

115

 ملاحظات في القصة

 أبو خضر

 ج الشعب

 3260

8 تموز

 1955

116

 القصة أفضل فنون الأدب

 فؤاد الونداوي

 ج الشعب

 3295

 21 آب

 1955

117

 القصة والمصادفة

 عبد المجيد لطفي

 م الأديب

 9

 سبتمبر

 1955

118

 ما هي القصة

 ثامر فرحان البشير

 ج البصرة

 124

20 مايس

 1956

119

 العامية في القصة الحديثة

 مولود جابر الدوري

 ج البلاد

 4966

26 ايار

 1957

120

 ملاحظات في القصة القصيرة

 م

 م الفنون

 10

10 تموز

 1957

121

 تدريس القصة وأصول النقد في مدارسنا

 موفق خضر

 ج الحرية

 1033

18 ت2

 1957

122

 القصة وقيود الشعر

 فؤاد الونداوي

 ج الشعب 

 4007

23 ت2 

 1957

123

 القصة القصيرة

 صالح جواد الطعمة 

 م المعلم الجديد

 32

أذارـ نيسان

1958

124

 حقائق عن أدبنا وناشئتنا

 باسم عبد المجيدحمودي

 م الورد

 9

 ايار

 1958

125

 أريد أن أكون قصاصا

 علي جوادالطاهر

 م المعلم الجديد

 4

 نيسان

 1959

126

 القصة العربية بين الماضي والحاضر

 ـــ

 ج المواطن

 15

22 تموز

 1960

127

 الاغراق في الواقعية في الأدب والفن

 عبد الرحمن الدايني

 ج البيان

 118

22 ايلول

1960

128

العلاقةبين الادب والسينما

عدنان المبارك

أماسي الاتحاد

 2

 ـ

 1960

129

الصورة والاقصوصة

 عبد الصمد خانقاه

 ج الاخبار

 5679

5 نيسان

 1961

130

 خاطرة في فن القصة

 حمزة الباقري

 ج الهدف

 194

16 ايار 

 1961

131

 أضواء على أدب القصة في العالم

 موسى الشيخ علي

 ج الثقافة الاسلامية

 13

3 حزيران 

 1961

132

 أدب المقامات أو الفن الاقصوصي المسجع

 صفاء خلوصي

 م المعلم الجديد

 1

ك2شباط آذار

 1962

133

 حديث عن البطل

 عبد المجيد الونداوي

 ج صوت الأحرار

 1105

12 حزيران

 1962

134

 القصة القصيرة كيف بدأت وكيف تطور

مصطفى محمود حمدان 

ج البلاد

6490

 13 آب

1962

135

 القصة العربية

 جعفر الخليلي

 ج العهد الجديد

 511

28آب

 1962

136

 أثر كليلة ودمنة في القصة العربية

 جعفر الخليلي 

 ج المستقبل 

 534

 30 آب

 1962

137

 ألوان من القصة العربية

 جعفر الخليلي

 ج الاخاء

 8

 ـ

 1962

138

 بين الأدب والقصة

 حسن أحمد العاني

 ج العرب

 108

9 ت1

 1963

139

 القصة والواقع

 شرقية عزيز

 ج فتى العرب

 73

27 آب

 1964

140

 القصة .. والفن .. والموهبة

 سامي الجلبي

 ج فتى العرب

 79

17 ايلول

 1964

141

 أدب القصة

 سعاد الجبوري

ج الأنباء الجديدة

 16

26ايلول

 1964

142

 القصة وأصولها

 كريم مناحي الصيرفي

 ج صوت العمال

 16

23 ك2

 1965

143

 دراسات أدبية

 عبد الجبار عباس

 م الاداب

 1

 ك2

 1965

144

 كيف تكتب قصة قصيرة 

عبد الجبار الحلفي 

ج صوت البصرة 

 53

17 أيلول 

 1965

145

 البذور في الأرض الطيبة

 ربيع

ج فتى العرب 

 2897

2 ايار

 1965

146

 الهاوية الفكرية

إحسان وفيق السامرائي

ج الجمهورية

 949

1 ايلول

 1966

147

لماذا عجز الأديب العراقي من أن يكون اشتراكيا

فاضل العزاوي

ج الثورة العربية 

 737

14 ت2

 1966

148

 هل المقامة قصة

 ـــ

ج الأديب

 320

6 شباط

 1967

149

 هل المقامة قصة

 ـــ

ج الأديب

 321

11 شباط

 1967

150

 دور البصرة في تطوير القصة العربية

عبد الجبار الحلفي

ج الخليج العربي

 454

12شباط 

1967

151

 دور البصرة في تطوير القصة العربية

عبد الجبارالحلفي

ج الخليج العربي

 492

2 نيسان

 1967

152

 دور البصرة في تطوير القصة العربية 

عبد الجبار الحلفي 

ج الخليج العربي

 498

9 نيسان

 1967

153

دور البصرة في تطوير القصة العربية 

عبد الجبار الحلفي

ج الخليج العربي

 503

16 نيسان

 1967

154

الكامل أبو القاسم عبد الله بن محمد الزواطي مبدع الاقصوصة الفنية في الأدب العربي

مصطفى جواد

م الأستاذ

21

 ـ

 1967

 

 

 

 

 

 

2 ــ نقد القصة العراقية القصيرة

 

155

هيكل الماضي على مسرح الحياة 

محمود أحمد السيد

ج العراق 

 1008

8 ايلول

 1923

156

 الضعفاء

 ـــ 

م لغة العرب 

 9

 ـ

 1927

157

قصصنا العراقيةالشعبية

محمود أحمد السيد 

م الحديث

 7

 مايس

 1928