تناقضات الحداثة العربية

 

 

د. كريم الوائلي

 

  

المقدمة

 

تبدو كلمة الحداثة لكثرة استعمالها بين المثقفين وغيرهم لا معنى لها ، فهي تعني كل شيء أحيانا ولا شيء أحيانا أخرى ، إذ يستسهل بعض الناس استخدامها  وتداولها ـ بحكم بريقها ـ ويتم بها توصيف مفكرين وسياسيين ومبدعين ، ويزداد الأمر غموضا إذا رافقتها كلمات مصاحبة دالة كالحداثوية والحداثانية ، الأمر الذي يجعل دراستها علميا أمرا ملحا .

والحداثة ليست كتلة مصمتة أو كيانا معلقا في فراغ ، ولكنها ـ دون شك ـ لبنة في منظومة اشمل ، وظاهرة بالغة التعقيد ، لا تعرف الاستقرار والثبات ، بمعنى أنها ليست مطلقة بحسب مفاهيم فكرية وافدة ، وإنما هي نبت تاريخي متغير تتحدد في ضوء السياقات التاريخية والاجتماعية ، فهي لا تولد فجأة ، دون إرهاصات سابقة تمهد  لها ،وتساعد على نشأتها وتطورها ، الأمر الذي يدفع إلى  دراسة التصورات والمفاهيم التي سبقت الحداثة ومهدت لها ، وان كانت على نحو خلافي .

ويعنى هذا البحث بدراسة :

1 ـ محاكاة الخارج .

2 ـ معاناة الداخل .

3 ـ تأسيس الحداثة .

ويكشف المحوران الأول والثاني عن أبرز وأهم التصورات الإحيائية والرومانسية التي أسهمت بشكل أو بآخر في التمهيد لتأصيل الحداثة ، أما المبحث الثالث فتتركز العناية فيه بتأصيل مفهوم الحداثة في ضوء التصورات والتجليات المختلفة التي تعرض له الحداثيون العرب .

 

بغداد  2006                                                               ا. د . كريم عبيد هليل الوائلي

 

 

محاكاة الخارج

 

 

1/1

          كان الشعر في القرن التاسع عشر امتداداً لشعر العصور المظلمة ، فقد كان مكبلاً بقيود الصناعة والزخرفة الشكلية ، وكانت دواوين الشعراء تطفح بأنماط الصناعات اللفظية المقصودة لذاتها ، ولم تقتصر هذه الدواوين على الجناس والطباق والتورية والمقابلة فحسب، بل تجاوزتها إلى  الألغاز والتاريخ الشعري والمشجرات  ،َ إن الشعر في هذه المرحلة التاريخية لم يكن يدل على أكثر من العناية المقصودة بالصناعة اللفظية والزخرفة الشكلية .

            وحاول الشعراء في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أنْ يعيدوا للشعر العربي بهاءه القديم ، فأخذوا ينهلون من روائع الشعر العربي القديم ، وبخاصة في عصوره الزاهية ، وعمدوا إلى  أشهر قصائد الشعر العباسي فحاكوا أوزانها وقوافيها وصورها ومعانيها ، قاصدين بذلك إحياء القديم ، وباثين الروح فيه ، وقد أطلق على هذه المرحلة : الإحيائية أو الكلاسيكية ، والإحيائية مرحلة تاريخية من مراحل التطور الأدبي والنقدي ، ويتجلى فيها دور العقل بوصفه الأداة المعرفية الأساسية التي يتمكن بها الإنسان من الكشف عن المعارف والحقائق ، وتتميز الحقائق بقدر من الثبات والعموم ، وتؤدي الإحيائية دوراً إصلاحياً في المجتمع ، ويؤدي فيه الأديب والناقد دوراً مماثلاً لدور المصلح والمفكر ، وتنعكس آثار ذلك على الأدب وطبيعته ووظيفته.

                 وأطلق الباحثون على هذه المرحلة مصطلحين يدلان على معنى واحد تقريبا ، وهما : الإحيائية والكلاسيكية ، فالإحيائية تعني إحياء الشعر العربي القديم ، وإعادة بعثه من جديد ، ولذا فهي تصدق إلى  حد كبير على شعر هذه المرحلة ، أما مصطلح الكلاسيكية فإنه مقتبس من الحضارة الغربية ويدل على مرحلة معينة من مراحل تطور الأدب الغربي الذي يقوم على أ ساس تقليد النصوص المتميزة من الأدبين الإغريقي والروماني ، وكانت المحاكاة أداة الكلاسيكيين لتحقيق هذه الغاية ، وقد أسهم النقد في تحقيق هذه الغايات بطريقين : « الطريق الأول : استخلاص القواعد الفنية للأجناس الأدبية المختلفة ... والطريق الثاني : تقويمي يقصد إلى  الحكم على النتاج الأدبي الكلاسيكي من خلال تمثيله أو عدم تمثيله لقواعد الآداب القديمة »  ، وافضل استخدام مصطلح الإحيائية لندل به على المرحلة الأولى من مراحل تطور الأدب العربي المعاصر ، لأنه أكثر دقة ودلالة من مصطلح الكلاسيكية لما يشتمل عليه الأول ـ الإحيائية ـ من دلالة تُعنى ببعث التراث القديم ومحاولة إحيائه من جديد ، أما الثاني ـ الكلاسيكية ـ فإنه لا ينفصل عن دلالته الغربية التي تبقى مرافقة له ، وإن استخدام هذا المصطلح وتطبيقه على الأدب العربي في هذه المرحلة بالذات تسلبه بعض خصائصه ومزاياه ، وتخلع عليه خصائص لا تدل على حقيقته . ونبقى نستخدم المصطلحين بدلالتين مختلفتين نسبيا ، اذ نستخدم مصطلح الإحيائية لندل به على مرحلة بعث الأدب العـربي فـي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، ونستخدم مصطلح الكلاسيكية ـ كما يستخدمه أصحاب المصطلح انفسهم ـ لندل به على المرحلة الأدبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين التي تُعنى بمحاكاة الآداب الإغريقية والرومانية ، وإلزام الأديب الغربي بقواعد النظرية الأرسطية بخاصة .

            وكانت محاكاة القديم تحكم مجمل التفكير في المرحلة الإحيائية ، سواء أكان من جهة الإبداع الشعري ، أم من جهة التأصيل النقدي ، والمحاكاة بطبيعتها تقتضي مثالاً يحاكى ، وأداةً يتم من خلالها محاكاته ، وقد تجلت مظاهر المثال هذا في الإبداع الشعري القديم ، فأخذ شعراء الإحياء يحاكونه وينسجون على منواله ، وليس أدل على ذلك من المعارضات التي كلف بها شعراء الإحياء ، فهذا يعارض بائية أبي تمام ، وذاك يعارض سينية البحتري، وآخر يعارض نونية ابن زيدون .

            والمعارضة تعني الاغتراف من روح التجربة الشعرية التي عاشها الشاعر القديم مع التـزام الشاعر المعاصر بالوزن والقافية القديمين ، بحيث يتبادر إلى  ذهن المتلقي القصيدة القديمة بمجرد سماع قصيدة الشاعر المعاصر ، ولم يخف الأدباء الإحيائيون إعجابهم المطلق بالتراث ، ولم يخفوا كذلك تباهيهم في قدرتهم على محاكاة القديم ومعارضته .

           ويعد الشيخ حسين المرصفي «  ـ 1889 م » أحد ممثلي المدرسة الإحيائية ، وهو يرفض التعريف العروضي للشعر ، لأنه يدل على أنَّ الشعر هو « الكلام الموزون المقفى »  ويتبنى حداً آخر للشعر ليس محاكيا للتراث فحسب ، وإنما هو نقل حرفي لتعريف ابن خلدون ، ويتحكم فيه الأسلوب المنطقي في الحدود القائم على أساس الفصل والجنس ، يقول « الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة  ».

            إن إبداع الشعر يرجع إلى  الملكة ، وهي مرة « جبلة وطبع » عند الشاعر ، ومرة تنشأ من كثرة الحفظ والمران ، ولكنها في كلتا الحالتين تعني الاغتراف من المخزون المحفوظ ، ولذلك فإنَّ عملية الإبداع تقتضي شروطا أبرزها : أنْ يكثر الشاعر من حفظ الشعر « حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب » ويشير حسين المرصفي إلى  شعر الرعيل الأول من الجاهليين والإسلاميين والعباسيين . ليصبح الحفظ علة الإبداع ، وعلة جودته« ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ ، فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط ، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ ».

            إنّ تأكيد الحفظ يدل على ضرورة احتذاء المثال في الإيقاع والتشبيه والمفردات والتراكيب ، ويتأتى ذلك بالدربة والمران في نظم الشعر . إنَّ مقولة الحفظ والمران صورة من صور التراث النقدي العربي التي تؤكد شروط الإبداع وتنوعه ، ونشير في هذا السياق إلى  تعريف علي بن عبد العزيز الجرجاني للشعر في قوله : « الشعر علم من علوم العربية يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ، ثم تكون الدربة مادة له ، وقوة لكل واحد من أسبابه ، فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز ، وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان ، ولست افضل في هذه القضية بين القديم والمحدث ، والجاهلي والمخضرم ، والاعرابي والمولد ، إلا أنني أرى حاجة المحدث إلى  الرواية أمس ، وأجده إلى  كثرة الحفظ أفقر  ».

            ويستدل حسين المرصفي على صحة تصوره هذا بأحد أدباء الإحياء ـ محمود سامي البارودي ـ الذي تمكن من صنعة الشعر بالحفظ والدربة ، فالبارودي « لم يقرأ كتاباً في فن من فنون العربية غير أنه لما بلغ سن التعقل وجد من طبعه ميلا إلى  قراءة الشعر وعمله فكان يستمع بعض من له دراية ، وهو يقرأ بعض الدواوين أو يقرأ بحضرته حتى تصور في برهة يسيرة هيآت التراكيب العربية ومواقع المرفوعات منها والمنصوبات والمخفوضات بحسب ما تقتضيه المعاني والتعلقات المختلفة فصار يقرأ ولا يكاد يلحن ...ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة واستثبت جميع معانيها ناقدا شريفها من خسيسها واقفا على صوابها وخطأها(كذا) ، مدركاً ما كان ينبغي وفق مقام الكلام ومالا ينبغي ، ثم جاء من صنعة الشعر اللائق بالأمراء ولشعر الأمراء كأبي فراس والشريف الرضي ».

 

 

 

 

2/1

 

   

          ويسلم معروف عبد الغني الرصافي «1875 ـ 1945 م » على نحو العموم بالتعريف العروضي القديم للشعر ، الذي يرى أن الشعر« كلام ذو وزن وقافية » إلا أنه يميل إلى  تحديد آخر للشعر ينسجم إلى  حد كبير مع طبيعة المرحلة الإحيائية العربية فالشعر «مرآة من الشعور تنعكس فيها صور الطبيعة بواسطة الألفاظ انعكاسا يؤثر في النفوس إنقباضا أوإنبساطا » ويتجلى في هذا التعريف ثلاثة أركان :أولها يتصل بـ « صور الطبيعة » والمقصود به يشمل « صور ما في الطبيعة فيشمل المعاني الخفية والخيالات الوهمية والموجودات الصناعية التي صنعتها يد البشر أيضا » وتمثل هذه الصورة على الرغم من غموض بعض جوانبها « المثير » الذي يتحدد في ضوئه الإبداع الشعري . وثانيها : مرآة الشاعر التي تنعكس فيها صور الطبيعة هذه ، ويتم ذلك من خلال الألفاظ ، وعلى الرغم من أن مرآة الرصافي مرآة من الشعور فإنها لا تقربه من التفكير الرومانسي الذي يغير من صور الأشياء ، فالمرآة ـ هنا مرآة صقيلة لا تؤدي سوى وظيفة الانعكاس الذي يحافظ على ملامح الصور الخارجية ، وليس بقادر على التعبير عنها ، ويضعنا هذا التصور في إطار مفهوم المحاكاة التي تعني نقلا ووصفا للواقع ، ويعطل فيه العالم الداخلي للشاعر ، لأن المرآة التي هي صورة المحاكاة إنما هي أداة يوجهها الشاعر نحو صور الطبيعة فتنعكس عليها هذه الصور ، وهذا يعني أن دور الشاعر دور المراقب الكسول لمعطيات الواقع الخارجي ، وهو دور لا يتدخل فيه عالمه الداخلي ، ولا يوظف فيه خياله .

  إن استخدام المرآة بوصفها عاكسا يؤكد « ثبات الأدب إزاء موضوعه ، ومن ثم ثبات صورة المرآة إزاء ما تعكسه »  الذات المدركة وموضوعات إدراكها ، أ ي يتصل بالكيفية التي يحاكي بها الأدب العالم ، لتماثل أعماله صور المرآة » ويتصل الثاني « بمغزى المحاكاة نفسها من حيث التأثيـر الذي تخلقـه ، عنـدما تلفت الانـتباه إلى  ما ينطـوي عليـه مـوضـوعها مـن ثبـات وانتظـام »  .

            ولا يغفل الرصافي الألفاظ بوصفها الوسيط الذي تتحقق من خلاله محاكاة الطبيعة وكيفية وصفها ، وهو يؤكد في هذا السياق ، ليميز بين الشعر وبقية الفنون باختلاف وسائط محاكاتها ، فالرسم والنحت والموسيقى « تشارك الشعر في كونها منعكسا لصور الطبيعة ، ولكن لا بواسطة الألفاظ بل بواسطة الخطوط والألوان في الرسم ، والأشكال البارزة في النحت والألحان والأنغام في الموسيقى » ، أما ثالث الأركان فهو التأثير بالمتلقي انقباضا وانبساطا ، ويذكرنا هذا بمقولة التطهير الأرسطية في أثناء تعرضه لتعريف التراجيديا ، لأن التراجيديا تنقي النفوس من خلال خوف المتلقي مما يحدث لبطل المسرحية وشفقته عليه ، يقول أرسطو : فالمأساة ـ التراجيديا ـ « هي محاكاة فعل نبيل تام ، لها طول معلوم ، بلغة مزوّدة بألوان من التزيين تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء ، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون ، لا بواسطة الحكاية ، وتثير الرحمة والخوف فتؤدي إلى  التطهير من هذه الانفعالات  » وإذا كان هذا يشير إلى  مقولة التطهير الأرسطية فإنه يلمح إلى  فكرة التحسين والتقبيح في تراثنا النقدي ، حين يتحول النص الأدبي إلى  وسيلة يراد منها ترغيب المتلقي أو تنفيره من أمر ما من الأمور « وتتحقق هذه الغاية عندما يربط البليغ المعاني الأصلية التي يعالجها بمعان أخر مماثلة لها ، لكنها أشد قبحا أو حسنا ، فتسري صفات الحسن أو القبح من المعاني الثانوية إلى  المعاني الأصلية ، فيميل المتلقي اليها أو ينفر منها تبعاً للمبدأ القديم الذي يرى أن ما يجوز على أحد المتماثلين يجوز على الآخر ».

           ومن الجدير بالذكر أن معروف الرصافي لم يتخلص تماما من شكلية الحد التراثي للأشياء والموضوعات ، إذ لا يزال يتكيء على الجنس والفصل ليقدم حدا جامعا مانعا ، فهو يقول فقولنا بواسطة الألفاظ قيد احترازي يخرج به قسماء الشعر من الفنون الجميلة المسماة عند القوم بالآداب الرفيعة كالرسم والنحت والموسيقى ».

          ويتعرض معروف الرصافي لنشأة الشعر العربي في ضوء قانون يشمل الكون وكلام الإنسان، فهو يرى أن كل شيء إنما يتم تطوره بارتقاء طبيعي ، وهو خاضع لمشيئة الله ، أي أنه يتدرج « من الصغر إلى  الكبر ومن البساطة إلى  التركيب ، فكل شيء منحط في بدأته ثم يرتقي وناقص في أول نشأته ثم يتكامل وبسيط في مبتدأ وجوده ثم يتراكب ». وكذا الأمر في كلام البشر فانه هو الآخر يخضع للناموس الطبيعي الذي يتدرج من البسيط إلى  المركب ، فلقد كان « الكلام بسيطا ساذجا خاليا من كل تفنن في أسلوبه وتصنع في ألفاظه بحيث لا يكاد يعرب عما في ضمير المتكلم تمام الإعراب ».

           إن نشأة الشعر عند الرصافي قد مرت بثلاثة أدوار : الدور الأول : مرحلة التعبير البسيط الساذج الخالي من أشكال الصياغة المقصودة ، والدور الثاني : مرحلة التعبير بالسجع ، وهو الكلام المقفى أو موالاة الكلام على روي واحد والدور الثالث : مرحلة التعبير بالوزن ، إذ يرى الرصافي أن مرحلة التعبير بالسجع استمرت قرونا عديدة ، وأن التعبير بالوزن قد تولد من السجع ، وقد أسهم السجع في تحديد القافية في الشعر، أما الغناء فهو الذي « يزيد احتمال وقوع الوزن فيه بطريقة الاتفاق والمصادفة زيادة أكثر إذا كان غير مقترن به ».

            ويختلف احتمال وقوع الوزن بطريقة المصادفة باختلاف الأوزان الشعرية ، لأن الرصافي يرى أن بعض الأوزان الشعرية تتميز بالبساطة والتركيب « فما كان من الأوزان أبسط كان ذلك الاحتمال فيه أكثر وأقوى والعكس بالعكس ، ونعني ببساطة الوزن هنا سهولته على القريحة وخفته على الطبع وقرب مأخذه من الكلام المنثور بحيث يكون انطلاق اللسان به سهلا وجرى الطبع عليه هينا  »  ويضرب لذلك مثـلا بالـرجز الذي يعتبـره أسهلها على القـريحة وأقـربها من النثـر ، بل يعده أول مولود من الشعر.

 

3/1

 

             وتتكرر في النقد الاحيائي بعض المفردات التي يوحي ظاهرها التأثر بتصورات رؤى نقدية أخرى ، فتكرار مفردات كالخيال والشعور ـ وهما مصطلحان يكثر ترددهما في النقد الرومانسي ـ لا يوهم الدارس بتحول رؤية الناقد الإحيائي ، فالشعر عند محمود سامي البارودي«لمعة خيالية يتألق وميضها في سماوة الفكر ، فتنبعث أشعتها إلى  صحيفة القلب ، فيفيض بلألائها نورا يتصل خيطه بأسلة اللسان فينفث بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك ، ويهتدي بدليلها السالك ، وخير الكلام ما ائتلفت الفاظه وائتلقت معانيه ، وكان قريب المأخذ ، بعيد المرمى ،سليما من وصمة التكلف ، بريئا من عشوة التعسف ، غنيا عن مراجعة الفكرة ، فهذه صفة الشعر الجيد »  ويشتمل هذا التعريف على موضوعات عديدة ، فهو من ناحية لم يشر إلى  الخصائص الشكلية للشعر متمثلة بالوزن والقافية ، غير أن التعريف لم ينف هذه الخصائص ، ويمكن تأكيد ذلك بما نظمه البارودي من شعره وحرصه على الالتزام بالوزن والقافية ، ويتصل تعريفه من ناحية أخرى بالخيال ، أو اللمعة الخيالية التي توهم الدارسين في أنها تحدد جانبا من الخصائص النوعية للشعر ، ولعل الخيال أو لمعته إنما هي خاصية كثيرا ما يؤكدها النقد الرومانسي ، ولكنهاـ في الحقيقة ليست تجاوزا للرؤية التقليدية أو كسرا لها ،لأن الخيال هنا مقيد بأبعاد عقلية ، لأن اللمعة الخيالية هذه «يتألق وميضها في سماوة الفكر  » ولم يكن البارودي الأديب الوحيد الذي أكد أهمية الخيال على الرغم من تأكيده دور العقل والفكر في إحكام الخيال وإلجامه ، فالناقد نجيب أفندي الحداد «1867 ـ1899 م » قد أكد ذلك في مقال له نشر سنة 1897 م حيث قال«الشعر هو الفن الذي ينقل الفكر من عالم الحس إلى  عالم الخيال  » وهذا يعني أن عناية الأديب الإحيائي متجهة نحو الفكر والأداة التي تصنعه أي العقل ، ولذلك تكررت مفردات مثل : الفكر والحقيقة ، وهذا يعني أن الخيال لدى نجيب أفندي ولدى البارودي ليس وليد انفعال متوقد في الذات ، قدر ما هو صور لمعطى ذهني عقلي ، وبهذا يكون خاضعا للمكونات العقلية ، ويكون الشاعر في هذه الحالة مفسرا أكثر منه خالقا ومبدعا ، أي أنه يهتم بوصف الأشياء وتفسيرها وعقد المقارنة بين الأشياء المتماثلة والمتناظرة ، أو كما يقول عباس محمود العقاد في أثناء نقده لشعر أحمد شوقي « إنَّ الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها . وان ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه إنما مزيته أن يقول ما هو ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به ».

            ان تعريف البارودي يحدد مراحل إبداع النص الشعري ، فهو يمر بمراحل متتابعة ، الأولى ومضة الإبداع في العقل ، والثانية : انتقال أثر الومضة إلى  القلب ، والثالثة تحريك الأداء اللفظي متمثلا باللسان ، وهذا يعني أن عملية الإبداع الشعري تمر ضمن مراحل متتابعة: العقل ، والقلب ، واللسان ،ان هذا التتابع المرحلي الذي تتولد عنه عملية الإبداع الشعري تعبر عن رؤية تحافظ على الحدود والمسافات بين الأشياء إذ لا بد من مرحلة تتبعها مرحلة ولا بد أن تكون الأولى سابقة والثانية لاحقة ، شكل من أشكال النظام يتحكم في التفكير التقليدي ، ويتجلى هذا في استخدام حرف العطف (الفاء) الذي يفيد الترتيب والتعقيب ، بحيث يكون الأول سابقا والثاني لاحقا بلا مهلة بينهما .

           إن مرحلية الأداء والفعل تمثل قانونا يحكم الظاهرة التقليدية بأسرها ليس في تحديد مفهوم الشعر فحسب ، وإنما في مظاهر الفكر والحياة ونحوها ، ففي الحب مثلا تتمثل هذه المرحلية عند أحمد شوقي في قصيدته التي يقول فيها:

 خدعـوها بقـولهم حســــناء

 

 والغـواني يغرهن الثناء

 

 أتراها تناسـت اسمـي لــمـا

 

 كثرت في غرامها الأسماء

 

 ان رأتني تميل عني كان لـم

 

 تك بيني وبينـها أشـياء

 

 نظـرة فابتسـامة فســـــلام

 

 فكـــلام فمــوعد فلقاء

 

 فالحب شأنه شأن أي قضية أخرى في التفكير الاجتماعي تمر بمراحل متلاحقة تماما كما أن الحب لابد أن يمر بمراحل متلاحقة تبدأ بالنظرة والابتسامة والسلام وتنتهي باللقاء .

          وإذا كانت الرؤية الإحيائية تؤكد هذه المرحلية فإنَّ رؤية لاحقة تجاوزتها تكسر هذه المرحلية ، ولذلك يختلف صلاح عبد الصبور عن أحمد شوقي في الرؤية والإبداع ، ويتجلى ذلك بتعارضه في القضية نفسها ، وفي طبيعة الشكل الشعري ، إذ يعتمد صلاح عبد الصبور شعر التفعيلة ، في حين قد اعتمد احمد شوقي قصيدة الشطرين ، اختلاف في الرؤية واختلاف في الشكل والأداء ، يقول صلاح عبد الصبور:  

  

الحب يارفيقتي قد كان

  في أول الزمان

  يخضع للترتيب والحسبان

  نظرة فابتسامة فسلام

  فكلام فموعد فلقاء

  اليوم يا عجائب الزمان

  قد يلتقي في الحب عاشقان

  من قبل أن يبتسما    

 

           ونلتقي في هذا السياق بالناقد جبر ضومط «1858ـ1930م » الذي يرجع الشعر إلى  الشعور ، بمعنى أنه يرجعه إلى  جذره اللغوي الذي يدل على الفطنة بالأشياء ، والحق ان هذه الدلالة ترجع إلى  تراثنا النقدي ، وبخاصة إلى  أبي أحمد الرازي في القرن الرابع الهجري الذي يؤكد أن الشاعر سمي كذلك «لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من معاني الكلام وأوزانه وتأليف المعاني وأحكامه وتثقيفه » ويبدو أن الشعور عند جبر ضومط كلمة لها مفهوم عام يتصل من ناحية بالعلم ، إذ تدل على النظر والاستدلال ، ويتصل من ناحية أخرى بالشعر ، حين تدل علىالحس الظاهر والباطن ، وفي ضوء هذين البعدين يتحدد مفهوم الشعر ويتحدد تغايره أيضا عن العلم ، فالشاعر غير العالم لأنه يقدم للمتلقي «شائق ما يشعر به هو ، أو شائق ما شعروا به هم بدون توسط نظر واستدلال يقتضيان مزيد التفكر والتأمل ».

          وفي ضوء هذا لا يكون للخصوصية الشكلية ، متمثلة بالوزن والقافية ، قيمة تذكر ، لأن من يستخدم الشعر « للبحث في العلوم الطبيعية واللغوية والفلسفية فقد خرج به عن خصوصيته وابتذله في غير وظيفته ».

            إن مفهوم الشعر يتصل اتصالا وثيقا بقوى كائنة في النفس ، ولكن هذا التفكير لا يخرج بعيدا عن دلالات التفكير الإحيائي ، لأن قوى النفس هذه ، تتصل اتصالا مباشرا بالعقل ومدى سيطرته عليه ، لأن «العواطف والانفعالات إذا اشتدت في النفس نبهت كل قوى العقل وأشعلت الذهن »  .

            ويتميز الشاعر بخاصية عن الآخرين من حيث قدرته على الإحساس عما في ذاته ، وفي الواقع أيضا ، ويقترن هذا بقدرته على التخيل ، لأن الشاعر « يشعر بالمشابهة حيث لايرى غيره إلا المنافرة والمضادة » وهذا من شأنه أن يدفع إلى  تقاطع ما في الداخل مع ما في الخارج ، إذ يرى الشاعر « ما في الخارج صورا لما في نفسه ، وما في نفسه من الداخل أرواحا أو معاني لما في الخارج ».

            ولم يقتصر جبر ضومط على هذا في تحديد مفهوم الشعر بل أخذ يعقد المقارنة بين الشعر والنثر في أمور ، منها : أن الشعر يميل إلى  الإيجاز والإشارة إلى  المعاني من بعيد ، ومنها أنه يقدم القيود على المقيدات ، وأن يكثر فيه التشبيه والاستعارة ، وعلى الرغم من أن النثر قد يلتقي مع الشعر في هذه الخصائص غير أن للشعر مزية تتفوق على النثر ، وتكمن هذه المزية في الجوانب الإيقاعية ، إذ تتناغم الذات مع الإيقاع فيحقق لها الايقاع متعة ، لأن النفس « إذا بلغت إلى  حد معلوم من الانفعال والتهيج لم يعد يسعها من العبارة إلا هذه العبارة المنظومة فتصبح ترتاح اليها » وهذا يعني أن جبر ضومط يؤكد على الجوانب الإيقاعية في الشعر ، وهي تتضمن الخصائص الشكلية متمثلة في الوزن والقافية.

            أما جميل صدقي الزهاوي « 1863 ـ 1936 م » فيحلو له أن يتباهى بنزعته التجديدية في الإبداع والتأصيل ، ويبدو متمردا على القديم وقيمه ،آخذا بالروح العصرية وداعيا إلى  التجديد ، وكأن الزهاوي ينزع جلده التراثي بتمرده على التعريف العروضي الذي يتحدد بالخصائص الشكلية متمثلة بالوزن والقافية ، ويرى أن هذا التعريف لا يمكن أن يدل على شعر ، ولا يمكن أن يتبناه شاعر ، ولذلك فإنَّ الزهاوي ينعى على أولئك المتمسكين بأهداب القديم المحافظين على قيمه ومبادئه ، ولذلك فإنهم لا يروق لهم الشعر إلا إذا كان«سائلا للربوع وباكيا على الطلول وذاكرا للأظعان »  .

            وفي الوقت الذي ينفى فيه الزهاوي عن الشعر الخصائص الشكلية العروضية ، ويحاول أن يردها إلى  خصائص نوعية ، يتكيء على مجموعة من المعطيات الرومانسية ، إذ يرجع الشعر إلى  « القلب » وهو منطقة كثيرا ما تبناها الرومانسيون ، واعتبروها حكرا عليهم دون سواهم ، وان ما يتدفق منه من إحساس وشعور وانفعال إنما يمثل أوليات الإبداع الشعري ، إذ إن الانفعال يسبق التشكيل اللغوي ، وإن التشكيل اللغوي يمثل صورة متناغمة مع طبيعة الانفعال المتخلق في أعماق الأديب .

            وينحصر الانفعال لدى الزهاوي بالشعور القار في القلب ـ فرحاً أو حزناً ـ وان تدفق الشعور يواكبه بناء لغوي إيقاعي ، وبذا ينتقل الشعور من مرحلة التوقد والخلق إلى  مرحلة التشكيل بوجود مادي ، ويتمثل هذا بوسيط لغوي قوامه المفردات اللغوية التي تم صياغتها وفقاً لايقاع معين ، ويتحدد الشعر بأنه « شعور الشاعر قد خرج من مخدعه وهو قلبه متحدا إتحادا أثيريا بشعور آخر هو النغمة التي نسميها وزنا وقد ركبا أجنحة الألفاظ الخفيفة ليطيرا معا مرفرفين رفرفة الفراش الجميل على زهر الرياض فيصلا إلى  الأسماع بعد أن يحدثا في طريقهما أمواجاً خفيفة في الهواء ومنها إلى  مخادع أخر هن قلوب أصحاب تلك الاسماع ويثرا ما هنالك من الإحساسات الراقدة »  .

          إن تعريف الزهاوي للشعر يميل هو الآخر إلى  الإغراق في لغة أدبية كما فعل البارودي ، مما دفع باحثا إلى  القول بأن تعريف الزهاوي للشعر وكذا أضرابه من أدباء العراق ونقاده في هذه المرحلة يتلفع بدوامة «من العبارات الغامضة والخلط الغريب ما بين « فن الشعر » وتحديد الماهية والوظيفة والقالب »  . ويمس الزهاوي بتعريفه هذا ثلاثة موضوعات في النظرية النقدية ، منها ما يتصل بعملية خلق الانفعال وتوقده ، ومنها ما يتصل بالتشكيل اللغوي للنص ، ومنها ما يتصل بالتأثير بالمتلقي ، ويمثل القلب والشعور المتدفق منه لحمة الشعر وسداه .

            ويذكرنا تعريف الزهاوي ببعض المقولات الأفلاطونية التي تؤكد أنَّ «   الشاعر كائن أثيري مقدس ذو جناحين لا يمكن أن يبتكر قبل أن يلهم فيفقد صوابه ووعيه » كما أنَّ تعريف الزهاوي لا يعنى بمفهوم الشعر بقدر ما يعنى بمراحل تخليق النص وتأثيره بالمتلقي . وعلى الرغم من الدعوات الجريئة التي يصدح بها الزهاوي فإنه في الحقيقة يلجم ذلك كله بثوابت لا يجوز الخروج عليها ، ومن ثم توضع مقولاته تلك في إطار الرؤية الإحيائية .

          ويتحدد الشعور عنده من حيث أنواعه : إلى  شعور فردي ، وشعور جماعي يعبر عن الأمة ووجدانها ، وشعور إنساني تشترك فيه الأجناس كلها ، ويؤكد الزهاوي أمرين في هذا السياق ، أولهما : ثبات الشعور لدى كل أمة من الأمم ، وثانيهما : تغايره لدى الأمم المختلفة . أما ثبات الشعور فإنه يمثل صفة قارة في الأمم تسري في عروقها ويتناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد « فإنَّ شعور الغربيين تراث آبائهم وأجدادهم من عصور أوغلت في القدم وامتدت عروقها في أعماق الماضي كما أن شعور العرب اليوم هو إرث منتقل اليهم من آبائهم الأولين ، ولم يتولد هذا الشعور إلا من العادات المتأصلة في الأقوام بتعاقب الدهور » وهذا الثبات للشعور يحول مفهومه من كونه خاصا ومتغيرا إلى  عام وثابت ، ومن ثم يكون فهمه على أن له دلالة رومانسية، موهما أن الشاعر سيلجأ إلى  معين واحد يغترف منه في ضوء تصورات عقلية .

          إنَّ هذه الأنماط المختلفة من الشعور لا تخرج عن أطر الثبات عند الزهاوي ، فالشعور العام يمثل فكرة عامة مشتركة تؤكد التماثل بين الأفراد ، وليس الأمر مقتصرا على ثبات الشعور بل يتعداه إلى  ثبات اللغة ذاتها ، وهو الوجه الآخر للشعور الثابت ، وان كل لغة من اللغات إنما وجدت لتعبر عن هذا الشعور ، وليست بقادرة على التعبير عن شعور آخر مختلف « وقد خلقت كل لغة للتعبير عن شعور أهلها ، فلا تستطيع أن تعبر تعبيراً صادقاً عن شعور غير أهلها إلا إذا كان ذلك الشعور مشتركا بين الأمتين ».

            ونخلص من هذا كله إلى  أن الشعور لدى الزهاوي لا يدل على خاصية ذاتية متغيرة تقربه من المفاهيم الرومانسية ،وإنما هو مفهوم عام ينطوي على الثبات والعموم أكثر مما يشتمل على التغير والتفاوت ، ومن الجدير بالذكر أن جميل صدقي الزهاوي قد أكد في مواطن عديدة أن الفكر والعقل هما اللذان يتحكمان في القصيدة وإبداعها ، فهو يؤكد أن « الشعر في القصيدة اندفاعات في الفكر كالأمواج يعقب بعضـها بعـضا ». ويـؤكد مـرة أخـرى أن حـد الشعـر عنـده « ما استند إلى  الحقائق أكثر من العواطف والخيال البعيدين عنها فكانت حصة العقل فيه أكثـر من حصتـهما »   وأخطـر مـا في هذا قـوله «أرفـع مافي الإنسـان هو العقـل ، وأرفـع ما في العقــل هـو الفكـر وأرفـع مـا في الفكـر هــو الشعـر ».

            وفي ضوء هذا فالشعر يخرج من كونه تعبيراً عن عاطفة فردية إلى  شعور عام يشتمل على شعور شعب أو أمة ، كما أنه يتجاوز الخاص إلى  العام ، ويبتعد عن التعبير عن المتغير إلى  التعبير عن الحقيقة، لأن « الشعر الخالد هو ما انطبق على الحقائق »   .

           فالشاعر فرد في بناء اجتماعي ، وتعبيره بالنتيجة ليس تعبيرا عن خصائص فردية ، وإنما هو تعبير عن شعور الأمة ، وأخيرا فإنَّ خلود الشعر لا يرجع إلى  الانفعال الخاص ، وإنما لأنه يعبر عن الحقائق ، والحقائق ثابتة وعامة . اذن فالثابت يحكم الخاص والمتغير ، وإذا كان الأمر كذلك فلسنا في إطار نظرية التعبير الرومانسية ، وإنما نحن في إطار نظرية المحاكاة الإحيائية«الكلاسيكية »  ، ومن ثم يصدق القول بأن هذا الموقف « يقنع العقل بتناول جوهريات الحياة وكلياتها الدائمة الثابتة في كل بيئة وفي كل زمان ، لأن هذه الكليات والجوهريات يدركها كل عقل ، وتشارك فيها كل نفس ، وهو ينفر من الشاذ والفريد كما ينفر من العادي والجزئي ».

            وإذا كان ما سلف حديثا عن كيفية تخليق القصيدة ابتداء من توقدها تجربة وانفعالا في أعماق الشاعر ومن ثم تحولها إلى  تشكيل لغوي في نص أدبي ، ومن ثم تأثيرها في المتلقي فإنَّ الزهاوي من ناحية أخرى يؤكد العلاقة بين شعور المبدع والواقع الذي يعيش فيه ، لتأكيد ما كان يصطلح عليه « الشعر العصري » الذي يمثل «شعور الشاعرالمتولد من فعل للمحيط كبير التأثير في روحه فيبرزه في صورة ألفاظ موزونة تعرب عنه، فلا يكون الا صادقا لا تشينه مبالغة ، وسهلا ليس عليه من التكلف ما يذهب بصفائه وروعته ، وهذا هو الشعر الحقيقي في كل عصر ».

            واذا كان للشعر العصري هذه الدلالة التي تتصل من ناحية بمعطى خارجي متمثل بالواقع ، وتأثيره في الشاعر الذي يقود إلى  الشعور ، فإنه يتحدد من زاوية أخرى بما بعثه الشاعر العربي من نصوص شعرية قديمة ، ومحاكاته لها ، وتكرار لخصائصها ، وتتجلى في الشعر العصري ثلاثة أركان : أحدها : يتصل بالشعور الذي يمثل جوهر الإبداع الشعري في كل زمان ومكان ، وثانيها : يتصل ببعث الشعر العربي القديم ، وضرورة أن يكون الشعر العصري محاكيا له في ألفاظه وإيقاعه وصوره ، ومتأثرا بالبيئة والعصر ، وثالثها : أن يصور طبيعة الحياة المعاصرة ، وأن يكون اجتماعيا ، وتتجلى اجتماعيتة من خلال التحسين والتقبيح ، أي أن يشاهد الشاعر الجوانب السلبية « فيصورها في شعره داعيا بذلك الأمة إلى  إزالتها وعدم تكرر أمثالها كما يفعل الغربيون في رواياتهم ، أو يرى عادة شائنة للمجتمع فيقبحها بتصوير ما يلحقه من الأضرار بسببها ، وهذا أيضا مما وفاه حقه الروائيون الأخلاقيون في الغرب » ويتصل الشعور من ناحية أخرى بالطبيعتين المادية والاجتماعية اللتين يعيشهما الشاعر ، فيعجب بجوانب منها ، أويتألم بسببها ، ولا يبعد هذا عما يستمده الشاعر من حياة الآباء والأجداد  .

           ولا يتسم الشعور هنا بخاصية فردية ولا يوحي بخصائص رومانسية ، فالشعور الذي هو جوهر الشعر عند الزهاوي تابع لشعور أشمل وأعم هو شعور الشعب ، وهذا يعني أن الشاعر يتجاوز الفردي ويعبر عن هذه العام يقول «وما الشعر إلا شعور الشاعر التابع لشعور الشعب الذي هو فرد منه، وأكبر الشعراء هو القادر بشعره على تحـويل شـعور الشعب وهـو في كل أمة نادر . والشعر الخالد هو ما انطبق على الحقائق فهو وحده الذي يلاقي في كل عصر إقبالا من أهله ».

            وفي ضوء هذا يكون لكل أمة شعورها الذي تتميز به ، وذوقها الذي تنفرد به ، وان الشاعر يعبر عنهما بوصفهما عنصرين ثابتين في الأمة ، لأنهما ينتقلان من الآباء إلى  الأبناء  ويتأسس على هذا في تصور الزهاوي تفاوت الإبداعات الأدبية ، عربية وأجنبية ، رافضا ، من ثم ، أن يعبر الشعراء عن شعور أجنبي لأنهم يأتون بشعر « لا يعيش في أرض لا تلائم نبتته ».

            ويمثل الشعور العنصر الجوهري الذي يتحكم في تحديد مفهومي التجديد والتقليد ، فالشعور العربي هو قوام شخصية الشاعر العربي ، والمحافظة عليه تعني محافظة على الملامح التي تميز الأمة وتفردها ، ولذلك فالزهاوي لا يعد من الجديد محاولات الشعراء الذين يقلدون فيها شعراء الغرب ، لأن تقليد شعور أمة اخرى يعني تقليدا لأن « لكل أمة شعورا خاصا بها لا تحس به أمة أخرى كالموسيقى ألم تر أن كلا من الشعر الغربي والشعر العربي إذا ترجم إلى  الآخر فقد كثيرا من روعته ، اللهم الا إذا تصرف فيه المترجم فقربه من شعور قومه أوكان الشعور الذي يترجمه مشتركا بين الأمتين »  . ولم تكن محاكاة الشعر الغربي سوى تقليد عند الزهاوي يناظره محاكاة الشعر العربي القديم ، واذا كان تباين الشعور العربي عن الشعور الغربي مدعاة للقول بتقليدية الشعر الذي ينسج على غرار ما يفعله الغربيون ، فإنَّ الشعور القديم والشعور العصري يمثلان الفارق الأساسي الذي يميز بين التجديد والتقليد في الشعر العربي فالتجديد «أن ينظم الشاعر عن شعور عصري صادق يختلج في نفسه لا عن تقليد » ويقترن بالشعور أمران آخران يحددان طبيعة التجديد في الشعر العربي ، أولهما : أن يكون الشعر العربي ـ إضافة إلى  كونه مشبعا بالعصرية ـ له تأثير في شعور الآخرين وثانيهما : أن يكون الشعور العصري متميزا باتساع معارف أهله ، وهو بخلاف الشعور العربي القديم الذي يتسم بضيق معارف أصحابه.

            ويضفي جميل صدقي الزهاوي على نزعته التجديدية أبعادا شكلية فهو يفسح المجال رحبا للتجديد في الجانب الشكلي للقصيدة ، من حيث الوزن والقافية ، إذ يجيز للشاعر أن ينظم على أي وزن شاء ، سواء أكان من أوزان الخليل أم غيرها كما لا يمانع الزهاوي في « تغيير القافية بعد كل بضعة أبيات من القصيدة عند الانتقال من فصل إلى  آخر لا دفعا لملل السامع من سماع القافية في كل بيت كما يدعـي بعضهم... بل إراحة للشاعر من كد الذهن لوجدانها ، فإنَّ الإتيان بها متمكنة ليس في قدرة كل شاعر ». ان الزهاوي بدعوته هذه يرى « أنَّ الالتزام بالقافية الموحدة ، وضرورة الالتزام بحركة الروي من ضمة أو كسرة أو فتحة ، أمر ضار بالشعر العربي ، لأنه يؤدي إلى  أن يصرف الأدباء أذهانهم إلى  القافية وينشغلوا بها عن مشاعرهم »   .

            ويؤكد الزهاوي في مواطن عديدة عدم إصراره على التزام القافية وهو يتباهى بأنه أول من نبذها ، وأشار إلى  أنه أكد هذا في مقالة له نشرت قبل إعداد الدستور العثماني بسنوات ، ويؤكد فيها عدم تحجره وجموده على الأوزان الشعرية المعروفة ، وعدم إصراره على الالتزام بالقافية ، ولكنه يصر على الالتزام « بالمحافظة على الجزالة العربية والأسلوب والشعور العربيين لنبقى عربا ، وأن لا نزخرف الشعر بما لا طائل تحته فنزعم أنا جددناه وبعد ذلك سواء علينا أبقينا على ولائنا للقافية أم وأدناها »  ويؤمن الزهاوي بالتغيير المرحلي ، فهو لا يرى ترك القافية مرة واحدة ، ويرجع ذلك إلى  الذوق الأوربي الذي اعتاد القافية لمئآت السنين إن « الذوق العربي يستقبح اليوم تعطيل أرجل غانية الشعر من خلاخيل القافية مرة واحدة، وقد ألفها منذ أكثر من ألف وخمس مائة سنة ، وعندي أن خير طريق للخلاص من عبئها هو أن يحافظ الشاعر في قصيدته على البحر سواء أكان من بحور الشعر القديمة أم الجديدة ، وأن ينتقل بعد كل بضعة أبيات إلى  روي جديد فإنَّ القصيدة لا تخلو من مطالب مختلفة مع مناسبة بعضها لبعض فيجعل لكل مطلب رويا »   .

            وقد قاد هذا إلى  الدعوة إلى  الشعر المرسل الذي يتخلص من قيد القافية مع التزامه بقيد الوزن ، وهي دعوة ليست جديدة فقد تأثر فيها الزهاوي بالتصورات الشائعة التي كان يبثها السوريون واللبنانيون إضافة إلى  الحركة التجديدية  .

            وعلى الرغم من دعاوى التجديد التي يصدح يها الزهاوي فانه لايزال ينهل من التراث النقدي ، ويكرر أفكار النقاد العرب القدامى ، وبخاصة في صنعة الشعر ، ويؤدي الزهاوي دورا تعليميا فهو يرى أن «أحسن طريقة لتعليم النظم هو أن يلقي المعلم البيت الجيد من الشعر على المبتدئين منثورا ، ويطلب منهم أن ينظموه بعد أن يعين لهم الوزن والقافية ، ثم ينظر فيما نظموه ويظهر لهم خطيئاتهم و ضعف تراكيبهم ، ثم يريهم البيت منظوما كما هو في الأصل ، فإنهم يتعلمون مع الوقت صوغ الألفاظ والأداء الصحيح عن المعنى المراد نظما بعد أن يكونوا قد عرفوا قواعد العربية »  .

  وهذا النص على طوله تكرار على نحو من الأنحاء لمقولات ابن طباطبا العلوي الذي يؤكد الفصل بين اللفظ والمعنى من ناحية ويفصل من ناحية أخرى بين التخطيط والتنفيذ يقول ابن طباطبا «فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا ، وأعد له ما يلبسه من الألفاظ التي تطابقه والقوافي التي تطابقه ، والوزن الذي يسلس له القول عليه ».

           ولم يقتصر الأمر على بناء القصيدة فحسب بل تجاوزها إلى  تكرار أفكار ابن طباطبا في أثناء تحدثه عن القافية ،إذ يرى أنه من الأفضل « أن يلاحظ الشاعر المعنى أولا وينتقي له كلمة الروي فإن لم يجدها انتقل إلى  غيـر ذلك مـن المعنـى مما يناسـب الغـرض ،ويتحـرى لـه كلـمة الـروي »  وهو تفكير لا يتجاوز مفاهيم التراث النقدي .

 

4/1

 

          والشيخ محمد الخضر حسين « 1875ـ1958م »  واحد من أبرز النقاد الاحيائيين ، وهوشأنه شأن أضرابه يقع تحت تأثير المقولات التراثية التي ترى الأشياء مكونة غالبا من ثنائيات : روح وجسد ، ولفظ ومعنى ، وأصل وفرع ، ولذلك فإنَّ تعريفه للشعر ينحو المنحى ذاته ، إذ يعقد مقارنة بين الإنسان والشعر ، ولذا فهو يؤكد بعدين لكل منهما ، فكما أنَّ للإنسان بعداً حسياً شكلياً خارجياً يتبدى في أنه « حيوان بادي البشرة منتصب القامة » كذلك الشعر يتحدد في مظاهره الخارجية بوصفه كلاماً موزوناً مقفى ، غير أنَّ جوهر الإنسان يكمن في ناطقيته ، تماماً كما أنَّ جوهر الشعر يتمثل في تخييله. « فالروح التي يعد بها الكلام المنظوم في قبيل الشعر إنما هي التشابيه والاستعارات والأمثال وغيرها من التصرفات التي يدخل لها الشاعر من باب التخييل ، وليس الوزن سوى خاصية من خواص اللفظ المنظور اليها في مفهوم الشعر بحيث لايسميه العرب شعراً الا عند تحققه ، وإطلاق الشعر على الكلام الموزون إذا خلا من معنى تستطرفه النفس ، لا يصح إلا كما يصح أنْ تسمى جثة الميت إنساناً أو تمثال الحيوان المفترس أسداً ».

          ولما كانت ماهية الشعر تنحصر في كيفية التخييل أفرد الشيخ محمد الخضر حسين له كتابه «الخيال في الشعر العربي » الذي يعد أقدم كتاب الف بهذه الكيفية في مطلع هذا القرن ، 1922 .إن هذا الكتاب له أهميته البالغة لأنه يحدد الأسس الجمالية للمدرسة الاحيائية ، ويؤكد في الوقت نفسه أهمية الخيال ودوره ، إذ الشائع أن العناية البالغة بالخيال لم يكن لها حضور الا مع المدرسة الرومانسية ، غير أن هذا الكتاب يثير أهمية الخيال بوصفها مفهوما تأسيسيا جوهريا في النظريتين النقدية والابداعية علىالسواء.

          ويتابع الشيخ محمد الخضر حسين المقولات التراثية البلاغية ـ وبخاصة عند الشيخ عبد القاهر الجرجاني ـ التي تقسم التصرف في المعاني إلى  تحقيقية وتخيليية ، فالمعنى الحقيقي « ما يشهد له العقل بالاستقامة ... والتخييلي هو الذي يرده العقل ، ويقضي بعـدم انطباقـه على الـواقع ، أمـا على البـديهة ....أو بعد نظر قليل »  ، ويستشهد لذلك بقول الشاعر :

 

لو لم تكن نية الجوزاء خدمته

 

لمارايت عليها عقد منتطق

 

 

مؤكدا أنَّ الكواكب لا تنوي ولا تخدم ولا تنطق ، ويستشهد بقول الشاعر :

 

لا تنكري عطل الكريم من الغنى

 

فالسيل حرب للمكان العالي

 

   وفي هذا البيت من التخيل يقتضي تأملاً لمعرفة ان السبب في عدم استقرار الماء كونه سائلا وان الدراهم والدنانير على الرغم من انها لا تملك ، تلك الخاصية تنصب من يد الكريم إلى  من كانوا أدنى منه منزلة . ويخلص من ذلك إلى  أنَّ مجرد الاستعارة عندهم لا يدخل في قسم التخييل ، وقد صرح عبد القاهرالجرجاني بهذا في كتاب أسرار البلاغة ناظرا إلى  « أنَّ المستعير لا يقصد إلى  اثبات معنى اللفظة المستعارة حتى يكون الكلام مما ينبو عنه العقل ، وانما يعمد إلى  اثبات شبه بين أمرين في صفة ، والتشابه من المعاني التي لاينازع العقل في صحتها »  .

             ولم يقتصر تأمل الشيخ محمد الخضر حسين على مقولات البلاغيين ، بل أخذ يطوّف في تصورات الفلاسفة ، وأخذ يمايز بين المخيلة والمفكرة ، ويرى أنهما اسمان لقوة واحدة تتصرف بالمعلومات بالتفصيل والتركيب والترتيب ، ولقد تغير اسمها بتغير الحال ، فان لم تخرج عن دائرة العقل وكان زمامها يقع تحت طائلته تسمى المفكرة ، وإن « تصرفت بوجه لا يطابق النظر الصحيح »  تسمى المخيلة . وهي عنده « قوة تتصرف في المعاني لتنزع منها صوراً بديعة . وهذه القوة إنما تصوغ الصور من عناصـر كانت النفس قد تلقتها عن طريق الحس أو الوجدان ، وليس فـي إمكانها أن تبـدع شيئا من عناصـر لم يتقـدم للمتخيل معرفتها ».

             إن الشيخ محمد الخضر حسين يتابع الفلاسفة المسلمين في اثناء تمييزهم بين مستويات الادراك المختلفة ، فالادراك الحسي يقتضي وجود المحسوس والحاسة معا ، كي يتم ادراكه ، وتمثله ، فان اختفى المحسوس او تعطلت الحاسة لا يمكن أن يتم الادراك الحسي ، أماالادراك التخيلي فانه قادر على استعادة صور المحسوسات مع غيبة وجودها المادي ، ولكنه ليس بقادر أن ينتزعها تماما من خصائصها المادية . وهذا ما قصده بعبارته «وليس في امكانها ـ المخيلة ـ ان تبدع شيئا من عناصر لم يتقدم للمتخيل معرفتها »مع الأخذ بنظر الاعتبار ان المخيلة قادرة على خلق صور لم يسبق للمتخيل رؤيتها ، لانها قادرة على الاعادة والصياغة والترتيب .

            إن المخيلة تقع في منطقة وسطى بين الحس والعقل ، لأنها تصوغ الصور الحسية التي تتلقاها النفس وتعيد تركيبها وتفصيلها ، مع غيبة وجودها المادي ، وهي بذلك تمتلك حرية أكثر من حيث القدرة على التركيب ، ومن حيث اختفاء الوجود المادي ، لأن الإدراك الحسي يقتضي وجود المحسوس والحاسة ، ولا يتحقق باختفاء أحدهما ، ولا يشترط ذلك في المخيلة التي تستعيد صور المحسوسات باختفاء الحاسة والوجود المادي للمحسوس .

          إن المخيلة في هذا السياق«قـوة تتصرف في المعـاني لتنتـزع منها صـورا بديعة » ويكاد ينحصر دور المخيلة عند الشيخ محمد الخضر حسين بالتمثيل والاستعارة لأنها « من عمل هذه القوة باتفاق علماء النفس ».

            إن ترتيب الصور وتركيبها يعتمد على قوة التذكر ، أي القدرة على تداعي الصور والمعاني واستحضارها في الذهن ، وتعمد المخيلة إلى  استعراض الصور المختلفة ثم « تستخلص منها ما يلائم الغرض ، وتطرح ما زاد على ذلك ، فتفصل الخاطرات عن أزمنتها أو ما يتصل بها مما لا يتعلق به القصد من التخييل ، ثم تتصرف في تلك العناصر بمثل التكبير أو التصغير وتأليف بعضها إلى  بعض حتى تظهر في شكل جديد ».

انواع تداعي المعاني والصور :

   يرجع الشيخ محمد الخضر حسين تداعي المعاني واستحضار الصور إلى  ثلاثة أنواع :

-    الاقتران والمقصود به : « اقتران المعنيين في الذهن حيث يكون تعلقهما أو احساسهما في وقت واحد أو على التعاقب »  .

-    التباين ، ويعني أن يبعث على تلاحق المعاني في الذاكرة « فمن تصور الشجاعة خطر له معنى الجبن ، ومن مرت على باله الصداقة انساق اليه معنى العداوة   » .

-    التشابه أي « أن يكون بين المعنيين تماثل في بعض أمور خاصة كمن يرى الرجل المقدام فيتصور الأسد ، ويسمع الألفاظ البليغة قد تبرجت في أسلوب محكم فيذكر الدرر المتناسقة في أسلاكها »

             ويتأثر تداعي المعاني والصور وفقا لمؤثرين : اولهما خارجي يتصل بالبيئة التي يعيشها الانسان ، ولذلك تتفاوت الصور المختزنة في الذهن ، ويؤثر في كيفية استرجاعها ولذلك تتوالى على «خاطر الناشيء في النعيم والترف ما لا يتوالى على خاطر الناشيء في حال عسرة وبؤس ، ويحضر في نفس من شب في الحاضرة مالايحضر في نفس الناشيء في البادية ، وينساق إلى  خيال الناشيء في شمال المعمورة مالايدخل في خيال الناشيء في جنوبها ، فالمقيم في شمال اوربا مثلا يذكر الشتاء فتقارنة صور الثلج، وليس بينهما في ذهن المقيم بالجنوب اقتران واتصال لقلة مشاهدته للثلج أو عدم وقوع نظره عليه طول حياته  » .

             وتدخل في هذا السياق قدرة الأديب على الابداع بسبب تنوع البيئة التي يعيشها ومدى تعقدها وتشابك صورها ، ولذلك نجد تفاوتا واضحا بين أديب يعيش في بيئة المدينة ، وأديب يعيش في البادية أو القرية لأن « امتلاء حافظة الشاعر من المناظر المختلفة والصور التي لاتدخل تحت حصر ، تجعله أغزر مادة، حتى إذا عرض له معنى اقتضى الحال ايراده في طريقة الخيال لايعوزه متى التفت إلى  حافظته ان يلاقيه منها ما يساعده على العمل بسهولة ، ثم إنه لغزارة مادته وسعة مجاله تكون مخيلته أكثر عملا في انشاء المعاني وابداعها » وثاني المؤثرين داخلي يتصل باختلاف الفوارق الفردية بين الاشخاص « إنَّ الدواعي والعواطف النفسية لها مدخل في تجاذب المعاني واسترسالها على الخيال ، فالطمع أو الحاجة أوالرهبة مثلا تستدعي المعاني العائدة إلى  المديح أو الاستعطاف ، والغرام يستدعي المعاني الغزلية ، والكآبة والأسف يستدعيان معاني الرثاء أو الشكوى ».

            ويتعرض هنا لخاصية متميزة هي « حرية الخيال » فالخيال الذي « يسخره صاحبه في كل غرض ، ويطلق له العنان في كل حلبة ، يكون أبعد مرمى ، وأحكم صنعا من خيال الشاعر الذي حصرته السياسة في دائرة ورسمت له خطة لا يفوتها ».

   أنواع التخييل:

            وينقسم التخييل بحسب الكيفية التي يتم بها ، فان كانت المخيلة تستدعي الصورة والمعاني ثم « تنتخب منها ما يناسب الغرض »  فان هذا هو التخييل التحضيري ، وليست له أهمية في الابداع ، لأنه لايتجاوزاستحضار الصور. أما التخييل الابداعي فانه يتجاوز عملية الاستحضار إلى  التصرف بالتأليف ، وتنتظم منه صور مستظرفة ، وتتجلى ملامحه عند الشيخ محمدالخضر حسين بالتشبيه والاستعارة.

            ويميل الشيخ محمدالخضر حسين إلى  أن تكون صور الخيال متشابكة ومتقاطعة ،وتتبدى فيها الغموض، وتكثر فيها تداخل العناصر المتعددة فالشاعر الذي « يتخيل الكواكب أزهارا باسمة في روضة ناضرة دون مزية من يقول

 

 

 

وضوء الشهب فوق الليل باد

 

 كأطراف الأسنة في الدروع

 

فان المشابهة بين الكواكب والأزهار لا تغيب عن كثير من الناس ، أما التشابه بين النجوم وبين أطراف الأسنة اللامعة عند نفوذها في الدروع لا يحوم عليه إلا خيال بارع »  كما أن الخيال الذي يبني صوره على مراعاة ثلاث صور أو معان « أرجح وزنا وأنفس قيمة من الصورة التي تبنى على رعاية معنيين، فمن الشعراء من يصور لك الرمح شهابا ثاقبا ، فهل يحق لك أن تساويه بمن يخيله لك ورؤوس الأعداء منصوبة على طرفه بالغصن يوم يكون مكللا بالثمار ؟ كما قال ابن عمار يخاطب المعتصم صاحب المرية :

 

اثمرت رمحك من رؤوس كماتهم

 

 لما رأيت الغصن يعشق مثمرا »

 

   وظيفة التخييل:

  

             وإذا كانت وظيفة الشاعر الإبانة عن المعاني والدلالات فان إيصال المعاني يتم مرة مع النفور من صياغة الألفاظ ، ويتم مرة بالاقبال عليها والارتياح لها ، ومن هنا يتأتى دور التخييل،لأنه قادر على « تحريك نفس السامع لتلقي المعنى بارتياح له وإقبال عليه ، ولو كان من قبيل الحديث المألوف أو المعلوم بالبداهة »  ويستشهد لذلك بالأبيات الشعرية التي أثارت جدلا في تراثنا النقدي و هي :

 

ولما قضينا من منى كـل حـاجة

 

 ومسح بالأركـان من هـو مـاسح

 

وشدت على حدب المهارى رحالنا

 

ولاينظر الغادي الذي هو رائح

 

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا

 

وسالت بأعناق المطي الأباطح

 

واختلف النقاد بشأنها، إذ قلل ابن قتيبة من أهميتها وقيمتها بقوله :«هذه الألفاظ كما نرى أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع وان نظرت إلى  ما تحتها من المعاني وجدته : ولما قطعنا أيام منى ، واستلمنا الأركان ، وعالينا إبلنا الأنضاء ، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح ، ابتدأنا الحديث ، وسارت المطي في الأبطح »  ويعارض محمد الخضر حسين ابن قتيبة فيقول « فالمعنى الذي صيغ البيت لتأديته لا يتعدى قولك أخذنا نتناوب الحديث والإبل تسير مسرعة في الأباطح ، وهذا كما رأيته معنى مبذول وحديث لا يختص به عابر سبيل دون آخر ، ولولا ان الشاعر أورده في هذه الصورة التي خيلت اليك بطاحا تتدفق بسيل من أعناق المطايا، لم ينل عندك هذا الموقع من الحظوة والاستحسان » .

             وأخطر من هذه حين يكون المعنى مما يدفع النفس إلى  النفور أصلا غير ان « صناعة التخييل تبقي له أثرا لذيذا في النفس فتأتيها اللذة من ناحية غير الناحية التي يجيء منها النفور »  وان التخييل يلذ للنفس لأنه يكسو المعاني أردية جديدة غير التي ألفها المتلقي واعتاد سماعها ، ومن ثم تمكن الشاعر من صوغ المعنى بصورة أفضل بحيث يتمكن المتلقي بصورة اقوي وأسرع ويترك في نفسه اثراً وارتياحا.

             ومن الجدير بالذكر أن الشيخ محمد الخضر حسين يميز بين المعاني المعروفة للمتلقي من ناحية ، والتي تمكن الأديب من إيصالها فأحدثت فيه متعة ولذة وتعجيبا من ناحية أخرى ، أما المعاني الجديدة والأحوال المجهولة ، فان الأديب ويجعلها من خلال التخييل « تحدث في النفس لذة زائدة عن لذة العلم بأصل المعنى»  .

             ويميز الشيخ محمد الخضر حسين بين الصورة البسيطة أو القول الصريح في الأداء والتعبير ، وهي تدل على ان للمعاني التي يريد الإنسان توصيلها صورا أصلية تراها مرتسمة في الذهن ، ويدرك المتلقي انه بالإمكان التعبير عن هذه الصورة بأنماط أخرى متعددة ، غير ان المتكلم عمد إلى  هذه الصورة البسيطة أو القول الصريح.

             أما النمط الآخر من الصورة فهو الصورة الخيالية غريبة عن المعنى المراد ، وهي التي يتميز بها الأدباء الذين يقدرون على عرض المعنى الواحد في صور خيالية متعددة، ويؤكد الشيخ محمد الخضر حسين ثبات المعاني واختلاف الصور المعبرة عنه ، وهو بهذا ينهل تصوراته من الترات النقدي ، الذي يجعل المعنى متقدما وثابتا ، واللفظ لاحقا ومتأخرا ، وان بإمكان الأديب التعبير عن المعنى الواحد بأساليب مختلفة ، غير الشيخ محمد الخضر حسين يرى أن هناك تعابير صريحة أو صورا بسيطة تعبر عن هذه المعنى الثابت ، وان تكرارها يبعث السأم لدى المتلقي لأن الصور البسيطة أو التعابير الصـريحة لم تواف المتلقي « بصـورة غـريبة تخيل بها أنك تعبر عن معنى غير ما ألقيته عليها أولا »  أما النمط الابـداعي فان المتلقي يجد «عند كل صورة داعية لذة»  .

             وعلى الرغم من هذا كله فان محمد الخضر حسين يعي أهمية التغاير في التراكيب حتى في الصور البسيطة اوالتعابير الصريحة ، وان التغاير في التراكيب ومدى ما تشتمل عليه من معان هو الذي يجعلها متفاوتة في تحديد قيمتها البلاغية . إن هذه العبارات الصريحة تبقى متخلفة في القيمة الفنية عن العبارات الخيالية لانها « لا تهيج في نفس السامع هزة الطرب التي تثيرها العبارات الخيالية».

 

معاناة الداخل

1/2

 

       لقد أيقظت المجتمع العربي صدمة اللقاء بالحضارة الغربية إبان الاحتلال الغربي للوطن العربي ،وكان رد الفعل الأولي مواجهة عسكرية خسرها الثوار ، لأنهم واجهوا جيوشا معدة ، وأجهزة متطورة ، ومن ثم دفعت المواجهة الحضارية إلى  تأمل الذات والآخر ، والحاضر والماضي ، والواقع والواقع الآخر ، فكانت المواقف متفاوتة ومتباينة على النحو الآتي :

-    مواجهة الحضارة الغربية ، وذلك بالعودة إلى  التراث ، بمعنى استلهامه وإعادة نشره وبعثه من جديد ، وكانت هذه المواجهة تعني الاعتداد بالذات الجماعية وبالهوية التراثية ، ولكنها تعي التراث بوصفه كتلة مصمتة ، وتحاول صياغة الحاضر في ضوئه ، دون الأخذ بعين الاعتبار ما طرأ عليه من تغير  ،  وكان لنشر التراث أهمية لأنه  دفع إلى  وعي  جوانب منه ، مهدت السبيل إلى  دراسته في ضوء رؤى جديدة ، بمعنى تجاوز البعث والنشر إلى  التأمل والرصد والتطوير .

-    الاقتباس من الحضارة الغربية ، وذلك بالانسلاخ من التراث ، والسعي نحو التقدم بمتابعة الحضارة الغربية ، في ضوء رؤية علمانية ، وتعمد هذه المحاولة إلى  إلغاء الماضي بكل ما ينطوي عليه من تصورات ، والسعي نحو صياغة الحاضر والمستقبل في ضوء انجازات حضارة الآخر ، لدرجة ظهرت آراء تنادي بكتابة اللغة العربية بحروف لاتينية ، وقد رافق ذلك دعوات قطرية وإقليمية ، يدعو بعضها إلى  المصرية ، ويدعو بعضها الآخر إلى  الفينيقية ونحوهما .

-    المجاورة بين انجازات التراث العربي والحضارة الغربية المعاصرة ، بحيث نجدل منهما ضفيرة ، وهذه الدعوة ذات طبيعة تلفيقية ، لأنها تحاول التوفيق بين الماضي العربي والحاضر الغربي ، ويحاول أنصارها تطويع النصوص التراثية لانجازات الحضارة الغربية .

      ولقد أسهمت هذه التيارات في بلورة الوعي وتطويره في مراحله الأولى ، وما تبعها من تغيرات ، ولقد ترافقت مع بواكير هذه الأفكار أحداث وتطورات هزت المجتمع ، فلقد ثار الشعب في سنة 1919 في مصر ، وفي سنة 1920 في العراق ، إضافة إلى  الثورات التي أسهم فيها الثوار في بلاد الشام .

      وتزامنت مع هذه التغيرات الفكـرية والأحداث تغيـرات في أنساق المجتمع ، توحي بظهور طبقة جديدة ( البرجوازية ) بسبب نمو بعض القطاعات الصناعية ، وانتشار بعض المظاهر الفكرية التي تدل على نمو هذه الطبقة ، كما قد بدأت حركات أدبية تجديدية ، تدعو إلى  التمرد على محاكاة القديم ، وتحث على إبداع جديد ، كما هو الحال في حركة الشعر المهجري الذي يمثله : جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وغيرهم ، ومدرسة الديوان التي يمثلها : عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري .

 

 

 

2/2

 

 

      إن الأساس الذي تصدر عنه مدرسة الديوان تأكيد دعامتين جوهريتين ، وهما الفردية والحرية  وليس الحديث عن هذين البعدين جديدا على التفكير الرومانسي ، في الحضارتين الغربية والعربية ، فلقد آمنت الرومانسية بأهمية الفرد ، وجعلته حجر الزاوية في تفكيرها ، لأن الدعوة إلى   الفردية تعني تمردا على حركة الجماعة التي يغلبها التفكير الإحيائي ، ولقد انحاز كل تفكير إلى   طبقة معينة ، ففي الوقت الذي انحاز فيه التفكير الإحيائي إلى   الطبقة الإقطاعية بقيمها ومثلها وآدابها ، انحاز الرومانسيون إلى   الطبقة البرجوازية بدعوتها إلى   الحرية الفردية ، ونزوعها إلى   الاقتصاد التنافسي ، وتأكيدها أن الحقيقة تكمن في  عوالم الإنسان الداخلية .

      وقد أكد عباس محمود العقاد أهمية الفرد ودوره في الحياة والآداب والفنون ، وتتجلى مظاهر الفردية في تعبير الأديب عن عالمه الداخلي ، وان يكون لهذا الأدب أهمية وقيمة ، وإن « الأديب الذي لا يمكن العثور على شخصه المفرد الاصيل في أدبه لا يستحق أن يدرسه الدارسون » ويقود هذا التفكير إلى   التأكيد على نمط من الأدب وبخاصة في الشعر الغنائي .

      أما الحرية فقد أولاها عباس محمود العقاد أهمية خاصة واعتبرها أحد الأركـان الأسـاسية المكـونة لتصـوره ، وان قيمة الحرية ترتبط عنده  «إرتباطا متينا بقيمة الجمال ، بل إنَّ هاتين القيمتين هنا قيمة واحدة » وليس غريبا في ضوء هذا أن نجد الأديب في هذه المرحلة يطالب بحرية، قد تكون محدودة ، أو مطلقة لا يخضع فيها الإنسان للأخلاق أو العرف ، لأنها تساعده على خلق نظام اجتماعي وسياسي يكسر الثابت من قيم الطبقة الإقطاعية ، ويضمن للفرد حقوقه في ديمقراطية ليبرالية ، ومن شأن هذه الحرية أن تفسح المجال للذات الفردية في إبداع الأدب « في كل شيء في طريقة التفكير وفي أسلوب التعبير وفي اختيار الموضوع » وتقود الحرية في أحد أبعادها إلى   الايمان المطلق بامكانات الفرد في ضوء قاعدة البقاء للأصلح ، لأنه في « جو هذه الحرية ينمو السامي النبيل ويضـعف المنـحط الهزيل ، فيعيش الأصلح ، ويموت من ليس أهلا للحياة » .

      ولقد أدركت الحركة الرومانسية ـ ومنها مدرسة الديوان ـ أن هناك تطوراً حاصلاً في الأدب ، وأن هناك أجيالاً أدبية مختلفة ، ولذلك كان العقاد يميز بين ثلاثة أجيال أدبية ، يمثل أحمد شوقي مركزها ، فهناك جيل سابق لشوقي تتفشى فيه ركة الأسلوب وضعف الصياغة ، وان نبوغ الأديب فيه في مدى توفيقه في صياغة «جملة مستوية النسق أو بيت سائغ الجرس فيسير مسير الأمثال وتستعذبه الأفواه لسهولة مجراه على اللسان . وكان سبك الحروف ورصف الكلمات ومرونة اللفظ أصعب ما يعانيه أدباء ذلك العهد لندرة الأساليب ووعورة التعبير باللغة المقبولة»وهو بخلاف الجيل اللاحق الذي تمكن من الاطلاع على دواوين شعراء العربية الكبار ،وقراءة الرسائل الأدبية القديمة ، زد على ذلك أن أساليب التعبير طرأ عليها تغير أخذ يميل إلى   البساطة و«الحلاوة» بسبب ما فعلته الصحافة ، فضلا عن أثر ما تركته النتاجات الغربية المترجمة ولذلك «سهلت الأساليب لكثرة ما وردت على الأسماع فلم تعد مرونة اللفظ معجزة ذات بال ، فتعود القاريء أن يبحث عن المعنى بل لا يكفي القاريء المطلع أن يجد المعنى حتى يبحث عن وجهته ومحصله » .

      وكان شوقي واحدا من هذا الجيل ، ولكن عيبه فيما يرى العقاد أنه بقي محافظا على أسلوب يكرره ، ولم يستطع تطوير انتاجه مع تطور الحياة ، وتطور أذواق الناس ،فلقد «تغير جلة القراء فأصبح لا يرضيهم اليوم ما كان فوق الرضى قبل ثلاثين أو عشرين سنة ، لا بل قبل عشر سنين ، ولا عجب في ذلك ولا في بقائهم على إحلال شوقي محله الأول مع انحدار شعره في نظرهم » .

      ومن الطريف في هذا السياق أن يقرن العقاد الإبداع في مرحلة زمنية من حياة الشاعر ،إذ «قلما يرتقي الشاعر بعد الأربعين فإنَّ أخصب أيام الشعر أيام الشباب ، إذا ارتقى فإنما يكون ذلك باحتثاث الطبع وادمان الإطلاع والتزيد من المعرفة » .

      وإذا كان للبيئة أثرها في تغير الاذواق فإنَّ ما ينظمه شاعر ـ مثل أحمد شوقي ـ يعد مرفوضا حين يحاكي فيه القدماء ، لأن الشاعر القديم قد عبر عن حياته وظروفه وواقعه فكان شعره شعوراً  أو تعبيراً عن سليقة ، فلقد «كان الرجل في الجاهلية يقضي حياته على سفر : لا يقيم الا على نية الرحيل ، ولا يزال العمر بين تخييم وتحميل . بين نؤى تهيج ذكراه ، ومعاهد صبوة تذكي هواه ، هجيراه كلما راح أو غدا حبيبة يحن إلى   لقائها أو صاحبة يترنم بموقف وداعها . فإذا راح ينظم الشعر في الأغراض التي من أجلها يتابع النوى ويحتمل المشقة ثم تقدم بين يدي ذلك بالنسيب والتشبيب فقد جرى لسانه بعفو السليقة لا خلط فيه ولا بهتان »أما أحمد شوقي فقد جشم نفسه ـ كما يرى العقاد ـ تقليد الشاعر الجاهلي ، محاكيا أساليبه وتعابيره وتشبيهاته واستعاراته ، بل ان شوقيا يعد متخلفا إذا قورن بأدباء القرنين الثاني والثالث الهجريين ، لأن اولئك قد رفضوا تلك السُنة القديمة التي تفرض على الشاعر البكاء على الدمن والطلول   وفي ضوء هذا يرفض عباس محمود العقاد التقليد ويتبنى التجديد ، ويلخص مفهوم التجديد بعبارة تتصل اتصالا مباشرا بمفهوم التعبير ، فالتجديد هو «اجتناب التقليد ، فكل شاعر يعبر عن شعوره ويصدق في تعبيره فهو مجدد وإن تناول أقدم الأشياء »وبهذا يضع العقاد العالم الداخلي معيارا لتحديد التقليد والتجديد معا .

      ويتعرض عباس محمود العقاد من هذه الزاوية لقضية كانت شائعة في زمانه وهي الشعر العصري ، وينقد التصورات التي ترجع عصرية الشاعر إلى   معارضة الشاعر القديم أو كونه يلجأ إلى   مماثلة القديم «فإن كانت العرب تصف الإبل والخيام والبقاع وصف هو البخار والمعاهد والأمصار ، وإن كانوا يشببون في أشعارهم بدعد ولبنى والرباب ، ذكر هو اسما من اسماء نساء اليوم ، ثم يحور من تشبيهاتهم ويغير من مجازاتهم بما يناسب هذا التحدي » . إن أحمد شوق بفعله هذا يشبه ما كان يفعله الشعراء المقلدون حين يقصد أحدهم الأمير في المدينة «وإنه لعلى خطوات من داره فكأنما قدم عليه من تخوم الصين لكثرة ما يذكر من الفلوات التي اجتازها والمطايا التي انتضاها وحقوق الصبابة التي قضاها . وكان الواحد من هؤلاء يزج بغزله في مطلع كل قصيدة حتى في الكوارث المدلهمة والجوائح الطامة . هؤلاء هم المقلدون الجامدون » .

      إن عباس محمود العقاد يرد على اولئك الذين يرون أن الحداثة هي التي تتضمن ذكر المخترعات الحديثة في الشعر ، لأن الوصف هنا إنما هو أداء عقلي يصف فيه الشاعر الاشياء الكائنة في الخارج ، في حين يرى العقاد أنَّ الإبداع إنما هو تعبير عن تجربة متخلقة في أعماق الشاعر ، ولذلك فإنَّ الحداثة الحقيقية عند عباس محمود العقاد تتحقق «عندما يشعر الشاعر أن له شيئا يقوله ، ويستحق هذا الشيء أن يقال ،وإن الشاعر الذي يصف الطائرة ليس بالضرورة شاعرا عصريا ، والذي يصف الجمل ليس شاعرا قديما . والذي يهمنا حقيقة في تحديد مفهوم الحداثة في الشعر هو كيفية الوصف ورؤية الشاعر إلى   الحياة».

      إن المعضلة الجوهرية في أداة الوصف التي تفصل الموضوعي عن الذاتي ، بل تجعل الذاتي متحكما في الموضوعي ، وهو يختلف عن الشيء الموصوف وهو واقع خارج الذات ، ولكن العقاد يريد من الشاعر أن يسقط ذاته على الموضوع ، ومن ثم يتلون بما هو ذاتي  «إن السمة الجوهرية للشعر الحديث هي وصف الشاعر لمشاعره هو وأفكاره»  وليس وصفاً للمظاهر الحديثة ،لأنه لا فرق بين من يصف الجمل وبين من يصف الطائرة فكلاهما يصف مظهرا خارجا عن ذاته .

 

 

3/2

 

     يكتنف «مفهوم الشعر »عند الناقد الرومانسي العربي بعدان : أحدهما : يتصل بمبدع النص الأدبي ، وثانيهما : يتصل بالنص الأدبي ذاته ، ويتداخل هذان البعدان إلى   حد كبير ، فالشعر ما هو الا تعبير عن الذات ، وإن تجليات الذات تنعكس ملامحها وخصائصها في الشعر ، ولذلك ألفينا النقاد الرومانسيين يؤكدون هذين المنحيين في أثناء تحدثهم عن الشعر وماهيته ، مرة بما يتصل بمنشيء النص ومبدعه ، ومرة بما يتميز به النص من خصائص .

      فللشعر ـ عند ابراهيم عبد القادر المازني ـ مجال ومدى لا يتجاوزه، وله مادة تحـدده ، أما مجاله فهو «العواطف لا العقل والإحساس لا الفكر» فالعاطفة والإحساس صفتان تنتميان إلى   العالم الداخلي للمبدع ، فهما المجال الذي يصدر عنه الشاعر ، ونحن في هذا إزاء تحديد الشعر بمدى اتصاله بالمبدع . وعلى الرغم من أنه يؤكد الخاصية الذاتية في الإبداع فإنه ينفي عن النص الأدبي خصائص الصنعة التي يتميز بها الأدب الإحيائي ، وتتجلى في العناية البالغة بالشكل ، من حيث الصياغة والتشبيهات والاستعارات المقصودة لذاتها ، ومن حيث العناية ببنية لغوية ترجع في جذرها إلى   صيغ متكررة تراثية ، وإذا كان هذا يوحي بأن النص الأدبي سيكون مرتبطا بنوازع الأديب الذاتية ، فإنه سيكون خاليا من الأفكار التي نجدها واضحة لدى الأدباء الإحيائيين ،وبخاصة حين يؤكدون على المناحي الأخلاقية والتعليمية ، غير أن الناقد الرومانسي يربط أفكار الأديب بخصوصيته الفردية ، وتكون حينئذ معبرة عن عالمه الداخلي ولذلك كان الأدب الرومانسي «يعنى بالفكر على قدر ارتباطه بالإحساس »وكأن المازني يقرن الشعر بالإحساس لدرجة يعده شعرا ، فإنَّ الفـكر من أجـل الإحساس شعر أيضا ، أما «الفكر لذاته فذلك هو العلم » .

      وتحتل «العاطفة »مكانة متميزة لدى المازني فهي مادة الحياة ومادة الشعر أيضا  ، ولا بد ـ في هذا السياق ـ من «عاطفة يفضي بها إليك الشاعر ويستريح ،أو يحركها في نفسك ويستثيرها » فإذا كانت العاطفة مادة الشعر فإنها غايته ، لأنه تتشكل منها الحياة والشعر على السواء ، ويزيح من خلالها الشاعر ما يتوقد في أعماقه من انفعال ، وإن إفراغه يحقق له تفريجا عن هذا الانفعال . ويرى المازني أن للأشياء حقيقتها الموضوعية ، ولها وجودها المستقل عن الوعي ، وليست وظيفة الشاعر أن يسوق لك هذه الحقائق بما هي عليه ،إنما يعبر عنها كما تحسه «روحه ».

      ويتكئ عباس محمود العقاد على الدلالة اللغوية للشعر لتحديد ماهيته ، إذ يرفض أن يكون شاعرا من يزن التفاعيل ، فذلك الناظم ، وليس الشاعر «من يأتي برائع المجازات وبعيد التصورات ، ذلك رجل ثاقب الذهن حديد الخيال ، إنما الشاعر من يشعر ويشعر»ان الشعر ليس تشكيلا لغويا مقصودا لذاته ، وإنما هو تعبير عن انفعال متوقد في أعماق الشاعر ، ولذلك أرجع العقاد الشعر للشعور ، وهو خاصية كائنة في الذات الإنسانية.

      ويحاول العقاد تجلية مفهوم الشعر من خلال عقد المقارنة بين أداتي الوصف والتعبير ، لأن الوصف أداة الأديب التقليدي التي يعمد من خلالها إلى  وصف الأشياء ، دون أن يكون للذات أو الانفعال أدنى تأثير ، أي أن العقل يتدخل بقدر أكبر في تحديد الأشياء ، ويميل الأديب ـ من ثم ـ إلى  الصياغة الشكلية . إن الشعر التقليدي يتكيء على الحواس في رصد الحياة والطبيعة والموضوعات التي يتعرض لها ، سواء أكانت هذه الحواس سمعية أم بصرية ، ولذلك كانت عناية الأديب الإحيائي بجزالة الألفاظ ،أي العناية البالغة بوقع الألفاظ الجلي في الأذن ، أو أنه يعتمد الصور البصرية  الواضحة في المخيلة ، ولذلك قال العقاد :«إن المحك الذي لا يخطيء في نقد الشعر هو ارجاعه إلى  مصدره . فإن كان لا يرجع إلى  مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء ، وإن كنت تلمح وراء الحواس شعورا حيا ووجدانا تعود اليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى  الدم ونفحات الزهر إلى  عنصر العطر فذلك شعر الطبع القوي والحقيقة الجوهرية » .

      وإذا كان يشيع لدى المازني مفردات الإحساس والعاطفة فإنَّ عباس محمود العقاد يستخدم مصطلح الشعور ومشتقاته ، فالشاعر عنده «من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها » ولذلك فإنَّ الشاعر يجعل الشعور متحدا بالأشياء ما دام يسعى إلى  الكشف عن جواهرها ، وليس مجرد واصف لها ، ولذلك كان العقاد يعيب على من يقول لك إن هذا الشيء يشبه هذا الشيء ، ويتبنى الشاعر الذي يقول لك ما هو الشيء ، أي أنه «يكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به »ولا يتم هذا إلا بالشعور فهو الذي يمكن الشاعر من إدراك الأشياء وتمثلها ونقلها إلى  الآخرين ، لأنه «بقوة الشعور وتيقظه وعمقه واتساع مداه ونفاذه إلى  صميم الأشياء يمتاز الشاعر على سواه ، ولهذا لا لغيره كان كلامه مطربا مؤثرا ، وكانت النفوس تواقة إلى  سماعه واستيعابه لأنه يزيد الحياة حياة كما تزيد المرآة النور نورا » .

 

 

4 /2

 

 

       ويطلع العقاد على آراء الفيلسوف المتشائم آرثر شوبنهور ويتابعه في «تفضيله الرسم على الصورة ،لأن الأخير يمثل الشيء كما تراه العيون  ، بينما يظهر الأول السمات الداخلية كما يشعر بها الفنان الماهر والذي يغفل القضية المحسوسة ويتوغل إلى  معانيها المجردة »  .

       ويتوقف عباس محمود العقاد عند موقف شوبنهور من الجمال الفني الذي تتركز مهمته في فصل الشكل «القالب »عن المادة لا أن يحكي لنا الشكل والمادة معا حكاية صحيحة محكمة ، لأن الفن موكل بالصور الباقية والنماذج الخالدة لا بالكائنات التي توجد في الحياة مرة واحدة ، ثم تمضي لطيتها غير مكررة ولا مردودة ،فإذا أراد المصور أن يمثل إنسانا لفت نظره فليس الذي يعنيه من ذلك الإنسان أنه فرد من أفراد نوعه مستقل بمادته وشكله وعمره ،ولكن الذي يعنيه أنه «قالب»يصلح أن يكون نموذجا عاما لأفراد كثيرين أو للنوع كله »وهذا يعني أن الجمال عند شوبنهور إنما يمثل فكرة سابقة على الوجود المادي ، ويعني لديه مفهوما كليا يشمل الجنس ولا يعنى بالجزئي والفردي ، ويضرب شوبنهور بتماثيل الشمع مثالا على ذلك . لأنها «تنقل لنا الشكل والمادة معا ، ومن ثم توهمنا أن الشيء المحكي ذاته ماثل أمام أعيننا ، فتختلف بذلك عن أعمال الفن الصادقة التي تبعد بنا عن الشيء الذي يوجد مرة واحدة ، ثم لا يعود إلى  الوجود أبدا ، أعني الفرد ، وتقترب بنا إلى  الشيء الذي يوجد بلا انقطاع في الزمن الباقي الذي لا نهاية له وفي العدد المطلق الذي لا حصر له وهو «الشكل »أو فكرته » .

      وهذا يعني أن الجمال عند شوبنهور يمثل فكرة مجردة وشكلا كليا عن الجزئي والفردي ، وإن الذات الإنسانية تتحسس هذا المعنى وتتأمله وتتذوقه ، ويتفق العقاد مع شوبنهور في أن هناك فرقا جوهريا بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التي يرسمها الفنان لأن الاولى تنقل صورة الشيء دون أن يكون للفنان أدنى تأثير فيها ، في حين تمر الثانية من خلال ذات المبدع ، أي أن الصورة الفوتوغرافية «تنقل لنا الشيء الحقيقي كما يبدو في نفس عبقرية واعية تنظر إلى  معاني الأشكال المجردة لا إلى مادتها المحسوسة »   وعلى الرغم من هذا الاتفاق فإنَّ العقاد يرى أن الجمال حرية وليس «فكرة بعيدة عن عالم الإرادة »والذي يرجح ذلك في تصور العقاد «أن الجمال يتفاوت في نفوسنا ويتفاضل في مقاييس أفكارنا ، ولو كان المعول على إدراك «الفكرة»وحدها في تقدير الجمال لوجب أن تكون الأشياء كلها جميلة على حد سواء » .

       ويؤكد عباس محمود العقاد «معنوية »الجمال لا«شكليته »لان الأشكال بذاتها لا قيمة لها ، إن لم تكن تعبر عن المعاني التي تختفي وراءها ، ولذلك يقول «إن الأشكال لا تعجبنا وتجمل في نفوسنا إلا لمعنى تحركه أو لمعنى توحي به ، لا فرق في ذلك بين أشكال الوجوه الآدمية والأعضاء الحية وبين مادون ذلك من الصور التي تخفى فيها معاني الحسن أو تبعد الشقة بينها وبين ما توميء إليه» وهذه الفكرة لا تعدو أن تكون تعديلا لمقولات التراثيين العرب الذين يجعلون المعنى متقدما على اللفظ ، وان اللفظ وعاء يحمل المعنى غير أن العقاد يحاول تجلية تصوره من خلال معطيين أحدهما : وظيفة الشيء ، وثانيهما : معناه ، وهو يرى أن الوظيفة في الحياة تسبق العضو الذي يمثلها ، والجسم الإنساني نفسه لا يسعك أن تتصوره إلا معبرا عن فكرة أو وظيفة مجردة ، و لا قيمة للأعضاء في ذاتها بغير الفكرة التي تعبر عنها والوظيفة التي تؤديها ، «فلا فرق في الشكل بين بروز الحدبة على ظهر الأحدب وبروز النهد على صدر الكعاب ! ولكن الحدبة معيبة والنهد مستجمل مرغوب ، وما ذاك إلا لاختلاف المعنـى بينهما لا لاختلاف الشكل والصورة ولتباين الوظيفة التي يمثلها كلاهما لا لتباين الحجم والبروز » .

      ويحدد المعنى طبيعة الشكل وخصائصه لأن الشكل الجميل «أداة المعنى إلى  الظهور ... وأحسن الأشكال وأوفقها هو الشكل الذي تتخطاه إلى  دلالته »وإذا كان المعنى يحدد ماهية الشكل ومن ثم تحديد خصائصه الجمالية ، فإنَّ المعاني هي التي تحدد الفن وليس الأشكال الملموسة . إن عالم الفن والآداب إنما هو عالم المعاني المجردة ، وليس عالم الأشكال المحسوسة ، كما أن المعاني وكيفية توظيفها هي التي تحدد إمكانية الإبداع لدى الفنان ، فالفنان المبدع قادر بفضل خصائص فطرية «اختيار أشكال تبرز المعاني وتخلو من العيوب التي تحجبها عن الخواطر ، أو هو ذلك الإنسان الملهم الذي يوفق لاختيار الأشكال التي تنسينا الأشكال وتؤدي عملها ، وما عملها إلا أن تساعد المعنى على الظهور ، لا أن تشغل الناظرين بالظواهر عما وراءها من المعاني والدلالات ».

      وفي ضوء هذا لا يكون للتناسب والتناسق أثر في تحديد ماهية الجمال في الأجسام والفنون ، وإنما يرجع جوهر الجمال إلى  حرية الوظيفة وحركة الحياة في الجسم والفن ، ويؤكد العقاد أن صفة الجمال قرينة الحرية ، ولا يعني هذا أن الحرية لا قيود تحدها ، لأننا سنكون إزاء الفوضى ، ولذلك فإنَّ سر الجمال في الحياة والفنون محدد بالحرية التي «تظهر بين قيود الضرورات » بمعنى «إنه ليس صحيحاً أن الجمال تناسق ، ففي الجسم الإنساني يخضع التناسق لوظيفة الحياة . وهذا هو السبب في أن العضو الجميل هو الذي يلبي متطلبات الحياة ، وبذلك يؤكد حرية التوظيف» إن العقاد قد ركز مناقشته هنا على أصل طبيعة الجمال في الحياة والفن وهو «يبدو قد طور نظرية جمال فريدة تتأسس على قـواعد رومـانسية متنوعة وتتأسس على بديهيات مستعارة من العلوم الطبيعية »  .

      وفي ضوء هذا يرفض العقاد تصور شوبنهور الذي يجعل الجمال منحصرا في الفكرة ويستبدل عبارته «الجمال هو الفكرة »بعبارة «الجمال هو الحرية»، ويؤكد العقاد أننا نستمتع في أثناء النظر إلى  الموضوع الذي يظهر الحرية ، ونحزن لمظاهر الخضوع تلك ، إن حرية الاختيار هي التي تجعل النوع الإنساني أرقى من الحيوان ، والحيوان أرقى من النبات ، والنبات أرقى من الجماد ، وفي الفن فالمحاكاة أمر قبيح مثير للاشمئزاز لأنه نوع من الرق «العبودية »، ويعتقد العقاد أنّ جوهر الجمال في الأدب والحياة متطابق تقريبا ، وفي كلتا القضيتين إن الحرية مقوم جوهري لكن الحرية ينبغي ألا تعتبر وكأنها غياب الموانع والقواعد . انه لا حرية بدون إعاقات ، كما يوضح ذلك العقاد . إن الفنان ينبغي ألا يهمل القيود الإجبارية بل يتغلب عليها وأنْ يستخدمها كنوع من الزخرفة الفنية ، إن الجمال هو انتصار الحرية على القيود »  .

      ومن الجدير بالذكر ان العقاد ومعه مدرسة الديوان قد تابعت انجازات الرومانسية الإنجليزية ، فلقد كان عبد الرحمن شكري «متمكنا في اللغة الإنجليزية بحكم دراسته منذ السنة الاولى الابتدائية ... وقد أعجب شكري كل الإعجاب بشعراء الرومانسية الإنجليزية ، وردسورث وكولردج وشيلي وبيرون وكيتس وسكوت ،وأخذ يلتهم كل ما أنتجوه في نهم وشراهة » ولا يختلف عنه المازني والعقاد ، فلقد تأثر المازني بالأدب الإنجليزي واقتبس منه ، كما أن العقاد كان معجبا بالمدرسة الرومانسية الإنجليزية ، «وهي مدرسة بيرون ووردسورث ، فهي المدرسة التي عنيت بالحياة الإنسانية في أبسط مظاهرها تاركة كل ما يتألق في صفحات التاريخ وهي التي أغرمت بالطبيعة وتذوقها بحدة وحرارة ، ووقفت طويلا أمام أقل نتاج للطبيعة تتأمل جماله وتتملى محاسنه ، وتستوحيه وتستلهمه ودعت إلى  البساطة متجنبة الزخرف والألفاظ الضخمة الرنانة » .

      ولعل أكثر المفاهيم تكرارا تلك التي تتصل بالتعبير الأدبي ، وهم يتابعون فيها مقولات جون كيتس في أن «الشعـر إذا لم ينبعث بصـورة طبيعية كما تنبعث الأوراق من الشـجـرة فمن الخيـر ألا ينبعث على الإطلاق » وكذلك مقولة وردزورث «إن الشعر فيض تلقائي لمشاعر قوية ، يتخذ أصولا من عاطفة تستذكر في هدوء ، ويتأمل الشاعر تلك العاطفة بنوع من رد الفعل حتى يتلاشى الهدوء تدريجيا وتتولد بالتدريج عاطفة صنو لتلك التي كانت قبل التأمل ، وهذه العاطفة الثانية هي نفسها ماثلة في الذهن . وفي هذه الحالة يبدأ النظم متواليا ، وفي حال مشابهة لها يستمر مريرة ، ولكن مهما يكن نوع العاطفة ودرجتها فإنَّ المسرات المتنوعة الناشئة من عدة أسباب ، تعدلها ، حتى إن الذهن إذ يصف أية مشاعر ، يكون وصفه لها إراديا ، إنما يكون على الجملة في حال ابتهاج وسرور » .

      ويميز العقاد ـ في هذا السياق ـ بين الشاعر المطبوع والشاعر المقلد ، لأن المقلد إنما يحاكي ما سبق أن وصفه القدامى ، أو أنه يستخدم أداة ليصف المظاهر والأشياء ،أما الشاعر المبدع أو «المبتدع»على حد تعبيره فهو «من يكون له ينبوع يستقى منه كما استقوا » فقد كان «شعر العرب مطبوعا لا تصنع فيه ،وكانوا يصفون ما وصفوا في أشعارهم ، ويذكرون ما ذكروا ، لأنهم لو لم ينطقوا به شعرا لجاشت به صدورهم زفيرا ، وجرت به عيونهم دمعا ، واشتغلت به أفئدتهم فكرا » .

      ويؤكد العقاد أهمية العالم الداخلي لإبداع الشعر ، فهو يرجع الشعر إلى  الإنسان ، يقول العقاد : «والشعر الصحيح في أوجز تعريف هو ما يقوله الشاعر ، والشاعر في أوجز تعريف هو الإنسان الممتاز بالعاطفة والنظر إلى  الحياة وهو القادر على الصياغة الجميلة في إعرابه عن العواطف والنظرات » وبهذا يؤكد العقاد بعدين : أحدهما : الانفعال ، وثانيهما : القدرة على الأداء في التعبير ، وبهذا يكون الشاعر متميزا على الإنسان العادي بدرجة ما ، ولعل هذا التصور الذي أرساه العقاد لا يختلف كثيرا عن تصور وردزورث في قوله : «ما الذي تعنيه كلمة شاعر ؟ ... الشاعر إنسان يتحدث إلى  أناسي ، إلا أنه إنسان وهب قسطا من الحساسية الحية أكثر من سائر الناس ، وحاسة أشد ورقة أعظم ، ومعرفة بطبيعة الإنسان أشمل وروحا أوسع إحاطة مما وهبه سائر الناس العاديين »

      ولا يختلف عبد الرحمن شكري عن العقاد في إرجاعه الإبداع الشعري وتحديد ماهيته إلى  خاصية كائنة في الذات المبدعة ، وإذا كانت عند العقاد ينبوعا يتدفق من ذاته ، فإنَّ الشعر عند شكري «كلمات تخرج من النفس بيضاء مشبوبة ، وكما أن العاطفة تنطق الشاعر كذلك قد تخرسه شدتها ومن أجل ذلك كانت ذكرى العاطفة والتفكير بها شعرا ، وإنما نعني الذكرى التي تعيد العاطفة والتفكير الذي يحييها » .

      ويعمد عبد الرحمن شكري إلى  تفصيل ذلك حين يحدد ماهية الشعر في ثلاث مكونات هي : العواطف ، والخيال ، والذوق السليم ، «فمن كان ضئيل الخيال أتى شعره ضئيل الشأن ، ومن كان ضعيف العواطف أتى شعره ميتا لا حياة له ، فإنَّ حياة الشعر في الإبانة عن حركات تلك العواطف وقوته مستخرجة من قوتها وجلاله من جلالها ومن كان سقيم الذوق أتى شعره كالجنين ناقص الخلقة » .

      أما المازني فإنه يؤكد خاصية لا تنأى بعيدا عن ينبوع العقاد أو التدفق الطبيعي عند عبد الرحمن شكري ، إذ يمثل الشعر بوحا أو إفضاء ، إذ يؤكد إبراهيم عبد القادر المازني أنه «لا بد في الشعر من عاطفة يفضي يها إليك الشاعر ويستريح » .

      إن هذه التصورات لا تختلف في الحقيقة عن تصورات الرومانسيين الإنجليز ، مما دفع ناقدا إلى  القول بأن العقاد قد تابع «في تنظيره للشعر الشعراء الرومانسيين الانجليز الذين أسسوا سيادة « تفوق »الخيال ، ـ وعلى حد تعبير شيلي Shelly ـ ويهدف العقاد إلى  إزالة غشاوة من تألفه عن إدراكنا الداخلي ، ويلزم العقاد مع عبد الرحمن شكري بالجمال الكولردجي ويعتمد على تميز كولوردج بين الخيال والوهم وبين الملاحظة والتأمل»   .

 

5/2

 

 

            يصدر عباس محمود العقاد عن رؤية تؤمن بوحدة التجربة الشعورية، وهي جزء من وحدة الذات المتسمة بخصوصيتها واستقلالها ، ويعقد العقاد مقارنة بين الأديب الرومانسي الذي تتجلى عنده وحدة التجربة هذه والأديب الإحيائي الذي يفتقر إلى  هذه التجربة الشعورية الموحدة ، ومن ثم تظهر آثار ذلك واضحة على مستويات عديدة في النصوص الأدبية الرومانسية والإحيائية .

      إن الأديب الرومانسي يسقط ذاته على الواقع الذي يعيش فيه ، وينفعل به ، وتكون تجربته صورة لتفاعل الأديب الذاتي مع موضوعه ، وتتميز التجربة بأنها تجربة فردية خاصة ، أي أنه لم يقتبس تجربته تلك من آخرين وما دام الأمر كذلك فإنَّ عمله الأدبي يحمل خصائص هذه التجربة الموحدة ويشتمل على قدر أكبر من التوحد والتماسك ، وهو بخلاف الأديب الإحيائي الذي لا يعنى بواقعه بمقدار عنايته بمحاكاة تجارب الشعراء السالفين ، وتعني المحاكاة تجاور تجارب شعورية متعددة ، ليس منها تجربة الشاعر الإحيائي ، أي تجربته الفردية الخاصة ، ومن ثم يكون النص الأدبي صورة لهذه التجارب المتعددة ،  ومن الطبيعي أن يكون النص الأدبي مفتقرا إلى  الوحدة والتماسك .

      ويميز عباس محمود العقاد بين نمطين من أنماط وحدة القصيدة  : الوحدة الشكلية ، والوحدة المعنوية ، أما الأولى فتتصل اتصالا مباشرا بالوزن والقافية ، وتنحصـر في إطاريـهما ، ويـرى العقـاد أن «القصائد ذات الأوزان والقوافي المتشابهة أكثر من أن تحصى ، فإذا اعتبرنا التشابه في الأعاريض وأحرف القافية وحدة معنوية جاز إذن أن ننقل البيت من قصيدة إلى  مثلها دون أن يخل ذلك بالمعنى أو الموضوع وهذا ما لا يجوز »في حين تتمثل الوحدة المعنوية بالقصيدة في كونها «عملا فنيا تاما يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها واللحن الموسيقي بأنغامه بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها » .

      إن وحدة الشكل وحدة خارجية تؤكد مفهوم «الصنعة »الذي بالغ الأدب الإحيائي في العناية بها ، وهي وحدة تعنى بتماثل الجانب الشكلي المتمثل في الوزن والقافية ، دون العناية بطبيعة التعبير وخصائص الصورة ومدى تناغم ذلك مع التجربة الشعورية ، لأن الشاعر هنا ينثر الفكرة ثم يلبسها ما يلائمها من وزن وقافية وتشبيه ، ويكمن جمال ذلك بمدى ما يحدثه النص من دهشة بالجرس الموسيقي أو الغرابة في التشبيه والاستعارة ، سواء أكان ذلك منسجما مع التجربة الشعورية أم لم ينسجم.

       إن وحدة التجربة الشعورية تقود إلى  وحدة العمل الأدبي في حين لا تقود محاكاة التجارب الشعرية المختلفة إلا لهذا التراكم للأبيات الشعرية ، أي «تفكك »القصيدة على نحو يمكنك أن تقدم بيتا ، أو أبيات ، وتؤخر بيتا ،أو أبيات ، دون أن يحدث ذلك خللا يذكر في القصيدة .

      ويسعى العقاد إلى تأكيد التماثل بين القصيدة والكائن الحي لإضفاء سمات التكامل والحياة على القصيدة ، وهذا يعني أن أجزاء القصيدة لا تمثل عناصر مستقلة عن بعضها ، وإنما تمثل بناء كليا متفاعلا تشبه تماما الكائن الحي .«فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته ولا يغني عنه غيره في موضعه إلا كما تغني الأذن عن العين أو القدم عن الكف أو القلب عن المعدة . أوهي كالبيت المقسم لكل حجرة منه مكانها وفائدتها وهندستها ، ولا قوام لفن بغير ذلك .... ومتى طلبت هذه الوحدة المعنوية في الشعر فلم تجدها فاعلم أنه ألفاظ لا تنطوي على خاطر مطرد أو شعور كامل الحياة » إن التجربة الشعورية فردية وخاصة ، وحين يعبر عنها الأديب تنعكس أثارها الواضحة على العمل الأدبي ذاته ،فيكون ذا سمات فردية خاصة ، من جهة أسلوبه وصوره وإيقاعه ونحو ذلك ، ولذلك يتميز النص الأدبي لشاعر عن نصوص الشعراء الآخرين ، ويتجلى ذلك لدى المبدعين في العصور المختلفة ، إذ تتفاوت أساليب الأدباء وتتفاوت صورهم وإيقاعاتهم لاختلاف تجاربهم الشعورية وتباينها ، أما لدى الأديب الإحيائي ، والمقلدين بعامة ،فإنه يفتقر إلى  تجربة شعورية ويعمد إلى  محاكاة تجارب المبدعين الآخرين ، ومن ثم يتماثل هذا النص الشعري مع النصوص الأدبية الأخرى ، ولذلك تتشابه النصوص الأدبية في فترات الاضمحلال «تشابها في الأسلوب والموضوع والمشرب وتماثلا في روح الشعر وصياغته ... ورأيتهم يحسبون البيت من القصيدة جزءا قائما بنفسه لا عضوا متصلا بسائر أعضائها ، فيقولون أفخر بيت وأغزل بيت وأشجع بيت ، وهذا بيت القصيد ، وواسطة العقد ،كأن الأبيات في القصيدة حبات عقد تشترى كل منها بقيمتها فلا يفقدها انفصالها عن سائر الحبات شيئا من جوهرها وهذا أدل دليل على فقدان الخاطر المؤلف بين أبيات القصيدة وتقطع النفس فيها وقصر الفكرة وجفاف السليقة » .

      إن وحدة التجربة الشعورية قادت في تصور العقاد إلى  وحدة القصيدة لا تفككها ، والى الانسجام بين أبياتها لا التنافر ، والى تكامل القصيدة وحياتها ، لا نقص القصيدة وموتها ، وقاد أخيرا إلى  اختلاف النصوص الأدبية لا تماثلها .

 

 

6/2

 

 

      يدرك الناقد الإحيائي لغة الشعر في ضوء العلاقة بين اللفظ والمعنى ، كما يدركها سلفه القديم بأنها علاقة الثوب بالجسم «فالثوب الطويل للقوام الطويل ، والثوب العريض للجسم السمين ، والمتفنن العبقري يعطي كلا ما يخصه من الصورة أو الألفاظ » أو تأكيد الناقد الإحيائي خصائص معينة في الألفاظ كأن تكون سلسة في النطق وخالية من التنافر والغرابة وأن «يألف بعضها بعضا حتى تكون الكلمات المتوالية منزلة كلمة واحدة »وهذا التصور لا يختلف في جوهره عن التصورات المطروحة في التراث النقدي ، بل انها صدى لها ، فابن طباطبا العلوي ( 322 هـ ) يرى «أن للمعاني ألفاظا تشاكلها فتحسن فيها وتقبح في غيرها ، فهي كالمعرض للجارية الحسناء ، التي تزداد حسنا في بعض المعارض دون بعض » أو قوله «يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها ، نسجا وحسنا ، وفصاحة ، وجزالة ألفاظ ودقة معان وصواب تأليف » كما أنَّ قدامة بن جعفر ( 326 هـ ) يرى  «أن المعاني كلها معرضة للشاعر وله أن يتكلم منها في ما أحب وآثر ، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه ، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة» .

      ويمايز عباس محمود العقاد بين لغة الإحيائين ولغة الرومانسيين ، إذ تتجلى في الأولى ملامح الصنعة بكل أبعادها وخصائصها ، ويطلق عليها العقاد «الزخرف اللفظي »الذي يدل على «التزويق الذي لا يمت إلى  الحياة بسبب ولا يعمل فيه غير المسطرة والبركار وذهن هو في الأذهان ضرب من المسطرة والبركار »وهو بهذا يجعل الزخرف وليد صنعة عقلية تتحكم في أبعاده ، ومن أجل توضيح ذلك يعقد العقاد مقارنة بين الزخرف اللفظي في الفنون القولية والزخرفة في العمارة العربية في بناياتها القديمة ، وعلى الرغم من أنه يؤكد جمال الزخرفة لما فيها «من الرونق ما يجتذب العيون ويستدعي التأمل »فإنه يرى أن الزخرفة والسجع والجناس متماثلة ، أحدهما سمعي زماني يتبدى في التماثل والتقابل والتناظر في الجوانب الصوتية في السجع والجناس ، والآخر بصري مكاني يتبدى في تمـاثل وتقابـل وتناظر في الزخرفة ، وكلا الزخرفين الزماني «السجع و الجناس »، والمكاني «الـزخـرفة»إنما يخلـو من مظـاهـر «الحيـاة النامية من زهر أو ثمر أو قسمات وجه أو مشابه عضو من الأعضاء » .

      وعلى الرغم من هذا فإنَّ العقاد يرى أن اللفظ يمثل رمزا للمعنى ، وهو بهذا يؤكد ـ على نحو من الأنحاء ـ المقولات التراثية التي تفصل بين اللفظ والمعنى ، ولكنه يميز بين دلالات المترادفات لأنها في رأيه لا تتشابه في المدلول .

       أما إبراهيم عبد القـادر المازني فيرى أن الألفاظ رموز مجردة «تمر بالسمع فيكتفي العقل منها بلمحة دالة تغنيه عن ( الصورة) ـ إلا أن تريد ذلك فيكون ما أردت ـ ولكن فرقا بين أن تكره الخيال على التصوير وبين أن يجيء ذلك عفوا لا إكراه فيه ولا إجبار »وعلى الرغم من أنه يحاول إغفال مصطلح «المعنى »فإنَّ النص يتضمنه ، بل أكد ذلك بمقولة تتطابق مع مقولات التراثيين حيث اعتبر «الألفاظ أوعية للمعاني فأحسنها أشفها وأشرفها دلالة على المعنى »وهذه تتطابق مع مقولة ابن جني حين تحدث عن الوعاء «اللفظ »والموعى عليه «المعنى »مؤكدا أن العناية من أجل الإبانة والوضوح عن الموعى عليه ، أو من أجل ألا تتكدر المعاني الفاخرة بسوء الألفاظ المستخدمة   .

      ويعمد إبراهيم عبد القادر المازني إلى  تقسيم الألفاظ إلى  ثلاثة أنماط هي على النحو التالي :

      الأول : ويطلق عليه الألفاظ الجامعة ، وهي  «ألفاظ موضوعة للدلالة على ما هو واقع تحت الحس » وتتميز بأنها رموز بسيطة «غير مركبة يدركها الذهن على غير كلفة أو مشقة »

      الثاني: الألفاظ الموضوعة لوصف الأشياء المحسوسة آنفة الذكر وتتميز بأنها «رموز لأشياء مركبة ، أو هي رموز موضوعة لوصف حالات بعينها لا بد للذهن في تصورها من جمع شتيت أجزائها» .

      الثالث : ألفاظ موضوعة للجمع بين النوعين المتقدمين ، وللدلالة على صلاتها مثل الشرف والحرية والفضيلة وهي «أعوص الجميع وأشدها إعناتا للذهن إذ هو تكلف تفصيل مجملها وبسط موجزها ، وما لفظ الشرف إن تأملته إلا عبارة «مختزلة »لو عمدت إلى  بسطها وتحليلها لما وجدت مندوحة من ردها إلى  النوع الثاني ، ثم الأول ، قبل أن تستطيع الكشف عن دقائقها وفتح مقفلها ، فإنه مما لا شبهة فيه أن أول من قال من الناس «أحب الشرف »إنما كان يعني «أحب الرجل الشريف » .

      إن الألفاظ بأنماطها المختلفة تلك تمثل رموزا للمعاني الكائنة في الذهن ، ويرى المازني أن الألفاظ «قاصرة عن العبارة عما في النفس والإحاطة بجميع ما يختلج في الصدر ويدور في الذهن من المعاني .... فإنَّ الألفاظ ليست إلا كإشارات الخرس ، تتخيل فيها أغراض صاحبها ، وإذا كان هذا كذلك فكيف يمكن أن تكون فيها صور واضحة في الذهن ، وهي على ما وصفنا من العجز والقصور ؟ وحسبك دليلا على أن العقل ليكتفي بالإشارة ويجتزئ بيسير الإبانة ، إن النظرة قد تقوم مقام اللفظة في نقل المعنى من ذهن إلى  ذهن ، وإن التلميح قد يكون أبلغ في العبارة من التصريح ، واعلم أن إحلال الرموز محل الصور أمر لا بد منه ولا محيد عنه ، ولا سيما في العلوم بأنواعها من طبيعة وكيمياء ورياضة وغير ذلك ، بل في الشعر والكتابة أيضا ».

      ويؤكد المازني ضرورة اختيار الألفاظ وحسن اتساقها ، لأن المتلقي يقبل ما يرد إليه عند ما يعمد الشاعر إلى  حسن اختيار ألفاظه واتساق نظامها ، وليست الألفاظ هي بذاتها معيار التفاضل بين الأدباء ، لأن «اللفظ من حيث هو لفظ مفرد لا شيء في ذاته ولا معنى له في نفسه ، ولكن يكون المعنى وتحصل الفائدة بالتأليف وبضم الألفاظ بعضها إلى  بعضـها كاللون في ذاتـه لا يفيـدك صـورة ولا يعطيـك شيـئا إلا بعد أن يأتلف مـع سواه » أو «الكلام لا قيمة له من أجل حروفه فإنَّ الألفاظ كلها سواء من حيث هي ألفاظ ، وإنما قيمته وفصاحته وبلاغته وتأثيره تكون من التأليف الذي تقع به المزية في معناه لا من أجل جرسه وصداه ....إن الألفاظ ليست إلا واسطة للأداء فلا بد أن يكون وراءها شيء ، وإن المرء يرتب المعاني أولا في نفسه ثم يحذو على ترتيبها الألفاظ»إن هذه التصورات تتصل ببعض أبعادها بالتراث النقدي العربي وبخاصة لدى عبد القاهر الجرجاني حيث يقول: «إن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة ، وإن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها ، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ ، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلـمة تـروقـك وتـؤنسـك في مـوضع ، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر » كما ان هذه التصورات تتصل على نحو وآخر بالحضارة الغربية وبالذات عند ريتشاردز الذي يؤكد أن« الكلمات بمفردها لا «تعني »شيئا ... فهي إذن مجرد أدوات «يشير»بها الشخص المفكر إلى الأشياء ولكن فضلا عن وظيفة الإشارة هذه ،أو الوظيفة الرمزية التي يجب أن تقتصر عليها لغة التفكير العقلي أو الاستدلالي نلاحظ أن للغة وظائف أخرى يمكن جمعها تحت الوظيفة الانفعالية » .

       ومن الجدير بالذكر أن إبراهيم عبد القادر المازني يؤكد أن كثرة المحفوظ لا يدل «على قوة الكاتب أو الشاعر ولكنه قد يكون أيضا من بواعث ضعفه وتخلفه » وكأنه بهذا يكرر مقولة ريتشاردز «إن كمية الألفاظ التي في متناول الشاعر لا تحدد منزلته بين الشعراء وإنما الذي يحدد مكانته الطريقة التي يستخدم بها هذه الألفاظ ، فالمهم هو مدى إحساس الشاعر بطاقة الألفاظ على تعديل بعضها البعض ، وتجميع تأثيراتها المتصلة في العقل واتخاذها موضعها المناسب في الاستجابة ككل » .

       ويقود الحديث عن اللفظ والمعنى إلى  قضية «التوصيل »التي تعرض له القدامى والمحدثون ، إذ يكرر المازني ـ هنا ـ مقولة القدامى ، فالكلام عنده «مجعول للإبانة عن الأغراض التي في النفوس ، وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى  الدلالة على المراد وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب » كما أن اللغة لديه «ليست أكثر من أداة للتعبير عن المعاني والخواطر والخوالج ، وإن المرء يتلقاها عن الجماعة التي هو فيها كما يتلقى النسيم الذي يستنشقه ، بلا تفكير أو عناء »

       ويميز المازني بين التوصيل والتأثير لأنه يرى أن الغموض ليس غاية يتحقق بها التأثير بالمتلقي ، بل يرى أن التأثير يتحقق بالوضوح ، ولذلك قال : «إن «التأثير»لا يتأتى الا ببراعة اللفظ ورشاقة العبارة ، فقد يكون الكلام حسنا «مؤثرا »ويتفق له ذلك من غير رشاقة ولا نضارة وإنما الألفاظ أوعية للمعاني فأحسنها أشفها وأشرفها دلالة على ما فيها . فقد تبلغ بالعبارة العاطلة مالا تبلغه بالكلام المفوف ، بل قد يكون التأنق إذا أسرف فيه الشاعر أو الكاتب أو جهل مواضعه وأخطأ مواقعه ، أو تكلف له على غير  الحاجة إليه حائلا بينه وبين ما يريد من نفس القارئ » .

       إن التحديد السابق للألفاظ إنما يمثل المادة الخام التي يتفاعل معها الأديب لأن التشكيل اللغوي يرتبط بانفعال الشاعر ويكون صورة له ، فإن تطابق التشكيل اللغوي مع الانفعال كان الشاعر مبدعا وإلا سيكون فيه نقص وضعف ، ولذلك يرى المازني «أن كل عاطفة تستولي على النفس وتتدفق تدفقا مستويا لا تزال تتلمس لغة مستوية مثلها في تدفقها ، فإما وفقت اليها واطمأنت ، والا أحست بحاجة ونقص قد يعوقان تدفقها الطبيعي ، وربما دفعاها إلى  مجرى غير طبيعي فيضر ذلك بالجسم والنفس جميعا ، كالحامل لا تزال تتمخض حتى تلد » كما يرتبط إلقاء القصيدة بهذا الانفعال الذي كل ما كان عميقا كان » »الوزن أظهر وأوضح وأوقع »  .

 

تأسيس الحداثة

يبدو أن مصطلح الحداثة بالغ الغرابة عند الغربيين، إذ يبدو عند رينيه ويليك مصطلحاً قديماً فارغاً  أو هو مصطلح مطاط كما يرى روجر فاولر ، وقد تعددت الآراء حول طبيعته، بحيث دفعت مالكوم برادبري إلى  تأكيد أن «هذه التسمية تحتوي على الكثير من ظلال المعنى الذي لا تنجح في استخدامه بصورة دقيقة »  .

                   ولقد تأثر تحديد هذا المصطلح بتصورات مفكري التنوير الذين يؤكدون على العقلانية العلمانية والتقدم المادي والديمقراطية، كما قد أسهم في تأسيس أصوله مفكرون تميزوا بتمردهم على الأسس التقليدية، وجعلوا كثيراً من اليقينيات محط تساؤل، مثل التصورات الدينية والاجتماعية والأخلاقية، ولعل أبرز هؤلاء : فردريك نيتشه، وكارل ماركس، وسيجموند فرويد ـ ولذا فإن الحداثة تنطوي على قدر كبير من الاختلاف الجذري مع الأسس التقليدية للثقافة والفن في الغرب.

          وتعبر الحداثة الغربية عن الفوضى الحضارية والفكرية التي عمت الحياة والتي جاءت بها الحرب العالمية الأولى ، كما أنها تعكس صورة القوى الاجتماعية التي كونتها، بمعنى أنها جزء من « عالم يتجدد بسرعة، عالم التمدن والتقدم الصناعي والتكنولوجي »  ولذلك فإن المبدعين والرسامين قد «عكسوا في بياناتهم ومعارضهم ما بين 1909 - 1914 أهمية القوى والأشكال المستمدة من العالم المحكوم بالآلة والتكنولوجيا » ، وفي ضوء هذا فإن الحداثة ليست وليدة قطر بعينه، وإنما هي حركة « عالمية ولدتها قوى مختلفة بلغت ذراها في دول مختلفة وأزمان مختلفة، كان مكوثها في بعض الأقطار طويلا وفي بعضها الآخر مؤقتا، في بعض الأقطار أساءت الحداثة إلى  تراثها الموروث كالتراث الرومانسي والفكتوري والواقعي والانطباعي وفي أقطار عدت نفسها تطوراً لذلك التراث».

          وتميزت الحداثة الغربية بخصوصيتها الزمانية والمكانية من ناحية، وبطبيعة التيارات الفكرية والفنية التي تشتمل عليها، من ناحية ثانية، إذ أتبدأ الحداثة ـ زمانيا ـ في أواخر القرن التاسع عشر، وتبلغ ذروتها في الربع الأول من القرن العشرين، وتمتد مكانيا من روسيا إلى  الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وتضم مذاهب مختلفة في الفن والأدب كالمستقبلية والتصويرية والانطباعية والسريالية، ومن الملاحظ أن هذه المذاهب استخدمت مصطلحات أخرى غير مصطلح الحداثة تدل على إبداعها، فلقد استخدم إليوت مصطلح الصورية Imagism، وآثر أبولينيز مصطلح الشعر المحسوس أو المجسد concrete poetry، في حين تبنى السريإليون والتكعيبيون السريإلية التكعيبية ، وقد دفع هذا التمايز والتفاوت باحثا ـ صالح جواد الطعمة ـ إلى  القول : إن الحداثة « ليست أحادية اللغة، وليست أحادية الأصل، وليست مرتبطة بمرحلة زمنية واحدة، بل متعددة اللغات، ومتعددة الأصول، ونتاج مراحل زمنية متداخلة ».

وتثير الحداثة معضلات ماهيتها وتاريخيتها على السواء، فهي ليست مصطلحاً خاصاً بالنقد والأدب، ولكنها تشير إلى  صيغ عديدة دالة على الحضارة والتقدم، فهي ابتداء، تدل على التغاير مع الأنماط السابقة، وتتمرد على خصائصها وسماتها، بمعنى أنها ليست « مفهوماً سوسيولوجياً، أو مفهوماً سياسياً، أو مفهوما تاريخيا يحصر المعنى وإنما هي صيغة مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد، أي أنها تعارض جميع الثقافات الأخرى السابقة أو التقليدية » ، وقد قاد هذا إلى  توصيفات مرافقة لتحديد دلالتها مثل : الحداثة الأولية : Proto - Modernism والحداثة البدائية : Pala - Modernism والحداثة الجديدة: New - Modernism وما بعد الحداثة : Post - Modernism  .

          أما الدارسون العرب فإنهم يتفاوتون ـ أيضا ـ في تحديدهم لماهية الحداثة ووظيفتها، إذ لها خصوصيتها من الناحية اللغوية من ناحية، وصعوبة تحديد دلالتها الاصطلاحية ممن ناحية ثانية، فهي من الناحية اللغوية تستدعي معارضها أو نقيضها، إذ لا يقال : « حدث ... إلا مع قدم » « والحديث نقيض القدم » ، بمعنى أن دلالة معارضها لا تغيب، وإن فاعلية نقيضها تسهم في تحديد ماهيتها، أما من الناحية الاصطلاحية فهي من الألفاظ المشوهة عند منذر عياشي،  في حين تبدو عند الروائي عبد الرحمن منيف من ((أكثر المصطلحات خلافية بسبب عدم تحدد معناه بدقة وعدم معرفة أسباب وظروف نشأته وبسبب عزله عن سياقه التاريخي وطغيان إحدى دلالاته الجزئية على المفهوم »  ويرى أدونيس أن الكلام عنها « يكاد يكون لغوا » ويذهب حمادي صمود إلى  أن تحديد دلالتها أمر عسير، لأنها ما تزال غير محددة في أوربا، وإذا حددت فإنها تخضع للمواقع المختلفة، والانتماءات المتباينة للكتاب والتزاماتهم .

وقد أحدث تعريب مصطلحي Modernity وModernism إرباكا لدى القاري العربي، إذ يبدوان مصطلحاً واحداً فتم تعريبهما بكلمة واحدة « الحداثة »، وميز آخرون بين الحداثة Modernity والحداثوية والحداثانية Modernism لأن المصطلح الأول لا يتقيد باشتراطات مذهبية أو مفهومية في أدب أمة معينة، أما الثاني فإنه يدل على حركة أدبية ونقدية معينة لها سياقاتها التاريخية والمعرفية والفنية في الأدب الغربي .

          ويختلط مفهوم الحداثة بدلالة مصطلحات أخرى كالمعاصرة والتجديد، ويبدو عباس محمود العقاد أبرز من عني بدلالة الحداثة والمعاصرة في أوائل القرن العشرين، ويرفض ما توهمه الشعراء الاحيائيون من أن الحداثة تعني وصف المخترعات الحديثة أشعارهم وآدابهم، ذلك أن الوصف فعل عقلي يسقط فيه الشاعر رؤاه الذهنية على سطح الأشياء الكائنة في الخارج ،ويتبنى العقاد التعبير عن تجربة انفعالية متخلقة في أعماق الشاعر، ولذلك تتحقق الحداثة « عندما يشعر الشاعر أن له شيئا يقوله، ويستحق هذا الشيء أن يقال ،وإن الشاعر الذي يصف الطائرة ليس بالضرورة شاعرا عصريا، والذي يصف الجمل ليس شاعرا قديما ».

          ويحدد عز الدين إسماعيل موقفه في ضوء نـزعة وسطية تتجاوز نمطين متعارضين ومتباعدين، ا: النظرة السطحية لمعنى العصرية التي يتحدث فيها الشاعر « عن مبتكرات عصره ومخترعاته، ظنا منه أنه بذلك يمثل عصره » أو »الدعوة المغالية التي تدعو إلى  العصرية المطلقة والتي توشك أن تنفصل نهائيا عن التراث » ، ويخلص من ذلك إلى  أنه « ليس المجدد في الشعر إذن هو من عرف الطيارة والصاروخ وكتب عنهما، فهذه في الحقيقة محاولة عصرية ساذجة، فالشاعر قد يكون مجددا حتى عندما يتحدث عن الناقة والجمل ».

          وتمايز خالدة سعيد بين الحداثة والتجديد لشمولية الأولى وخصوصية الثاني، لأن التجديد أحد مظاهر الحداثة ،بمعنى أن الجديد « هو إنتاج المختلف المتغير ... الجديد نجده في عصور مختلفة، لكنه لا يشير إلى  الحداثة دائما » إن الاختلاف والتباين تحدد أن ماهية الجديد لتعبيره عن واقع مختلف متجدد، ولاستخدامه معايير تغاير الماضي ولا تنفيه أو تلغيه، أما الحداثة فإنها تتضمن الجدة وتتجاوزها في آن ولذلك فهي ترتبط «بالانـزياح المتسارع في المعارف وأنماط الإنتاج والعلاقات على نحو يستتبع صراعا مع المعتقدات ... ومع القيم التي تفرزها أنماط الإنتاج والعلاقات السائدة » وبقدر ما يؤكد هذا العلاقة الوثيقة بين الحداثة والتطور فإنه يشير إلى  ارتباط التغير بأنماط إنتاجه وعلاقاته بها، بحيث يتبدى العلاقة الجدلية بين المعرفة والبنية التحتية في ضوء تجلياتها الماركسية المعروفة، إذ ليست الحداثة مقترنة بمظاهر شكلية كالوزن والقافية، أو قصيدة النثر، أو أنظمة القص والسرد، وإنما تتجاوز ذلك إلى  »ثورة فكرية ))، بمعنى أنها ((لا تنفصل عن ظهور الأفكار والنـز وعات التاريخية التطورية وتقدم المناهج التحليلية التجريبية، وهي تتبلور في اتجاه تعريف جديد للإنسان عبر تحديد جديد لعلاقته بالكون . إنها إعادة نظر شاملة في منظومة المفهومات والنظام المعرفي، أو ما يكون صورة العالم في وعي الإنسان، ومن ثم يمكن أن يقال إنها إعادة نظر في المراجع والأدوات والقيم والمعايير ».

          ويصدق هذا الوصف على الحضارة الغربية لأنه من المستبعد أن يكون المجتمع العربي قد شهد كل هذه التغيرات من أنساقه المعرفية المتطورة وثوراته الفكرية الهائلة، ولكن خالدة سعيد تصر على تطبيق ذلك على المجتمع العربي وإبداعاته الفنية، وترى إن الحداثة لا تولد فجأة، ولكنها تتناسل بسبب تراكم معرفي، وتنطلق من مرحلة إلى  أخرى، على الرغم من تعارض المرحلية مع خروقات الحداثيين، إذن فالحداثة حركة فكرية شاملة انطلقت مع الرواد الأوائل مثل جبران خليل جبران وطه حسين، إذ يمثل فكرهما» قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية، كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين : العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني، ومن ثم تطوري، فالحقيقة عند رائد كجبران أو طه حسين لا تلتمس بالنقل، بل تلتمس بالتأمل والاستبصار عند جبران، وبالبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين «  .

          ولم يقتصر دور الباحثين العرب على تمايز دلالة الحداثة عن مصطلحات مرافقة أو مصاحبة، ولكنهم أسهموا أيضا في تحديد ماهية الحداثة وسماتها الداخلية، فلقط بحث كمال أبو ديب عن معيار علمي منضبط يحدد للحداثة خصائصها، ويحاول التوصل إليه في ضوء ثلاثة مكونات :

1ـ اتساع نطاقها :إذ يشمل مفهوم الحداثة الآداب والفنون ويتجاوزهما إلى  التكنولوجيا كصناعة السيارات، وهي عامة بحيث تشتمل على أية حداثة، معاصرة أو قديمة، عربية أو أعجمية .

2 ـ مفهوم مطلق للحداثة يتجاوز السياقات التاريخية والاجتماعية، فهي طاهرة لا تاريخية، وأن مكوناتها « لا زمنية » .

3 ـ وعي ماهية الحداثة في ضوء إدراك نقيضها »اللاحداثة، ويتكئ أبو ديب على منجزات رومان ياكبسون انطلاقا من تصور أساسي تقوم عليه اللغة مكون من بعدين : الرسالة والترميز، وتتحدد في أنها تركز على النظام في الرسالة، أما الحداثة ((فإنها تنـزع إلى  نقل محور الفاعلية الإبداعية من مستوى الرسالة إلى  مستوى الترميز »  ويضرب أبو ديب مثلا على ذلك العلاقات الخلاقة بين الحد والحد، والجد واللعب، والسيف والكتب، في بيت أبي تمام :

          السيف أصدق أنباء من الكتب    في حده الحد بين الجد واللعب

إن أبا ديب يتبنى مفهوماً مطلقاً للحداثة وفقاً لمفاهيم الفكر الغربي، وتأسيسا على مفاهيم ياكبسون اللغوية، مما دفع الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي إلى  القول إن هذا »قفز فوق المشكلات، وهروب من الأسئلة الحقيقية التفصيلية التي من شأنها أن تصيب معرفتنا بعدم التوازن )) ، وهذا يعني أن حجازي يرفض المفهومات القبْلية المنسوخة من الآخر، ويدعو إلى  استقراء إبداعنا الحديث وتحليله لمعرفة ما فيه من حداثة، حتى لا نفرض عليه مفهوماً للحداثة، وليس فرضا لمفهوم وافد عليه، مما يبعث على تحريفه مما قد لا يستقيم مع منطق تطوره .

          إن ما يدعو إليه كما أبو ديب حداثة ذات منحى عالمي، وتعود في مرجعيتها الأساسية إلى  المركزية الغربية، بمعنى أنها تتضمن خصوصيتين زمانية وأيديولوجية، وكلتاهما كائنتان في الغرب، وبحسب سياقاته التاريخية والاجتماعية، وأن تطبيقها في واقع آخر مغاير سيقود حتما إلى  اغتراب حقيقي، ومن ثم تفقد فاعليتها، إن هذه الحداثة تنتظم في إطار المرجعية المعرفية الغربية بتاريخها وثقافتها الخاصة، بمعنى أنها تمثل الطرف الفاعل في المعادلة، في حين تمثل الثقافة العربية الطرف المنفعل الذي يتلقى الأصول وينسخها، ثم يشكل في ضوئها حداثة عربية ‍‍‍‍.

          وإذا كان كمال أبو ديب يدعو إلى  حداثة تصدر عن الآخر فإن محمد عابد الجابري يريد أن تنطلق الحداثة« من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها وذلك بهدف تحريك التغيير فيها من الداخل » ، وإذا كان أبو ديب يدعو إلى  حداثة مطلقة كلية وعالمية فإن الجابري يتبنى حداثة تاريخية وزمنية بمعنى الدعوة إلى  حداثات تختلف من وقت لآخر ومن مكان لآخر ، وما دامت الحداثة كذلك فإنها تخضع ـ شأنها شأن الظواهر التاريخية ـ للظروف التي ترسمها « لصيرورة على خط التطور ».

 ولا يختلف شكري عيّاد عن الجابري في تأكيده « إن الحداثة مفهوم تاريخي متغير »  بمعنى أنها تتحدد في ضوء السياقات التاريخية والاجتماعية، ولذلك فهناك حداثة عربية في القرن الثاني الهجري، وهناك حداثة أوربية معاصرة، وهي ـ بحسب عياد ـ « حداثة قوم مختلفين لهم تطورهم وظروفهم ومتغيرات واقعهم »  .

بقي أن أشير إلى  أن سلمى الخضراء الجيوسي تجعل الحداثة قرينة علاقة البناء الفني بالزمن، فهي لا تعد الشاعر حداثيا لأنه يبدع قصيدة النثر فحسب، وإنما تعده حداثيا «لأن موقفه من العالم ورؤيته للحياة تتكئ على وعي بضياع الإنسان الحديث في عصر الآلة » ، ويقرن محمد بنيس الحداثة بإمكانية الصيغ التعبيرية للنص في استيعاب حركة الواقع ، ويؤكد أن الأدب العربي قد حقق شيئا في مجال الحداثة، ولكن العقل العربي « على مستوى التنظير فاشل في تحديد مصطلح الحداثة وعاجز عن متابعة التقدم المنجز في الإبداع الفني »  .

مفهوم الحداثة عند أدونيس :

     ويعد أدونيس ( علي أحمد سعيد ) أبرز من تكلم عن الحداثة، فهي هاجسه الأكبر في الإبداع والتنظير، ويتأسس مفهوم الحداثة لديه في ضوء المغايرة والاختلاف، والمعاصرة والتجريب، ويميز أدونيس ـ ابتداء ـ بين المغايرة الشكلية والجوهرية، فالمغايرة الشكلية مقصودة لذاتها، ولا تعني شيئا مضافا، إذ لا تتجاوز الفعل الذي يقوم على إنتاج النقيض، بمعنى أن الإبداع يناقض الذي سلفه لمجرد المغايرة ، ويصدق هذا على الإبداع وغيره، فالخوارج ـ كما يرى أحد الباحثين ـ ليسوا محدثين على الرغم من اختلافهم وتغايرهم عن معاصريهم ، أما المغايرة الجوهرية الحداثية فن الإبداع فيها يتغاير « من حيث التجربة وأشكال التعبير » ، ومن ثم فهو مختلف عما سبقه، وليس مؤتلفا معه .

          وفي ضوء هذا تسهم المغايرة الجوهرية في تحديد ماهية الحداثة وخصائصها، وهي تعني ـ عند أدونيس ـ التغاير مع الماضي العربي والآخر الغربي في آن، وقد أكد ذلك بقوله : « تقتضي الحداثة قطعا مع التأسلف والتمغرب » غير أن القطع مع الماضي ليس مطلقا، فلقد انتج الماضي أنماطا معرفية آنية وفقا لأنساق اجتماعية وتغيرات تاريخية معينة، فهي تعبر عن مرحلة ينتهي تأثيرها بمجرد انتهائها، وتختفي قيمها بزوال مسببها . كما قد انتج الماضي قيما إنسانية وأنماطا معرفية فاعلة ومتجددة، ولا ريب أن الأنماط المعرفية في الحالة الأولى تقيد تفكير الإنسان وتعيقه في صنع حاضره ومستقبله بفاعلية ، وهذا يعني أن أدونيس لا يخرج على كل قيم الماضي وإنما يتمرد على »النظام السائد )) في كل أنظمة المعارف والثقافة والفكر التي تمثل الماضي بمفهومه السلبي، ويتحدد موقفه في ضرورة تهديمها تماما، ولذا فالكتابة الإبداعية الحداثية هي التي « تمارس تهديما شاملا للنظام السائد وعلاقاته ـ أعني نظام الأفكار » ، ومن ثم فلا « لا تنشأ الحداثة مصالحة، وإنما تنشأ هجوما . تنشأ إذن، خرق ثقافي جذري وشامل، لما هو سائد »

     وفي الوقت الذي يسعى فيه إلى  تهديم النظام السائد يعمد إلى  بناء « طرق معرفية لم توْلف، وتطرح قيما لم تؤلف »  ومن ثم فالحداثة لا تفارق الرفض والتمرد لأن الرفض خروج على النظام المعرفي السائد والتمرد تجاوز أو خرق له وتقديم بديل عنه.

وتسهم المغايرة مع الآخر في تجلية ماهية الحداثة عند أدونيس، فالحداثة العربية ليست نسخا وتقليدا للآخر وليست « مقاييس الحداثة في الغرب مقاييس للحداثة خارج الغرب » بمعنى أن المماثلة بكل أشكالها وأنماطها إنما هي استلاب كامل للإنسان العربي، لأنه، والحالة هذه، يحركه الشعور بالنقص إزاء التراث لعدم إمكانية تجاوزه، وإزاء الآخر في عدم قدرة مجاراته، وفي كلتا الحالتين يوسم الشعر بالتخلف لأنه في حالة محاكاة الشعر العربي القديم يعيد الشاعر « إنتاج الوهم الأسطوري ـ التراثي » وفي حالة مماثلة الآخر الغربي « يعيد إنتاج شعر ذلك الآخر »  .

          وفي ضوء هذا تعني المغايرة تجاوز المحاكاة والتقليد، لأننا في هذه الحالة إنما نعيد « إنتاج العلاقات نفسها، علاقة نظرة الشاعر بالعالم والأشياء، وعلاقة لغته بها، وبنية تعبيره الخاصة التي تعطي لهذه العلاقات تشكيلا خاصا »  .

     أما المعاصرة فقد تدل على التزامن، وهو تحديد شكلي باقتران الحداثة بالزمن، ومن ثم تتجه العناية إلى  زمانية الشاعر وليس إلى  بنية النص، ويعي أدونيس ذلك تماما، لأن الحداثة ليست عصرية بزمنيتها وإنما الحداثة « خصيصة تكمن في بنيته ذاتها » ، ولم يقتصر الأمر على مجرد تجاوز الفهم الشكلي للمعاصرة وإنما ضرورة تجاوز المضامين العصرية إلى  استحداث مضامين مختلفة، بمعنى تجاوز وصف إنجازات العصر وقضاياه، لأن الوصف ـ كما سبق أن أشرنا ـ يرتكز إلى  رؤية تتكئ على مقاربات تقليدية، تماما كما فعل الشعراء الاحيائيون، ويضم اليهم أدونيس « بعض الشعراء باسم بعض النظرات المذهبية الأيديولوجية».

وإذا كانت المغايرة والمعاصرة يحددان للحداثة جانبا مهما من خصائصها وسماتها فإن التجريب يتمم للحداثة بنيتها العميقة، على الرغم من اتساقه بالانفتاح وعدم التحدد، ويشير أدونيس ـ بتشاؤم ـ إلى  تجريب قصيدة النثر، إذ ترتكز قصيدة النثر على بناء داخلي يشتمل على مكونات الحداثة وفي ضرورة الفهم والتجاوز معا، ولذلك ينسجم هذا مع مقولات أدونيس عن الحداثة، وما يصدق عليها يصدق على قصيدة النثر أيضا، وان الحداثة تؤكد بإطلاق على أولية التعبير بمعنى أن « كيفية القول أكثر أهمية من الشيء المقول، وإن شعرية القصيدة أو فنيتها هي في بنيتها لا في وظيفتها » ، وبذلك يتم التأكيد على النص في ماهيته وفي بنائه الداخلي، ونسيجه اللغوي ومن ثم تقود الحداثة ـ وقصيدة النثر منها ـ إلى  « تغيير في نظام الأشياء، وفي نظام النظر إليها »  .

مفهوم الحداثة عند جابر عصفور :

ويمكن تأمل مفهوم « الحداثة » عند جابر عصفور في ضوء ثلاث مكونات :

     -    أولها : دور الأنا الفاعلة في تحديد ماهية الأنا من ناحية، والوعي الضدي وأثره في تدعيم المكونات البنائية للحداثة .

     -    ثانيها : المدى الجغرافي للحداثة ( المدينة )

     -    ثالثها : كون الحداثة وجها آخر للتحديث .

          وتنبثق الحداثة من اللحظة التي « تتمرد فيها الأنا الفاعلة للوعي على طرائقها المعتادة في الإدراك، سواء أكان إدراك نفسها من حيث هي حضور متعين فاعل في الوجود، أو إدراك علاقتها بمواقعها، من حيث هي حضور مستقل في الوجود » ، أي أن هناك ذاتا فاعلة واعية تعي نفسها أولا، وواقعها ثانيا، غير أن هذه الوعي المركب للذات والواقع لا يكفي لتحديد الحداثة أو نشوئها، وإنما لا بد من التمرد على طرائق الإدراك المعتادة، إن هذا الوعي يضاد وعيا قائما، ولذلك أطلق على وعي الذات نفسها وواقعها، وكيفيات تمردها: الوعي الضدي، وهو وعي لا يستسلم لليقين والذات العارفة لكل شيء، وإنما يستبدل « بالمطلق النسبي، وباليقين الشك ».

          ويتحدد المدى الجغرافي للحداثة بالمدينة، التي يتضمن وجودها التحديث بالضرورة، سواء أكانت هذه المدينة ذات طبيعة صناعية أم « المدينة الكوزموبوليتية » التي تعيش عصر ما بعد الصناعة  وتتميز هذه المدينة بأنها « النقيض للقرية والبادية، بما فيها من تصنيع يتجاوز الآلات اليدوية، وبما فيها من أنظمة معرفية تتجاوز عوالم الخرافة والسحر ... فهي مدينة ترعاها مؤسسات السلطة وتوجهها مصالح الطبقات الحاكمة والأجهزة الأيدلوجية للدولة، وتثير الشغب فيها مجموعات الهامشيين والمقهورين والمقموعين »  .

          ولم تكن هذه التصورات سائرة في خط متصاعد ،ولكنها أخذت في التشظي والانكسار في التطبيق على الشعر العربي الحديث، لقد كانت المدينة على المستوى النظري مدينة العلم والتطور التقني، وإنها تناقض مجتمعي القرية والبادية، ولكنها على المستوى التطبيقي ـ حيث يستشهد بنصوص شعرية عربية ـ تصبح المدينة « ليست مدينة « ما بعد الصناعة الغربية » التي يتمرد فيها المبدعون على معايير التقدم والتطور والآلة »  وإنما « هي المدينة التي تتصارع فيها الكلمة والرقم، والتي تنقسم ما بين ماضيها وحاضرها، والتي تعرف نعمة الجامعة وبركة المسجد، وآلة المصنع وزنـزانة المعتقل »  .

          ويلاحظ الناقد العربي أن هناك فجوة واضحة بين التصورات التي يصدر عنها وطبيعة النص الشعري المبدع الذي يحلله ويفككه ويعيد صياغة تفكيكه، ولذلك فإن هذه التصورات تتميز بقدر من الانشطار فهي تميل مرة إلى  حلم الحداثة التي نراه متحققا في الغرب، وتخضع تصوراتها النظرية للحداثة لمعيارية هذا الحلم، ومرة تصف ما يبدعه الشاعر العربي وتحلل منجزاته، ثم تجاور بين المكونين، على الرغم من أنهما لا يتطابقان تماما، إن لم يكونا متعارضين.

          وإذا كان ما سلف يحدد للحداثة مكونات بنيتها الداخلية ومداها الجغرافي فإن الحداثة ليست معلقة في فراغ فهي قرينة التحديث، ويتحدد التحديث « بتغيير أدوات الإنتاج المادية في المجتمع وتثوير علاقاته » وتتحدد الحداثة في الفكر والإبداع بحيث يكونان « وجهين لعملة واحدة لا ينفصل طرفاها في علاقتهما الجدلية » ، ويحدد جابر عصفور هنا معيارا أو قانونا يحكم العلاقة بين المكونين : التحديث / الحداثة، ويتحدد هذا القانون بالترابط اللازم بين التغيير الكائن في أدوات الإنتاج والتغيرات الإبداعية في المعرفة والفنون، ويصل الأمر حدا أن تكون «لحظة الحداثة قرينة لحظة التحديث . قد لا تتطابق اللحظتان تماما . ولكن ما بينهما من علاقة متعددة الأبعاد تجعل من انبثاق إحدى اللحظتين علة، أو بشارة، أو علاقة على انبثاق الثانية ..... إن المجتمع في الخليج والجزيرة قد وصل إلى  مشارف هذه اللحظة، وإن عنف الاستجابة المضادة إلى  الحداثة، والنبرة الهجومية عليها، يرتبطان بالشعور بهذه اللحظة المزدوجة، والخوف من أن يصل التناقض بين طرفيها إلى  ما يهدد المجتمع »  .

          إن المعيار الذي تتطابق فيه الحداثة والتحديث يصدق فعلا على الحداثة الغربية، غير أن تطبيقه وتعميمه على الوطن العربي، وبخاصة في الخليج والجزيرة العربية ليس دقيقا تماما، لأن المجتمعات العربية الأكثر تقدما من مجتمعات الخليج والجزيرة لم يحدث فيها هذا التغيير الهائل في أدوات الإنتاج وعلاقاتها التقنية، بحيث يبعث على حضور مقابلها، أعني الحداثة، وإنما يتفاعل المجتمع العربي بطريقة استهلاكية مع بعض مظاهر التحديث، ومن ثم فإن الإبداع المعرفي والفني ـ وفقا لهذا المعيار ـالذي يقترن بهذه الطريقة الاستهلاكية سيكون حتما متوافقا مع الطبيعة الاستهلاكية من ناحية، ومختلفا كيفا عما يحدث في الغرب من ناحية ثانية .

          إن التحديث ـ في تصوري ـ له دلالتان : دلالة إنتاجية داخلية وعميقة، وهذا يحدث في الغرب، ودلالة استهلاكية خارجية وسطحية، في الوطن العربي بعامة، وفي الخليج والجزيرة بخاصة، وليس بالضرورة أن يستمتع كل غربي بثمار ما ينتجه هو من تقنية، ولكنه في الحقيقة، صانع لها، ومؤثر فيها، ومؤثرة فيه، ومن ثم تغير من رؤيته وسلوكه وأنماط أفعاله، وقد يتفيأ الإنسان العربي بالمظاهر الاستهلاكية للتقنية، ولكن علاقته بها سطحية وخارجية، ولذلك فإنها لا تغير تماما من سلوكه ورؤيته وأنماط أفعاله، بمعنى أن البنية التحتية العميقة لمنظومات الإنسان العربي ثابتة وباقية ولم تعرف تفاوتا وتغايرا عميقين .

      إن الإنسان الغربي يَخلق ويعيش في مناخ إنتاج الحاسوب والانترنيت والتقنية المتطورة، أما الإنسان العربي ـ وبخاصة في الخليج والجزيرة ـ فإنه لا يخلق هذه التقنيات المتطورة ولا يعيش مناخها، ولا يتفاعل معها، إلا بمقدار، على الرغم من استيراده لها، واستخدامه إياها كل يوم. ومن الطريف في هذا السياق الإشارة إلى  أن الدكتور صلاح فضل في أثناء حديثه عن مآزق الحداثة العربية يؤكد أن يرى « الحداثة الشعرية العربية سبقت حركة مجتمعاتها بآماد طويلة تفصلها عنها في بعض المناطق سنوات ضوئية كما حدث في الجزيرة العربية »

وفي ضوء هذا فإن لحظة الحداثة قرينة لحظة التحديث صحيحة في المجتمع الغربي أما في المجتمع العربي فإن المواطن العربي، والخليجي بخاصة، لا يعيش لحظة النتاج التحديث، ومن ثم فإن لحظة الحداثة لا تتولد منها بالضرورة، ولو كان هذا صحيحا فأين آثار ذلك على المستويات التالية :

-    إن الإنتاج المعرفي والفني، في مجمله، إنتاج تبريري استهلاكي، يعيد تقديس وانتاج ما تم إنتاجه، ويدور جله في حلقة مفرغة، يتحرك في ضوء القدم، ولا يشارف الآني، وما عدا استثناءات قليلة، فإن الإنتاج المعرفي الحداثي ضعيف التأثير في الحياة العربية .

-    تربع الأنظمة القمعية/ العسكرتارية ـ القبلية والطائفية والدكتاتورية ـ على الوطن العربي بأسره ،وهي أنظمة تتميز بمنظوماتها المتماثلة، وتهدف إلى  الحفاظ على وجودها، وتلبية رغبات الآخر.

-    قمع المثقفين والتنويريين بالترهيب الذي يصل حد الاعتقال والتعذيب والاختفاء والإعدام، وبالترغيب في وظائف إدارية يتحول فيها المثقف إلى  منتج يعيد إنتاج ثقافة السلطة ويبرر أفعالها.

-    اقتصاد استهلاكي مترف يتأسس لا على احتياجات تنموية اقتصادية / اجتماعية، وإنما على تبديد ثروات الشعوب في الترف والبذخ والتسليح .

مآزق الحداثة العربية

أولا : حداثة انفصام :

إن الإبداع الحداثي ليس وجودا معلقا في فراغ، وإنما هو لبنة في بناء أشمل يتشكل ويتفاعل مع أنظمة معرفية متشابكة، ونتاج سياقات تاريخية واجتماعية معينة، وهذا يصدق على الحداثة العربية في التراث وعلى الحداثة المعاصرة في الغرب .

وتتكئ الحداثة في التراث العربي على أصول نظرية ومعرفية وفنية، وتتفاعل مع واقع بالغ الحركة والتغير والصيرورة، فهي جزء من بناء حداثي أوسع إذ تتأسس «على الصراع بين النظام القائم على السلفية والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام » ، وتشتمل على تيارين ـ كما يحدد ذلك أدونيس : سياسي ـ فكري، وفني، ويتمثل الأول سياسيا في الحركات المناهضة للسلطة ـ الخوارج والزنج والقرامطة ـ وفكريا بالتصورات الاعتزالية والعقلانية الإلحادية والتصوف، ويهدف التيار السياسي /الفكري إلى  نظام يوحد بين الناس، حاكمين ومحكومين، ويساوي بينهم اقتصاديا وسياسيا، ولا يمايز بينهم في جنس أو لون  . أما التيار الفني فلقد ابطل القديم وتجاوزه، وتحول فيه الإبداع إلى  جهد إنساني يمارس فيه الإنسان « عملية خلق العالم».

إن هذين التيارين لهما وجود حقيقي في الواقع الاجتماعي، وتمثله معارضة حقيقية قوية في زمن سلطة قمعية، ولهذه المعارضة ثقافتها المضادة المعززة بالقوة أحيانا، بمعنى أن الحداثة العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين لها أساسها الفكري والسياسي، ولها قاعدة اجتماعية واسعة تؤمن وتدافع عنها إلى  حد استخدام القوة والعنف .

          أما الحداثة الغربية فإنها وليدة تطور لتحولات وتبدلات سريعة من التقدم الصناعي والفني، أي أن التحولات الكائنة في أنظمة الحياة والواقع تعود بشكل أو بآخر لأحداث تغير في طبيعة الأدب وأنظمته وبنائه اللغوي، وهذا يعني أن الحداثة في الغرب تعبر عن أوجه التحول السريع التي حدثت في الواقع وسياقاته التاريخية، فالحداثة، والحالة هذه، « ابنة التقنية، وهي حركة تاريخية شاملة وليست مدرسة أو مذهبا أدبيا، وهي فن مديني لازمت فن القرن العشرين » ، وتنعكس آثارها على الأدب، ولذلك اتسمت القصائد بنأيها عن الخطابية والثرثرة والعفوية والطبع، وتميزت ((بالاختزال والجسدية والشهوية والصناعة ».

وإذا كانت الحداثتان العربية في الماضي والغربية المعاصرة في الحاضر تعبران عن واقع اجتماعي معين، ويتفاعلان مع طبيعة السياقات التاريخية الخاصة فإن الحداثة العربية المعاصرة تعاني من أزمة انفصام حقيقي، ذلك أن الحداثيين العرب المعاصرين تعاملوا مع المنجزات الحداثية الغربية بوصفها لبنة مستقلة عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية، ومنفصلة عن منظوماتها المعرفية، ولقد فطن إلى  هذا أدونيس الذي أكد خطأ فهم العربي لحداثة الغرب، لأنه لم ينظر إليها في ضوء ارتباطها »العضوي بالحضارة الغربية بأسسها العقلانية «إن نظرة الحداثيين العرب قد اقتصرت على منجزات الإبداع الأدبي والفني »بوصفها أبنية وتوصيفات شكلية «دون وعي »الأسس النظرية والعقلانية الكامنة وراءها، ومن هنا غابت ... دلالتها العميقة في الكتابة والحياة على السواء » ، ولذلك فإن تأثر الحداثيين العرب سيقود حتما إلى  فهم شكلي، لا يعي من الحداثة إلى  جوانبها السطحية، أما البنية العميقة فلقد كانت غائبة أو مغيبة .

ثانيا : حداثة اغتراب :

وإذا كانت الحداثة العربية المعاصرة فهمت حداثة الآخر فهما سطحيا وشكليا، فإنها في الوقت نفسه مغتربة عن الواقع الاجتماعي العربي ومتعالية عليه، فلقد قدم الحداثيون العرب نصوصا تعكس واقعا مختلفا ومتغايرا، إذ كيف يتسنى وجود حداثة للشعر العربي ولا وجود لحداثة في العلم أو في المجتمع أو في الاقتصاد، ترى هل كان الأدب العربي الحديث يعبر حقا في إنجازاته الحداثية عن الفكر العربي والواقع العربي والمشكلات العربية، أم انه يعبر عن الآخر، إن الآخر ـ كما يقول أدونيس ـ « يقيم في عمق أعماقنا، فجميع ما نتداوله اليوم فكريا وحياتيا، يجيئنا من هذا الغرب، أما فيما يتصل بالناحية الحياتية فليس عندنا ما نحسن به حياتنا إلا ما نأخذه من الغرب، وكما أننا نعيش بوسائل ابتكرها الغرب، فإننا نفكر بـ » لغة « الغرب : نظريات، ومفهومات، ومناهج تفكير، ومذاهب أدبية ... الخ، ابتكرها هي أيضا، الغرب . الرأسمالية، الاشتراكية، الديموقراطية، الجمهورية، الليبرالية، الحرية، الماركسية، الشيوعية، القومية ...الخ / المنطق، الديالكتيك، العقلانية ... الخ / الواقعية، الرومانطيقية، الرمزية، السوريالية ».

وإذا كانت الحداثة الغربية تعكس « معارضة جدلية ثلاثية الأبعاد : معارضة للتراث، ومعارضة للثقافة البرجوازية ن بمبادئها العقلانية والنفعية، وتصورها لفكرة التقدم »  فإن الحداثة العربية المعاصرة لم تشهد هذا كله ،ويصر أنصارها على أن هناك تطورا وتغيرا في الشعر العربي يضارع شعر الحداثة الأوربية ويماثله، على الرغم من أن المجتمع العربي لم يشهد تحولات تماثل التحولات الكائنة في الغرب « فليس في المجتمع العربي حداثة علمية . وحداثة التغيرات الثورية الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، هامشية لم تلامس البنى العميقة، لكن مع ذلك، وتلك هي المفارقة، هناك حداثة شعرية عربية، وتبدو هذه المفارقة كبيرة حين نلاحظ أن الحداثة الشعرية في المجتمع العربي تكاد تضارع في بعض وجوهها الحداثة الشعرية الغربية، ومن الطريف في هذا الصدد أن حداثة العلم متقدمة على حداثة الشعر، بينما نرى، على العكس ،أن حداثة الشعر في المجتمع العربي متقدمة على الحداثة العلمية ـ الثورية »  .

     ولا تعاني الحداثة العربية المعاصرة من انفصامها عن الواقع فحسب، وإنما تعاني من عدم التحامها عضويا بالبناء المعرفي للثقافة العربية، فهي لا تنمو بعافية في الواقع ولا تنبع من ذوات قلقة، فالحداثي العربي تعيش ـ كما يقول ادونيس « بعقل الآخر وأدواته وتذوقه » ، لأن النظام المعرفي للثقافة العربية يحجم الحداثة ويحد من حريتها وتلقائيتها، إن الحداثة « حركة تقوم على قول ما لم يقل في هذا المجتمع على رؤية عوالم متحررة من جميع العوائق النظرية والعملية، في حرية تخيل كاملة، وحرية تعبير كاملة، ويتعذر ذلك دون تجاوز النظام المعرفي السائد » ، وهذا صعب إن لم يكن مستحيلا في ظل الواقع الراهن، ولذا فإن الحداثة السائدة تمثل تهجينا في واقع مغترب، فهي« حداثة مهربة » كما يقول أدونيس « لأننا عندما نتكلم عليها إنما نتكلم على الآخر، متوهمين أن الآخر هو الذات» .

          إن هذه التصورات تدفعنا إلى  القول إن نظام العلاقات الذي تم إرساؤه في الماضي هو نفسه نظام العلاقات الذي نتفاعل معه، ولا يزال يؤثر في ذهنيتنا وأنماط أفعالنا، وهذا يعني خلو حاضرنا من خصوصية حقيقية تميزه، فنحن إزاء خيارين، إما ارتماء في نظام علاقات الماضي، أو تمرد كلي عليه، دون بديل ينبع من خصوصيتنا، بمعنى ارتماء في   نظام علاقات الآخر الغربي.

          وفي ضوء هذا فإن الحداثة العربية تبدو متأثرة إلى  حد كبير بإنجازات الحداثة الغربية، الأمر الذي يبعث على القول إن هناك تبعية إبداعية تتزامن مع التبعية العامة التي تعيشها الأمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا، لدرجة دفعت باحثا إلى  القول إن الحداثة العربية« كالصدى لأصوات بعيدة سواء كانت العلاقة بين الصدى ومصدره مباشرة أو غير مباشرة »  أو هي ليست« سوى صورة كاريكاتيرية من حداثة الغرب » ، كما يؤكد ذلك فاضل العزاوي، ومن الغريب أن أحد الباحثين يعد هذا صحيحا، ويرى أن «استيراد الحداثة في الحياة والأدب أمر مشروع، وهو شبيه باستيراد وسائل الصناعة ووسائل الدفاع والمدارس الأدبية »!! .

ثالثا : حداثة صفوة :

     إن الحداثة العربية تعاني من أزمة انفصام حقيقي مع الآخر من ناحية، ومع السياقات التاريخية من ناحية ثانية، وهي في الوقت نفسه حداثة مجموعة من المثقفين، أو الانتلنجسيا بالمفهوم الغربي، يتحاورون ويتناقشون بعيدا عن الشارع العربي، بمعنى أنهم لا يعبرون عنه ولا يؤثرون فيه، ويرى محمد عابد الجابري أن هذه الصفوة « فئة قليلة جدا، وغير مؤثرة التأثير الكافي في واقعنا الثقافي . إن الكتاب الذي يصدر بيننا ويؤلفه واحد منا نتداوله فيما بيننا نحن فقط، ولا يوزع منه إلا حوالي ستة آلاف نسخة فقط في شعب يزيد على مائة وخمسون مليونا »  .

          إن الذين يؤثرون في الواقع الاجتماعي أولئك السلفيون الذين يصوغون الحاضر في ضوء نمطية الماضي ومثاليته وثبات آلياته وأفكاره، وهذا يعني أنهم يعيدون إنتاج الماضي في الحاضر، واجترار لكل أشكاله المألوفة / ومن ثم لا يمثل ما يقدمونه إضافة معرفي جديدة ،وإنما إنتاج ما تم إنتاجه، شرحا، أو تلخيصا، إن لم يكن تشويها . إن المثال الذي يسعى إليه هؤلاء لا يتحقق وجوده في الحاضر والمستقبل بفعل الجهد الإنساني، وإنما هو قار في الماضي، ومن ثم فإن التقدم عند هؤلاء ليس في « السير نحو المستقبل وإنما هو في العودة إلى  الماضي . مثلها الأعلى نظريا هو الإيمان المطلق بكمال الماضي، وهو عمليا الخضوع للمؤسسات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية التي تمثله»

إن هناك تطابقا في الرؤية والسلوك بين جماهير الأمة والمؤثرين فيها من أصحاب النـزعات الماضوية والسلفية، وهذا يعني أن التغير الذي نراه على هذه الجماهير إنما هو تغير شكلي وسطحي، ولأن جمهورنا ـ كما يقول أدونيس ـ « لم يبدأ حتى الآن ثورته العقلية »  إذن ليس المعول عليه ارتداء البدلة الإفرنجية وركوب السيارة والطائرة، ولا حتى استخدام الحاسوب والانترنيت ـ وإنما المعول عليه هو الفعل الذي تؤديه هذه الجماهير حقا، فهل تجد الجماهير ـ في زمن الإحباط ـ وجودها الذهني والمعرفي في تلك النمطية الثابتة في الماضي، أو أنها تتبنى مفاهيم الحداثيين، الفئة القليلة، التي تتحاور وتتناقش في معضلات ومشكلات لا تفهمها هذه الجماهير، ولا تعيرها اهتماما، تلك إذن هي المعضلة.

تساؤلات أخيرة

بقيت بعض التساؤلات تثار حول الشعر العرب الحديث بوصفه معبرا عن الحداثة العربية المعاصرة :

لماذا بقيت قصائد الحداثيين غارقة في الغنائية، وإذا كانت الغنائية تعبير مفرط عن الذات، وتلك سمة شائعة في أدبنا الحديث، فهل الحداثة تكريس وتأكيد لهذه الغنائية، أم تجاوز لها ؟ إن هذا تعميق لدور الشفاهية ودورها في الإبداع، على الرغم من أن منظري الحداثة يؤكدون ضرورة نفيها وتجاوزها .

لماذا ظل الوعي بالعالم والمجتمع والإنسان لدى أغلب شعراء الحداثة على ما هو عليه، ما عدا اختلافات بسيطة، إذ لا يزال الحداثيون يعيدون إنتاج القيم القديمة ذاتها، ولا يتجاوزون التغيرات الشكلية، فهم محافظون على « حدود قيم الريف الذي خرجوا منه والقبيلة التي ينتمون إليها .ولا يهم هنا إذا ما تغيرت الأسماء فقد يتخذ الريف شكل المدينة، وقد تستبدل القبيلة بالدولة أو الحزب، أو أي شيء آخر، المهم هو أن الموقف هو الموقف القديم ذاته والعواطف هي العواطف المبتذلة ذاتها »

لماذا يرتبط أغلب شعراء الحداثة العربية بالسلطات القمعية، يدافعون عنها، ويعيدون إنتاج ثقافتها، فلقد شهدت مرحلة ما بعد 67 وأغلب أدباؤها حداثيون « أدباء يؤثرون العبودية الوديعة يخدمون السلطة وينالون مقابل هذه الخدمة الامتيازات والمكافآت . وهؤلاء يخضعون في نتاجهم لمباديء لا يحددها الفن، وإنما تحددها السلطة، وهي مبادئ خاضعة للتغير تبعا لتغير السلطة » ، ولذلك ليس غريبا « ان نرى شعراء وكتابا عربا، ترتبط أسماؤهم بالحداثة العربية يمجدون الدكتاتوريات وأنظمة القمع والحروب باسم الغيرة الوطنية والقومية، أو يقفون مع الجلادين مشاركينهم الفتك بشعوب بأكملها، أو يسكبون عواطفهم الساذجة المبتذلة الهشة على الورق وبكائياتهم وصيغهم الجاهزة عن كل شيء من تمجيد القوة العسكرية وحتى البكاء على الذات».

وأخيرا :هل يمكنني القول :

     إن ما نعيشه اليوم يمثل إرهاصات الحداثة .... و ان الحداثة العربية لما تأت بعد .

 

المصادر

 

إبراهيم عبد القادر المازني :

-    بشار بن برد ، عيسى البابي الحلبي ، القاهرة ، 1944 .

-    الديوان ، دار الشعب ، القاهرة ، د . ت . بالاشتراك مع عباس محمود العقاد .

-    الشعر غاياته ووسائطه ، مطبعة البوسفور ، القاهرة ، 1915.

إبراهيم عبد الرحمن :

-    الأدب المقارن ، مكتبة الشباب ، القاهرة ، 1976 .

إحسان عباس :

-    تاريخ النقد الأدبي عند العرب ، دار الثقافة ، بيروت ، 1981 .

أحمد شوقي :

-    ديوان أحمد شوقي ، دار نهضة مصر ، القاهرة ، د . ت .

أحمد عبد المعطي حجازي:

 ندوة العدد « الحداثة في الشعر »، مجلة فصول العدد : 1 / 1982.

أحمد الهواري :

-    نقد الرواية في الأدب العربي الحديث في مصر ، دار المعارف ، مصر ، 1983

أدونيس 

فاتحة لنهايات القرن، دار العودة ،بيروت، 1993

زمن الشعر، دار العودة، بيروت، 1983

النص القرآني وآفاق الكتابة، دار الآداب، بيروت، 1993.

.

  آرسطو :

-    فن الشعر ، مع الترجمة العربية القديمة ، وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد ، ترجمة وتحقيق  عبد الرحمن بدوي ، دار الثقافة ، بيروت ، 1973 .

 أفلاطون :

-    محاورة )) أيون (( ترجمة صقرخفاجة ، ومراجعة سهير القلماوي ،مكتبة النهضة  ، القاهرة ، 1956

الفت كمال الروبي :

-      نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين ، دار التنوير ، بيروت ، 1983 .

بيتر بروكر:

 الحداثة وما بعد الحداثة ،ترجمة عبد الوهاب علوب، ومراجعة جابر عصفور، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 1995.

بيرمان، حداثة التخلف، ترجمة فاضل جكتر ،دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق، 1993

 

 جابر عصفور :

-    الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، دار المعارف ،القاهرة ، 1980 .

-    المرايا المتجاورة ، دراسة في نقد طه حسين ، الهيئة المصرية العامة لكتاب ، القاهرة ،1983

نظريات معاصرة، دار المدى، بيروت، 1998.

هوامش على دفتر التنوير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ،بيروت، 1994.

 

جبر ضومط :

-    فلسفةالبلاغة ، المطبعة العثمانية ، بعبدا ، 1898 .

جبرا إبراهيم جبر:

 ندوة العدد « الحداثة في الشعر »، مجلة فصول العدد : 1 / 1982

 

 الجرجاني ( علي بن عبد العزيز ) :

-    الوساطة بين المتنبي وخصومه ، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ، وعلي محمد البجاوي ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1966.

ابن جني ( ابو الفتح ) :

-    الخصائص ، تحقيق محمد علي النجار ، دار الكتب المصرية، القاهرة ، 1952 ـ 1956 .

 جلال فاروق الشريف :

-    الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر في سوريا ، اتحاد الكتاب العرب في سوريا ، دمشق ، 1980 .

حسين المرصفي :

-    الوسيلة الأدبية إلى  العلوم العربية ، مطبعة المدارس الملكية ، مصر ، 1292 هـ .

حمادي صمود:

 ندوة العدد، ( الحداثة في الشعر )) مجلة فصول، العدد : 1 / 1982

خالدة سعيد:

 الملامح الفكرية للحداثة ،مجلة فصول ،ع 3 / 1984 .

خليل موسى :

الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر، مطبعة الجمهورية، دمشق، 1991

  ابن خلدون :

-    تاريخ ابن خلدون ، مؤسسة جما ل، بيروت ، د . ت .

 داود سلوم :

-    اثر الفكر الغربي في الشاعر جميل صدقي الزهاني ، دراسة ونصوص ، معهد البحوث والدراسات العربية ، بغداد ، 1984 .

ديتشس ( ديفد  ):

-    مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق ، ترجمة : محمد يوسف نجم ، مراجعة : إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت ، 1967 .

الرازي ( أحمد بن حمدان ) :

-    الزينة في الكلمات الإسلامية العربية ، تحقيق حسين بن فيض الله الهمداني ، دار الكتاب العربي بمصر ، 1957 م .

 ابن رشيق القيرواني :

-    العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، دار الجيل ، بيروت ، 1972 م .

 رفائيل بطي :

-    سحر الشعر ، المطبة الرحمانية ، مصر ، 1922 .

 روحي الخالدي :

-    تاريخ علم الأدب عند الافرنج والعرب وفكتور هوكو ، مطبعة الهلال ، الفجالة ، مصر ، 1912 .

 

 ريتشاردز  آ . آ:

-    العلم والشعر ، ترجمة :مصطفى بدوي ، مراجمة : سهير القلماوي ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، د. ت.

-    مباديء النقد الأدبي ، ترجمة : مصطفى بدوي ، مراجعة : لويس عوض ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر ، القاهرة ، 1963

سلمى الخضراء الجيوسي:

 ندوة العدد « الحداثة في الشعر » مجلة فصول العدد : 1 / 1982.

شكري عياد:

 ندوة العدد « الحداثة في الشعر »، مجلة فصول العدد : 1 / 1982

صالح جواد الطعمة"

 الشاعر العربي المعاصر ومفهومه النظري للحداثة، مجلة فصول، العدد : 4 1984

صلاح عبد الصبور :

-    أحلام الفارس القديم ، دار الشروق ، بيروت ، 1986 .

صلاح فضل:

 نبرات الخطاب الشعري، دار قباء، القاهرة، 1998 .

 ابن طباطبا العلوي : 

-    عيار الشعر ، تحقيق ،محمد زغلول سلام، منشاة المعارف ، الاسكندرية ، مصر ، 1984 .

  عاطف جودة نصر :

 الخيال مفهوماته ووظائفه  ، الهيئة المصرية للكتاب ، القاهرة ، 1984 .

 

عباس توفيق :

-    نقد الشعر العربي الحديث في العراق ، دار الرسالة ،بغداد ،1978

 

عباس محمود العقاد :

-    الديوان، دار الشعب ، القاهرة ، د . ت . بالاشتراك مع ابراهيم عبد القادر المازني .

-    مراجعات في الآداب والفنون ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1966 .

-    ساعات بين الكتب والناس ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1969 .

 عبد القاهر الجرجاني : 

-      اسرار البلاغة ، صحححه السيد محمد رشيد رضا ، دار المعرفة ، بيروت ، 1981 .

-    دلائل الإعجاز ، تحقيق : محمد رضوان الداية ، وفايز الداية ، مكتبة دمشق ، 1984 .

عز الدين إسماعيل:

 الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة،د.ت .

علي عباس علوان :

-    تطور الشعر العربي الحديث في العراق ، وزارةالاعلام العراقية ، بغداد ، 1975 .

 عمر الدسوقي :

-    في الأدب الحديث ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، د .ت .

فاضل العزاوي :

بعيدا داخل الغابة ،البيان النقدي للحداثة العربية ، دار المدى للثقافة والنشر ،دمشق ، 1994 .

 

ابن قتيبة )) عبد الله بن مسلم ((  :

-    الشعر والشعراء ، تحقيق محمد أحمد شاكر ، دار المعارف ، مصر ، 1982 م  .

 قدامة بن جعفر :

-    نقد الشعر، دار الكتب العلمية ، بيروت ، د . ت

قسطاكي الحمصي :

-    منهل الوراد في علم الانتقاد ، مطبعة الاخبار ، الفجالة ، مصر ، 1907.

 .

  كريم الوائلي :

-    الخطاب النقدي عند المعتزلة ، مصر العربية للنشر ، القاهرة ، 1997 .

-    المواقف النقدية بين الذات والموضوع ، دار العربي ،مصر ، 1986

 

كمال أبو ديب:

 ندوة العدد « الحداثة في الشعر »، مجلة فصول العدد : 1 / 1982

لويس عوض :

-    دراسات في النقد والأدب ، منشورات المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر ، بيروت ، 1963

مارشال بيرمان:

 حداثة التخلف، ترجمة فاضل جكتر ،دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق، 1993.

مالكوم برادبري:

 الحداثة، ترجمة مؤيد فوزي حسين ،مركز الإنماء الحضاري، حلب ،1995 .

 

 مجدي وهبة وكامل الممهندس :

-    معجم المصطلحات العربية ، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1984

محمد برادة:

 اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة، م فصول ،ع 3 1984.

محمدبنيس:

 ندوة العدد « الحداثة في الشعر » مجلة فصول العدد : 1 / 1982

محمد عابد الجابري:

 التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة ،بيروت ،1991.

 

     محمد غنيمي هلال :

-    النقد الأدبي الحديث ، دار العودة ، بيروت ، 1984 .

محمد مسعود جبران :

-    أحمد الفقيه حسن « الجد » وما تبقى من آثاره ، مطابع الثورة العربية ، ليبيا ، 1988 .

محمد مندور :

-    النقد والنقاد المعاصرون ، دار القلم، بيروت ، د . ت .

محمود سامي البارودي :

-    ديوان البارودي ، تحقيق : علي الجارم ومحمد شفيق معروف ، المطبعة الأميرية ، القاهرة ، 1953

 محمود الربيعي : 

-    في نقد الشعر  ، دار المعارف ، مصر

ابن منظور:

 لسان العرب، دار صادر ،بيروت، د. ت.

نبيل سلطان:

 فتنة السرد والنقد، دار الحوار، اللاذقية، 1994 .

 

 .

.

 نجيب افندي حداد :

-         مقابلة بين الشعر العربي والشعر الافرنجي ، اعيد نشر المقال في مجلة فصول ، العدد الثاني ، 1984 .

 

 

Abrams , M.H, A Glossary Of Literary Terms , Holt Rinehart,1985

Fowler , roger ,modern critical terms , routiodge & kegan paul      london, 1987

 

 

 SEMAH , DAVID ;

-    FOUR EGYPTIAN LITERAY CRITICS , LEIDEN ,E.J BRILL,1974 .