التشكيلان الإيقاعي والمكاني

في القصيدة العربية الحديثة

 

 

أ. د. كريم الوائلي

 

 

 

 

تقديم

على الرغم من اقتباس مصطلح  " التشكيل " من الفنون المكانية / البصرية كالعمارة والرسم والنحت فإنه يبدو لي معبرا بشكل أدق عن طبيعة النصوص الإبداعية ، لأن عملية التشكيل تعني أن وعي المبدع وإرادته يتدخلان بطريقة فاعلة وخلاقة في الإبداع ، تجاوزا لما يظن انه مجرد عشوائية لرصف الكلمات أو انه انعكاس لواقع مادي .

ويشتمل هذا الكتاب على مبحثين : يعنى الأول بالتشكيل الإيقاعي للقصيدة العربية الحديثة ، وقد شغلتني فيه كثيرا الجوانب النظرية التي تعرض لها نقاد  ومبدعون أسهموا في ريادة الشعر الحديث ، وبخاصة الشاعرة العراقية نازك الملائكة ، التي لاقت إهمالا من الدرس النقدي في أحايين كثيرة ، وهجوما عنيفا على الكثير من تصوراتها وأفكارها . ويعنى المبحث الثاني بالتشكيل المكاني للقصيدة العربية الحديثة ، وهو يحاول الكشف عن دور الفضاء الذي يشغله النص ومدى تأثيره في وعي المتلقي ومخيلته ، وامكاناته في توصيل دلالات مصاحبة ومرافقة عجزت عنها اللغة والإنشاد في توصيلها إليه ، وكانت التطبيقات على نصوص شعرية عراقية وعربية بمقدار ما رأيت تلك النصوص معبرة عن هذا الفضاء .

أتمنى أن أكون قد قدمت للقارئ ما يساعده على تأمل القصيدة العربية الحديثة ،ويكشف عن تجلياتها المختلفة تنظيرا وتطبيقا .

 

أ‌.        د. كريم الوائلي 

 

 

 

 

 

 

 

 

التشكيل الإيقاعي

في القصيدة العربية الحديثة

 

 

 

 

1

 

           تمثل الحركة والتنظيم الأساس الذي يتولد منه الإيقاع، وإذا كانت الضربة والسكون يمثلان جانبا مهما من الإيقاع في الموسيقى، فإن مادة الإيقاع في الشعر تتحدد بطبيعة الوحدة الصوتية «الحرف والحركة »، إذ تشتمل الوحدات الصوتية على إمكانات إيقاعية كامنة يتم تفجيرها في سياق إيقاعي يشتمل على عنصري الحركة والتنظيم معا، بمعنى أن الشعر» يستمد موسيقاه من مادة صياغته وهي اللغة « ولا يعني هذا أنَّ الإيقاع » لا يتألف من الحركة مطلقة بلا قيد ولا شرط ... الإيقاع يمتاز ... بالنظام «  ويخضع هذا النظام لتردد الوحدات الصوتية » على مسافات زمنية متساوية أو متقابلة داخل الوحدة الموسيقية، وقد تكون هذه الظاهرة صمتا خفيفا أو سكونا أو حركة معينة «.

          إن الحركة والنظام قد يتوافران في مكونات لغوية عديدة، غير أن هذه المكونات لا تقدم إيقاعا فنيا لخلوها من قيمة التناسب، » والتناسب هو أن تتفق العناصر في الوزن فتكون بالنسب اللازمة لا تزيد عليها ولا تنقص وفي النظام يحسن التآلف وكمال الانسجام، فالتناسب هو اعتدال النسب وتكافؤها به يكسب الإيقاع ثوب الروعة والجمال ويرتقي الفن إلى أسمى درجات الكمال «  ويؤكد محمد العياشي أن الغاية من هذا كله تحقيق ثمرتين هما القيمة الجمالية والقيمة التعبيرية، أي أن  جمال الإيقاع مستفاد من تناسب العناصر في وزنها وحركتها وشكل نظامها « فضلا عن قدرة الإيقاع على التعبير والتصوير والتأثير .

          ولا بد من التمييز بين نمطين من الإيقاع : إيقاع بسيط يتميز بالرتابة والتكرار ،ويتجلى ذلك في نبض القلب ودقات الساعة، ونمط مركب بالغ التعقيد يتجلى في الشعر، ويحدد علي يونس فوارق بين النمطين على النحو التالي :

   أ ـ العلاقة بين العناصر في النوع الأول ظاهرة بسيطة يسهل قياسها، أما ني النوع الثاني فهي أخفى وأكثر تركيبا .

   ب ـ والعلاقات في النوع الأول توشك أن تكون حسية خالصة، ولهذا لا يتفاوت الناس في إدراكها وإن تفاوتوا في الثقافة أو العمر أو غير ذلك، بل أن من صور هذا الإيقاع ما يدركه بعض الحيوان وينفعل له .

          أما العلاقات في النوع الثاني فهي عقلية حسية، ولا تكفي الحواس لإدراكها، بل تحتاج كذلك إلي الفكر، ولذلك يتفاوت الناس في فهمها وتذوقها وتقديرها ولا بد أن تتوافر في متلقيها درجة من النضج والعقلي والثقافي .

   ج ـ والعلاقات بين العناصر في النوع الأول تنتظم انتظاما تاما أو شبه تام، أما في النوع الثاني فتجمع بوضوح بين النسق والخروج على النسق .

 

2

 

          ان الشعر لا يغير الوحدات الصوتية للغة، أو الألفاظ التي تتركب منها، ولا يغير من التراكيب، ولكن الشعر ينظم هذه كلها بطريقة خاصة مختلفة، لدرجة يصدق معها القول إن الشعر يمثل ظاهرة » ذات بنية أشد تعقيدا « ، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك تمايزا واضحا ـ والوضوح هنا لا يعني أهميته أو تبنيه ـ بين الشعر والنثر يتجلى بداهة في كيفية أدائيهما، وكيفية رسمهما، إذ اعتاد العرب قديما وحديثا تأدية النثر بكيفية تختلف عن الشعر، ولذا نقول : قرأ مقالة، أو رسالة، أو رواية، وانشد قصيدة، ولذلك فإن » الإنشاد عند الأداء إبراز الإيقاع «  .

          ان كتابة الشعر تختلف وتتباين عن كتابة النثر، إذ بمجرد رؤية فضاء النص نستدل على ان هذا شعر أو نثر، غير أن تحديدا علميا يميز الشعر عن النثر هو التمايز الإيقاعي، أي انه يغلب عليه الانتظام » وهو النظام الذي يحكم عدد المقاطع وأنواعها ) من حيث هي قصيرة أو طويلة أو زائدة الطول ( وترتيبها «  .

          وفي ضوء هذا فإن الشعر ليس قسيما أو مقابلا للنثر كما انه ليس خرقا أو انتهاكا له ـ بل هو خرق للكلام العادي ـ انه تشكيل جديد يمثل خلقا ليس بالقياس الى شيء موجود مسبقا، وإنما له استقلاله الذي يتجاور معه، ويختلف عنه في آن، أن النثر هو الآخر خرق وانتهاك متعمد للكلام العادي .

 

3

 

          أقام الخليل بن أحمد الفراهيدي نظريته في الإيقاع على أساس المتحرك والساكن، وقام باستقراء ناقص للشعر العربي، أسس في ضوئه القواعد المعيارية للعروض العربي، وهي النظرية الإيقاعية المهيمنة، ومن الجدير بالذكر ان هناك نصوصا شعرية عديدة خارجه على هذه النظرية، منها جاهلية : لعبيد بن الأبرص وامريء القيس والنابغة .

          إن نظرية الإيقاع الخليلية تحكمها فرضيات ذهنية سابقة تصنف الموضوعات وتحددها، وهي جزء من نظرة شمولية تستشري في مجمل النشاط اللغوي والموسيقي، ولقد أسهمت الأسس المنطقية في تدعيم هذه الفرضيات وتأكيد أهميتها وجدواها، وتتحدد الأصول المنطقية في ضوء القياس القائم على : اصل، وفرع، وعله، وحكم، ولذلك لاحظنا اللغويين يحددون أصولا تمثل أساسا ويقيسون عليها الفروع، ويمثل الأصل الأساس وتتولد عنه الفروع . ويصدق هذا على نظرية الخليل العروضية التي أقامت فرضيات مسبقة تتحدد في الدوائر العروضية التي تشتمل الواحدة منها على بحور مستعملة وأخرى مهملة، وان بعض هذه البحور المستعملة لها أساس نظري ليس له وجود في واقع الشعر، ولذلك برر العروضيون مثلا ان هذا البحر لم يرد تاما في الشعر على الرغم من انه في دائرته العروضية ـ وهي فرضية مسبقة ـ ورد تاما . ان العروضيين » افترضوا ... أوزانا » مثالية « لا وجود لها في الواقع الشعري، وافترضوا ان بعض الأوزان الحقيقية صور مشتقة من هذه الأوزان المثالية . ويتضح ذلك إذا قارنا بين صورة » المديد « في الدائرة، وصورته في الشعر وكذلك الوافر والهزج والرمل والسريع والمنسرح والمجتث«.

          ان الدرس العروضي بقي معياريا ومتخلفا عن تتبع حركة التطور الإيقاعي في العصور المختلفة لان » العروضيين القدماء أقاموا بناء فكريا بعيدا عن الزمان والمكان، فلا هو يمثل أوزان العرب القدماء، التي زادوا ونقصوا فيها، ولا هو يمثل أوزان المحدثين التي أنكروها واهملوها «.

          ولقد واجهت قواعد الخليل العروضية نقدا يتفاوت في حدته، ويبدو ان ادونيس اكثر هذه الأصوات قساوة إذ يرى أن الإيقاع الخليلي يقدم » لذة للأذن اكثر مما يقدم خدمة للفكر «  وان قواعده » الزامات كيفية تقتل دفقة الخلق أو تعيقها أو تقسرها، فهي تجبر الشاعر أحيانا ان يضحي بأعمق حدوسه الشعرية في سبيل مواصفات وزنية كعدد التفعيلات والقافية «  .ان نظرية الإيقاع الخليلية تصل درجة القداسة لدى عدد من الدارسين وان مناقشتها أو هدمها لا يقل في خطورته عن هدم مقدس، ويبدو لي ان هذا هو الذي دفع أدونيس الى القول بان » الرؤية الخليلية لفن الشعر ترجمه دقيقة للرؤية الدينية . كانت بينهما مطابقة شبه كاملة : أخضعت القواعد والأشكال لمبدأ مطلق وثابت تماما «

 

4

 

          يحاول بعض الدارسين من القدامى والمحدثين ان يسم كل بحر من البحور الشعرية بسمات معينة تحدد ماهيته وطبيعته ومن ثم يكون ملائما لغرض دون آخر، وتتجلى ملامح ذلك عنده حازم القرطاجني من القدامى مثلا  وعند المحدثين مثل: البستاني، وعبد الحميد الراضي، والعياشي، وأتوقف لمجرد الإشارة عند عبد الله الطيب المجذوب الذي قسم الأوزان الشعرية الى البحور الصعبة : كالمديد، والبحور المضطربة :كالسريع، والبحور القصار : كالمجتث والمضارع، والبحور الشهوانية : كالمقتضب . ويصف البحور القصار مثلا بأنها » لا يصلح فيها النظم إلا لمجرد الدندنة والترويح عن النفس بجرس الألفاظ« ، ويقول عن البحور الشهوانية إن » نغماتها لا تكاد تصلح الا للكلام الذي قصد منه قبل كل شيء ان يتغنى به في مجالس السكر والرقص المتهتك المخنث « ولم يقتصر المجذوب على هذا الوصف المعياري الثابت للأوزان الشعرية بعامة ولكنه وصف البحور الشعرية بأحكام انطباعية محولا إياها الى معايير ثابتة، فهو يقول عن المديد بان فيه» صلابة ووحشية وعنف، تناسب هذا النوع من الشعر . ولا يستبعد أن تكون تفعيلاته قد اقتبست في الأصل من قرع الطبول التي كانت تدق في الحرب «  ويقول عن الخبب بأنه » بحر دنيء للغاية وكله جلبة وضجيج «  ويقول عن الرمل إن فيه » رقه وعذوبة مع ما فيه من الأسى «  ويقول » ومع التكسر والرقص والتثني تجد في المنسرح لونا جنسيا يشبه لون المتقارب المجزوء« .

          ان محاولة الربط بين البحور الشعرية ومعانيها وأغراضها الشعرية أمر تبطله النصوص نفسها، لان مواقف الشعراء وتجاربهم الشعورية وحالتهم الانفعالية تتفاوت وتختلف على الرغم من استخدامهم الأوزان الشعرية نفسها، ولذلك فإن الوزن الشعري يمثل إيقاعا عاما يلونه الشاعر بتجربته الشعورية، ويخضعه لانفعاله فيتلون بخصوصيته، ولذلك فليس هناك وزن شعري جنسي مثلا واخر دنيء أو صلب .

 

 5

 

          تصدر نازك الملائكة في تصوراتها عن التجديد في الشعر العربي الى أمرين : أحدهما : معرفتها بالعروض العربي، وثانيهما : قراءتها للشعر الإنجليزي، غير أن المعرفة والقراءة هاتين لم تخرجا على الأصول العربية، لأن شعر التفعيلة على الرغم من اختلافه عن شعر الشطرين فإنهما يتماثلان في مزايا وعيوب، وإنهما جميعا لا يخرجان عن أصول عروضية معروفة، ولذلك أكدت نازك الملائكة » أن شعرنا الجديد مستمد من عروض الخليل بن أحمد قائم على أساسه « ، غاية ما في الأمر أن حركة شعر التفعيلة استعانت ببعض تفاصيل العروض القديم على » إحداث تجديد يساعد الشاعر المعاصر على حرية التعبير وإطالة العبارة وتقصيرها بحسب مقتضى الحال «. إن نازك الملائكة لا تنبذ شعر الشطرين ولا تهدف الى القضاء على أوزان الخليل وإنما ترمي الى » أن تبدع أسلوبا جديدا توقفه الى جوار الأسلوب القديم وتستعين به على بعض موضوعات العصر المعقدة «

          وتمايز نازك الملائكة بين نظام الشطرين ونظام التفعيلة، لأن نظام الشطرين يلزم الشاعر بنظامي الصدر والعجز، وان الشاعر لا بد أن يقف في البحور الستة عشر » عند نهاية الشطر الثاني وقفة صارمة لا مهرب منها فتنتهي الألفاظ وينتهي المعنى « ، إن نظام الشطرين عند نازك الملائكة يفرض قيودا هندسية صارمة على الشاعر لأن » الأشطر المتساوية والوحدات المعزولة لا بد أن تفرض، على المادة المصبوبة، شكلا مماثلا يملك عين الانضغاط وتساوي المسافات . أو لنقل أن هندسة الشكل، لا بد أن تفرض هندسة مقابلة في الفكر الذي يستوعبه هذا الشكل «  أما نظام التفعيلة فإنه يتمرد على نظام الشطرين هذا أولا، ويعتمد التفعيلة ثانيا، ويتعمد ثالثا » تحطيم استقلال الشطر تحطيما كاملا « ، وهذا لا يعني أنه ليس هناك من وقفات صارمة يفرضها الإيقاع والمعنى في نهاية كل شطر ،لأن شعر التفعيلة لا يلزم الشاعر » أن ينهي المعنى والإعراب عند آخر الشطر ،وإنما يجعل من حقه أن يمدهما الى الشطر الثاني أو ما بعده «  .

          وفي ضوء هذا يبدو تمرد نازك الملائكة على نظام الشطرين استجابة لعنصرين، أحدهما : يتجاوب فيه شعر التفعيلة مع الفكر المعاصر الذي » يكره النسب المتساوية ويضيق بفكرة النموذج ضيقا شديدا «  ولذلك فشعر التفعيلة هو الآخر يتمرد على هذه السيمترية الصارمة فيخرج على الرتابة » وعلى فكرة النموذج المتسق اتساقا « ، اما ثاني العنصرين فإنه يتصل بالمعنى وعلاقته بنظامي الشطرين والتفعيلة على السواء، فإن نظام الشطرين يتحكم في طول العبارة وفي المعنى الذي يحددها، ولذلك يخضع المعنى لهندسة نظام الشطرين، بمعنى أن الأشطر المتساوية في نظام الشطرين تفرض عبارات متساوية ، وهذا ما يتجاوزه شعر التفعيلة الذي تهدف نازك الملائكة من ورائه الى أن يكون السطر الشعري خاضعا للمعنى، فيتوقف الشاعر » حيث يشاء المعنى والتعبير «  .

          إن المعنى وطول العبارة وقصرها خاضعة في نظام الشطرين لطبيعة الوزن وأطوال أشطره، بمعنى أن الخارجي ـ نظام الشطرين ـ يتحكم في الداخلي ـ المعنى ـ، ولكن طبيعة الوزن وأطوال الأشطر خاضعة للمعنى في شعر التفعيلة، أي أن الداخلي ـ المعنى ـ يتحكم في تحديد الخارجي، ومن ثم تكون أشطر شعر التفعيلة غير متساوية، ولا يستطيع أحد أن يحدد أبعادها .

          وفي ضوء هذا تخلص نازك الملائكة الى القول إن نظام الشطرين » متسلط، يريد ان يضحي الشاعر بالتعبير من أجل شكل معين من الوزن، والقافية الموحدة مستبدة لأنها تفرض على الفكر أن يبدد نفسه في البحث عن عبارات تنسجم مع قافية معينة ينبغي استعمالها، ومن ثم فإن الأسلوب القديم عروضي الاتجاه، يفضل سلامة الشكل على صدق التعبير وكفاءة الانفعال، ويتمسك بالقافية الموحدة ولو على حساب الصور والمعاني التي تملأ نفس الشاعر ((، وتتكرر الأفكار ذاتها لدى رائد من رواد الشعر الحر ـ بلند الحيدري ـ الذي يرى أن القصيدة التقليدية « تنمو طابقيا، هذا طابق فوقه طابق .. الخ ولكل طابق حياته الخاصة، والتي تكاد القافية والروي أن تكون المزلاج الذي يغلق الباب على المعنى الا في القصائد ذات الأشكال القصصية، وهي قصائد موضوعية نجدها عند امريء القيس وأبي نواس بكثرة، وعند الجواهري وخاصة عند أبي ريشة في الفترة الأخيرة((

          ويرفض محمد النويهي إيقاع الشطرين لأنه إيقاع حاد » يزيد من رتوبه وإملاله تنظيمه في البحر التقليدي تنظيما هندسيا مسرفا في السيمترية، إذ بعد انقسام القصيدة الى أبيات متساوية تماما ينقسم البيت الى شطرين متساويين متناظرين وينتهي كل بيت بنفس القافية والروي من مطلع القصيدة الى نهايتها « ، ويقرن النويهي الإيقاع بما يحدث في العالم الداخلي » فليس الشعر بأوزانه المختلفة وأنظمة إيقاعه المتعددة سوى محاكاة لهذا الاهتزاز الجسمي والتموج الصوتي اللذين يأخذاننا ونحن نعاني الانفعالات القوية ((.ويقول النويهي » أما الشكل الجديد فلا يلتزم فيه الشاعر بأي عدد من التفاعيل، بل يزيد منها وينقص بحسب ما تحتاج إليه كل فقرة من معناه وكل موجة من موجات عاطفته في جملة من الجمل الموسيقية المتتالية التي تنقسم عاطفته إليها وتتتابع فيها . فقد يكون البيت تفعيلة واحدة بل جزءا من تفعيلة وقد يكون أي عدد من التفاعيل يحتاج إليها الشاعر لبناء جملته الموسيقية «.

          ولا يختلف عز الدين إسماعيل عن نازك الملائكة ومحمد النويهي في تحديد الخصائص التي يتميز بها نظام الشطرين، والفوارق التي يختلف فيها شعر التفعيلة ،إذ يرى عز الدين إسماعيل أن البحور الشعرية إنما تمثل أشياء ناجزة يتعامل معها الشاعر بطريقتين فهو اما » أن يطوع الكلمات لنسق سابق لم يصنعه ولم يشارك في صنعه . إنه بذلك كمن يشكل نفسه من خلال الطبيعة لا كمن يشكل الطبيعة من خلال نفسه ((، وبذا نكون في صميم نظام الشطرين الذي يتحكم فيه الوزن في الجور على انفعال الشاعر والمعاني التي يروم التعبير عنها ،إن الخارجي متمثلا في الوزن والقافية يتحكمان في الداخلي، ويحددان نوعه وطبيعته، إن البحر بالنسبة للشاعر » بمثابة الأدراج التي يطلب منه أن يملأها . أما تصميم هذه الأدراج ذاتها فلا دخل له فيه «.

           أما شعر التفعيلة فإن الشاعر » ينسق الطبيعة .... تنسيقا خاصا يتلاءم مع حالته الشعورية «  أي أن الدفقة الشعورية والانفعالية تتحكم في تحديد طبيعة الوزن، وهذا يعني أن الداخلي متمثلا في الانفعال والتجربة الشعورية يتحكمان في الخارجي ـ الوزن والقافية ـ ويحددان نوعيهما وطبيعتيهما.

          إذن هناك علاقة وثيقة بين العالم الداخلي للمبدع والإيقاع لدى بعض نقاد شعر التفعيلة، ويتحكم الداخلي ـ المعنى عند نازك والانفعال عند النويهي وعز الدين إسماعيل ـ بالخارجي ـ الإيقاع ـ، ويبدو لي أن هذه التصورات تلوين وتنويع لتصورات اليوت الذي يرى أن » القصيدة ذات الطول يجب أن يكون فيها صعود وهبوط في درجتها من الحدة حتى تطابق ما يحدث فعلا للعاطفة الإنسانية من تراوح بين الصعود والهبوط . وبهذا التراوح تتم الوحدة الموسيقية الشاملة لبناء القصية ككل «

          ويؤكد النويهي في مواطن عديدة أن شعر التفعيلة يمثل خطوة في تجديد القصيدة العربية، وهو مرحلة انتقالية، ويعاني شعر التفعيلة من عيب أساسي كونه » لا يزال مرتبطا بالتفعيلة القديمة لم يتخلص تماما من الموسيقية الحادة « ، ويدعو النويهي الى بديل آخر يقوم على أساس النبر، غير أن النبر ليس له تأثير دلالي في اللغة العربية، وان أبعاده الإيقاعية لم تتضح بعد بدليل أن النويهي نفسه يؤكد » أن الإيقاع النبري يحتاج الى تدريب ومراس حتى تألفه آذاننا وتهتدي الى ما فيه من موسيقى خفيفة ونظام سمح مرن « ، ولما كان هذا البديل الإيقاعي المقترح لم يتأسس بعد، وإنما هو في طور التكوين ،وحوله خلافات كثيرة، فإننا سندع الحديث عنه الآن .

          إن نازك الملائكة ومحمد النويهي وعز الدين إسماعيل يؤكدون أن نظام الشطرين خاضع لنظام هندسي صارم ، ولكنهم لا ينفون عن الشعر : من نظام الشطرين والتفعيلة التقيد بسيمترية معينه يحكمها العالم الداخلي، إذ تؤكد نازك الملائكة أهمية المعنى في تحديد تشكيل الشعر، وتحديد أوزانه وأطوال أشطره، وإذا كان المعنى يمثل خاصية تتولد في الذات فإن عز الدين إسماعيل لا يبتعد كثيرا عن هذا التصور، إذ يؤكد أهمية النظام بوصفه عنصرا جوهريا في الأعمال الفنية، ولكنه حريص على جعل » هذا النظام شيئا يصدر عن نفس الشاعر لا شيئا يفرض من الخارج أو يفرضه الشاعر نفسه على نفسه «  .

          إن المنظور الجديد لتشكيل الإيقاع عند عز الدين إسماعيل يرجع إلى أساس جمالي يغاير الأساس الجمالي القديم تمام المغايرة ،لأن القصيدة القديمة لا تمثل » بنية أو صورة موسيقية ... بل كانت ... وحدة موسيقية مكررة مرة ومرة تكون هذه الوحدة بيتا ينتهي بقافية متكررة، ومرة تكون مجموعة من الأبيات لها نظام وقواف تتكرر في الوحدات الأخرى . كانت القصيدة القديمة شكلا موسيقيا » مفتوحا « ... يمكن أن تتكرر فيه الوحدة الموسيقية الى مالا نهاية، شأنها شأن الزخرفة العربية » فن الأرابسك «  أما الأساس الجمالي الجديد لشعر التفعيلة فيتجلى في » أن القصيدة بنية إيقاعية خاصة، ترتبط بحالة شعورية معينة لشاعر بذاته، فتعكس هذه الحالة لا في صورتها المهوشة التي كانت عليها من قبل نفس الشاعر «

          وأكدت نازك الملائكة أن الشعر الحر » ظاهرة عروضية قبل كل شيء . ذلك أنه يتناول الشكل الموسيقي للقصيدة ويتعلق بعدد التفعيلات في الشطر، ويعنى بترتيب الأشطر والقوافي، وأسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد « ، بمعنى أنه ليس نفيا لقصيدة الشطرين، وإنما كان هدفها » أن تبدع أسلوبا جديدا توقفه الى جوار الأسلوب القديم وتستعين به على بعض موضوعات العصر المعقدة « ، ويماثل هذا التصور ما ذهب اليه عز الدين إسماعيل فهو يؤكد » أن الشعر الجديد لم يلغ الوزن ولا القافية، لكنه أباح لنفسه ... أن يدخل تعديلا جوهريا عليهما لكي يحقق بهما الشاعر من نفسه وذبذبات مشاعره وأعصابه ما لم يكن الإطار القديم يسعف على تحقيقه . فلم يعد الشاعر حين يكتب القصيدة الجديدة يرتبط بشكل معين ثابت للبيت ذي الشطرين وذي التفعيلات المتساوية العدد والمتوازنة في هذين الشطرين، وكذلك لم يتقيد في نهاية الأبيات بالروي المتكرر أو المنوع على نظام ثابت «

          ومن الجدير بالذكر أن نازك الملائكة ومحمد النويهي وعز الدين إسماعيل يتحدثون عن تحطيم البيت في قصيدة الشطرين ،إذ تذهب نازك الملائكة الى » تحطيم استقلال الشطر تحطيما كاملا « ويتم ذلك من خلال تجاوز وقفات القافية من ناحية واستخدام التضمين الذي يجعل البيت » مفضيا بمعناه وإعرابه الى البيت الذي يليه « من ناحية ثانية، ويؤكد النويهي أن الشكل الجديد » يهدم السمترية الحادة البارزة للبيت ذي الشطرين « ، ويذهب عز الدين إسماعيل الى الوصول الى بنية إيقاعية ذات أثر ودلالة لا يتم بإلغاء الشعراء الوزن والقافية وإنما » أن يحطموا الوحدة الموسيقية للبيت تلك الوحدة التي تفرض على النفس حركة معينة لم تكن في أغلب الأحيان هي الحركة الأصلية التي تموج بها النفس «

          وفي ضوء هذا فإن النص الشعري لا يلغي الوزن أو القافية وإنما يقدم مفهوما جديدا لهما، فالسطر الشعري » سواء أطال أم قصر ما زال خاضعا للتنسيق الجزئي للأصوات والحركات المتمثل في التفعيلة، أما عدد هذه التفعيلات في كل سطر فغير محدد وغير خاضع لنظام معين ثابت «

          إن المعنى عند نازك الملائكة هو الذي يحدد طول السطر الشعري أو قصره ، ويرى محمد النويهي ان الأسطر الشعرية » ليست تطول وتقصر كيفما اتفق، ولا لاستتمام المعنى اللغوي وحده، بل مع تهدجات العاطفة وتلاعبها بالنفس الصادر من الرئتين « ، بمعنى أن الشاعر لا تحكمه سيمترية الشطرين، فيتوقف في ضوء القوالب المسبقة، وإنما » يستطيع أن يقف ما أن ينتهي معناه وموجته العاطفية في جملته الموسيقية » ويرجع عز الدين إسماعيل ذلك » لنوع الدفعات والتموجات الموسيقية التي تموج بها نفس الشاعر في حالته الشعورية المعينة « ، ولا يختلف عنهم حسن توفيق الذي يرى » أن يكون الإيقاع العروضي متمشيا مع الإيقاع النفسي الذي يتردد في روح الشاعر عندما يشرع في التعبير عن تجربته، ومن الطبيعي أن يختلف الإيقاع النفسي من شاعر الى آخر وان يختلف أيضا عند الشاعر الواحد تبعا لاختلاف تجاربه وتنوعها «  .

          ويبدو أن محمد بنيس لا يبتعد كثيرا عن التصورات السابقة، فهو يمايز بين زمان الشعر وزمان نصوص أخرى كالتاريخ والنحو مثلا، ويؤكد أهمية الداخلي في تحديد الخارجي، أي أنه يرجع عملية الإبداع كلها الى » منظومة الدواخل « ،وعلى الرغم من إغراء هذه العبارة التي تؤكد الداخل رؤية ولغة فإنه حين يفسرها يرجع بها الى مقولات تكاد تقترب من مقولات بعض النقاد الذين سبقت الإشارة اليهم، يقول : » يخالف الزمان الشعري كلا من أزمنة التاريخ والنحو والتقنية . زمان الشعر متشكل من منظومة الدواخل، إنه النَّفس بكل توتراته وانبساطاته، لا يستسلم حتما لتقعيد مسبق «  إن النفس يمثل جوهرا أساسيا تتشكل في ضوئه معطيات الكتابة وتجلياتها فهو الذي يتحكم في تنظيم الوحدات الصوتية والوحدات الدلالية، لأن الربط بين هذه الوحدات صوتية ودلالية » تبعا لإيقاع النَّفس هو ما يؤسس إيقاعا مغايرا له صيحة المغامرة وحجة التجربة والممارسة وألق الخروج « ، إن العلاقة بين النفس والإيقاع ليست علاقة التابع بالمتبوع، كما تدل النصوص السابقة وإنما يصل الأمل بالناقد الى قصر أحدهما على الآخر في قوله » وما الإيقاع الا النفَّس، ولذا فإن ما يحدد المتتاليات داخل النص هو هذا النفس، ضوء الجسد النافذ الى عتمة الكلام اليومي وقوانينه العامة . إنه أيضا رؤية المبدع للعالم . تدمير القوانين العامة، وإعادة تركيب المتتالية ـ المتتاليات، حسب إيقاع النفس، مقدمة لتدمير سلطة اللغة وأنماط الخضوع لتراتب مسبق للوجود والموجودات «.

 إن الناقد يحيل هنا الى مجهول يتحكم في تحديد بناء الإيقاع فإن النَّفس مفهوم مضبب لا حدود لطبيعته وماهيته، ومن الجدير بالذكر ان الناقد ينبه الى هذا الأمر في قوله » إن قوانين اللاوعي التي نجهل أسرارها تتدخل في صوغ هذا الإيقاع «.

          إن هذه التصورات تحيل في بعض تجلياتها الى أن عملية الإبداع الشعري في الشعر الحر ترجع الى قوى غيبية تذكرنا بكهنة معبد كوبيلا ـ التي ذكرها أفلاطون ـ، وبشياطين الشعر ـ عند العرب ـ، وليس الأمر كذلك في تقديري لأن عملية الإبداع ترجع في الحقيقة الى عملية واعية يقصد إليها الشاعر، وهي نتاج عملية جدل بين الذات ت وموضوعها . وأعني بالذات ـ هنا ـ الوعي الإنساني المقصود القار في أعماق الإنسان، وأن الموضوع يقع خارجها، مهما كان نوعه وشكله، وإن الذات في أثناء تفاعلها مع موضوعها تحدث حركة جدل يتم من خلالهما وعي للذات ولموضوعها، ويعبر الإنسان عن هذا بطرائق كتابية مختلفة، شعرا، تاريخا، فلسفة، وقد تكون محصلة الجدل ـ هذا ـ وعيا ناقصا وبسيطا، ومن ثم لا يقدم سوى نتاج هزيل، وقد يكون التجادل عميقا يسهم في التأثير بين طرفي الذات بموضوعها، تأثيرا بالغا .

          إن الوعي في حالة إبداع النص الأدبي يلغي التراتبية التي يتم تأكيدها في مواطن أخرى من الكتابة، لأن الشعر ليس وصفا وتحليلا، وإنما خلق، والخلق لا يلتزم بتراتبية مسبقة، وإنما يخلق تراتبيته الخاصة به، وهي وليدة جدل عميق بين الذات وموضوعها، والجدل هذا وعي .         

         

6

 

          تؤكد نازك الملائكة أن الشعر الحر » أسلوب في ترتيب تفاعيل الخليل تدخل فيه بحور عديدة من البحور العربية الستة عشر المعروفة «  ،ولذلك فإن شعر التفعيلة لا يعدو كونه مجرد » ظاهرة عروضية تعنى بـ

1- عدد التفعيلات في السطر .

2- ترتيب الأشطر والقوافي

3- أسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد «

وتتبدى ملامح المحافظة عند نازك الملائكة في تأكيدها إحالة عروض شعر التفعيلة، وكأنه فرع من عروض الخليل، إذ تتحدد جدته من خلال :

1- استبدال نظم الشطرين بنظام السطر الشعري .

2- حرية مقيدة لعدد التفعيلات في السطر الشعري .

 وما عدا ذلك فإن الشاعر لا يخرج على القانون العروضي » جاريا على السنن الشعرية التي أطاعها الشاعر العربي منذ الجاهلية حتى يومنا هذا «

                   إن أساس شعر التفعيلة هو وحدة التفعيلة عند نازك الملائكة، إضافة إلى حرية مقيدة في عدد التفعيلات في السطر الشعري الواحد، وتضع نازك قواعد صارمة فهي تخرج عددا من البحور الشعرية لعدم صلاحيتها للشعر الحر، وهي : الطويل، والمديد، والبسيط، والمنسرح، » فهي لا تصلح للشعر الحر على الإطلاق، لأنها ذات تفعيلات منوعة لا تكرار فيها، وإنما يصح الشعر الحر في البحور التي كان التكرار في تفعيلاتها كلها أو بعضها((. وقد نظم الشعراء على هذه البحور، ومن هؤلاء بدر شاكر السياب، يقول من بحر البسيط :      

 

نافورة من ظلال من أزاهير             مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن

ومن عصافير                                    مفاعلن فعْلن

جيكور، جيكور، يا حقلا من النور    مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن

يا جدولا من الفراشات نطاردها                 مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن

في الليل في عالم الأحلام والقمر                 مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن

يتشرت الأجنحة أندى من المطر                 مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن

في أول الصيف                                  مستفعلن فعْلن

 

ويقول في سفر أيوب من بحر البسيط أيضا :

 

يا رب أيوب قد أعيا به الداءُ                    مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن

في غربة دونما مالٍ ولا سكن ِ           مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن

يدعوك في الدُجنِ                      مستفعلن فعلن

يدعوك في ظلمات الموت أعباءُ                  مستفعلن فعلن مستفعلن فعْلن

ناد الفؤاد بها فارحمه ان هتفا           مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن

يا منجيا فلك نوح مزق السدفا                  مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

عني أعدني الى داري الى وطني                    مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

 

 

 

 

الطويل

 

يقول السياب

رأيت الذي لو صدق الحلم نفسه                فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

لمد لك الفما                                    فعول مفاعلن

وطوق خصرا منك واحتاز معصما     فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن

لقد كنت شمسه                                 فعولن مفاعلن

وشاء احتراقا فيك، فالقلب يصهر      فعولن مفاعيلن فعولن نفاعلن

فيبدو على خديك والثغر أحمر                   فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

وفي لهف يحسو ويحسو فيسكر         فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

 

والبحور الصالحة للشعر الحر عند نازك الملائكة هي :

أ ـ البحور الصافية :

وهي البحور التي يتألف شطراها من تكرار تفعيلة واحدة ست مرات، وهذه هي :

الكامل، شطره ( متفاعلن متفاعلن متفاعلن )

الرمل، شطره ( فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن )

الهزج، شطره ( مفاعيلن مفاعيلن )

الرجز، شطره ( مستفعلن مستفعلن مستفعلن )

ومن البحور الصافية اثنان يتألف كل شطر فيهما من أربع :

المتقارب، شطره ( فعولن فعولن فعولن فعولن فعولن )

المتدارك، شطره ( فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن )

                   أو ( فعلن فعلن فعلن فعلن )

وينبغي لنا أن نضيف هنا ( مجزوء الوافر ) ( مفاعلتن مفاعلتن ) فإنه من البحور الصافية وشطره تفعيلتان . «

وأضافت نازك بحرا آخر تزعم أنها ابتكرته، وهو بحر صاف، » اشتقته من الوزن الخليلي المعروف المسمى » مخلع البسيط «  ووزنه مستفعلاتن مستفعلاتن .

ب ـ البحور الممزوجة :

وهي التي يتألف الشطر فيها من أكثر من تفعيلة واحدة على أن تتكرر إحدى التفعيلات، وهما بحران اثنان :

السريع، شطره ( مستفعلن مستفعلن فاعلن )

الوافر، شطره ( مفاعلتن مفاعلتن فعولن )

وتشترط نازك الملائكة في هذين البحرين شرطا مفاده » أن يكون » التنويع في عددالتفعيلة المتكررة وحسب « ، ففي بحر الوافر لا بد أن يجري على النسق التالي :

مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن فعولن

أي أن ينتهي كل سطر شعري بالتفعيلة فعولن .

 

الضرب :

يشتمل العروض الخليلي على مصطلحات عروضية معروفة حافظ العروض الحر على قسم منها وألغى اخريات، إذ من المعروف ان القصيدة تتكون من شطرين في العروض الخليلي، ويتكون كل شطر من عدد من التفعيلات، يطلق على أخر تفعيلة من الشطر الاول العروض، وتسمى آخر تفعيلة من الشطر الثاني الضرب، ففي بحر الطويل مثلا :

 

          ولا بد أن يلتزم الشاعر في قصيدة الشطرين بالعروض ـ باستثناء حالة التصريع ـ في القصيدة كلها، دون أي تغيير، وكذا الأمر في المحافظة على الضرب، إذ يمثلان قانونا صارما لا يجوز كسره بأي حال من الأحوال . ولما كان إيقاع التفعيلة ألغى نظام الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري، فلقد حافظ على حشو البيت والضرب، وألغى العروض تماما ،إذ لسنا إزاء شطرين .

          وقد ألزمت نازك الملائكة الشاعر بضرورة المحافظة على قوانين الخليل في اضرب، لأن اختلاف الضرب في قصيدة الشطرين يعني تشكيلات مختلفة من البحر الشعري، ولذلك يجب على الشاعر المحافظة على ضرب واحد دون تجاوزه، لأن » القانون العروضي الذي خضع له الشاعر العربي دائما انه ليس يمكن أن تجتمع تشكيلتان في قصيدة واحدة، وإنما تقتصر كل قصيدة على تشكيلة واحدة يختارها لشاعر منذ مطلع القصيدة ويلازمها في كل بيت « ، ففي قصيدة حرة يحق للشاعر أن يكرر عدد التفعيلات في الحشو ،ولكنه ينبغي أن يلتزم بضرب واحد مثل :

متفاعلن فعلن

متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلن

متفاعلن متفاعلن فعلن

متفاعلن فعلن

متفاعلن متفاعلن فعلن

فالضرب هنا هن » فعلن «، وهو ثابت ولا يجوز تغييره، ولذلك ترفض نازك الملائكة تنويع الأضرب في تشكيلات مختلفة من البحر الشعري، كما هو الحال في قصيدة الشاعر :

لكنهم متيقنون لأنهم صرعى حميّا                ( متفاعلاتن )

وعزاؤهم أن الحياة تقول للأبطال هيا   ( متفاعلاتن )

منا الصدى                                     ( فعلن )

من مقلتي وفمي                                 ( فعلن )

فأحسه نارا ووعدا وارتقابا للغد                  ( متفاعلن )

إن الضرب هنا متنوع فهو يختلف من سطر إلى آخر، » متفاعلاتن، وفعلن ومتفاعلن «، وترى نازك الملائكة أن » الأذن العربية لا تقبل في القصيدة الواحدة إلا تشكيلة واحدة «  وعلى الرغم من أن الأذن العربية لا تدل على قانون محددد، وهي في الحقيقة إشارة إلى قضية ذوقية وانطباعية، فإن نازك أصرت على ذلك وحافظت عليه، وترى » أن وحدة الضرب قانون جار في القصيدة العربية مهما كان أسلوبها :شطرين أو شطرا ثابت الطول، أو شطرا متغير الطول من بحر صاف أو شطرا متغير الطول من بحر ممزوج . ففي الحالات كلها ينبغي ان تحافظ على ثبات الضرب . وإنما تنحصر الحرية التي نملكها في حشو الشطر((

          ومن الجديد بالذكر ان اغلب النقاد يخالفون النـزعة التقليدية المحافظة لنازك الملائكة لدرجة يصف يوسف الخال كتابها بانه » يتردى بالانكفاء والرجعية والضيق ـ ضيق النفس ( بفتح الفاء وتسكينها ) وإساءة الفهم ـ فهم الوزن العربي التقليدي، بل وزن الشعر عموماً، وفهم اللغة العربية وإمكاناتها، وفهم الإنسان، خصوصاً العربي بقدرته على التغير والتكيف والتخطي «  ويرجع النويهي رفضه لآراء نازك الملائكة إلى ضرورة تجاوز الرتابة في الإيقاع بشكله التقليدي، وتجاوز ما تفرضه نازك الملائكة من قيود تؤكد هذه الرتابة وتعمقها، ولذلك فإنه يدعوا إلى ما يلجأ اليه الشعراء من » تنويع الإيقاع في التفعيله نفسها بادخال ما يطبقون من الزحافات ... وبتنويع صور الأضرب التي يستعملونها، وبالانسياق احياناً انسياقاً هينا لا نشاز فيه من وزن إلى وزن قريب منه يذوب فيه «  ويرجع عز الدين إسماعيل ذلك إلى قيمة » التلوين في الإيقاع، سواء في حشو السطر أو في نهايته، وفي علاقة السطور بعضها ببعض، وفيما يتسرب خلالها من حركه نفسية، والإلزام بصورة واحدة ثابته لتفعيله في نهاية كل سطر لا يضمن من الناحية الموسيقيه الا نوعاً من الإيقاع الرتيب «  ويرجع شكري عياد ذلك إلى التنويع لان ثبات الضرب في القصيدة كلها، وبخاصة في البحور الصافية يزيد من الإحساس بالرتابة ويستدل على ذلك بقصائد الشعراء المجيدين الذين » يعمدون إلى تغير الأجزاء الوزنية الأخيرة ـ أو الاضرب ـ مخالفين بذلك قاعدة من قواعد الشعر االكلاسيكي «

تنويع الأوزان :

          يعد تنويع الأوزان في شعر التفعيلة امراً معيباً وخاطئاً عند نازك الملائكه التي لا تجيز هذا التنويع مهما كانت مبرراته المعنوية أو الفنية ولذلك فهي تعيب على الشعراء الذين »خلطوا بين بحور الشعر نفسها فنظموا قصائد حرة تجاورت فيها اشطر من البحر السريع وأخرى من الرجز « ، وتستشهد لذلك بقصيدة سعدي يوسف :

          ياطائراً اضناهُ طول السفرْ

          قلبي هنا في المطرْ

          يرقب ما تأتي به الاسفار

وترى ان الشطر الثالث يخرج على البحر السريع بسبب تفعيلة الضرب » مفعولن « لأنها » لا ترد في ضرب السريع على الاطلاق وانما هي مما يرد في الرجز بحسب قواعد العروض العربي «.

          ويبدو ان نازك الملائكه تنفرد بهذا التصور، في حين يجوّز النقاد الآخرون، وهم كثر، تنويع الأوزان في القصيدة الواحدة، ويبرر عز الدين إسماعيل هذا التنويع وفقاً لحالات متعدده وهي :

1- ان يكون السطر الجديد بداية لمقطع جديد من القصيدة .

2- او ان يعبر هذا السطر عن انتقال في الموقف الشعوري .

3- فان لم يكن هذا ولا ذاك فيتحتم عند ئذ ان تكون هناك » علاقة تداخل « بين التفعيلة المستخدمة في السطر الأول والتفعيلة المستخدمة في السطر الذي يليه، على ان يدخل في اعتبار الشاعر استغلال هذه العلاقة فنياً  .

              ويجيز علي يونس الانتقال من وزن الى آخر، شريطة ان يكون » مصحوباً بالانتقال المعنوي او الشعوري(( ويستشهد لذلك بقصيدة لحسب الشيخ جعفر :

     يافتى مر طعام الذكريات

     يافتى بالله خبر كيف جاء

     طائر الموت على عينيك مثقوب الرداء

     (اشم شواء لحمي في عيونك استلذ النار تأكلني

     وتتركني

     رماداً في مهب الريح تعصف بي وتنثرني

     فيا وطني ترابك تاج رأسي، قرة العينين ثوبي الرث أو كفني

     فلا تهن )

     عائد انت الينا حينما يهمي السحر

     مطراً من برتقال

          فالنص الشعري ينقسم إلى قسمين القسم الأول من بحر الرمل وتفعيلته فعلاتن والقسم الثاني المحصور بين القوسين، وهو من الوافر وتفعيلته مفاعلتن ويرى علي يونس ان » الابيات تصور حواراً بين طرفين وقد اختص كل واحد من هما بأحد الوزنين . فالانتقال من وزن الى وزن مصحوب بانتقال معنوي «  .

          ويبدو ان التطور الحاصل في الشعر دفع الشعراء لاأسباب دلالية وجمالي’ وفني’ المزج بين الأوزان الشعرية في قصيدة واحدة، وبخاصة في الجانب الدرامي في الشعر، إذ يرى علي عشري زايد ان الشاعر يستخدم » وزنين في قصيدة واحدة لتعبر عن الصراع بين حركتين نفسيتين مختلفتين كما في قصيدة » بور سعيد « للشاعر » بدر شاكر السياب « فتجربة القصيدة تقوم على الصراع بين حركتين نفسيتين : اعتزازه بصمود المدينة الباسلة وانتصارها وإحساسه بفداحة الثمن الذي بذلته، والتضحيات التي قدمتها «     

          وإذا تجاوزنا التصورات النظرية المعيارية التي شغف بها الرواد والنقاد على السواء الى التحليل، يبدو أن الشاعر الحر لم تكن تعنيه تلك الأصول المعيارية كثيرا بدليل تمرده عليه، ومحاولته التجريب مهما كان نوعه، ولذلك حاولت نازك الملائكة رد الشعراء عن محاولات التجريب تلك، وتحولت الى خليل جديد تفرض على الشعراء قيودها، ويبدو ان الشاعر أخذ يتمرد على قوانين البحور والزحافات، يقول بلندالحيدري « خرجنا الى هذه التجربة بحيث تتحول الموسيقى في كل قصيدة الى موسيقى القصيدة الخاصة ،لا الى موسيقى البحر . ومن الخطأ أن نقول الآن أن شعراء الحداثة مالوا الى استخدام سبعة او ستة بحور فقط، في الحقيقة البحر الغي نهائيا، وهنا في هذه الحالة ملنا الى استخدام موسيقى القصيدة الذاتية، أي أن لكل قصيدة موسيقاها الخاصة »

 

التدوير :

          التدوير هو اتصال شطري البيت الشعري، وإذا أردنا أن نقرأ البيت الشعري دلاليا فإننا ندمج الشطرين معا، دون وقفة عند نهاية الصدر، وإذا أردنا قراءة البيت إيقاعيا فإننا نضطر أن نشق الكلمة التي تصل الشطرين شقين، قسم يقع في صدر البيت والآخر في عجزه . أما التدوير في الشعر الحر فله دلالة تبدو مختلفة عن طبيعة التدوير في نظام الشطرين ،وإن كنا لا نعدم أن نجد مثالا يتيما يماثل مفهوم التدوير بدلالته القديمة، ذلك أن تنشق فيه الكلمة الى شقين، قسم يقع في سطر شعري والآخر يقع في شطر شعري تال له، ولقد استشهدت به نازك الملائكة، وهو :

لأهتف قبل الرحيل

ترى يا صغار الرعاة يعود الرَّ

فيق البعيد

 وفي ضوئه تقرر » أن التدوير يمتنع امتناعا تاما في الشعر الحر « ، ويتأتى امتناع التدوير عندها لأنها تنظر الى السطر الشعري من منظور لا يزال يحافظ على أغلب مقومات البيت الشعري، أي أنه يمثل وحدة مستقلة إيقاعا ودلالة ،ولذلك فهي تستدل بأن » شعر الشطر الواحد « سواء أكان قديما أم حديثا !! يستقل استقلالا تاما ولا يدوّر، كما أن شعر الشطر الواحد لا بد أن ينتهي بقافية، وان التدوير بهذه الصورة يلغي القافية التي لا تزال تحافظ على مفهوم لها يقترب من مفهومها القديم،، ولا يزال يحافظ بشكل صارم على جلجلة الإيقاع بشكله القديم  .

          أما التدوير بمفهومه الحديث فإنه يعني » توزع جملة واحدة على أكثر من بيت، أي على أكثر من سطر واحد إذا انطلقنا من جهة الكتابة، وعلى أكثر من منظومة إيقاعية، إذا انطلقنا من جهة الوزن « ، أي التأكيد على الخصائص الزمانية والمكانية ،وهذا ما أكده حسب الشيخ جعفر في قوله » القبض على الزمان والمكان هو لعبة التدوير الشعري، الفبض عليهما وتهشيمهما أو المزج بينهما، أي أنك في الوقت نفسه في البؤرة الشعرية نفسها يمكنك أن تكون في العديد من الأزمنة والأمكنة المختلفة «

          ويميل الى التدوير أغلب النقاد، إذ يعده محمد النويهي » وسيلة من وسائل الشعر الجديد للتخلص من حدة الإيقاع القديم «  ويطلق عليه عز الدين إسماعيل مصطلح الجملة الشعرية، وهي » بنية موسيقية أكبر من السطر وإن ظلت محتفظة بكل خصائصه، فالجملة تشغل أكثر من سطر وقد تمتد أحيانا الى خمسة أسطر أو أكثر «  . ويرى إن السطر الشعري على الرغم من ارتباطه موسيقيا بباقي الجزئيات فإنه يمثل » بنية موسيقية تشغل من حيث الحيز سطرا من القصيدة يصل امتداده الزمني في بعض الأحيان وفي أقصى الحالات الى تسع تفعيلات « ، فهو يكرر بعض قواعد نازك الملائكة بشكل أقل حدة وصرامة، ويرى في الوقت نفسه أن التدوير ـ الجملة الشعرية ـ تفرضها مبررات إبداعية نفسية، ويحيل ذلك الى التجربة الشعورية، ولذلك فالشاعر » لا يكفيه السطر الشعري وإن امتد زمنيا إلى تسع تفعيلات ... لأن يمزق هذه الدفقة الشعورية الممتدة ويقسمها موسيقيا على عدة أبيات، أي عدة وحدات موسيقية، ينفصل بعضها عن بعض ويستقل . ومعنى هذا أن الدفقة الشعورية الممتدة لا تظفر من الشاعر ببنية موسيقية موحدة وموازية ومساوية لهذه الدفقة «  .

إن الأساس الجمالي الذي يصدر عنه عز الدين إسماعيل سواء أكان في التجديد في الإيقاع الجديد أو في التدوير ـ الجملة الشعرية ـ يرجع الى ضرورة المطابقة بين » الشعور وصورة التعبير «، فإن كانت الدفقة قصيرة اقتضت سطرا شعريا قصيرا، وإن كانت طويلة امتدت لجملة شعرية، تنقسم الى عدة اسطر شعرية . غير أن عز الدين إسماعيل لا يزال يغترف من مؤثرات تراثية مرة، ويكرر بعض أفكار نازك الملائكة مرة أخرى، فهو يؤكد أن » السطر الشعري مهما امتد فإن له طولا » معقولا « لا يستطيع أ ن يتجاوزه « ، إن هذا الطول المحدد و » معقوليته « تؤكدان الضوابط القديمة التي لا تزال تتبدى من ثنايا تفكيره .

          وتبقى هناك مشكلة لا بد من إيجاد حل لها تلك التي تتصل بقراءة الجملة الشعرية مرة واحدة، وذلك أمر مستعص من الناحية البيولوجية، أي أن القاريء لا بد أن يتوقف عند نهاية السطر أو داخل السطور، ويحيلنا عز الدين إسماعيل الى مجهول، لأن هذا التوقف » ليس له قاعدة ولا يمكن أن تكون له قاعدة، وإنما هي مسألة جمالية صرف((، وكأن القضايا الجمالية ـ لدى الناقد ـ لا ضوابط لها ولا قواعد .

          ومن الجدير بالذكر أن أحمد المعداوي يتلقف مصطلح الجملة الشعرية ولكنه يقسمه الى ثلاثة أنماط تعتمد المعيار الكمي، وهو معيار سطحي، وليس معيارا فنيا، فالجملة الشعرية القصيرة » تبدأ من ثلاث عشرة تفعيلة لتصل الى حدود الست عشرة تفعيلة، وما زاد على ذلك يعتبر جملة شعرية طويلة، شريطة أن تتكرر هذه الأخيرة عددا من المرات في القصيدة الواحدة او تتناوب عليها الأسطر والجمل الشعرية القصيرة « ، وهناك جملة استغراقية » وهي الجملة التي تستغرق القصيدة كلها إيقاعيا، فلا ينقي ثمة مجال لمساهمة أي من السطر الشعري ولا الجملتين القصيرة والطويلة «  .

 

 

القافية :

          تقع القافية تكوينيا في الوزن، ولكنها أفردت بعناية خاصة، فلقد عدت واحدة من أكثر مكونات الإيقاع عناية وأهمية، لأنها تمثل مرتكزا إيقاعيا يتوقف عنده الشاعر والمتلقي، وكأنها تحافظ على التوازن والتناسب الإيقاعيين، وتوحي بسلامة وزن البيت بوصفها آخر تشكيل إيقاعي ينتهي عنده البيت، ويرى رينيه ويليك أن القافية » ظاهرة بالغة التعقيد . فلها وظيفتها الخاصة في التطريب كإعادة » او ما يشبه » الإعادة(( للأصوات((ويتعرض ويليلك الى الجوانب الصوتية للقافية التي سبق الحديث عنها، ولكنها لم تقتصر على ذلك بل انها تؤدي وظيفة جمالية، إذ » للقافية معنى وأنها بذلك عميقة التشابك مع السمة العامة للعمل الشعري . فالكلمات تقرن بعضها الى البعض الآخر بالقافية فتتواصل وتتقابل «  . ويؤكد أدونيس » أن القافية في العروض الخليلي، علامة الإيقاع، وهي صوت متميز يدل على مكان التوقف لكي نتابع من ثم انطلاقنا . وقد أصبح وجودها أكثر أهمية مما تعنى((.

          وليس غريبا أن يعنى التراث العربي بالقافية، فقد أفردت لها دراسات خاصة مستقلة، وتحدث التراثيون عن ماهيتها وأنواعها وحروفها وحركاتها وأنواعها، فالقافية عند الخليل بن أحمد الفراهيدي آخر حرف في البيت الى أول ساكن يليه مع الحرف الذي قبله، هذه هو التعريف الشائع، ولكننا لا نعدم أن نجد تعريفا آخر للقافية تري في القافية آخر كلمة في البيت كما يرى الأخفش، ، أو أنها حرف الروي. ويلتقي الدارس بتحديدات معاصرة لا تخرج كثيرا عن تصورات القدامى، إذ يرى إبراهيم أنيس أن القافية » عدة أصوات تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات من القصيدة، وتكررها هذا يكون جزءا هاما من الموسيقى الشعرية فهي بمثابة الفواصل الموسيقية يتوقع السامع ترددها « وتكون القافية عند شكري عياد » مقطعا شديد الطول مكونا من ساكن فحركة قصيرة فساكنين ـ وإذا كان الساكنان الأخيران حرفا مضعفا فإن المقطع يعد طويلا ( لا شديد الطول ) ويلزم ان تتألف القافية منه ومن المقطع الطويل السابق له « ويحددها عبد الرضا علي بأنها » مجموعة أصوات تكون مقطعا موسيقيا واحدا يرتكز عليه الشاعر في البيت الأول، فيكرره في نهايات أبيات القصيدة كلها مهما كان عددها ـ في القوافي المفردة ـ أو أن يكون المقطع الموسيقي الصوتي مزدوجا في كل بيت بين شطره وعجزه ،كما في القوافي المزدوجة((.

          ويتضح مما سبق أن هناك تصورا عاما ينظر للقافية على أنها مجموعة أصوات في أخر البيت الشعري، بغض النظر عن عددها وطبيعة المتحرك والساكن فيها، إن التعريفات السابقة لا تكاد تبتعد عن تعريف الخليل، فهي عند إبراهيم انيس » عدة أصوات متكررة(( وعند شكري عياد » مقطع شديد الطول او طويل « وعند عبد الرضا علي » مجموعة أصوات تكون مقطعا موسيقيا « .

          وفي ضوء هذا فإن القافية تمثل ارتكازا يدل على مواطن التوقف في قصيدة الشطرين ،وهو توقف يرتكز على مقومات صوتية أولا، ولذلك ذهب أدونيس إلى القول بأن الشعر » يفقد بالقافية كثيرا، يفقد اختيار الكلمة، وبالتالي، اختيار المعنى والصورة والتناغم «  وقد انتقلت بعض ملامح القافية ودلالاتها القديمة الى شعر التفعيلة، وبخاصة لدى المحافظين من النقاد، ولذلك تمثل الخاصية الإيقاعية والصوتية موطن الارتكاز والتوقف عند نازك الملائكة وليس المعنى أو التركيب النحوي وينوب حرف الروي عن القافية، بل هو القافية عند نازك الملائكة وبخاصة في النصوص التي استشهدت بها مما سيأتي الحديث عنها .

          وتصدر نازك الملائكة عن إيثار الرنين الموسيقي في القصيدة، وهذا معروف في صرامتها القاسية في إلزام الشعراء بنمط محدد من الضرب، وليس تنويعا لذلك، لان هذا التعدد يكسر رتابة الإيقاع ويقلل من حدة الرنين . ولذلك ترى ان نظام الشطرين » يعطي القصيدة إيقاعا شديد الوضوح «  اما شعر التفعيلة فانه ليس » ثابت الطول وانما تتغير أطوال اشطره تغيرا متصلا ... وهذا التنوع في العدد ... يصيّر الإيقاع اقل وضوحا، ويجعل السامع اضعف قدرة على التقاط النغم فيه « ، وتأسيساُ على هذا تتأتى أهمية القافية وجدواها عند نازك الملائكة وتسهم في إضفاء سمات الشعرية على القصيدة بمعنى ان القافية » تعطي هذا الشعر الحر شعرية أعلي «  وهذا يعني ان الشكلي يحدد شعرية النص، وتخلص من ذلك لتأكيد دور القافية في شعر التفعيلة لأنها » تحدث رنينا وتثير في النفس انغاما واصداء، وهي فوق ذلك، قوية واضحة بين الشطر والشطر «  .

          واذا كانت القافية لا تزال تحافظ على جوانب من بنائها وخصائصها القديمة عند نازك الملائكة بوصفها مرتكزا إيقاعيا فإن عز الدين إسماعيل يرفض القافية القديمة لأنها » تشل حركة التموج والتلوين الموسيقي في القصيدة شلا « ، ويتبنى نمطا جديدا للقافية بوصفها » انسب صوت أو كلمة ينتهي بها السطر الشعري بحيث يمكن الوقوف عندها والانتقال منها إلى السطر التالي « ، وتمثل القافية عند عز الدين إسماعيل مرتكزا صوتيا يتوقف عندها الشاعر والمتلقي للانتقال للسطر الشعري التالي، ويحيلنا عز الدين إسماعيل إلى مجهول لان الذي يحدد ذلك الحاسة الموسيقية !! . ويحيل إلى تعبيرات مضببة أحيانا، وبخاصة في قوله » ان كل ما يعنينا من القافية هو التنسيق الموسيقي لاخر السطر الشعري بما يتمشى وموسيقى السطر ذاته ... أما حرف الروي الذي يتكرر في نهاية كل الابيات فقد ثبت انه عامل تعطيل من حيث انه يفرض نفسه على القافية من جهة، وعامل املال لتكراره المستمر، سواء أكانت هناك حاجة موسيقية له أم لم تكن، في سائر أبيات القصيدة من جهة اخرى((.

          ان هناك عناية واضحة بالقافية عند منظري شعر التفعيلة ولدى مبدعيها غير ان العناية بالقافية تحولت إلى آخر كلمة في السطر الشعري، وإلى حرف الروي بخاصة، وهذه العناية جزء من رواسب مفهوم القافية الخليلية، اذ لا تزال القافية تقع في آخر السطر الشعري، شأنها شأن القافية الخليلية سواء اكانت القافية كلمة أم حرف روي . ولا يصدق هذا الوصف على القصيدة المدورة التي لا تتوقف فيها الأبيات في اسطر شعرية متتابعة . ومن ثم فإن الوقفات في القصيدة المدورة توحي بركائز إيقاعية، لا يصح ان نطلق عليها قافية بحال . ان القصيدة المدورة تمتلك حرية اكثر في تجاوز رواسب إيقاع الخليل وتتميز بقدر اكبر من الاستقلالية والتجاوز .

          ويمكن الحديث عن أنماط القافية على النحو التالي :

القافية المتتالية :

وهي التي يتتالى فيها حرف روي في سطور شعرية متلاحقة، ثم يغير ذلك الشاعر إلى حرف روي آخر في سطر أو سطور، مثل قول الشاعر :

القافية المتناوبة :

وهي التي يتناوب فيها حرفا روي أو أكثر في سطور شعرية متلاحقة مثل قول الشاعر :

القافية التي تجمع بين التتالي والتناوب :

وقد يجمع الشاعر بين التتالي والتناوب في قصيدة او مقطع شعري، مثل قول الشاعر :

القافية المتبادلة وهي ان يعتمد الشاعر حرف روي في سطر شعري، ويعقبه بحرف روي آخر، ثم يعود اليهما على نحو تبادلي، مثل قول الشاعر أمل دنقل :

ايتها العرافة المقدسه

جئت اليك ...مثخنا بالجراح والدماء

ازحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسه

منكسر السيف مغبر الجبين والاعضاء

 

التشكيل المكاني

في القصيدة العربية الحديثة

 

          كان من إسهامات النقد الرومانسي التأكيد على الوحدة العضوية للنص الأدبي، غير أن هذه الوحدة لم يتأت لها الفهم الدقيق إلا مع الدراسات البنيوية اللاحقة التي تنظر إلى النص الأدبي بوصفه كلاً عضوياً متكاملاً، بمعنى أن تلقيه لا يتم « كحاصل جمع آلي للعناصر التي تؤلفه، بل إن تفتيت هذه العناصر كل على حدة يترتب عليه فقدان قوام العمل بأكمله، فكل عنصر لا يتحقق له وجوده إلا في علاقته ببقية العناصر، ثم في علاقته بالكل البنائي للنص الأدبي » وتتجه العناية في هذه الحالة إلى مكونات التشكيل اللغوي لأنها القادرة على تحديد الوجود الموضوعي للنص الأدبي، وبذلك يعنى بإيقاع القصيدة وصورها بوصفهما ذائبين معا في إطار كلية النص وعضويته على السواء .

          وأخذ الشكل الكتابي يلفت الأنظار إليه بوصفه عنصراً دالاً مندغماً في كلية النص، ولعل النظرة العاجلة على نصين مكتوبين تدفع إلى القول إن هذا شعر، وهذا ليس شعراً، من مجرد معرفة الطريقة المألوفة لكتابة الشعر . ويقتضي الشعر ضروباً من العناية بالتشكيل الكتابي، بل ويرافق ذلك خطوط ورسوم أحيانا .

          ولست في سياق التعرض لترقيم المقطوعات ـ مثلا ـ لأنها تمثل تشكيلا مألوفا له دلالته ،لأنه « من المستبعد أن يكون الشكل الكتابي، وهو أحد مظاهر النص اللغوي محايداً في موقفه في بنية النص، وإن كانت قيمة النظام الخطي في ذلك النص أقل جوهرية ـ بالطبع ـ مما هي في نظيره اللفظي ـ أي الشعري ـ ».

          ولقد تعرض الدارسون إلى الحديث عن جسد القصيدة مرة أو فضائها أو تشكيلها المكاني مرة أخرى، وكلها تعبر عن » الحيز المكاني الذي تأخذه الكلمات، أو الحيز المكاني الذي تأخذه البحور في الصفحة أو في مساحة أو أرضية تعد لذلك « ، بمعنى أن الشاعر يشرع في انتهاك بياض القصيدة بالكلمات، وتلتقي عين المتلقي بامتلاء وفراغ، تلتهم فيه الكتابة بياض الصفحة، ويحاصر البياض الكتابة، أو تتراجع عنه .

          ويلتزم نظام الشطرين سمترية بصرية واحدة متكررة، وهي سمترية ثابتة، على الرغم من ان مساحة الامتلاء تتفاوت بحسب طبيعة الأوزان، إن كانت طويلة أو قصيرة، »فالتشكيل المكاني في قصيدة من بحر الطويل أو البسيط لا بد أن تحتل في الورق أو الحجر أو الخشب مساحة أكبر من تلك التي يحتلها التشكيل المكاني لقصيدة من بحر الكامل والسريع، ناهيك عن اختلاف التشكيل المكاني الناشئ بين هذه البحور ومجزوءاتها« ، وتنجم هذه السمترية البصرية عن توزيع الأبيات الشعرية بطريقة طابقية على حد تعبير بلند الحيدري، أي أن هناك فراغا يقع أعلى القصيدة وأسفلها، وعلى جناحي الصدر والعجز وهناك » نهر من الفراغ أو البياض « فيما بينهما، كما يقول عبد العزيز المقالح.

           وليس خافياً ان الثقافة العربية ـ والشعر أبرز مكوناتها ـ بدأت شفويةً، ومن ثم جاء تدوينها في مراحل لاحقة لزمن الإنشاد، وينبئ الفضاء عن كيفية الإنشاد، ويحدد طبيعة الوقفات من ناحية، ويحدد ايضاً موجات الأبيات بشكلها التراكبي التي تتعاقب فيه الواحدة تلو الأخرى من ناحية أخرى ـ وهذا ما دفع دارساً إلى القول إن » التوازي والتقابل المتعدد الأبعاد فضائياً، يوازيان آلياً توازياً وتقابلاً آخرين على مستوى التحقق الزماني في الأداء الشفوي، بحيث يؤطر الأول الثاني ويحدد من امتداده منظماً له في تواز هندسي تقدم معه عناصر النص في نظام متشاكل«  .

          ويعكس فضاء القصيدة شأنه شأن إنشادها رؤية العالم والإنسان، ويكشف عن الأساس الفلسفي والفني والجمالي لتراث أمة، إن العقلية العربية ـ وبخاصة الاعتزالية منها ـ تؤمن » بوجود التمايز بين العناصر وبوجود الفوارق بينها، ترى الشيء وبجنبه الشيء الآخر، وتشهد الماهية وتوازيها الماهية الأخرى، وتعالج الذات والذات الأخرى، وتوزع العناصر والأشياء على طبقات، فهناك طبقة متقدمة وأخرى متأخرة، وتتقدم واحدة لتكون أصلاً، وتتأخر الثانية لتكون فرعاً، المهم أنّ هناك نظاما يحافظ على المسافات، ويتمسك بالوضوح والتحدد أساساً، ومن هنا جاءت عنايتهم بالتعريفات والحدود، حد الشيء، والعلم، والموضوع، ومعرفة طبائع الأشياء والذوات . أما أنْ تتقاطع الأشياء أو تتفاعل، أو أن يؤثر بعضها ببعض فهذا مالا يمكن إدراكه، أو لايمكن قبوله، لأنه يضاد الرؤية التي ترى الأشياء مستقلة، والأفكار واضحة، بل إنّ الناقد يفك تقاطعهما وتشابكهما، ويحاول دراستها مستقلة«.

          إن هذا التصور الذي يقوم على أساس هندسي متوازن يؤكد أهمية الثوابت الفكرية السابقة التي تتحكم في تحديد التوازن المطلق بين الأشياء والتناظر بين المكونات . ومن ضمنها صياغة البيت الشعري وفضائه، ويتحدد الفضاء في ضوء مكونين جوهريين، فيما يشير إلى ذلك محمد الماكري :

» أـ التوازي، العمودي، للأبيات .

 ب ـ التقابل، الأفقي، للأشطر .

          هذان العنصران ينتظمان وفق شكل يجنح للاستطالة، بحيث يتم فيه رصف الوحدات المكونة أفقيا في حدود شطرين متقابلين في خط واحد، تفصل بينهما مساحة بيضاء، مشكلين نموذجاً تتولى أسفله الأبيات الأخرى موازية له عمودياً، مفسحة المجال لتواز هندسي ثالث، تنظم وفقه الأعمدة البيضاء الثلاثة الممتدة على حافات الأشطر وما بشكل عمودي، وهي فراغات بيضاء تنفتح على بعضها من الأسفل ومن الأعلى بواسطة عمودين أبيضين متوازيين أفقياً يحدان النص في البداية والنهاية « . ويعرض محمد الماكري »أن القصيدة في اشتغالها الفضائي أشبه ما تكون بالباب أو البيت أو الخباء أو دورة الشمس النهارية « ويستشهد لذلك بنصوص تراثية .

          إن كتابة القصيدة تشتمل على القصيدة وكيفية إنشادها، لأن تقسيم البيت الشعري إلى شطرين يعني وقفة المنشد عند نهاية الصدر ليستأنف انشاد العجز، كما أن القافية تمثل مرتكزا ملائما للإنشاد، إذ تمثل وقفة طويلة يتحدد عندها انتهاء البيت، كي يبدأ المنشد موجة جديدة، أ ي بيتا لاحقا . وقد ضبطت الكتابة معيارا واحدا عاما يصدق ـ بشكل عام ـ على شعر الشطرين، على الرغم من أن الأبيات المدورة تفرض طبيعة خاصة في إنشادها، إذ يقتضي الإيقاع شق الكلمة بين شطري البيت، وتقتضي الدلالة قراءة البيت الشعري بوصفه موجة واحدة لا توقف فيها في نهاية صدره .

          ولا يعني هذا أن انشاد القصيدة العربية ثابت ومحدد بقوانين، وإن كانت كتابته تدعم هذا وتؤكده، ذلك أن المنشدين يتفاوتون في كيفية انشاد القصائد، ويتفاوتون في مواطن الوقفات في حشو البيت، كما أن الإنشاد يتأثر بطبيعة الجمل ودلالاتها وتنغيمها، فقد يكون تنغيم الجمل صاعدا في الجمل الاستفهامية، وهابطا في الجمل الخبرية، وهذا ليس موجودا في النص المدون، وقد أكد رينيه ويليك أن كل» قراءة بصوت عال أو انشاد للشعر هو أداء للقصيدة وليس القصيدة ذاتها .. . (و)ان كل انشاد للقصيدة هو أكثر من القصيدة الأصلية : فكل أداء يحوي عناصر خارجة عن القصيدة كما يحوي خواص التلفظ وطبقة الصوت والتوقيت وتوزيع النبرات، وهي عناصر إما تحددها شخصية المنشد أو أنها أعراض ووسائل جاءت في تفسير القصيدة « ولا يقتصر الإنشاد على الأداء الصوتي وطبيعة التنغيم فحسب، ولكنه يشمل» الإشارات والحركات وملامح وجه المتكلم، وكلها عناصر تعبيرية مساعدة في سياق الأداء الشفوي تدخل ضمن أنظمة التواصل غير اللغوية ( Non Verbal ) وتختفي حالما يتعلق الأمر بالأداء الكتابي للغة «.

          إن القصيدة في الثقافة الشفاهية تحاول التقليل من دور الجسد، ولذلك كانت الرواية وتواتر الحفظ ملامح أساسية تعلي من شأن التشكيل اللغوي، وكأن هذا جزء من التطور العام الذي ينظر إلى الجسد بوصفه الفاني والحسي، أو مجرد كونه وسيطا أو ناقلا لا غير .

          إن نظرتنا للقصيدة الحديثة ينبغي أن تفهم على أساس يماثل إلى حد ما الإنسان وجسده، لأن الإنسان ـ كما يقول دافيد لوبرتون ـ « لا يمكن فينومينولوجياً تمييزه عن لحمه . فهذا اللحم لا يمكن أن يعتبر ملكية ظرفية، أن يجسد وجوده في العالم، وبدونه لا يكون » ، وتأسيسا على هذا يمكن القول إن التشكيل اللغوي لا ينهض وحده في تحديد ماهية القصيدة الحديثة، وإنما يتم تحديد ذلك بتلاحم التشكيليين اللغوي والمكاني، فهما اللذان يجسدان وجود القصيدة، وبدونهما لا يمكن تحديدها .

          وإذا كانت قصيدة الشطرين قد شغلت بسمترية ثابتة من جهتي التشكيليين اللغوي والمكاني فإن القصيدة الحديثة في الوقت الذي أثارت المتلقي بتلويناتها الإيقاعية الجديدة، شغلته في الوقت نفسه، بالتشكيلات المكانية بوصفها مكونا أساسيا وجوهريا فيتوصل الأبعاد الدلالية والجمالية .

          وقد واجه الشاعر الحديث هذه المشكلة : القصيدة، والإنشاد، والكتابة، ففي الوقت الذي ينشد فيها شاعر قصيدته نستطيع القول إنه يقدم القصيدة متضمنة إنشادها، ويسهم الإنشاد في استكمال الأبعاد التعبيرية التي أراد الشاعر إيصالها للمتلقي، ومن ثم يمكن القول بعامة إن انشاد الشاعر قصيدته هو أقرب ما يكون إلى روح القصيدة ودلالاتها وجمالياتها، ولكننا ـ في الحقيقة ـ لا نتلقى القصائد ـ كل القصائد ـ مسجلة بأصوات مبدعيها، ومن ثم يقوم المتلقي بأداء دور الشاعر فيقرأ القصيدة فيضفي عليها من خصوصيته هو، وتنطبع القصيدة على اثر ذلك بخصائص وسمات لم تكن متوافرة في القصيدة أصلا .

          وإذا كان الشاعر يستخدم الإنشاد من أجل توصيل الدلالات الخفية والكامنة في القصيدة فإنه يعمد إلى استخدام خاص للكتابة للتعبير عن بعض الدلالات، مما دفعه إلى كتابة الصفحة بكيفية معينة، سواء أكان ذلك بخط يده أم طباعة، ومن الجدير بالذكر أن رينيه ويليك يرى أن» الكتابة على ورقة ليست هي القصيدة « كما أن الصفحة»المطبوعة تحتوي على عناصر كثيرة خارجة عن حيز القصيدة، حجم حرف المطبعة ونوعه، حجم الصفحة وعوامل عديدة أخرى «  . ولذلك عني الشاعر كثيرا بكيفيات تنظيم الصفحة، وواجهته مشكلة كبرى في هذا السياق، هل يقتصر على تنظيم هذه الصفحة بما يخطه بيده، أم أنه يستغل امكانات الطباعة، « ذلك أن جملة أنساقه غير اللغوية ليست بمعزل عن الدوال اللغوية ولا عن بناه التركيبية، بل إن هذه العلامات غير اللغوية في علاقتها بجماع مكونات النص التعبيرية والتركيبية كثيرا ما تجسد منـزلة STATUT الخطاب الشعري الحديث، ونكون على صلة وثيقة بالدلالة وطرق انبناء المعنى » ، وهذا يعني أن القصيدة الشعرية لم تكتف بتحديد الخصائص الصوتية والإيقاعية، بل تجاوزت ذلك إلى أن تكون جسدا كاملا يسهم في اضفاء المعاني وتحديد الدلالات الجمالية .

          ويلتقي الدارس لشعرنا القديم بطرائق لا تكاد تخرج عن أساس واحد يقسم الأبيات الشعرية على أساس تناظري هندسي تتقابل فيه الأقسام والمكونات وتتناظر، كما يمكن القول إن الموشحات والأزجال لم تخرج على هذا الأساس ـ في الجملة ـ ولا يخلو تراثنا الشعري، وبخاصة القريب منه، من نصوص شعرية ذات طبيعة صناعية كالمشجرات، وهذه النصوص لا تكشف عن أبعاد فنية وجمالية، لثبات صيغتها، ولأنها تعبر عن خاصية صناعية تجعل التخطيط سابقا للتنفيذ، ولقد تسربت بعض هذه الصيغ إلى شعر التفعيلة .

          وفي ضوء هذا فإن البيت الشعري في قصيدة الشطرين يمثل بنية مغلقة تخضع لمعايير مثالية، وتحكمه أبعاد هندسية ثابتة صارمة، إذ للبيت طول معلوم وتفعيلات محددة معروفة وقافية صارمة، أما السطر الشعري في قصيدة التفعيلة فإنه يمثل بنية مفتوحة متموجة، لا تخضع لمعايير مثالية ثابتة سابقة، وإنما تخضع لتجربة الأديب الشعورية، ومن ثم فإن طول السطر الشعري يتناغم معها، وتفعيلاته تتكرر وتختلف بحسبها .

          إن كتابة السطر الشعري ـ في قصيدة التفعيلة ـ تختلف في فضاء يميزها، ولذلك كان الجانب الأيمن من كتابته مستقراً، والجانب الأيسر متموجاً بعامة، بسبب الكتابة العربية التي تبدأ من اليمين وتنتهي باليسار، وبسبب ـ وهذا هو الجديد ـ طول الأسطر الشعرية، ولذا كان التموج يقع دائماً في الجانب الأيسر، وتختلف طبيعته وفقا لطبيعة التجربة الشعورية .

          وتتحول بداية السطر الشعري هنا إلى ارتكاز إيقاعي يضارع إلى حد ما ارتكاز القافية لأنه يملي قدرا من الرتابة والثبات في بداية الإنشاد والقراءة . ولقد فطنت نازك الملائكة إلى كيفية كتابة الأسطر الشعرية وأخضعتها لقانون عروضي، ورفضت توزيع الأسطر على أساس المعنى، ولذلك ترى أن الشعر ينبغي أن يكتب و » أن يطبع بحسب وزنه وتفعيلاته، فيقف الطابع عند نهاية الشطر العروضي . وهذا القانون يسري على الشعر في العالم كله، فحيثما وجد الشعر كان وزنه هو الذي يتحكم في كتابته . إننا لا نقف بحسب مقتضيات المعاني، وإنما يقف حيث يبيح لنا العروض « ، ولم تتجاوز نازك ذلك إلى درس لفضاء القصيدة وإنما ألزمت الشاعر بوحدة الشطر واستقلاله ـ في قصيدة التفعيلة ـ تقليدا لوحدة البيت ـ في قصيدة الشطرين ـ، إذ تقول »كان المألوف في الشعر العربي كله أن يكون البيت تاما في حدود شطريه . وكان ذلك يحفظ للبيت عزلته ويعصم القاريء من الالتباس «.

 

2

 

 

          إن كل لغة تخلق فضاءها المكاني بطريقة تتناغم مع طبيعتها، ويتجلى ذلك من تفاوت اللغات بحسب طبيعة كتابتها ونوع حروفها، فالكتابة العربية تبدأ من اليمين إلى اليسار بخلاف الكتابة الإنجليزية ـ مثلاً ـ التي تبدأ من اليسار إلى اليمين، فضلاً عن الاختلاف في حروف اللغتين، ويعمد بعض الشعراء إلى تضمين ألفاظ أو عبارات من لغات أخرى، مما يبدو أمراً غريباً في جسد القصيدة العربية، وتتبدى غرابته في القصيدة من ناحيتين : أبعاده الزمانية / الصوتية، والمكانية / الكتابية، ولقد أثار خصوم شعر التفعيلة كلاماً حول هذا التغريب، لأنه يشوه جسد القصيدة ولا يؤدي أية وظيفة معرفية أو جمالية، وقد تأثر بعض الشعراء بإليوت في تضمينه من لغات أخرى، غير أن التضمين من لغات أخرى في القصيدة العربية ليس بالضرورة عملاً جمالياً، يضفي على القصيدة سمات وخصائص ما كان لها أن تتوافر بدونها، بل قد تتحول التجربة إلى فشل في العمل الأدبي نفسه، يقول صلاح عبد الصبور :

أنتَ لما عشقت الرحيل

لم تجدْ موطنا

ياحبيب الفضاء الذي لم تجسْه قدمْ

ياعشيق البحار وخدن القممْ

يا أسير الفؤاد الملول

وغريب المنى

ياصديقي أنا

 Hypoerite lecteur

Mon Semblable , mon frere

 شاعر أنت والكون نثر ..

 

 

          إن هذا التضمين لا يعدو أن يكون تغريباً  في جسد القصيدة العربية، كما أنه لا يضفي أبعاداً جمالية ومعرفية على النص الشعري، غير أن نصاً شعرياً للشاعرة فدوى طوقان ييبعث على تأكيد أبعاد دلالية وجمالية في النص، فلقد استخدمت الشاعرة في جسد قصيدتها تراكيب من لغات أخرى، إنجليزية، وفرنسية، وعبرية، إضافة إلى عربية بلكنة أعجمية، نقول :

ـ ياعبلة ياسيدة الحزن خذي زهرة قلبي

الحمراء

صونيها أيتها العذراء

ـ الجند على بابي ويلاه !

ـ حتى الله تخلّى عني حتى الله

ـ خبيء رأسك !

خبيء صوتك !

وبنو عبس طعنوا ظهري

في ليلة غدرٍ ظلماء

 Open the Door!

 Ouvre ia porte

 افتحْ إتْ هاديليت !

افتخْ باب !

ـ وبكل لغات الأرض على بابي يتلاطم

صوت الجند

ـ ياويلي !

 

          إنَّ الشاعرة تصور جنود العدو وهم يقرعون بابها، شذاذ آفاق جاءوا من أصقاع العالم ويتكلمون» بكل لغات الأرض «، ومن أجل أن توحي الشاعرة بطبيعة هؤلاء وطبيعة أصولهم المختلفة وأعراقهم المتباينة، حكت أصواتهم ولغاتهم، إنَّ هذه العبارات المختلفة بلغاتها لها دلالة واحدة، ويمثل وجودها الزماني / الصوتي، والمكاني / الكتابي تشويهاً في جسد القصيدة، وهذا التشويه له دلالته الرمزية العميقة . إن وجود هؤلاء نشاز في الواقع وجسد القصيدة معاً، لان الواقع وجسد القصيدة يعبران طبيعياً وتلقائياً عن وجود حضاري وانساني معين، وانه سيتم تشويهه إنْ تداخلت فيه عناصر أخرى غريبة غُرست فيه قهراً، ولذا يبدو التنافر واضحاً في ما هو كائن في الواقع وفي ما هو كائن في جسد القصيدة، بمعنى أنَّ الترميز الذي تشتمل عليه القصيدة يعبر عنه عبر كلا بعديها الزماني والمكاني، وأنَّ فضاء القصيدة ـ بوصفه بعداً مكانياً للقصيدة ـ ينبيء هو الآخر عن هذا الترميز . إنَّ الأسطر الشعرية المضمنة بلغات أجنبية مختلفة تمثل شكلاً غريباً تاشزاً في جسد القصيدة، وهو ليس واحداً، ولكنه متعدد ومتباين، ولذلك فانَّّ القصيدة قد استخدمت هذا التضمين ليعبر عن هذا التباين والتعدد ولنؤكد وجوده الناشز، إنَّ القصيدة ببعديها المكاني والزماني تعبر عن ترميز يمثل معادلاً موضوعياً لما يقع في الواقع .

          واستكمالاً لهذا أود الإشارة إلى أنَّ بعض الشعراء يميل إلى استخدام مفردات أو تراكيب عامية أو يعمد إلى توظيف بعض المقاطع من أغانٍ شعبية، ولعل السياب أقدم من لجأ إلى ذلك في استخدامه كلمة» خطية « وهي كلمة عامية عراقية تدل على الإشفاق في قوله :

          ما زلت أضرب، مُترِبَ القدمين أشعث في الدروب

          تحت الشموس الأجنبية

          متخافق الأطمار، أبسط بالسؤال يداً نديّه

          صفراءَ من ذُلٍ وحُمىّ : ذلَّ شحاذٍ غريبِ

          بين العيون الأجنبية

          بين احتقار . وانتهار، وازورارٍ .. أو» خطيه «،

          والموت أهون من» خطيه « .

 

كما عمد شاعر آخر إلى توظيف مقطع من أغنية عراقية في قوله :

          كتبت‘ الشعر عن وطني، وخوص نخيله حَسرهْ

          وصرتُ أحسني سعفاً وبين عذوقه تمره

          وأهتف خلف مشحوفٍ

          ترنح في الأصيل بـــ ( خورة البصرة )

                                                هَيْ هَيْ يا بلاّم

                                                أحنه حيارى منام

                                                دور البلم من صوبي

                                                وخذني لهلي ومحبوبي

 

(3)

 

          ويمثل الامتلاء والفراغ ملمحاً أساسياً يَبده المتلقي أولاً، إذ بمقدار ما تمتد الأسطر الشعرية يتقلص الفراغ، وكأنَّ الامتلاء يلتهم بياض الصفحة، وكأنَّ الفراغ يحاصر سوادها، ولا يخلو هذا من دلالات تنبيء النصوص الشعرية عنها، وهذا يعني « أن البياض ليس فعلا بريئا أو عملا محايدا، أو فضاء مفروضا على النص من الخارج بقدر ما هو عمل واع ومظهر من مظاهر الإبداعية وسبب لوجود النص وحياته ... إن البياض لا يجد معناه وخيانة وامتداده الطبيعي الا في تعالقه مع السواد، إذ تفصح الصفحة بوصفها جسدا مرئيا عن لعبة البياض والسواد بوصفه إيقاعا بصريا ».

          ، ولقد بالغ ناقد في توصيف علاقة الشاعر بالامتلاء والفراغ إلى درجة جعل ذلك معبراً عن قلق واحد، وهو انعكاس مباشر أو غير مباشر عن الصراع الداخلي الذي يعانيه المبدع» إنَّ بنية المكان يشوبها قلق دائم تحدده رغبة في تحطيم التقاليد البصرية التي اعتادها القاريء فجعلت عينيه مركزتين على بنية مكانية تمنحه الاطمئنان وتدعم توازنه الداخلي الوهمي، أما الشاعر المعاصر فإنه يمتد بهذا التركيب اللامتناهي إلى دواخل القاريء لبحث خلخلة ويدفع بهذا الاطمئنان نحو الشك والدخول في متاهة القلق «.

          وإذا كان الناقد يؤكد تصوراً سليماً في أنَّ» البيت الشعري يسير نحو نهاية معروفة عند القاريء « فإنه يجعل السطر الشعري في قصيدة التفعلية» يرحل بالقاريء ليرمي به متاهة، وكل بيت شعري هو بداية رحلة نحو المتاه الذي ليس إلا البياض، فهو يوقف الصورة حيث أراد الشاعر، ويكسر الرحلة التقليدية التي كانت غالباً تتم وتنتهي غالباً مع القياس الزماني والمكاني للبيت ((.

          إن الفراغ لا يستقل عن مجمل البناء الكلي للقصيدة ،ذلك أنه لا يمثل وحدة مضافةللنص، أو زينة خارجية مستقلة عنه، وإنما هي جزئية جوهرية من كيانه تتفاعل مع سياقه الكلي، ومن ثم تتفاوت دلالته بحسب النصوص وسياقاتها المختلفة، ويعبر عن دلالات كامنة في الذات المبدعة لم يتمكن التشكيل اللغوي وحده من إيصالها، وبهذا يسهم الزماني والمكاني في إيصال الدلالة .

ويمكن التحدث عن :

1 ـ الفراغ الأبيض

2 ـ الفراغ المنقط

3 ـ التقطيع

 

          أما الفراغ الأبيض فان الشاعر يعمد إلى تركه بين مجموعة من الأبيات الشعرية والتي تليها ليهدف إلى دلالات قد تعني توقف المتلقي والاستعارة بالتفاوت بين ما سلف البياض وما يلحقه، وانَّ إلغاء هذا البياض أو تغيير مواقعه يعكر الدلالة التي أراد الشاعر إيصالها، ويمكن الاستشهاد لذلك بقصيدة لأدونيس كتبت بطريقتين مختلفتين، وهي في ديوانه على النحو التالي :

 

 

يجهل‘ أنْ يتكلّم هذا الكلامْ

يجهل صوت البراري ،

إنه كاهن حجري النعاسْ

إنه مثقلٌ بالغات البعيدة .

 

هو ذا يتقدّم تحن الركامْ

في مناخ الحروف الجديده

 

مانحاً شعره للرياح الكئيبه

خشناً ساحراً كالنحاس .

 

إنه لغةٌ تتمّوح بين الصواري

إنه فارس الكلمات الغريبه

          إن ادونيس في هذا النص الشعري قد ترك فراغات بيضاء واضحة، وهي ثلاثة فراغات، يقع الأول بعد السطور الأربعة الأولى، ويقع الثاني بعد سطرين شعريين، ويقع الثالث بعد سطرين آخرين .  اما الطريقة الثانية التي كتبت بها قصيدة ادونيس هذا فلقد نشرت في كتاب»البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث « للدكتور مصطفى السعدني، وقد كتبت على النحو التالي

يجهل أنْ يتكلم هذا الكلام
يجهل صوت البراري
أنه كاهن حجري النعاس
أنه مثقل باللغات البعيدة
هو ذا يتقدم تحت السركام
في مناخ الحروف الجديدة
مانحا شعره للرياح الكئيبة
خشنا ساحرا كالنعاس
أنه لغة تتموج بين الصواري
أنه فارس الكلمات الغريبة

 

          إنَّ ناشر هذا الكتاب قد أساء مرتين، مرة حين جعل الأسطر الشعرية متساوية وغير متموجة كما هي في أصل الديوان، ومرة حينما ألغى الفراغات البيضاء بين أسطر القصيدة، إضافة إلى خطأ طباعي فادح أفقد التحليل الذي عرضه مصطفى السعدني أهميته وجدواه إذ لا يتبين المتلقي ذلك إلا اذا امتلك فطنة اكتشاف الخطأ الطباعي، أو بعد العودة إلى ديوان الشاعر، ويكمن هذا الخطأ في قوله : خشناً ساحراً كالنعاس، وصوابه كالنحاس، . وأحسب أنَّ فضائي النصين مختلفان، وأود التوقف عند الفراغات البيضاء التي قسمت النص إلى عدة مقاطع:

المقطع الأول : السطور 1 ـ 4

المقطع الثاني : السطران 5 ـ 6

المقطع الثالث : السطران 7 ـ 10

فالمقطع الأول ينطوي على حديث عن الآخر، والأنا مختفية، وتحضر في المقطع الثاني الأنا مع الآخر، ثم حديث عن الآخر واختفاء الأنا، وهذه الفراغات توحي بالتمايز بين هذه المقاطع من ناحية، وتدفع المتلقي إلى التوقف بعد كل مقطع من ناحية ثانية، وللتوقف له دلالته وتأثيره على السواء .

          إن التشكيل المكاني ـ كما تبين ـ أضحى دالا يحيل إلى النفس وانفعالاتها، ويعبر عن حالات التوتر الإبداعي، ولذلك يتكيء الشاعر جودت القزويني على الفراغ المنقط في مواطن عديدة من قصائده الشعربة للتعبير عن حالات التوتر، وليضفي دلالات مصاحبة للنص الشعري، يقول :

يا أبناء الدنيا،

فار ( التنور ) ... وجاء ( الطوفان )

» نوح « وسفينته ...

موج ملتطم بالصخر

إن الفراغ المنقط يعبر عن حالة توتر الشاعر إزاء فعلي الفوران والمجيء ،إذ بينهما فسحة من الوقت تنبيء عن صمت بين مرحلتي البدء والانتهاء، هذا إذا عرفنا أن الشاعر لا يعبر في الحقيقة إلا عن طوفان ذاته :

ما كان» لنوح « طوفان يشبه ( طوفاني )

فإنا تغرقني ( ذاتي )

وقد يعبر الفراغ المنقط عن المسكوت عنه الذي يعمد المتلقي إلى استكماله بمخيلته، يقول جودت القزويني :

وأرى نوحا مبتسما

يبحر بمركبه ...

.... .... ..

... ... ...

يتوقف ذاك الطوفان

أقول له : أبت ..

أتوسل أن تتركني وحدي ...، ...، ...،

أبحث عن نفسي ...

عن سر » الله «...

... ....

... ...

... ...

ويلوح نوح بيديه ...

 

إن الفراغات المنقطة تصبح موحيات تؤثر في المتلقي، وتأخذ الدلالات في التوالد والتناسل ،لا من فراغ، وإنما تتأثر بطبيعة السياقات، فحين يقول الشاعر :

أتوسل أن تتركني وحدي ...، ...، ...،

فإن المتلقي يستكمل الحديث، ويسهم في خلق النص في ضرورة البقاء منفردا ومتوحدا، ومن ثم فإن السابق واللاحق يوحيان بالدلالات المرافقة، إن المتلقي ـ هنا ـ يشارك الشاعر في عملية الإبداع، ويمتلك حرية أكبر في التأمل والتأويل، تماما، كما يشارك في التجربة الشعورية من ناحية، ويشارك بفاعلية بملء الفراغات المنقطة المقصودة بوعي من الشاعر من ناحية ثانية .

          أما الحذف فإنَّ الشاعر يعمد إليه لتزويد المتلقي بدلالات يتم الإيحاء بها خلال فضاء القصيدة، ويعني الحذف إزالة بعض كلمة أو كلمة أو كلام، تقول فدوى طوفان :

 

مددت نحوهم يديْ

ناديت في حزني وفي نحيبي

يا أخوتي لا تقتلوا حبيبي

لا تقطعوا العنق الفتي

سألتكم بالحب، بالقربى سألتكم وبالحنان ،

يا أخوتي لا تقتلوه

لا تقتلوه

لا تقـــ.....

أن الحذف أسهم ـ هنا ـ في إيحاء دلالة سرعة تنفيذ القتل، وإن صراخ الشاعر توقف مع لحظتي الحذف / القتل» لا تقـــ ..... « بمعنى أنَّ فعل القتل قد تم فعلاً، ومن ثم تقاطع الحذف مع لحظة القتل .

          ومن أمثلة الحذف التي تشتمل على دلالات جمالية قصيدة» نهاية « لبدر شاكر السياب، إذ قالت له فتاته :» سأهواك حتى تجف الأدمع في عيني وتنهار أضلعي الواهية « إنَّ الشاعر يعمد إلى تكرار العبارة التي قالتها فتاته، ولكنه في أثناء ذلك يعمد إلى حذف بعضها، مما يغّير‘ من دلالاتها وجمالياتها، غير أنَّ هذه العبارة المكررة تأخذ في الضمور والتناقص التدريجي، وتضمر معها دلالتها الأصلية لتصل درجة النقيض، وتكتنف هذه العبارة وحالاتها المتعددة الموقف النفسي الذي يعيشه الشاعر، ويمكن تقسيم هذا إلى عدة مراحل

1 ـ» سأهواك حتى .. « نداء بعيد

تلاشت ؛ على قهقهات الزمان

بقاياه . في ظلمة .. في مكان ،

 

إنَّ الشاعر يسترجع هذه العبارة بوصفها نداء بعيداً، تكتنفه حالة الضياع والتلاشي المفعمة بالسخرية والعتمة .

2 ـ وظل الصدى في خيالي يعيد :

» سأهواك حتى سأهوى « نواح

كما أعوت في الظلام الرياح،

» سأهواك حتى .. ســ .. « ياللصدى

          ويتكيء السياب ـ هنا ـ على توظيف العبارة بوصفها صدى يتكرر، ويوظف ظاهرة الصدى التي تقتطع ـ بحسب تكررها واعادتها ـ بعضاً من العبارة، فان عبارة»سأهواك حتى سأهواك « تدل على تكرار الفعل أهوى، أي سأهواك، وأهوى غيرك أيضاً، غير أنَّ هواك سيظل قائماً ما دام الحب الثاني لما يأتي بعد . أما عبارة» سأهواك حتى .. ســ .. « فإنها تدل على ظاهرة التردد التي أوحت بها ظاهرة الصدى التي تقطّع العبارة المحكية .

3 ـ اصيخي إلى الساعة الغائبة :

» سأهواك حتى .. « بقايا رنين

تحدين دقاتها العاتيه،

تحدين حتى الغدا ،

» سأهواك « ما أكذب العاشقين !

» سأهوا .. « ـ نعم .. تصدقين .

          وينتقل بهذا السياب من حالة الصدى التي تقتطع الأجزاء إلى حوار مع فتاته، او مع عبارة فتاته، وهو حوار يتأسس على الحذف، ويصدر أحكاماً في ذلك . إن هناك تناغماً بين الحذوف المتكررة في العبارة والحالة الشعورية للشاعر، أي من الوصف إلى التردد إلى الحوار الذي يحدد فيه موقفه من فتاته بشكل نهائي .

          ومن الجدير بالذكر أنَّ ممدوح عدوان يتعامل بكيفية معينة مع الحذف، يقول :

حينما صحت بهم :

» لا تبدلوا بالحرب أخبار الحروب «

قيل لي :

» إنَّ لم تجد ماءً تيمم «

قلت :» مولاي تطلع نحوهم «

لم يتكلم

قلت :» مولاي أما قلت لنا : إن الجهاد ... «

قطع الحاجب بالسيف النداء

و» علي « صامت لا يتكلم

حمل الحاجب صوتي في إناء

و» علي « صامت لا يتكلم

ولذا أعطيت سيفي لابن ملجم

          ويشتمل هذا النص على حذف دل عليه قطع العبارة المعروفه للامام علي:» إنَّ الجهاد باب من أبواب الجنة « ولهذا الحذف المقطوع دلالته، لأنَّ سياق القصيدة ينطوي على دلالة مرافقة تتوافق فيها حالة قطع العبارة من ناحية، وقطع رقبة الشاعر الذي يكررها، من ناحية أخرى، وكأن الشاعر يعبر من خلال الحذف ـ زمانياً ومكانياً ـ عن محاكاة لحظة القطع التي أدّاها السيّاف، وهي تتناغم تماماً مع قطع العبارة نفسها .

          إنَّ الحذف ـ هنا ـ أدى دلالات فنية وجمالية، أضفت على النص دلالات مصاحبة ما كان للنص أن يعبر عنها إلا بهذه الكيفية من الحذف .

          ومن أمثلة الحذف المبكرة في قصيدة» الوصية « لبدر شاكر السياب، حيث يقول :

إقبال، يازوجتي الحبيبه

لا تعذليني ما المنايا بيدي

ولست‘، ولو نجوت‘، بالمخلّدِ .

كوني لغيلان رضى وطيبه

كوني له أباً وأماً وارحمي نحيبه

وعلميه أنْ يذيلَ الَقلبَ لليتيم والفقير

وعلميه ...

ظلمة النعاس

أهدابها تمس من عيوني الغريبة

أي أنَّ السياب لم يكمل وصيته، صحيح ان سياق النص يجعل المتلقي يستكمل هذه الوصية، بمعنى انَّ أثر الحذف الدلالي والجمالي عميق الأثر في المتلقي، وكأنه يسهم في ابداع النص ويستكمل بعض مكوناته .

          وإذا كان الحذف يعني أن الشاعر يحذف بعض كلمة أو عبارة، ليدل بذلك على معنى مصاحب إيقاعيا ومكانيا، فإن التقطيع أو التشذير » تمزيق لأوصال الكلمة أو العبارة أو الصورة، وتفكيك لوحدتها الواحدة، بحيث تبدو كل جزئية منها ذات كيان مستقل معزول عن نظيره، رغم اتصاله السياقي به «

          ويتجلى التقطيع جليا في قصيدة « الصدى والكلمات » للشاعر جودت القزويني، إذ يعمد إلى تقطيع الكلمة للإيحاء بدلالات مصاحبة تؤكد الصدى ـ ماديا ونفسيا ـ الذي يعبر عنه الشاعر، وتتبدى ملامح التوتر الدرامي القائم على جمل فعلية متلاحقة :

أمشي ...

تبحر ساقي ..

يضحك مني الظل

تتنـزى فوق جبيني أفكار العتمة

 

وتتجلى ملامح التصدية وتقطيع الكلمات كي تتناغم مع طبيعة التوتر الدرامي :

وأصرخ .. يآ .. نجمَ .. ة .. الأمسـ سِ

إني أصفِّقُ .. أُصَ .. فْ .. فِ .. ق .. و ..

تعالي فقدضاع صوتي

ويصل الأمر ذروته في حالة تتماثل فيها تشظية الكلمة مع تشظي الصدى، وتشظية العالم الداخلي للشاعر ،يقول جودت القزويني :

وعاد الصدى

الصدى .. صدا .. صدا .. دآ .. دآ ,, دآ .. آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آآآ آ آ آ آ آ آ

لقد ذبل العمر

واحترقت نجمتي في السماء !

إن تشظية الصدى ـ هنا ـ تعبير يتوافق فيه التشكيل الإيقاعي والمكاني للكلمات، حتى تتلاشى صوتيا وكتابيا، تماما، كما يتلاشى عمر الشاعر في الذبول والضمور، وتحترق نجمته ي السماء !

ومثل هذا ما كتبه سعدي يوسف عن مدينة الكوفة التي يغادرها :

لكن القرن الأول لم يعد الأول

ها نحن أولاء نغادرها

م

ش

ن

و

ق

ي

ن

على ماسورات مدافع دبابات ..

إذ يوحي تناثر الكلمة وتشظيها بتساقط المشنوقين وتتابعهم، وبتكرار فعل التشظية، تماما كما تتساقط خرزات المسبحة، كما أن هذه الكلمة تتدلى « رأسيا كحبل المشنقة تماما».